محمد جميل بن منصور*

لا تنتطح عنزتان في أن الدورة العشرين لوزراء خارجية الاتحاد المغاربي التي انعقدت في الأسبوع الأول من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري قد فشلت في تحقيق الأهداف المعلنة لها من وضع عربة الاتحاد على سكة التحرك وتحديد موعد قمة زعماء الدول المغاربية لتقدم دليلا قطعيا على أن شيئا لم يحدث وأن الاتحاد لم يتحرك من مكان سقوطه.. وأغرب ما في الأمر هو ربط انعقاد القمة المغاربية بجولة جيمس بيكر في المنطقة والتي سيجري أثناءها مشاورات بشأن الملف الصحراوي. ويحمل الاهتمام بهذا الملف دليلا واضحا على أن اتفاق الدولتين الكبريين في المنطقة "الجزائر والمغرب" شرط صحة لإقلاع مركب الاتحاد المغاربي كما كان خلافهما سببا في تمزق شراع المركب وجمود حركته على سطح بحر العلاقات العميق المضطرب.

وكانت اجتماعات الجزائر محاولة -فيما بدا- لإنعاش الاتحاد الذي دخل حسب تعبير البعض مرحلة الموت السريري منذ فترة قاربت ثلثي عمر المؤسسة. وكالعادة انقسم المهتمون بهذه المؤسسة المغاربية إلى تيارين:

  • تيار غالب يرى أن اجتماع الجزائر سحابة صيف لن تصمد أمام النزاع الحاد بين الجارين الأكبر الجزائر والمغرب وأمام الاهتمامات القطرية المتزايدة والتأثيرات الخارجية على كل دولة.
  • وتيار محدود يرى الأمل كلما انعقد اجتماع أو التأم لقاء.


في ظل الحساسيات السياسية وفي غياب اتحاد الرؤية الأيدولوجية الثقافية للنخب الحاكمة في الاتحاد المغاربي يبقى التكامل الاقتصادي القائم على تبادل المنافع والخدمات هو البوابة المقبولة التي يصعب التحفظ عليها وبالأحرى رفضها
لقد نشأ الاتحاد المغاربي استجابة لطموح شعبي بلا شك ترجمته شعوب الدول الخمس بالمطالبة ابتداء أو الفرح والترحاب بالفكرة انتهاء، ولأجواء التكتلات والتجمعات التي سادت المنطقة العربية بل والعالم. ولأن العرب في هذا الزمان على الأقل لا يحسنون فقه التراكم ومنهج التدرج، أراد قادة دول المغرب العربي اتحادا على كافة أو أهم المستويات ولم يدركوا -أو أدركوا وأنكروا- أن لكل واحد منهم همومه وأولوياته وطموحه وربما هدفه المخصوص من الاتحاد الجديد. وما إن بدأت محاولات الاتحاد للانطلاق حتى اصطدم بجدار صلب يصعب عليه تجاوزه.

وكانت أهم المعوقات والمشاكل التي شكلت عقد بداية لازمت الطموح المغاربي منذ نشأته هي:

  • الخلاف الجزائري المغربي
    الخلاف الجزائري المغربي الحاد في المسألة الصحراوية ورغم أن مسألة الصحراء تشمل دولا أخرى في الاتحاد مثل موريتانيا، فإن الحرص المغربي على ضمها كاملة باعتبارها جزءا من تراب الوطن والموقف الجزائري التقليدي الرافض لذلك والحريص على استمرار الأزمة للجار الأكثر استقرارا، حصر المسألة في الجزائر والرباط تقريبا. وكان واضحا منذ البداية أن المملكة المغربية التي استضافت قمة الإعلان عن الاتحاد المغربي في مراكش عام 1989 تريد أن تساعد المؤسسة الوحدوية الجديدة والتقارب من خلالها مع الجار الأصعب في حل أزمة الصحراء خصوصا بعد السكوت الدولي أو شبهه.
    أما الجزائر فرغم تراجع ألقها الثوري ودعمها لحركات الرفض في العالم ورغم انشغالها بذاتها والذي تعزز في عقد التسعينات نتيجة الأزمة الطاحنة التي ضربت البلاد بعد إلغاء الانتخابات النيابية المشهورة، فإنها ترى في نزاع الصحراء هماً وطنيا لا تستطيع السكوت عنه ولو خففت في شأنه، كما يتمسك الجيش الجزائري لأسباب يراها إستراتيجية بالموقف شبه ثابت ضد الإرادة المغربية في الصحراء. ويجد الموقف الجزائري هذا بعض التأييد الخارجي خصوصا من الجارة الأوروبية المزعجة للمغرب المملكة الإسبانية.
    وهكذا تحول الاتحاد المغاربي أمام استعصاء هذه المشكلة إلى دائرة استقطاب للطرفين الأقوى فيه المغرب والجزائر.
  • الهموم السياسية القطرية
    رغم وجود مصالح كثيرة مشتركة بين دول الاتحاد، ورغم وجود مشجعات لتكامل اقتصادي ناجح تدعمه قاعدة ثقافية واجتماعية ليست بالضعيفة، ورغم حاجة شعوب المنطقة إلى التلاقي وتبادل الهموم والمنافع، ورغم وجود تجارب وحدوية ناجحة خصوصا اقتصاديا في المحيط القريب من المنطقة المغاربية (الاتحاد الأوروبي)، فإن الهم السياسي أفسد جو الاتحاد المغاربي منذ البداية.
    صحيح أنه ليس عيبا أن يحاول القادة المغاربة تحقيق وحدة سياسية، وليس نقصا في الرؤية أن يسعوا لحل المشاكل السياسية العالقة، ولكن العيب والنقص والخطأ أن يحول ذلك دون تحقيق أمور أخرى هي أسهل تناولا وأكثر تهيئة للاتفاق حولها. وفي الظن أن المسائل السياسية يمكن حلها بين عشية وأخرى.
  • التعامل مع الظاهرة الإسلامية

    استحوذت العلاقات المغربية الجزائرية على اهتمام متابعي اجتماع الجزائر، ولم تفلح خطابات وزراء الدول الأخرى في تحويل الاهتمام عن تصريحات الجارتين الكبريين في المنطقة
    بينما اتخذت تونس منهجا إقصائيا وقمعيا تجاه الاتجاه الإسلامي وأصبحت تبشر به في الدائرة المغاربية وخارجها وأخذت على الجزائر اعترافها بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، فإن الجزائر اتخذت موقفا مغايرا في البداية قام على النظرية الاستيعابية. إلا أن انتخابات بدايات التسعينات التي جاءت بجبهة الإنقاذ إلى البلديات وكادت توفر لها أغلبية كبيرة في البرلمان غيّر قناعة جنرالات الجزائر الذين فرضوا خيارهم وأقصوا الجبهة التي عبرت بدورها عن موقف سياسي متوتر يقوم على الكل أو اللاشيء. واستقر الأمر في الجزائر بعد تطورات الأزمة الدموية التي شهدتها البلاد منذ إلغاء نتائج النيابيات إلى استيعاب بعض التيارات الإسلامية التي توصف بالاعتدال مثل "حمس" و"الإصلاح الوطني" مع وضع حدود وضوابط لا يسمح بتجاوزها، في حين استقر الأمر على تهميش جبهة الإنقاذ واعتقال زعمائها.

    وتتميز المغرب في المنطقة بتعامل خاص مع التيار الإسلامي حيث تستوعب أحد أهم فصائله "التوحيد والإصلاح" والحزب القريب منها "العدالة والتنمية" وتتسامح مع الفصيل الآخر "العدل والإحسان". أما موريتانيا فاستمعت للنصيحة التونسية رافضة التشربع الرسمي لإسلامييها ولم تفتح جبهات معهم هي في غنى عنها ويشغلها عنهم غيرهم من المعارضين. أما في ليبيا فتستمر القطيعة والمواجهة بين النظام وأغلب الحركات الإسلامية.

هذه الأمور وغيرها من الملفات السياسية الحادة أربكت الاتحاد المغاربي من البداية وحدّت من تقدم لجانه وهيئاته وتوصل قممه ومجالسه الوزارية إلى اتفاقات ملموسة بضمانات واضحة للتنفيذ.

المدخل المناسب أصلا للتكامل المغاربي كان اقتصاديا ففي ظل هذه الحساسيات السياسية وفي غياب اتحاد الرؤية الأيدولوجية الثقافية للنخب الحاكمة، يبقى التكامل الاقتصادي القائم على تبادل المنافع والخدمات هو البوابة المقبولة التي يصعب التحفظ عليها وبالأحرى رفضها. وحتى الدولتان الأكثر عداء في الفضاء المغاربي وهما الجزائر والمغرب تتبادلان المنافع اضطرارا، فمنذ عام 1989 تزود الجزائر المغرب بنحو 12% من احتياجاتها من الكهرباء كما تزوده بكميات من الغاز كان آخرها ما وقع حينما تعرضت شاحنات مغربية محملة بالغاز للغرق والتلف في الفيضانات الأخيرة في المحمدية.

والمنطقة المغاربية تحمل عناصر التكامل الفريدة ففي المغرب والجزائر الطاقة السكانية المطلوبة، وتوفر ليبيا والجزائر وموريتانيا امتدادا جغرافيا واسعا، وتملك موريتانيا ثم المغرب شواطئ غنية، وتتميز تونس بوجود كادر مؤهل، والفلاحة بضاعة تونسية ومغربية معروفة، والنفط متوافر في الجزائر وليبيا، والحديد الخام موريتاني كما أن الفوسفات موجود في المغرب والصحراء الغربية وموريتانيا.

من مراكش 1989 إلى جزائر 2003
بعد قمة مراكش التأسيسية عام 1989 وما صاحبها وأعقبها من ارتياح وترحيب شعبي ورسمي، برزت آمال كبيرة في كيان مغاربي موحد ما لبثت أن تحطمت أمام الخلافات وتقديم الشأن السياسي على التكامل الاقتصادي. ورغم المحاولات المتكررة لإحياء الاتحاد وضخ دماء جديدة فيه فإن الأمر لم يتعد فتح مقرات الهيئات المغاربية في بعض العواصم واجتماعات هنا وهناك وقمم تفشل قبل أن تنعقد ونادرا ما يجتمع الزعماء الخمسة.

وجاء اجتماع الجزائر الأخير محاولة لإحياء الاتحاد وبمبادرة جزائرية يباشرها عبد العزيز بلخادم أحد الوجوه الوطنية في بلد المليون ونصف المليون شهيد. وكالعادة استحوذت العلاقات المغربية الجزائرية على اهتمام متابعي الاجتماع ولم تفلح خطابات وزراء الدول الأخرى في تحويل الاهتمام عن تصريحات الجارتين الكبريين في المنطقة:


  • فشل القادة والأنظمة في إنجاح الاتحاد المغاربي ابتداء وإنقاذه من وهدته انتهاء، دليل على مسؤولية الشعوب الآن وعلى أن دور هذه الشعوب ومؤسساتها المدنية أهم وآكد في هذه المرحلة
    فرئيس الدبلوماسية المغربية محمد بن عيسى كان واضحا حين أكد أن إعطاء دفع جديد لمسيرة الاتحاد المغاربي يجب ألا يتم على حساب سيادة ووحدة بلدانه، في إشارة لا تخفى إلى النزاع في الصحراء المغربية.
  • وقلل وزير خارجية الجزائر عبد العزيز بلخادم من حجم الخلافات مع الرباط وقال إن علاقات بلاده مع المغرب ليست سيئة ولا يطبعها الجمود، وهذا الوصف في العرف الدبلوماسي غير مشجع.
  • واختار بن عيسى من ناحية أخرى في إجابة على سؤال حول القمة المغاربية المنتظرة القول إن كل شيء سيأتي في أوانه وكل شيء وفق ظروفه.

لقد صدق المحامي الجزائري سعد جبار حين حمد الله على عدم قيام تكتل سياسي مغاربي ناجح لأن ذلك سيكون لمصلحة الاستبداد ومزيد من القمع والملاحقة، والمطلوب من زعامات الوقت تحقيق ما يخدم مصالح الشعوب أي تكتل اقتصادي فحسب.

إن فشل القادة والأنظمة في إنجاح الاتحاد المغاربي ابتداء وإنقاذه من وهدته انتهاء، دليل على مسؤولية الشعوب الآن وعلى أن دور هذه الشعوب ومؤسساتها المدنية أهم وآكد في هذه المرحلة.

_______________
* كاتب ومحلل موريتاني

المصدر : غير معروف