بقلم/ خليل العناني

- حقائق أولية بشأن الإصلاح
- مبادرة الإخوان.. تميز وتناغم
- لماذا يرفض الإسلاميون المبادرات الغربية؟
- التخويف بالعقبة الإسلامية

لم يكن الإسلاميون استثناء من القاعدة فيما يخص مسألة الإصلاح، التي انفك عقالها وباتت على طرف لسان العامة والخاصة في العالم العربي، فانضموا إلى طائفة المنادين بدفع عجلة الإصلاح والتغيير، وأدلوا بدلوهم في مبادرات الإصلاح التي أمطرت الساحة العربية طيلة الشهور القليلة الماضية.

وإذا كان التيار الإسلامي قد رأى في دفع مسألة الإصلاح إلى السطح طوقا للخروج من حال العزلة والانزواء الذي تفرضه النظم الحاكمة عليه، إلا أنه لم يفلح –على الأقل حتى الآن- في بلورة مشروع إصلاحي واضح يُعتد به ويؤخذ بأطرافه في مواجهة المشاريع الإصلاحية الأخرى شرقية كانت أم غربية.

وباستثناء المبادرة الإصلاحية التي أطلقتها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي سنعود إليها بشيء من التفصيل لاحقا، لم يسمع أحدا عن مبادرات أخرى تبنتها قوى إسلامية أخرى بشكل واضح ومحدد.


لم يكترث الرأي العام العربي بنداء الإصلاح سواء ذلك الذي تبنته النظم الحاكمة أو الذي أطلقه الإسلاميون لأنه جاء توصيفا أكثر مما هو تشخيص, وتعامل مع قضية الإصلاح باعتبارها حلبة جديدة للصراع مع الآخر

حقائق أولية بشأن الإصلاح
وقبل الخوض في معرفة موقف الإسلاميين من مبادرات الإصلاح العربية والغربية والتي أُطلقت طيلة الفترة الماضية، تجدر الإشارة إلى عدة حقائق:

الحقيقة الأولى: أن مفهوم الإصلاح غير ثابت ومحدد المعالم لدى التيارات الإسلامية في العالم العربي، فهناك من يرفض المفهوم أساسا ويراه ضعيفا ولا يتسق مع طموحاته ومطالبه باعتباره مجرد ترميم وتجميل لوضع متعفن أصلا، وفي نظره أن مفهوم التغيير الشامل هو أكثر قدرة على تلبية هذه الطموحات.

ونقصد هنا تحديداً بعض الجماعات "الراديكالية" المتطرفة التي تتناثر في شكل غير محدد في البلدان العربية، والتي هدأت جذوتها مؤخرا أو خمدت بشكل مؤقت. في حين يراه البعض الأخر تعبيراً شافيا، أو على الأقل هو ما يمكن تحقيقه في ظل الأوضاع السائدة المتحجرة، حتى وإن لم يلب رغباتها وطموحاتها بشكل كامل، ونقصد هنا تحديدا جماعة "الإخوان المسلمين" المنتشرة في ربوع العالم العربي وخارجه.

والحقيقة الثانية هي أن أغلب التيارات الإسلامية بمختلف توجهاتها ركزت بالأساس على جزئية محددة في منظومة الإصلاح، وهي تحديدا ما يتعلق بالإصلاح السياسي المؤسسي، مع الإشارة باقتضاب إلى باقي جوانب الإصلاح، وهو ما قد يكون مبررا باعتبار الإصلاح السياسي أول خطوة نحو الإصلاح الشامل، خاصة وأن ما يهم هذه التيارات في هذه المرحلة هو انتزاع الاعتراف بها أصلا كقوة سياسية شرعية، تمهيداً لدمجها في المجتمع وقبولها طرفا في اللعبة السياسية بداخله، وهو ما قد ينطبق بشكل واضح على حركة "الإخوان المسلمين" في مصر، وإن كانت مبادرتهم الإصلاحية قد شملت أبعادا مختلفة.

أما الحقيقة الثالثة فهي أن موقف الحكومات العربية من مطالب الإسلاميين الإصلاحية قد شابه نوع من الشك وعدم الثقة فيما طرحوه، فكل ما يصدر عن الإسلاميين مستبعد وغير شرعي من وجهة نظرها، وعليه كان التعامل مع هذه المطالب بالتجاهل هو أفضل طريق للحكومات للتعاطي معهم. وفي حين كانت تسمع هذه الحكومات لمطالب القوى السياسية الأخرى، لم تعبأ بما يصدر عن القوى الإسلامية من بيانات ودعوات إصلاحية.

من هذه الخلفية جاء حديث الإسلاميين عن الإصلاح متشابها إلى حد كبير لنظيره لدى الحكومات والنظم الرسمية، حيث انطلق من شعارات شاهقة، تصف أكثر مما تشخص، وتتعامل مع قضية الإصلاح باعتبارها حلبة جديدة للصراع مع الآخر دون الإكتراث بحيوية مسألة الإصلاح في حد ذاتها. لذا لم يكترث الرأي العام العربي بنداء الإصلاح سواء ذلك الذي تبنته النظم الحاكمة أو الذي أطلقه الإسلاميون.

مبادرة الإخوان.. تميز وتناغم
وعن مبادرة "الإخوان المسلمين" في مصر، والتي جاءت على خلفية انطلاق "هيستريا" المبادرات الإصلاحية في المنطقة، فرغم كونها تعبر عن جزء كبير من واقع اليوم وهمومه، فإنها في نفس الوقت لم تتخلص من الطابع التقليدي في طرح المبادرات، حيث غلبت عليها الطبيعة التوصيفية والتشخيصية أكثر من التنفيذية وكيفية تحقيق مسائل الإصلاح، فضلا عن كونها محاولة لمجاراة الروح الإصلاحية التي طغت على القوى السياسية في مختلف المجتمعات العربية، أكثر من كونها تعبيرا عن وجود بديل حقيقي.

الأكثر من ذلك أن هذه المبادرة -حسب ما قيل عنها- كانت في الحقيقة مجرد بلورة وإعادة إنتاج للبرنامج السياسي للإخوان، وإن كان هذا الأمر لا يعيب في حد ذاته، بل هو أمر يحسب للجماعة، إلا أنه في الوقت نفسه لم يراع خصوصية المرحلة الحالية التي تتطلب إلى حد ما توفير قبول من بقية أطراف اللعبة السياسية في المجتمع لنهج الإخوان الإصلاحي، خاصة القوى السياسية والحزبية في مصر.


لعل أفضل ما في مبادرة الإخوان هو توقيت طرحها الذي جاء متوافقا مع بقية المشاريع الإصلاحية التي طرحتها أحزاب المعارضة وصاغتها وثيقة الإسكندرية، وهو ما يعني مواكبة الحركة للأحداث وتعاطيها معها
ولعل أفضل ما في المبادرة هو توقيت طرحها الذي جاء متوافقا مع بقية المشاريع الإصلاحية التي طرحتها أحزاب المعارضة وكذلك المجتمع المدني، وصاغتها وثيقة الإسكندرية، وهو ما يعني مواكبة الحركة للأحداث وتعاطيها معها.

وفيما يخص موقف الإسلاميين بشكل عام من مبادرات الإصلاح الخارجية، خاصة تلك التي تروج لها الولايات المتحدة وبلورتها في مشروعها الشهير "الشرق الأوسط الكبير"، يمكن القول إنه هناك شبه إجماع بين الإسلاميين على رفض مثل هذه المبادرات، ليس لأنها مفروضة من الخارج فحسب وإنما أيضا لأنها تفترض عدم وجود بدائل داخلية يمكنها تحقيق مطلب الإصلاح.

وكان ملفتا للنظر أن يتناغم رفض الإسلاميين لهذه المبادرات مع الرفض الرسمي العربي. ففي حين رحبت بعض القوى والأحزاب السياسية العربية -على استحياء- بضغوطات الخارج، وطالب نفر من المثقفين العرب بضرورة الاستجابة لها، واعتبرها البعض الآخر مخرجا من حال الجمود العربية طال انتظاره، تصدت القوى الإسلامية لهذه المبادرات واعتبرتها تعديا صارخا على خصوصيات الشعوب واستغلالا سيئا لطموحاتها.

ويتضح هذا المعنى بشكل جلي في مبادرة "الإخوان المسلمين" والتي أكدت في ديباجتها رفض أي محاولة خارجية للضغط باتجاه الإصلاح، واعتبار أن هذا الأخير لابد أن ينبع من حاجة داخلية حقيقة وبأيد عربية خالصة.

ولا يعني ما سبق أن تطابق الخطابين الإسلامي –نسبة للقوى الإسلامية- والخطاب الرسمي العربي كان مقصودا، فلكل طرف نظرته وتقييمه للأمر. فالإسلاميون بطبيعة الحال يرفضون التعاطي مع أي جسر غربي قد يفهم منه مصلحة الشعوب العربية، لأنها تعلم جيدا ما تخفيه المطالب الغربية بالإصلاح وراءها، والتي تهدف -وفق مفهومهم- إلى التخلص منهم ومن منهجهم الفكري والعقائدي بالأساس، في حين ينطلق الرفض العربي الرسمي من خلفية التأثير على وضع الحكومات والحد من امتيازاتها في حال تطبيق أي برامج إصلاحية حقيقية.

لماذا يرفض الإسلاميون المبادرات الغربية؟
قد يرى البعض أنه كان يمكن للإسلاميين الاستفادة من حملة الضغوط الخارجية لتنفيذ مطالب الإصلاح، باعتبارها تمثل الهاجس الحقيقي لدى الحكومات، وهو ما قد يوفر عليهم –الإسلاميين- عناء المجابهة مع حكوماتهم لإقناعها بمطالب الإصلاح.

واقع الأمر أن رفض الإسلاميين لمبادرات الإصلاح قد يجد منطقه في عدة مبررات:
أولا: العقيدة التي تسيطر على فكر الإسلاميين والتي تقوم بالأساس على رفض كل ما هو غربي لمجرد كونه غربي، فهم في عداء مع الآخر على طول الخط، ويقوم جزء من برنامجهم السياسي على مجابهة هذا الآخر بمختلف الأشكال السلمية والعنيفة وذلك بدرجات متفاوتة حسب تصنيفات الإسلاميين بتنظيماتهم المختلفة.

ثانيا: إظهار حسن النية تجاه الحكومات العربية على أمل نيل الشرعية وتأسيس علاقة جديدة بين الطرفين أساسها "كلنا في الهم سواء"، وهو ما يعني ردم جزء من هوة عدم الثقة بين الطرفين، واحتمالات التمهيد للتعايش وقبول الآخر الرسمي.

ولا ينفي ذلك أيضا اقتناع بعض الإسلاميين المعتدلين بعدم استغلال الضغط الخارجي في صراعهم مع الحكومات العربية، وهو جزء عقيدي إلى حد ما، انطلاقا من مبدأ نُصرة ابن العمومة في مواجهة الغريب.

ثالثا: عدم ثقة الإسلاميين في الغرب والتي يفطنوها جيداً، ولهم في تجربة بن لادن مع الولايات المتحدة إبان الجهاد ضد السوفيات عبرة وعظة حسنة، فهم يدركون جيدا مدى التلاعب الغربي بمشاعر الشعوب العربية الطامحة للتغيير، والتي قد تستغلها الولايات المتحدة لزعزعة الحكومات العربية، خصوصا تلك التي لا تسير على هوي واشنطن، أي أن هذه الأخيرة تحاول استغلال سوط الكبت الشعبي للضغط على الحكومات العربية لتحقيق مكاسب ذاتية.

رابعا: –والأهم في تقديرنا- هو اقتناع الإسلاميين القوى بأن الهدف الرئيسي من حملة الإصلاح التي يتبناها الغرب هو التخلص من القوى الإسلامية، التي ترى فيها الولايات المتحدة العدو الأول في الحرب على الإرهاب. فضلا عن محاولة تجفيف منابع الفكر المناهض لسياساتها في المنطقة، والتي كانت الوقود المحرك لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول حسب تفسيرها.

في ظل هذا الوضع بدت قضية الإصلاح بالنسبة للإسلاميين، سلاحا ذا حدين، فهي من ناحية قد تعد مدخلا مناسبا للضغط على الحكومات باتجاه تبني الإصلاح، خاصة فيما يتعلق بالإصلاح السياسي وقبول الآخر الداخلي، ولكن من ناحية أخرى قد يفهم موقفهم على أنه مجاراة للضغوط الغربية على الحكومات العربية لتسريع وتيرة الإصلاح. وبين كلا التفسيرين بالطبع خيط رفيع يحاول الإسلاميون –شأن بقية القوى السياسية العربية- الإمساك به حتى لا توضع في سلة واحدة مع حملة الترويج الغربية.

موقف الإسلاميين هذا من الضغط الخارجي بدد إلى حد بعيد نظرة الشك تجاههم، ودحض مزاعم بعض الزعماء العرب الذين حاولوا مواجهة استحقاقات الإصلاح بتخويف الغرب من قفز الإسلاميين للسلطة في حال الاستجابة لهذه الاستحقاقات.

التخويف بالعقبة الإسلامية


أخطأت بعض الحكومات العربية مرتين الأولى حين استخفت بمطالب الخارج واختزلتها في تخويفه وترويعه من الإسلاميين، والثانية حين استخفت بطموحات الداخل ومحاولة إرهابه من الإسلاميين أيضا
ولذا فقد لقي التساؤل حول تذرع بعض الحكومات العربية بالعقبة "الإسلامية" لبدء عملية الإصلاح السياسي أهمية قصوى، فهذه الحكومات من ناحية أولى ترغب في تخويف طرفين مؤثرين في عملية الإصلاح، أولهما خارجي ممثلا في ضغوط الخارج المتزايدة والمطالبة بحتمية عملية الإصلاح والتذرع الحكومي بأن أي إصلاح سياسي سينطوي عليه تحول الكفة لمصلحة الإسلاميين نظرا لتواجدهم الشعبي المؤثر، وهو ما قد يضر بعلاقات هذا الطرف الخارجي مع البلدان العربية، ويزيد من عداء الداخل "الإسلامي" له.

أما الطرف الآخر فداخلي وهو الشعوب العربية، التي تحاول حكوماتها إقناعها بأن تداول السلطة باعتباره قمة الإصلاح السياسي قد يعني في المقابل وصول البديل الآخر للحكم وهو الإسلاميون، وما يعنيه ذلك من تقييد للحريات الشخصية تحت عباءة الدين، دون أن تفرق الحكومات –بالطبع– بين تيارات الإسلاميين وتوجهاتهم، فالكل لديها سواء.

من ناحية أخرى تحاول هذه الحكومات استخدام "السوط" الإسلامي لإسكات أي مطلب للإصلاح، مستفيدة في ذلك من عدم وجود بديل سياسي جاهز ومنظم (حزب معارض) يستطيع تولي زمام الأمور إذا ما حدث تداول حقيقي للسلطة.

من هذه الزاوية الضيقة ترى الحكومات أن بإمكانها الالتفاف على ضغوط الإصلاح، وتمجيد صورتها الأزلية بأنها الخيار الوحيد أمام الشعوب والعالم الخارجي، وإلا فالخطر الإسلامي متربص بالباب ومستعد للانقضاض على السلطة في أقرب فرصة.

بيد أن هذه الحكومات أخطأت مرتين الأولى حين استخفت بمطالب الخارج وضغوطاته واختزلتها في تخويفه وترويعه من الإسلاميين، والثانية حين استخفت بطموحات الداخل ومحاولة إرهابه من الإسلاميين، وهو ما لم يجد صدى بالطبع إلا في أوساط بعض المثقفين الدائرين في فلك السلطة والمدافعين عن مآربها.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف