بقلم/ إبراهيم غرايبة

- التحولات الاقتصادية وتداعياتها
- تحولات اجتماعية وسياسية
- تحولات مرتبكة نحو اقتصاد المعرفة
- فساد ممتد متغول ومسكوت عنه

أعلنت حكومة فيصل الفايز التي شكلت مؤخرا في الأردن أنها بصدد برنامج للتنمية السياسية والحوار الوطني ومواجهة الفساد والخروج من أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية تمر بها البلاد منذ منتصف الثمانينيات. وحكومة الفايز هي الحكومة الثانية عشرة منذ العام 1989 الذي يؤرخ له في الأردن باعتباره بداية لتحولات ديمقراطية أطلقت الحياة السياسية والحزبية، في محاولة لاستيعاب مجموعة معقدة من التداعيات والتحولات الكبرى في الأردن والمنطقة والعالم.

التحولات الاقتصادية وتداعياتها
يرصد منار الرشواني في دراسته الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية بعنوان "التكيف الهيكلي والاستقرار السياسي في الأردن"، الأزمة الاقتصادية وتداعياتها والتي بدأت عام 1983 بتراجع أسعار النفط وانخفاض حجم المساعدات الخليجية، وانخفاض الطلب على العمالة الأردنية في الخليج، وانخفاض الصادرات الأردنية. وبدأ الاقتصاد الأردني عام 1988 يكشف عن مجموعة من الاختلالات تمثلت في تراجع كبير في نمو الناتج المحلي، واستمرار العجز في الموازنة العامة وميزان المدفوعات وارتفاع الأسعار وتناقص احتياطات البنك المركزي.


طبقت برامج الخصخصة أو التصحيح الاقتصادي في الأردن وفي دول كثيرة من العالم الثالث على نحو انتقائي يتجاهل شروطها والبيئة الصحيحة التي يجب أن تحيط بها
ولجأ الأردن إلى تبني البرنامج الأول للتصحيح والتكيف الهيكلي عام 1989. وتضمن البرنامج مجموعة من السياسات أهمها زيادة الإيرادات وخفض النفقات العامة، وتحقيق استقرار في سعر صرف الدينار وكبح التضخم، وتقليص العجز في ميزان المدفوعات، وتقليص دور الحكومة في الأنشطة الإنتاجية.

ولكن النتائج الفعلية المتحققة لبرنامج التصحيح أظهرت تدهور أداء بعض أهم مؤشرات الاقتصاد، وبخاصة نمو الناتج المحلي، والاستهلاك والاستثمار، وعجز الموازنة العامة، والادخارات المحلية والوطنية، فقد اقترب النمو الاقتصادي في الفترة 1996 - 1998 من الصفر، ولم تنخفض المديونية.

لقد طبقت برامج الخصخصة أو التصحيح الاقتصادي في الأردن وفي دول كثيرة من العالم الثالث على نحو انتقائي يتجاهل شروطها والبيئة الصحيحة التي يجب أن تحيط بها، ولم يؤخذ بعين الاعتبار تداعياتها وعلائقها الاجتماعية والسياسية. ولم ترغب الحكومات في ملاحظة أن الانفتاح الاقتصادي إنما يجري في منظومة شاملة من الشروط والمؤهلات السياسية والاجتماعية، فقد بيعت مؤسسات الدولة الاقتصادية والخدماتية للقطاع الخاص دون بيئة تضمن التنافس وعدالة الفرص ورقابة مجتمعية وإعلامية حرة ومستقلة، وحياة سياسية ديمقراطية تعيد تنظيم الناس لأجل تحقيق احتياجاتهم وحقوقهم الأساسية.

فما يبدو تحريرا للاقتصاد وبيعا لشركات الدولة ومؤسساتها يطبق وكأنه تأميم لصالح فئة قليلة جدا، وتحول من الدولة إلى الإقطاع، وحفلة إطلاق الاقتصاد تصحبها سيطرة على الإعلام والبلديات والمساجد والاتحادات والنقابات العمالية والبرلمان والتشريعات، وحالة شمولية سياسيا هي أشد وأقسى من الاشتراكية. وحتى التقاليد الانتخابية في البلديات والتي درجت منذ أيام الدولة العثمانية قبل أكثر من 120 عاما توقفت، وتشكلت حياة سياسية وثقافية وعامة هي على حالة من البدائية والسيطرة والاحتكار تتضاءل معها المرحلة الرعوية والزراعية التي كان الناس عليها قبل عقود طويلة.

تحولات اجتماعية وسياسية
أدت السياسات الاقتصادية الجديدة التي اتبعت لمواجهة الأزمة الاقتصادية مثل تخفيض الأجور وإلغاء الدعم عن السلع الأساسية وزيادة الضرائب إلى زيادة الفقر بعدما اقتربت نسبة الفقر عام 1986 من الصفر، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتزايد البطالة بعدما كانت معدومة لتصل إلى حوالي 18% من القوى العاملة، وإن بدأت بالانخفاض البطيء منذ عام 1996 لتصل إلى 12%.

ورغم الانفتاح الديمقراطي الذي بدأ عام 1989 فقد حدثت آثار سياسية للبرنامج الاقتصادي منها تغير الحكومات المستمر وحالات الاحتقان السياسي بسبب السياسات الاقتصادية، مثل أحداث معان في الأعوام 1989 و1998 و2002، وأحداث الخبز عام 1996. وكانت الوزارات المرتبطة بالبرنامج الاقتصادي هي الأكثر عرضة للتغيير المستمر مثل وزارات المياه والري، والنقل، والطاقة، والتموين (قبل إلغائها كليا). وأدى انخفاض النفقات العامة إلى تضرر قطاعات أساسية في الدولة والعاملين فيها، كما يخشى أن تؤدي إلى هيمنة أقلية اقتصادية على النفوذ والموارد.

وربما يكون من أهم التداعيات السياسية والاجتماعية لبرامج التكيف الهيكلي أن الدولة في خفضها للإنفاق العام وتخليها عن أريحيتها في التوظيف والرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية وتخفيض عدد أفراد الجيش ومنتسبيه، إنما تجري عملية تهميش لفئة واسعة ومحددة من السكان كانت تعتمد على الدولة، وهم غالبا سكان المحافظات والأقاليم خارج عمان العاصمة، وهي مناطق لم تكن حتى وقت قريب تحظى بنصيب عادل من الإنفاق العام الذي كان موجها إلى عمان والمدن المحيطة بها، ولم ينشأ فيها نشاط اقتصادي واستثماري، فقد بقي ذلك كله في عمان التي تغولت اقتصاديا وسكانيا وعمرانيا واستنزفت معظم موارد البلد المالية والسكانية بل والمائية أيضا.

جرت منذ عام 1989 تحولات ديمقراطية مهمة، فقد جرت انتخابات نيابية تواصلت كل أربع سنوات تقريبا، وأطلقت الحياة الحزبية وسمح للأحزاب والشركات والأفراد بإصدار الصحف. ولكن هذه التحولات لم تغير كثيرا في الحياة السياسية، ولم تنشئ ديمقراطية حقيقية وحريات واسعة في الإعلام والرقابة على الحكومة.

وقد وضعت الحكومة الأخيرة التنمية السياسية أولوية لها، ولكنه برنامج لا يبدو حتى الآن واضح المعالم والأهداف، ولم يعلن عن سياسات عملية لتطبيقها. وربما يكون الهدف الحقيقي للبرنامج هو زيادة دمج المواطنين من أصل فلسطيني في الدولة الأردنية، وتوسعة مشاركتهم في الوظائف العامة العليا. وقد ضمت الحكومة الأخيرة تسعة وزراء فلسطينيين من بين 21 وزيرا، وقد أوصلت الانتخابات النيابية الأخيرة 22 نائبا فلسطينيا إلى مجلس النواب، وهي أرقام تزيد عن جميع الحكومات والبرلمانات السابقة منذ عام 1989.


جرت منذ عام 1989 تحولات ديمقراطية مهمة، لكنها لم تغير كثيرا في الحياة السياسية ولم تنشئ ديمقراطية حقيقية وحريات واسعة في الإعلام والرقابة على الحكومة
وقد تعمل الحكومة على تغيير قانون الأحزاب في محاولة لجعلها أحزابا كبيرة وفاعلة وقادرة على التنافس والمشاركة في تشكيل الحكومات ومعارضتها. وقد توضع أسس وضوابط جديدة للعمل الحزبي تجعل الأحزاب لا تزيد على ثلاثة أو أربعة أحزاب.

ولكنها تنمية مازالت تغفل دور المجتمعات الأهلية والطبقة الوسطى التي أضعفتها التحولات السياسية والاقتصادية، وتغولت عليها الحكومة والطبقات الغنية المعزولة، وتزايد الفقر وتراجع الدخول وتنامي التطلعات الاستهلاكية وزيادة الأسعار والضرائب، برغم أن المجتمعات الأهلية والطبقة الوسطى هي المدخل الأساس وربما الوحيد في التنمية السياسية. ولا يبدو أن ثمة برامج حقيقية لاستعادة دور هذه المجتمعات والطبقات وإعادة إنتاجها وتفعيلها.

تحولات مرتبكة نحو اقتصاد المعرفة
أطلقت مبادرة لتأهيل المجتمع الأردني لاستيعاب اقتصاد المعرفة والتحول باتجاهها مجتمعيا وإداريا واقتصاديا (مجتمع المعرفة) باعتبار أن المعلوماتية وتقنياتها هي الموجة الطاغية اقتصاديا واجتماعيا، وأنها تنشئ تحولات كبرى في الموارد والعلاقات لعلها أكثر جذرية من التحولات التاريخية في مسار البشرية مثل الزراعة والصناعة.

ويجري في هذا السياق تأهيل المدرسين وموظفي الدولة لاستيعاب التحول نحو تطبيق الحاسوب في التعليم والإدارة. وتجري أيضا عمليات واسعة لتزويد المدارس والجامعات بأجهزة الحاسوب (حوسبة التعليم) فيما يظن أنه تحول نحو تطوير عمليات التعليم والإدارة واستيعاب التحولات الكبرى في التقنية، وبخاصة في المعلوماتية والاتصال.

ولكنها تحولات تجري منزوعة من السياق العام المفترض لتنمية فعلية تسعى لتحقيق الاحتياجات الأساسية ولا تستصحب التأهيل الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي لهذه التحولات. ورافق عمليات الاستثمار في تقنية المعلومات فساد كبير هز المجتمع والدولة، وأصاب ثقة المواطنين بالدولة وأجهزتها بأزمة كبيرة، وأفقد هذه البرامج كثيرا من مصداقيتها، وألقى عليها ظلالا كثيفة من الشك والتساؤل، وكشفت أيضا عن تمكن للفساد وعجز عن مكافحته.

فساد ممتد متغول ومسكوت عنه
الأردنيون مشغولون بصدمة لم يستفيقوا منها بعد، ولم يدركوا حجمها وأبعادها وتداعياتها ومتواليتها من التحولات والصدمات والمكاسب والخسائر، فقد كانت قضية الفساد الكبرى التي سميت "التسهيلات المصرفية" أكبر بكثير في وجدان الناس وتفكيرهم من اختلاس مئات الملايين وتورط مسؤولين كبار يفترض أنهم أبعد ما يكون عن قضايا الاستثمار والتجارة والتمويل.

فقد صاحبت هذه الاختلاسات الكبرى عمليات التحول نحو اقتصاد المعرفة المفترض أنها الإستراتيجية الأساسية لاستيعاب التحولات الجارية في العالم. ولم يكن كافيا أن يقدم للمحاكمة المدير السابق للمخابرات العامة وأن يحكم عليه بالاختلاس وإساءة الائتمان لاستعادة الثقة والمصداقية لبرامج التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فالفساد يبدو ممتدا في السلوك الاجتماعي والإداري وأسلوب الحياة والإدارة وفلسفتها.

هل اختلست مبالغ تفوق المليار أم أنها فقط مائة مليون؟ ولماذا الإصرار الغريب على منع تشريع لمكافحة الكسب غير المشروع وحبس مشروع القانون في أدراج مجلس الأمة لأكثر من 12 سنة حتى اليوم؟ وماذا عن الفساد الكثير المنتشر والمعروف والمتمأسس والمتمكن؟ ويتذكر الأردنيون محاكمة سابقة للفساد أو محاولة للمحاكمة جرت مع التحولات الديمقراطية المشار إليها عام 1989، وكانت عملية إعلامية وحفلة برلمانية نقلت في بث مباشر على التلفزيون ثم انتهت التظاهرات والاحتفالات وأسدل الستار على انهيار بنك البتراء وصفقات ومشروعات واختلاسات وانتهاكات وفض المهرجان.

ثمة سؤال محير وقضية كبرى تشغل أفكار الناس هي: كيف نعرف المبدعين والعباقرة من بين زعران الآي تي بعد اليوم؟ كيف نميز بين حوسبة التعليم وبين صفقات بتزويد الجامعات والمدارس بآلاف الحواسيب يقال إن معظمها لم يصل رغم أن ثمنها دفع مسبقا من أقساط الطلاب ومن الضرائب؟


رافق عمليات الاستثمار في تقنية المعلومات فساد كبير هز المجتمع والدولة وأصاب ثقة المواطنين بالدولة وأجهزتها بأزمة كبيرة

وما يبدو من عمليات التحول نحو اقتصاد المعرفة يطرح أسئلة مثل: ماذا عن الخبز والدواء واللباس والمأوى.. هل ستقفز هي أيضا من وسط هذه الآلة السحرية مثلما تقفز الأرانب من وسط القبعات؟ وهل ستعيد هذه التحولات البادية كما كانت مزارع وحقولا؟ وهل سيمكن للناس كما كانوا منذ الأزل قبل الآي تي أن يزرعوا قمحهم وينتجوا خبزهم ويقيموا بيوتهم ويصنعوا ملابسهم ودواءهم بمواردهم وبإمكاناتهم التي يفترض أنها زادت ولم تنقص؟ وهل سيتدفق على الجياع والعاطلين عن العمل والمشردين قوافل الوظائف والبيوت والدفء عبر الإنترنت؟

ولا يجيب أحد عن: كيف تحل أزمة بالماء الذي يهدر معظمه أثناء نقله في الأنابيب ولا يصل إلى العطشى، ويحرم منه المزارعون ولكنه قادر دائما على الوصول إلى برك السباحة في عمان؟ وكيف يساعد اقتصاد المعرفة الناس ليبنوا بيوتهم بأنفسهم وبأقل التكاليف كما كان يفعل آباؤهم؟ ويكاد الأمر يبدو برامج غير مفهومة يرهقون بها أنفسهم وشعبهم ومجتمعاتهم دون إدراك حقيقي لاحتياجات الناس والمجتمعات.

مشهد المعلوماتية والاتصال يبدو في الأردن هكذا: بيوت ضيقة فقيرة وبائسة لا توفر سكنا حقيقيا، وبعضها بلا حمامات ومطابخ، ومعظمها بلا تدفئة، ولكن تنتصب فيها أطباق التقاط بث الفضائيات، وتمتلئ بالحواسيب والهواتف النقالة والتلفزيون والفيديو وأجهزة قراءة الأقراص (CD & DVD)، إذ يوجد في الأردن حوالي 1.25 مليون رقم هاتف نقال ونحو 340 ألف خط هاتفي ثابت (عدد السكان خمسة ملايين ثلثهم على الأقل في المدارس).

وتقترب أرقام استهلاك المكالمات من المليار دولار، ويدخن الأردنيون بـ300 مليون دولار، ونصفهم مصاب بسوء التغذية وفقر الدم. وتكشف الإحصاءات الرسمية أنه بينما تضاعفت جرائم المخدرات في السنوات العشر الأخيرة أكثر من خمسة أضعاف، تناقصت الأنشطة الثقافية من المحاضرات والندوات والمسرحيات إلى الخمس.
_________
كاتب أردني

المصدر : غير معروف