بقلم: غراهام فولر*

تواجه الجزائر العديد من المشكلات السياسية والاجتماعية وهي مشكلات موجودة في دول عربية أخرى، مثل حظر الأحزاب الإسلامية وسيطرة الجيش على النظام والفساد إضافة إلى مسائل أخرى. لكن الجزائر لديها مشكلة أخرى مع أقلية البربر المسلمة التي تطالب بحقوق ثقافية وسياسية أكثر، إلا أن النظام الجزائري يرفض حتى الآن منحها لهم.


إن دولا عربية ومسلمة أخرى -غير الجزائر- وكذلك العديد من دول العالم الثالث وحتى الدول الغربية تعاني هي الأخرى من مشكلة الأقليات
لكن مشكلة حقوق البربر لا تعني الجزائر وحدها بل تؤثر على المغرب وتونس أيضا إلى حد ما. إن دولا عربية ومسلمة أخرى وكذلك العديد من دول العالم الثالث وحتى الدول الغربية تعاني هي الأخرى من مشكلة الأقليات ولكن من نواح مختلفة. والحقيقة أن العالم العربي محظوظ لأنه لا يحتوي الكثير من الأقليات العرقية على الرغم من وجود الكثير من الأقليات الدينية كالمسيحيين والشيعة. ومن بين الأقليات العرقية الموجودة في العالم العربي هناك البربر والأكراد (وهؤلاء يعيشون أيضا في تركيا وإيران)، وهي أقليات ذات تعداد كبير جدا وخصوصا الأكراد الذين يعتبرون أكبر مجموعة عرقية في العالم تعيش دون دولة خاصة بها.

كانت المجتمعات العرقية في زمن الإمبراطوريات السابقة التي تضم أعراقا مختلفة مسؤولة في العادة عن إدارة نفسها مثلما كان عليه الحال في عصر الإمبراطورية العثمانية. ولكن مع ظهور ما يسمى بـ"دولة الأمة" في الغرب دخل هذا المفهوم إلى الدول العربية المستقلة. وكانت أولوية هذه الدول الجديدة مثل الجزائر والعراق إنشاء دولة قوية ذات هوية وطنية. لكن مسألة الهوية الجزائرية أو العراقية اصطدمت بمسألة الهوية العربية، إذ كانت القومية العربية طاغية على كثير من الحركات السياسية العربية كالبعث والقومية العربية الناصرية.

ولكن أين مكان السكان غير العرب في الدولة القومية؟ إن هذه مازالت تعتبر مشكلة للجزائر والعراق اليوم، فالقوميون العرب أو القوميون العراقيون والجزائريون على وجه الخصوص يريدون دولة بهوية قومية واحدة ويعتبرون وجود الأقليات بينهم دليل ضعف في دولتهم، وخصوصا أن القوى الاستعمارية في الماضي استخدمت كثيرا من هذه الأقليات العرقية أو الدينية في تقسيم الوطن العربي أو غزوه وفي إضعاف مقاومة الحكم الاستعماري. وكثيرا ما كان ينظر إلى الأقليات العرقية في دول العالم النامي باعتبارها تهديدا لقوة ووحدة الدولة المستقلة والمتحررة من الحكم الاستعماري.


إن هذه ليست مشكلة عربية فقط، فالظهور السياسي للأقليات ظاهرة عالمية، إذ أن هذه الأقليات في جميع دول العالم النامي أصبحت أكثر تصريحا ومطالبة بحقوقها وتسعى للاعتراف بوجودها المستقل ولغاتها وعرقيتها وثقافتها وحقوقها التعليمية
إلا أنه مع ظهور أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير في النصف الثاني من القرن العشرين أصبح من الصعب إنكار حق الأقليات العرقية أو الدينية في المساواة. وقد بدأت هذه الأقليات تطالب بالاعتراف بهويتها وحقوقها. لكن القيادة المتسلطة تخشى من ضعف قوة الدولة إذا ما اعترفت بحقوق الأقليات لديها أو إذا طلب منها تنفيذ إصلاحات ديمقراطية أكبر.

إن هذه ليست مشكلة عربية فقط، فالظهور السياسي للأقليات ظاهرة عالمية، إذ إن هذه الأقليات في جميع دول العالم النامي أصبحت أكثر تصريحا ومطالبة بحقوقها وتسعى للاعتراف بوجودها المستقل ولغاتها وعرقيتها وثقافتها وحقوقها التعليمية. وحتى الغرب ليس حصينا من هذه الاتجاهات، إذ إننا نجد في بريطانيا على سبيل المثال أن الويلزيين والأسكتلنديين حصلوا على حكم ذاتي وأصبحت لهم برلماناتهم الخاصة بهم خلال العقد الأخير. كما أن الكتالونيين في إسبانيا يطلقون اسم الدولة على إقليم كاتالونيا. وتواجه فرنسا ضغوطا لمنح البريتانيين والكورسيكيين حقوقهم الثقافية. أما في الولايات المتحدة التي يعتبر كل مواطن فيها تقريبا مهاجرا فلا توجد فيها أقلية عرقية متركزة في منطقة واحدة، ولذلك فإنه من غير المحتمل مطالبة أي مجموعة عرقية فيها بحكم ذاتي أو حتى بالانفصال على الرغم من أن المكسيكيين المتمركزين في جنوب غرب الولايات المتحدة قد يطالبون يوما ما بالاستقلال الثقافي. إن الأقليات العرقية الأميركية تمارس الحياة السياسية وتبحث عن نفوذ، واللوبيات العرقية في كل مكان، فهناك الكوبيون والإيطاليون واليهود والعرب والصينيون والكوريون والمكسيكيون وغيرهم.

وأعتقد أن النشاط السياسي للأقليات العرقية سيكون مألوفا في كل العالم في المستقبل ويعكس الاتجاه نحو الديمقراطية وحقوق المجتمعات العرقية والدينية، والأقليات المسلمة على سبيل المثال تبحث عن حقوقها وعن المساواة في الهند وروسيا والصين.

إن جميع الدول ذات الأعراق المتعددة تواجه اليوم أزمة الدمقرطة وحقوق الأقليات وضعف الدولة المركزية، فكيف تتعامل الدول ذات الأقليات العرقية والدينية المختلفة في عالم متعدد الثقافات؟ وحتى الدول العربية الآن يوجد فيها أعداد من الأجانب أكثر مما كان قبل، سواء عرب من دول عربية أخرى أو عمال غير عرب.

ماذا تفعل الجزائر بخصوص مطالب البربر بالاعتراف بهم وبحقوقهم في تعليم اللغة الخاصة بهم وبإنشاء وسائل إعلام ومحطات إذاعية باللغة الأمازيغية؟ هناك أيضا مسألة من هم البربر؟ فوفقا لموسوعة البريتينيكا فإن البربر يمثلون من حيث العرق 80% من سكان المغرب والجزائر وأكثر من 60% من سكان تونس وليبيا مما يجعلهم أكثر من 50 مليون شخص. وتلاحظ الموسوعة نفسها أن "التعريب قضى على اللغة الأصلية للسكان في عدة مناطق إضافة إلى القضاء على هوية البربر، كما أن كثيرا من الناس الذين ينتسبون لأجداد من البربر يدعون الآن أنهم عرب".

إن عملية التخلي عن هوية الأقلية لصالح هوية الأغلبية كانت أمرا شائعا خلال القرن الماضي، لكن الأقليات، في كل أرجاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، ترفض اليوم التخلي عن هويتها.

لكن الموسوعة تشير أيضا إلى أنه "من ناحية الهوية، يمثل البربر 40% فقط من سكان المغرب جميعا، و30% فقط من الجزائريين، و5% من التونسيين و10% من الليبيين وهو ما يجعل عددهم أكثر من 20 مليونا. وهذا يوضح أن الهوية ليست مجرد مسألة الدم وإنما أيضا مسألة خيار، هل تستطيع الدولة أو هل يجب عليها إرغام الأقليات فيها على تقرير أنهم ليسو بربرا أو أكرادا ومن ثم التخلي عن هويتهم ولغتهم وحقوقهم الثقافية ليصبحوا عربا؟


اليوم مع تزايد الاتجاه نحو الديمقراطية فإن الأقليات تسعى لأن تجاهر بالمطالبة بحقوقها وتنظم المظاهرات لهذا الغرض وتخلق مشكلات للدولة وتؤثر على نتائج الانتخابات، فكيف سيتعامل العالم العربي مع هذه القضية؟
من المرغوب فيه من حيث المبدأ رؤية جميع الأقليات تنصهر في مجتمعاتها التي تعيش فيها. ولكن حتى في الولايات المتحدة نفسها لا نجد هذه الأقليات منصهرة في المجتمع الأميركي بكل ما في الكلمة من معنى. وفي دول كالجزائر والعراق فإن الأقليات فيهما تبدي استعدادا أقل للتخلي عن هويتها.

واليوم مع تزايد الاتجاه نحو الديمقراطية فإن الأقليات تسعى لأن تجاهر بالمطالبة بحقوقها وتنظم المظاهرات لهذا الغرض وتخلق مشكلات للدولة وتؤثر على نتائج الانتخابات، فكيف سيتعامل العالم العربي مع هذه القضية؟ وهناك دول إسلامية أخرى مثل إيران وأفغانستان وباكستان تعاني من مشكلات الأقليات العرقية بشكل أكبر مما تعانيه بعض الدول العربية. كما أن الدول الأفريقية تواجه مشكلات معقدة هي الأخرى تتمثل في تنافس المجموعات العرقية داخل الدولة الواحدة.

ولذلك على الدول العربية أن تفكر في معنى هوية الأقلية من أجل مستقبل أكثر ديمقراطية. إن هذه أيضا واحدة من القضايا التي تواجه اليوم المعارضة العراقية وهي تبحث عن عراق المستقبل ومكان الأقليتين الكردية والسنية العربية فيه.

المصدر : غير معروف