بقلم: نوزات صواش*

- خلفيات الانتخابات المبكرة
- انشقاقات اليسار وحزب تركيا الجديدة
- محاولات لتأجيل الانتخابات
- أسباب تصاعد شعبية أردوغان
- هل من بديل للإسلاميين؟

من المؤكد أن الانتخابات المبكرة التي سيتم إجراؤها يوم الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل في تركيا تأتي في أحرج الأوقات للأسباب التالية:

  • أولا- الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي اندلعت في فبراير/ شباط 2001 وأسفرت عن فقدان العملة المحلية 50% من قيمتها أمام الدولار وفقر شامل في البلاد مازال مستمرا حتى اليوم، تلا ذلك تنفيذ برنامج إنعاش اقتصادي تحت إشراف صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.
  • ثانيا- الولايات المتحدة ستقوم بعملية عسكرية في العراق للإطاحة بنظام صدام حسين، وهذا يعني ارتفاع حدة الحرارة في الحدود العراقية التركية وظهور نتائج لا ترضي تركيا التي تكبدت أضرارا فادحة في حرب الخليج بلغت 100 مليار دولار على حد قول وزير اقتصادها، إلى جانب احتمال إعلان دولة كردية مستقلة في شمال العراق، وهو ما ترفضه تركيا بكل قوة مشددة على ضرورة وحدة الأراضي العراقية.
  • ثالثا- مُنحت تركيا وضع المؤهلة للترشيح لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ قمة هلسنكي في ديسمبر/ كانون الأول 1999، إلا أنه لم يتحدد حتى الآن أي موعد لبدء المفاوضات الرسمية للانضمام، وتريد أنقرة من الاتحاد أن يحدد موعدا بنهاية هذا العام لكي تبدأ المحادثات الخاصة بعضوية تركيا، وخاصة بعد أن قام البرلمان التركي بسلسلة إصلاحات دستورية شملت إلغاء عقوبة الإعدام والاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد وتوسيع نطاق الحريات الديمقراطية بهدف اقتراب أنقرة من المعايير المطلوبة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
  • رابعا- تؤكد المؤشرات انضمام قبرص إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا يثير جدلا حادا حول القضية القبرصية مرة أخرى ويحتاج إلى دبلوماسية متواصلة ويقظة دائمة.

خلفيات الانتخابات المبكرة

بولنت أجاويد
عندما تسلم زعيم حزب اليسار الديمقراطي بولنت أجاويد (77 عاما) منصب رئيس الوزراء بعد 20 سنة منتصرا على منافسيه من الأحزاب الأخرى في انتخابات 1999، لم يكن يتخيل الصورة المأساوية التي سيؤول إليها حزبه اليوم من انشقاق وانقسام وتفتت.

فعندما انتشرت أنباء تدهور صحة أجاويد خيم على الأوساط السياسية والأسواق المالية والشعب التركي قلق كبير ينذر بأزمة سياسية حتمية في ظل أزمة اقتصادية طاحنة. ومرت الأيام لكن صحة أجاويد لم تتحسن، فبدت الحكومة التركية بتغيب رئيس الوزراء عن اجتماعات رسمية هامة عاجزة عن القيام بمهامها كاملة، في وقت تتطلب فيه الظروف الحالية حكومة قوية قادرة على مواجهة المشاكل الداخلية والخارجية.

وعندما ارتفعت نداءات من الأحزاب المعارضة تطالب أجاويد بالتنحي عن منصبه بسبب مرضه وحرصا على مصلحة البلاد من أزمة سياسية، أكد الرجل مرارا أنه لن يستقيل وأن استقالته لن تكون لصالح البلاد في الظروف الراهنة. أما أحزاب الحكومة الائتلافية من حزب العمل القومي وحزب الوطن الأم فصرحت بأن حرية التصرف عائدة إلى رئيس الوزراء في هذا الشأن.


عندما انتشرت أنباء تدهور صحة أجاويد خيم على الأوساط السياسية والأسواق المالية والشعب التركي قلق كبير ينذر بأزمة سياسية حتمية في ظل أزمة اقتصادية طاحنة
ولكن الضربة أتت من الداخل إذ ارتفعت نداءات من حزب اليسار الديمقراطي تدعو زعيمها أجاويد إلى التخلي عن منصبه لشخص آخر وفتح الطريق أمام الحركة التجديدية داخل الحزب، وهو ما اعتبره أجاويد ثورة ضده رد عليها بشدة.

وشهدت الأيام التالية سلسلة استقالات فقد الحزب فيها 70 من نوابه في البرلمان -بينهم سبعة وزراء- حتى بات الحزب الرابع بعدما كان الأول في البرلمان، وبقي في يده 58 مقعدا من أصل 128 مقعدا. لا شك أنه كان لاستقالة حسام الدين أوزغان نائب رئيس الوزراء والذراع الأيمن لأجاويد دور بالغ الأثر في انقسام الحزب حيث تلا ذلك استقالة عدد كبير من النواب الآخرين.

وبعد أيام استقال وزير الخارجية إسماعيل جيم أحد قادة الحزب البارزين والسياسي المعروف عالميا. ولم تمض عدة ساعات حتى أعلن كمال درويش وزير الشؤون الاقتصادية ن استقالته من الحكومة والتحاقه بحسام الدين أوزغان وإسماعيل جيم. يذكر أن درويش كان نائب رئيس البنك العالمي في أميركا، فتم استدعاؤه من قبل أجاويد لإنقاذ الاقتصاد التركي من أزمته القاسية وتم تعيينه وزيرا للشؤون الاقتصادية لقيادة المشروع الإصلاحي بالمشاركة مع صندوق النقد الدولي.

وجد المواطن التركي نفسه أمام أزمتين: أزمة اقتصادية وأخرى سياسية. وانعكست آثار الأزمة السياسية على الأسواق المالية سلبا حيث أدت إلى تزايد انخفاض قيمة الليرة التركية أمام الدولار وارتفاع الفوائد وانخفاض البورصة بشكل ملحوظ. وبعد أسابيع فقدت الحكومة الأغلبية في البرلمان مما هدد بانهيارها تماما.

أزمة الإصلاح الدستوري
في هذه الأثناء كانت أحزاب الحكومة الائتلافية تعيش نزاعات بخصوص مجموعة من الإصلاحات الدستورية التي طلبها الاتحاد الأوروبي من تركيا كشروط أساسية لبدء محادثات العضوية، وأهمها إلغاء عقوبة الإعدام، ومنح حقوق التعليم والبث الإذاعي والتلفزيوني باللغات المحلية، وتوسيع نطاق الحريات الديمقراطية.

غير أن حزب العمل القومي -أحد أحزاب الائتلاف- عارض بشدة بعض هذه الإصلاحات وبالأخص تلك التي تتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام والذي يعني إنقاذ زعيم الأكراد المعتقل عبد الله أوجلان من الموت، خاصة أن الحزب جعل من مسألة إعدام أوجلان محورا لحملته الانتخابية عام 1999. وقال زعيم الحزب دولت بهجلي إنه لا يمكن أن يتنازل فيما يتعلق باستخدام اللغة الكردية في البث الإذاعي.

ويخشى القوميون الأتراك أن تفجر هذه الإصلاحات حركة تمرد عنيفة في جنوب شرق البلاد الذي تسكنه أغلبية كردية ويشن فيه حزب العمال الكردستاني حملة من أجل الاستقلال منذ عام 1984 راح ضحيتها 30 ألفا.

وانتهى الخلاف بعد أن فقدت الحكومة أغلبيتها في البرلمان إلى دعوة زعيم حزب الحركة القومية إلى انتخابات مبكرة يتم إجراؤها في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. ولم يحبذ أجاويد هذه الانتخابات قائلا إن من شأنها القضاء على برنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي تنفذه حكومته برعاية صندوق النقد الدولي، وتأخير إجراء الإصلاحات التي اشترطها الاتحاد الأوروبي لمناقشة انضمام أنقرة إلى عضويته، كما يمكّن الإسلاميين من الوصول إلى السلطة من جديد. غير أن البرلمان أقر بأغلبية ساحقة إجراء الانتخابات يوم الثالث من الشهر المقبل.

انشقاقات اليسار وحزب تركيا الجديدة

هنا لابد من التعرض إلى المجموعة التي انفصلت عن حزب اليسار الديمقراطي حيث شكل وزير الخارجية السابق إسماعيل جيم مع رفيقيه حسام الدين أوزغان وكمال درويش و59 نائبا، حزبا أسموه "تركيا الجديدة". وقال جيم إنه سيكون ذا توجه اشتراكي ديمقراطي مقرب من أوروبا والغرب يهدف إلى تسريع عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ويتمتع بوجهة نظر عصرية ومتجددة.

كمال درويش
نالت الحركة الجديدة إعجابا كبيرا في الأوساط اليسارية بالخصوص، وتوقع بعض الناس أن يحرز الحزب نجاحا باهرا في الانتخابات في مواجهة الإسلاميين ويوحد الأصوات اليسارية وينفرد بالسلطة. غير أنه حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد فوجئ جيم ورفاقه بكمال درويش يحاول توحيد صفوف اليسار التركي ثم شاهدوا فشله وتخليه عن حزب تركيا الجديدة والتحاقه بحزب الشعب الجمهوري الذي يتزعمه دينس بايكال.

درويش بالنسبة لحزب تركيا الجديدة كان يمثل الفكرة الاقتصادية الحرة والمتطورة، كما كان يرمز إلى التجدد في الحركة والانفتاح على الغرب بحكم شهرته المعروفة. وبانسحابه أصيب أعضاء الحزب بإحباط كبير، وتلاشت الآمال في توحيد صفوف وسط اليسار لخوض الانتخابات التشريعية، وفقد الحزب جاذبيته وشعبيته، وأصبح -بعدما كان يتوقع أن يحصل على الحظ الأوفر من أصوات اليسار- يخشى السقوط تحت الحد المطلوب لدخول البرلمان وهو نسبة 10%.

محاولات لتأجيل الانتخابات

لم يكن حزب تركيا الجديدة وحيدا في مخاوفه تلك، فهناك أحزاب أخرى تخشى أن تبقى تحت حاجز الـ10% فلا تدخل البرلمان، منها حزب الوطن الأم بزعامة مسعود يلماظ، وحزب السعادة الإسلامي الذي يتزعمه رجائي قوطان. لقد أظهرت استطلاعات الرأي أن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان عمدة إسطنبول السابق سيحصل على 30% من الأصوات، يليه حزب الشعب الجمهوري بزعامة دينس بايكال، ثم حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر.

ومن ثم بدأ كل من حزب تركيا الجديدة وحزب الوطن الأم -عضو الائتلاف الحاكم- وحزب السعادة الإسلامي بالسعي لاستدعاء البرلمان من إجازته الصيفية حتى يتسنى الحصول على تأييد 110 نواب من أجل اقتراح خفض النسبة اللازمة لدخول البرلمان إلى 5% بدلا من النسبة الحالية التي تبلغ 10%. والتحق بهم بعض النواب الذين خافوا من فقدان مقاعدهم النيابية أو غضبوا من قيادات أحزابهم التي لم تعتمد ترشيحاتهم للانتخابات المقبلة.


أحزاب تركيا الجديدة والوطن الأم والسعادة الإسلامي سعت لاقتراح خفض النسبة اللازمة لدخول البرلمان إلى 5% بدلا من النسبة الحالية البالغة 10%
غير أنه في اليوم الأول من أكتوبر/ تشرين الأول أثناء افتتاح الدورة الجديدة للمجلس، صوت نواب البرلمان التركي لصالح قرار تعطيل جلسات البرلمان لحين الفراغ من الانتخابات التشريعية المبكرة، مما قوض جهود الساعين إلى تأجيل الانتخابات.

استطلاعات الرأي تشير إلى أن الأحزاب التي تشكل الحكومة الحالية لن تتمكن من دخول البرلمان، فأجاويد فقد شعبيته بسبب تدهور حالته الصحية والاستقالات التي جرت داخل الحزب. وحزب الوطن الأم بزعامة يلماظ فقد الروح التي حققت إنجازات كبيرة في الثمانينات على يد مؤسس الحزب ورئيس الجمهورية الأسبق تورغوت أوزال، وبات أقرب إلى الأحزاب اليسارية بعدما كان سابقا يحتضن جميع شرائح المجتمع وبخاصة المتدينين.

أما حزب العمل القومي فقد فشل في تحقيق وعوده إذ وعد بحل مشكلة الحجاب في الجامعات مما جعله يكسب أصوات المتدينين، إلا أن أزمة الحجاب تفاقمت في عهده وتوسع نطاق الحظر حتى شمل كليات الإلهيات وثانويات الأئمة والخطباء، الأمر الذي دفع الملتزمين إلى التخلي عن الحزب القومي إلى حزب العدالة والتنمية، كما وعد بإعدام زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان ولم ينجح في ذلك. هذا بالإضافة إلى أن الشارع التركي يرى أن الأحزاب الثلاثة (حزب اليسار الديمقراطي ومعه حزب تركيا الجديدة المنشق عنه، والوطن الأم، والعمل القومي) هي السبب في الأزمة الاقتصادية التي أفقرت البلاد وزادت من نسبة التضخم والبطالة والجوع.

أسباب تصاعد شعبية أردوغان

رجب طيب أردوغان
تشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب العدالة والتنمية سيحصل 30% أو يزيد من الأصوات، وهذا يعني أكثر من 250 مقعدا في البرلمان وأغلبية تؤهله للانفراد بالسلطة.

يذكر أن حزب الفضيلة الذي كان يمثل الإسلام السياسي في تركيا تمخض عن حزبان مستقلان، الأول حزب السعادة برئاسة رجائي قوطان ويعتبر امتدادا لرئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، ويمثل التيار المحافظ. وتشير الاستفتاءات إلى عدم قدرة السعادة على الحصول على نسبة 10% إلا إذا تحالف مع حزب آخر. والثاني حزب العدالة والتنمية الذي بزعامة أردوغان ويمثل الجناح الأكثر شبابا واعتدالا. ويمكننا تلخيص أسباب شعبية الرجل كالآتي:

  • أولا- النجاح الكبير الذي حققه سابقا حينما كان عمدة إسطنبول مما جعل الشعب يحبه ويثق به.
  • ثانيا- انحيازه الدائم في مختلف خطاباته وتحركاته للطبقة الوسطى التي تأثرت من الأزمة الاقتصادية بشكل كبير.
  • ثالثا- استفادته من الأخطاء التي وقع فيها حزب الرفاه الإسلامي وبعض أعضائه من مناهضة المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها النظام الجمهوري واستخدام المقولات الإسلامية لكسب ود الشعب. فالطبقة المتدينة في تركيا لا تؤيد مثل هذه المقولات المتشددة بعد تجربة أربكان التي أدت إلى تضييق الخناق حول الحركات الإسلامية.
    ويؤكد أردوغان منذ تشكيله لحزب العدالة والتنمية أنه أحدث تغييرا جذريا في أفكاره وسلوكه وأن حزبه ليس حزبا إسلاميا، مشددا على احترامه لعلمانية الدولة وترحيبه بمساعي تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي بشرط ألا تتعارض مع المصالح الوطنية، والعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، وترقية الاقتصاد التركي الحر. كما أكد في برنامج حزبه أنه سيدافع عن ضرورة توسيع حرية التعبير الديمقراطي، ومنح الحرية في اللباس للمتحجبات وغيرهن، مع الحرص على عدم استغلال القيم الدينية لأغراض سياسية.

  • تشير استطلاعات الرأي أن حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان سيحصل على 30% أو يزيد من الأصوات، وهذا يعني أكثر من 250 مقعدا في البرلمان وأغلبية تؤهله للانفراد بالسلطة
    رابعا-
    رغم كاريزماتية أردوغان فهو يؤكد أن حركته لا تقوم على سيادة رجل واحد والتعصب إليه حتى النهاية، والأصل هو استمرار الفكرة دون ارتباط بالأشخاص. هذا الموقف ساعد على كسب ود الشعب وثقته، خاصة بعدما أصدرت لجنة الانتخابات التركية العليا قرارا بعدم أهلية أردوغان لخوض الانتخابات المبكرة هو وأربكان. فقد سعى حزب السعادة مع حزبين آخرين إلى تأجيل الانتخابات حتى يتنسى للبرلمان القيام ببعض الإصلاحات في الدستور لكي تزول العوائق التي تمنع أربكان من دخوله البرلمان ومن ثم قيادته لحزب السعادة، غير أن أردوغان لم يؤيد هذه الحركة مع العلم بأنه كان بإمكانها أن تثمر نتائج إيجابية بالنسبة لدخوله البرلمان لو أيدها هو ورفاقه.
  • خامسا- يرى مراقبون أن صعود شعبية حزب العدالة والتنمية يعود إلى انهيار وسط اليمين في تركيا، فإذا تمكن أحد قادة اليمين من توحيد صفوفه فذلك يؤدي إلى عودة الأصوات التي ذهبت إلى حزب العدالة والتنمية. غير أن الحزب يؤكد دائما أنه لا ينتمي إلى فئة معينة من الشعب، وأن أبوابه مفتوحة لكل الأفكار اليمينية واليسارية. وقد ينجح أردوغان في توحيد صفوف وسط اليمين تحت مظلته مما يتيح له شعبية لم يحصل عليها زعيم من قبل.

يضاف إلى ما سبق أن الشعور السائد بالنقمة من جراء استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع السياسية والأحوال الاجتماعية لدى الشعب التركي، فضلا عما تتعرض له الأحزاب الدينية في تركيا من اضطهاد، سوف يفسح المجال أمام حزب العدالة والتنمية للفوز في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي من شأنه أن يطرح تساؤلات عدة حول إمكان وصول الإسلاميين مرة أخرى إلى السلطة في تركيا، وتداعيات ذلك على الساحة السياسية التركية، خاصة أنها شهدت العديد من المواجهات بين الأحزاب الإسلامية وقيادات الجيش الذين يهيمنون على عملية صنع القرار داخل تركيا. ففي عام 2001 تم حظر "حزب الفضيلة" على إثر قرار أصدرته المحكمة الدستورية العليا بعد اتهامه بأنه يسعى إلى تقويض العلمانية التركية، وأنه يخرج من تحت عباءة حزب الرفاه الإسلامي المنحل في بداية عام 1998.

هل من بديل للإسلاميين؟

يجمع المراقبون في تركيا على أن البديل الوحيد للتغلب على الإسلاميين -والذي تؤكده استطلاعات الرأي- في الانتخابات التشريعية المقبلة يتمثل في تشكيل جبهة يسارية موحدة تضم حزب الشعب الجمهوري وحزب تركيا الجديدة وما تبقى من حزب اليسار الديمقراطي بزعامة أجاويد فضلا عن حزب تركيا الديمقراطية.

هناك تساؤلات عديدة بعد الحظر الذي فرض على أردوغان، أهمها: كيف يكون رد فعل الشارع التركي نحو حزب العدالة والتنمية بدون أردوغان؟ استطلاعات الرأي تشير إلى أن حظر مشاركة أردوغان لن يؤثر كثيرا على فرص الإسلاميين في الانتخابات المقبلة في ظل البرنامج الذي يطرحه حزبه، وهو برنامج حزبي متكامل لا يرتبط باسم زعيمه رغم ما يتمتع به من شخصية ملهمة تؤهله لأن يحظى بثقة الناخبين.

كما أن لأردوغان نائبا على درجة عالية من الكفاءة هو عبد الله جول الذي كان يقود التيار المعتدل داخل حزب الفضيلة قبل انشقاقه، وقد ساهم في تأسيس حزب العدالة والتنمية، وهو مؤهل لأن يقود الحكومة التركية إذا فاز الحزب بالأغلبية في الانتخابات المقبلة، فضلا عن أن قرار لجنة الانتخابات العليا يمنع أردوغان من تولي رئاسة الوزراء ولا يمنعه من تولي حقيبة وزارية.

على كل حال القضية ليست سهلة وتحتاج إلى تأمل عميق وحلول مرضية من قادة الحزب، خاصة أن شخصية أردوغان مهمة بالنسبة للشعب وأن الحزب لا يحتمل نزاعات داخلية على السلطة، ومن ثم فمن المؤكد أن الأيام المقبلة ستكون فترة امتحان صعبة بالنسبة لأردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية.

مهما كانت النتيجة ومهما كان الفائز في انتخابات الشهر المقبل، فالأمر الذي لا شك فيه أن الحكومة الجديدة ستجد نفسها في صباح الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني أمام مشاكل كبيرة تحتاج إلى يد قوية وعقل بصير وعين بعيدة النظر. وأهم هذه المشاكل الضربة العراقية التي باتت حتمية، ومواجهة خطر تشكيل دولة كردية في شمال العراق، وآثار هذه وتلك على الأزمة الاقتصادية وبرنامج صندوق النقد الدولي، ومحادثات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، والمشكلة القبرصية، ومراعاة الموازين الداخلية والخارجية في إدارة البلاد دونما اصطدام بمصادر القوة، وما إلى ذلك من مشاكل جسيمة. إذن لا شك أن الفائز في الانتخابات المقبلة سوف يحمل على عاتقه عبئا ثقيلا ويلبس ثوبا من نار.
______________
* كاتب وصحفي تركي

المصدر : غير معروف