بقلم/غراهام فولر

لا تبدو أوضاع الاحتلال الأميركي -إلى الآن- منذرة بخير سواء بالنسبة للعراق أو للولايات المتحدة. وهناك خياران لمستقبل العراق: إما احتلال طويل الأمد، أو إنهاء سريع للاحتلال.


من المؤكد أن أكثر العراقيين يريدون إنهاء الاحتلال لكن من المرجح أن غالبيتهم يسلم بامتلاك أميركا الفرصة لإعادة الإعمار قبل مغادرته العراق
وبالنظر إلى سيناريو بقاء الاحتلال الأميركي لمدة طويلة، هناك أشياء كثيرة يجب أن تنجز لصيانة البنية التحتية العراقية وتحديثها مثل الطرق والكهرباء والصناعة والاتصالات وقطاع الاقتصاد الخاص وغيرها، والأهم من ذلك كله تأسيس بناء ديمقراطي في العراق.

بات للعراقيين بسقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين خيارات عديدة فيما يتعلق بمستقبلهم أكثر من أي وقت مضى في تاريخ العراق.

فلأول مرة سيكون باستطاعة العراقيين اختيار شكل الحكومة التي يفضلون والسياسات التي يريدون لحكامهم الجدد أن يتبعوها، لكن هذا الأمر يتطلب وقتا، بل الأكثر من ذلك أنه يتطلب خبرات سياسية، لكن النظام الاستبدادي السابق قد منع العراقيين من الحصول على خبرة كافية بالعملية الانتخابية والتقاليد السياسية البرلمانية.

ولا يكفي القول إن المسألة تتعلق فقط بتأسيس ثلاثة أحزاب تتألف من حزب عربي سني وآخر عربي شيعي وثالث كردي.

فالأحزاب المؤسسة على قاعدة طائفية أو عرقية لا تشكل وضعا صحيا للحياة السياسية، إذ لن تفتأ تلك الأحزاب تؤكد الاختلافات العرقية والطائفية إلى درجة يصبح فيها من الصعب الوصول إلى تسويات فيما بينها.

إن العراقيين بحاجة إلى نظام فدرالي يوازن بين مصالح المجموعات الرئيسية الثلاث، لكنه يجب ألا تكون حدود الولاية الفدرالية محددة دينيا أو إثنيا.

من حيث المبدأ يوجد في المجتمعات الديمقراطية تقسيمات أخرى بين السكان يجب الاعتراف بها، فبعض الناس يفضلون حكومة اشتراكية وآخرون يؤيدون نظاما اقتصاديا أكثر حرية وبعضهم ذوو اتجاهات إسلامية، وهناك من يؤيد فصل الدين عن السياسة.

فالأحزاب التي تتأسس على قاعدة أيدولوجية ينتج عنها اتجاهات محافظة وأخرى ليبرالية وثالثة دينية وكلها تتقاطع مع الطائفية والإثنية، ويفسح المجال للتعاون بين مختلف المجموعات الدينية والعرقية.


لم تعد هناك فرصة للإعمار، فالاحتلال يواجه اليوم عصيانا متناميا يعادي كل المساعدات الأجنبية للعراق
كل هذه المتطلبات تستدعي إعداد الدستور بحذر، وبالطبع فإن وضع دستور للعراق مسألة صعبة بسبب كثرة الاختلافات الدينية والعرقية التي توجد فيه أكثر من أي بلد عربي آخر.

على الدستور العراقي أن يمثل ويحفظ كل أطياف ومكونات المجتمع العراقي، فوضع الدستور يتطلب وقتا ومشاورات بين الشعب، وقبل ذلك كله يحتاج إلى سلام وهدوء وأمن وحتى الآن لا يوجد ذلك السلام والأمن.

وسيكون من الصعب إعادة إعمار العراق وتحديث النظام السياسي من غير الوجود الأميركي. ومن المؤكد أن أكثر العراقيين يريدون إنهاء الاحتلال، لكن من المرجح أن غالبيتهم يسلم بامتلاك أميركا الفرصة لبناء تلك المؤسسات الجديدة قبل مغادرتها للعراق. وفي غياب الأميركيين من الممكن أن تدفع المليشيات الدينية العراق إلى حرب أهلية.

وبعبارة أخرى فإن العراق يحتاج إلى بقاء القوات والخبراء الأميركيين -على الأقل- لسنة أو اثنتين تتم خلالها إعادة بناء المؤسسات الأساسية للنظام العراقي الجديد قبل مغادرة القوات الأميركية والخبراء، وتلك هي فوائد الاحتلال الطويل الأمد.

بالطبع هناك أيضا مساوئ سياسية ونفسية واضحة لأي احتلال طويل الأمد. فأي شعب تلحق به هزيمة عسكرية ويقع تحت الاحتلال الأجنبي يشعر بالعار والمذلة. وفي العراق لم تحسن الولايات المتحدة حتى الآن استغلال احتلالها بل هي تتجاهل الناس وتركز بشكل أكبر على العمليات العسكرية.

وبات من الراجح حتى الآن أن المقاتلين العراقيين لا يمثلون وجهات نظر أغلب الشيعة والأكراد، بل حتى السنة من المحتمل أن يكونوا قلقين من تنامي العنف في المجتمع العراقي.

ورغم احتمال تأييد أقلية ضئيلة من العراقيين لعمليات المقاتلين فإن التاريخ يكشف دائما أن الأقلية هي التي تقود الأغلبية الصامتة. وما دام المقاتلون ينادون بتحرير العراق من الاحتلال فإن عددا قليلا فقط يمكن أن يعارضهم حتى لو خاف الناس من الفوضى والعنف اللذين يكونان نتيجة عمليات المقاتلين.

لكن ربما لم تعد هناك أي فرصة لاحتلال أميركي طويل الأمد ليعيد إعمار العراق ويطور ويحدث مؤسسات سياسية جديدة. فالقوات الأميركية تواجه اليوم حركة عصيان متنامية تهيأت لمعاداة كل المساعدات الأجنبية للعراق.

فأهداف العمليات لم تقتصر على القوات الأميركية بل لحقت بمكاتب الصليب الأحمر الدولي وهيئة الأمم المتحدة وأي وجود لأي دولة أجنبية يهدف لمساعدة المجتمع العراقي، كما أنهم على ما يبدو يعادون كل القوات الأجنبية.


الوجود الأميركي يقود إلى العنف والفوضى ولكن قد يستمر الصراع الداخلي ويصبح التقدم نحو الديمقراطية مستحيلا
أرجح من وجهة نظري أن الفوضى والعنف الراهن سيستمر بل وسيزداد سوءا، فقوة المقاتلين تزداد، ومن المحتمل أن تقنع عملياتهم واشنطن -خاصة في ظل اقتراب السنة الانتخابية في أميركا- بأن ترحل أغلب قواتها في وقت مبكر أكثر مما هو متوقع، ونقل السلطة بشكل متسرع إلى بعض الفصائل العراقية دون أي تهيئة دستورية تحتاجها عملية نقل السلطة.

إن تمكن المقاتلين من الضغط على الولايات المتحدة لتنسحب سريعا من العراق قد يعد نجاحا، ولكن هل هو في الحقيقة كذلك؟

ففي حال عدم وجود دستور وحكومة شرعيين، وفي حال تحول العنف إلى وسيلة لتولي السلطة في العراق لن تتحقق مصالح العراقيين فيصبح المشهد عبارة عن استمرار صراع داخلي لسنوات ويصبح التقدم الحقيقي نحو الديمقراطية مستحيلا تقريبا، وستتردد القوات الأجنبية والمجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية في تقديم مساعدتها للعراق إذا كان في حالة من الفوضى والضبابية.

وربما ينال العراقيون حريتهم الكاملة من الاحتلال والتي تعتبر مطلبا طبيعيا، لكن الظروف داخل العراق من الممكن أن تدمر خياراتهم المستقبلية. وليس من المستبعد أن يتمكن أي زعيم عسكري مرة أخرى من حكم البلاد وستكون هذه نتيجة محبطة للشعب العراقي.

وبالنظر لما ذكر سابقا يلوح التشاؤم فيما يتعلق بمستقبل العراق والرغبة في إنهاء الاحتلال بأسرع وقت ممكن على ألا يزول ليترك البلاد تعيش في اضطراب وفوضى، كما أن الوجود الأميركي يقود في الحقيقة إلى العنف والفوضى ومن الممكن ألا يزولا حتى بعد مغادرة الأميركيين.

سيكون الوضع مأساويا إذا فقد العراقيون الفرصة لتقرير مستقبل بلادهم، ومن الممكن أن تصبح حركة المقاتلين رمزا للمستقبل لأن الوجود الأميركي قد ينتهي بسرعة أكثر مما يتوقعها الناس.

ولعل أي انسحاب أميركي يعتبر نصرا للمقاتلين، ولكن هل سيكون مفيدا لمستقبل العراق؟ وإلى أي حد سيكون سهلا على الشعب العراقي أن يسترد سيطرته على الحكومة في حال نصر حققه العنف والقوى المتشددة؟ إن الخيارات لا تبدو جيدة.
ــــــــــــــــــ
* كاتب أميركي

المصدر : غير معروف