بقلم: كمال الهلباوي*

كانت حقوق الإنسان صوتا مسموعا في كثير من المنابر العالمية وخصوصا بعد نهاية الحرب الباردة وانحسار المد الشيوعي ثم تلاشيه إثر هزيمة الاتحاد السوفياتي، وعلى وجه أخص في معارك أفغانستان التي تفردت أميركا بعدها بالقمة والقيادة. وكانت الوفود التي تمثل مؤسسات حقوق الإنسان -وبصفة خاصة الغربية منها- تستقبل باحترام شديد أينما حلت أو توجهت، وكثيرا ما كانت تتحقق مطالبها حتى السياسية منها تحت مظلة حقوق الإنسان. وكانت هذه المؤسسات تدعو إلى الحرية في التعبير والتنقل والعمل واحترام قيمة الإنسان كإنسان، كما كانت تدخلاتها وتقاريرها تنقذ بعض المظلومين من السجون والمعتقلات أو تخفف شيئا من الظلم الذي يتعرضون له.


هل كانت حقوق الإنسان مرحلة عابرة وفترة زمنية قاصرة وذات أمد محدود، أم أنها قيمة من القيم الغالية التي ينبغي أن يحرص العالم عليها فيزداد الأمن والأمان ويتحقق السلام والإكرام لكل إنسان؟
كنا نقرأ عن الضغط الكبير لاحترام آدمية طلاب ميدان الحرية في العاصمة الصينية بكين ومعاملتهم معاملة تليق بآدميتهم، وكنا نشاهد ونقرأ عن سفر الوفود الأجنبية إلى البلاد العربية وغيرها لحضور المحاكمات حتى أمام المحاكم العسكرية، والاشتراك في الدفاع عن المعتقلين وإن كانوا من الاتجاهات الإسلامية المتهمة -دون وجه حق- بالعنف من بعض الإدارات والأنظمة الحاكمة في العالم الثالث.

ويتساءل المراقب للأحداث اليوم: هل انتهت هذه الحقبة إلى غير رجعة؟ هل كانت حقوق الإنسان مرحلة عابرة وفترة زمنية قاصرة وذات أمد محدود؟ أم أنها قيمة من القيم الغالية التي ينبغي أن يحرص العالم عليها فيزداد الأمن والأمان، ويتحقق السلام والإكرام لكل إنسان، وتشارك البشرية كلها في مواجهة الإرهاب الحقيقي الذي يهدد تلك الحقوق وفقا للمبدأ العظيم {ولقد كرمنا بني آدم}، والقرآن هنا يتحدث عن الجنس البشري كله منذ بدء الخليقة حتى نهايتها.

لا نسمع اليوم عن ضغط أميركي أو غربي على الصين بسبب انتهاكات حقوق الإنسان فيها، وقد لا نسمع عن ذلك لفترة طويلة حتى تخرج أميركا من "سندروم" الإرهاب الذي تستخدمه لتحقق كل آمالها التي لم تتحقق بعد.. هل ذلك نتيجة توقف انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، أم بسبب اختلاف المفاهيم وتغير النظرة والموقف من مسألة حقوق الإنسان، أم أن انضمام الصين إلى قافلة الداعمين للموقف الأميركي ضد ما يسمى بالإرهاب أو مجرد السكوت والصمت له ثمن واضح على حساب حقوق الإنسان وعلى حساب الحريات؟

وليس من المستبعد أن تنتهز الصين هذه الفرصة التاريخية فتأخذ -بسبب الصمت الغربي وعن طريق موضة اتهام الآخرين بالإرهاب- موقفا قويا ضد الحريات وضد سكان الأقاليم التي قد تفكر في المطالبة بالحكم الذاتي أو الاستقلال، وربما تربط بعضهم بالقاعدة طبعا إذا كانوا من الأقليات الإسلامية، وتربط بعضهم بالتطرف اليميني إذا كانوا من غير المسلمين.

وإذا كان هذا الأمر غير مستبعد في حق الصين، فإن بعض الدول التي تحكم شعوبها بالحديد والنار، أو العصا والجزرة، أو بغير ذلك من الوسائل المنافية لحقوق الإنسان، سوف تزداد طغيانا وكتما للحريات، وهي في مأمن واضح من المؤاخذة أو التهديد أو حتى المناشدة، لأن الأمن المنشود مقدم على الحق المفقود، وتضيع بذلك حقوق الإنسان وكرامته.

لقد تسببت أحداث 11 سبتمبر/أيلول في إبراز هذه الفجوة العميقة، حتى أن السودان الذي كان يتعرض لحملات تشويه كبيرة تثار فيها قضايا الرق والحرب ضد الجنوب وانتهاك الحقوق فيه، أصبح إلى حد ما مقبولا لدى الغرب والأميركان -ولو مؤقتا وإلى حين- نتيجة دعمه للتحالف العالمي ضد طالبان وتنظيم القاعدة أو مجرد سكوته عما يحدث وتقديمه معلومات كانت لديه عن عدد كبير من المجاهدين السابقين الذين كانت تفتخر بهم الأمة لوقت طويل.


حقوق الإنسان يجب أن تصان عالميا وأن تصبح جزءا من الثقافة العالمية والأعراف الدولية وأن تهتم به منظمة أو وكالة عالمية بحجم اليونيسكو وقوة صندوق النقد الدولي على سبيل المثال
لا يعني هذا أننا مع التدخل في شؤون الصين الداخلية أو في شؤون السودان أو غيرهما، ولسنا مع سيطرة كيان قوي ضد الآخرين، ولكننا في هذا الصدد -مسألة حقوق الإنسان- نقف أمام أمرين مهمين هما:

  • أولا- ضرورة صيانة حقوق الإنسان بشتى الطرق إذ بذل فيها الأسلاف والأجداد من المسلمين ومن غير المسلمين جهودا كبيرة لبلورتها بشكل مناسب فتحسنت صورة حقوق الإنسان وخصوصا بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي.
  • ثانيا- أن هذا الحق يجب أن يصان عالميا وأن يصبح جزءا من الثقافة العالمية والأعراف الدولية وأن تهتم به منظمة أو وكالة عالمية بحجم اليونيسكو وقوة صندوق النقد الدولي على سبيل المثال.

لقد بذل العالم جهدا كبيرا للوصول إلى القيم العالمية و إرسائها ومنها حقوق الإنسان وصيانة الحريات، وقد استغرق هذا الأمر سنوات عديدة وجهودا كبيرة ليتحقق في أميركا بصفة خاصة على أرض الواقع.

إن ما كان يراه العالم قبل 11 سبتمبر من انتهاكات لحقوق الإنسان، كان في يوم من الأيام وحتى نهاية الستينيات من القرن العشرين، قانونا أو عرفا في كثير من الولايات الأميركية. كان على الزنوج ألا يحلموا -مجرد الحلم- بالذهاب إلى مدارس البيض ولا الجلوس بجوارهم في الحافلات ووسائل النقل والمواصلات، ولا استخدام نفس الحمامات ولا المطاعم ولا الفنادق، ولا حتى السكن في أماكن وأحياء البيض المغلقة عليهم قانونا أو عرفا. كان بعض الزنوج يخافون من الأحلام خشية اطلاع البيض عليها وكلهم أميركان وكلهم مواطنون.

لقد استغرقت معركة حقوق الإنسان في أميركا وحدها قرنين كاملين أو أكثر، وقد حسمت هذه المعركة على يد مارتن لوثر كينغ الذي لقي مصرعه في سن الحادية والأربعين بسبب جهاده الطويل لإرساء حقوق الإنسان في أميركا التي أصبحت تفخر بهذه المكانة فيما بعد وتسعى لتطبيق حقوق الإنسان في أماكن أخرى كثيرة، وتنال بسببها مكانة مرموقة بين الدول والشعوب، لتصبح مؤسسات حقوق الإنسان الغربية عموما والأميركية بصفة خاصة.


تزعم أميركا أنها رائدة العالم الحر وحقوق الإنسان استنادا إلى جهود حركة حقوق الإنسان ونجاحها بعد صراع طويل ونقاش مرير، ولكن هل كان يمكن لأميركا أن تفخر بهذا الإنجاز لو كان لديها ستار حديدي مثل الاتحاد السوفياتي أو غير حديدي- مثل الحال اليوم- أو ظلت متخلفة في ميدان الحريات وحقوق الإنسان؟
لقد خاض دعاة الحريات وحقوق الإنسان في أميركا قبل مارتن لوثر كينغ بفترة طويلة معاركهم بعيدا عن العنف، وكان مارتن لصاحب عقيدة بضرورة السلام والنضال السلمي لتحقيق أحلامه والبعد عن العنف. ولم تهتز تلك العقيدة في يوم من الأيام رغم كثرة الضغوط العديدة التي تعرض لها في حياته الحافلة بالأحداث الأليمة، وذلك بسبب رؤيته المستقبلية وإدراكه للحق المفقود، وأن حقوق الإنسان سلاح عظيم يجب الحرص عليه لأنه يرفع الدول إلى مكانة كبيرة عندما تمارسه وعندما يشعر الإنسان بقيمته كإنسان غنيا كان أو فقيرا، قويا كان أو ضعيفا، شابا كان أو شيخا، أميركيا كان أو أفريقيا، أبيض كان أو أسود.

لقد زعمت أميركا أنها رائدة العالم الحر وحقوق الإنسان، استنادا إلى جهود حركة حقوق الإنسان ونجاحها بعد صراع طويل ونقاش مرير. كيف كان يمكن لأميركا أن تفخر بهذا الإنجاز لو كان لديها ستار حديدي مثل الاتحاد السوفياتي أو غير حديدي -مثل الحال اليوم- أو ظلت متخلفة في ميدان الحريات وحقوق الإنسان؟

إن أميركا اليوم تفخر بأن يكون في معظم مدنها شوارع وطرق باسم مارتن لوثر كينغ، وأن تحتفل بعيد ميلاده كعيد وطني اعتبارا من 1983 بعد اغتياله بسبع عشرة سنة في عام 1968، مما يؤكد أن الأميركان يستغرقون وقتا طويلا ليدركوا الحقيقة ويشرعوا في بناء المستقبل على أسس سليمة مقبولة.

كان مارتن بالنسبة لأميركا الرجل المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، ولكنها كدولة أدركت ذلك مؤخرا، وللأسف فإنها تتراجع عنه اليوم بسبب أحداث 11 سبتمبر. إن ما دعا إليه مارتن هو ما يحتاج العالم إليه اليوم وتحتاج إليه أميركا بصفة خاصة لتنزل عن استعلائها ونظرتها الدونية للآخرين، وتقتنع بالمشاركة معهم، وتنزل عن قناعتها التي تشبه قناعة أصحاب النصوص المقدسة في حل المشاكل العالمية، بالتدخل العسكري والقوة العسكرية.


كان مارتن لوثر كينغ يحلم أن يعيش أولاده الأربعة يوما ما في أمة لا تفضل المواطن على أخيه المواطن بينما كان بوش الأب يحلم في شبابه بأمرين هما: أن يغير مجرى التاريخ وأن يرى صورته في البيت الأبيض بجوار إبراهام لنكولن
لقد تعرض دعاة الحريات وحقوق الإنسان في أميركا خلال القرنين الماضيين إلى ضغوط عديدة وتهديدات كثيرة حتى من الأجهزة الرسمية التي من المفترض أن تحمي مواطنيها، وبدلا من أن تشجع تلك الأجهزة وتدعم من يعمل للمستقبل الأميركي الزاهر المليء بالقيم، كانوا يدعمون أعداء حقوق الإنسان الذين ينتهكون الكرامة ويفكرون في بناء مستقبل أسود. كانوا يتآمرون على دعاة الحريات، ويضيقون عليهم الطرق ويجبرونهم أحيانا على الانتحار. لقد كان مارتن لوثر كينغ يحلم أن يعيش أولاده الأربعة يوما ما في أمة لا تفضل المواطن على أخيه المواطن بسبب اللون أو العرق، بل أن يكون التفضيل فيها مرجعه الملكات والقدرات الشخصية والإسهام في تشكيل مستقبل الأمة وإشاعة الأمن فيها وصيانة حقوق الإنسان. فرق كبير بين هذا الحلم وبين أحلام جورج بوش الأب الذي كان يحلم في شبابه بأمرين هما:

  • أن يغير مجرى التاريخ To change the course of history.
  • وأن يرى صورته في البيت الأبيض بجوار إبراهام لنكولن (Ibraham Lincoln) وسط الجنرالات أيام الحرب الأهلية.

صحيح إن بوش الأب أسهم في تغيير مجرى التاريخ ورأى صورته ليس فقط في البيت الأبيض بل في أماكن كثيرة ما كان يصل إليها تفكيره. ولكن الفرق كبير بين من يعمل للحضارة والقيم وبين من يعمل لمصلحة ضيقة ولو على حساب الآخرين.

إن قصة حقوق الإنسان في أميركا قصة طويلة وتحتاج إلى فهم وإدراك وتوجيه، وإن كان أخطر التوجيه وأصعبه ذلك الذي يحتاج إليه من كان ذا قوة وإدراك وبطش.


العالم اليوم في حاجة إلى مزيد من اللقاءات والحوار المتبادل مثلما دار في مؤتمر إسطنبول الأخير، وهو أول حوار رسمي سياسي وحضاري بين وفود 72 دولة من دول العالم الإسلامي والغرب- الاتحاد الأوروبي
لقد استمرت انتهاكات حقوق الإنسان في أميركا لسنوات عديدة حتى بعد صدور حكم المحكمة العليا ضد التفرقة العنصرية في عام 1954.

إن العالم اليوم في حاجة إلى مزيد من اللقاءات والحوار المتبادل مثلما دار في مؤتمر إسطنبول الأخير، وهو أول حوار رسمي سياسي وحضاري بين وفود 72 دولة من دول العالم الإسلامي والغرب- الاتحاد الأوروبي.

وقد ظهر في هذا المؤتمر بعض تحفظات من فرنسا وإسبانيا وألمانيا بل وبريطانيا بشأن رؤية القيادة العالمية في حل المشكلات وحسمها عسكريا، بل إن تصريحات وزير خارجية ألمانيا التي نشرتها جريدة الداي ويلت الألمانية اليومية في 12 فبراير/شباط الحالي تعد تصريحات مهمة إذ جاء فيها أن "العالم الذي يعيش فيه ستة بلايين نسمة لا يمكن أن يقبل أن يتحدد مستقبل السلام بقيادة القوة العظمى وحدها".

إننا نستعرض هذا التاريخ الموجز لا لنقف عنده وإنما للتنبيه على ضرورة تجاوزه بما فيه من أخطاء فاحشة، إذ العمل للمستقبل أهم وأبقى من البكاء على الماضي والوقوف عند حدوده. ونذكر التاريخ أيضا للتنبيه على صورة من صور طبيعة التفكير الإستراتيجي الأميركي الذي يستغرق وقتا طويلا للخروج من الأزمات التي يقع فيها نتيجة الاندفاع والاستعلاء والخوف من الآخرين والخوف على ضياع القيادة منه أو فقدان القوة والوفرة التي يتمتع بهما المجتمع الأميركي اليوم. كما نذكره أيضا لنؤكد أن الضعفاء والمستضعفين اليوم قد تكون لديهم رؤية حضارية أفضل وأقوم من أهل القوة والبطش.

_______________
* باحث في الشؤون الإستراتيجية وعضو الرابطة الإسلامية في بريطانيا

المصدر : غير معروف