ياسر عرفات جبريل الرجوب

بقلم/ داود سليمان داود*

-الأجهزة الأمنية.. آخر الأوراق
-عرفات والرجوب الوالد والابن المشاكس
-سطوع دحلان وأفول الرجوب
-شكل السلطة النهائي

كولن باول يتوسط ياسر عرفات وأرييل شارون

كلعبة الميتروشكا الروسية التي تفضي فتاتها الأولى إلى فتاة أصغر حتى تصل إلى أصغر الفتيات حجما جاءت إصلاحات السلطة الفلسطينية التي بدأت بالتغيير الوزاري لتصل إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية الذراع الطولى للسلطة والداعم الحقيقي لوجودها.
ومهما بلغ حجم التأثير الذي أحدثه التغيير الوزاري فإن التغيير في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة يبقى تأثيره أعمق لما تمثله تلك الأجهزة من قوة ونفوذ في داخل السلطة الفلسطينية وفرض توجهاتها السياسية على الشارع الفلسطيني إضافة إلى أن تلك التغييرات قد تفضي إلى استشراف مستقبل السلطة الفلسطينية والشكل الذي ستكون عليه على الأقل في المستقبل القريب.

الأجهزة الأمنية.. آخر الأوراق


استمد الرجوب قوته من اعتماده على دعم تنظيم فتح داخل الأراضي الفلسطينية في مواجهة أعضاء التنظيم القادمين من الخارج.. إضافة إلى أن جهاز الأمن الوقائي شكل البوابة الأوسع لتوظيف عناصر الحركة كما تمتع بإمكانات مادية أكبر من أي جهاز أو وزارة في السلطة
منذ أن بدأت الضغوط تزداد على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وتوالت الدعوات إلى إحداث إصلاح في بنية السلطة الفلسطينية حاول عرفات التخلص من تلك الضغوط بالمناورة، التي اعتاد على ممارستها خلال مسيرته الطويلة في قياده العمل السياسي الفلسطيني على المستوى الرسمي، فعمل على إحداث التغييرات التي وعد بها بعد رفع الحصار عنه في المرة الأولى على المستوى السياسي وترتيب البنية الأمنية للسلطة من خلال تعيينه لوزير للداخلية.

ويبدو أن عرفات كان يراهن على حدوث تغيرات في المشهد السياسي في المنطقة وتغير بعض التوازنات الأمر الذي سيساعده على الإفلات من الضغوط الممارسة عليه إلا أن خطاب الرئيس الأميركي جاء ليشعر عرفات بقوة الموقف المتخذ بشأن عزله وإنهاء التعامل معه وهو الأمر الذي دفع عرفات إلى العمل بسرعة ودون إبطاء في محاولة منه لاحتواء القرار المتخذ بعزله والاحتفاظ بدور سياسي له، الأمر الذي دفعه إلى الإلقاء بآخر أوراقه وهي الأجهزة الأمنية في عملية مراهنة غير مضمونة النتائج.

ولئن تمكن عرفات من القيام بتغيير بعض قادة الأجهزة الأمنية دون أي تبعات، مثل محمود أبو مرزوق مسؤول الدفاع المدني وغازي الجبال قائد الشرطة الفلسطينية، فإن قيامه بالمساس بجهاز الأمن الوقائي كان كمن يدخل يده في عش الدبابير الذي ما إن بدأت التغييرات تطاله حتى ثار، وكانت ثورته تلك مؤشرا على ضعف نفوذ عرفات وأن الاعتراض على قراراته بات أمرا عاديا حيث تجاوز رجال السلطة الأقوياء ليشمل من هم في المناصب الأقل أهمية.

عرفات والرجوب.. الوالد والابن المشاكس


ظاهريا قد لا يبدو أن تغيير الرجوب بالمناصرة تغييرا حقيقيا في توجهات ومهام الأمن الوقائي إذ أقيل مسؤول وعين آخر، وبقي الجهاز كما هو ولم يطرأ تقليص لعدد أفراده أو حجم مهماته الأمنية
كانت علاقة ياسر عرفات بجبريل الرجوب قائد الأمن الوقائي بالضفة الغربية تشبه علاقة الوالد بابنه المشاكس وهي العلاقة التي تدفع كلا الطرفين إلى التغاضي عن تصرفات الطرف الآخر بين الفينة والأخرى.

فقد اتسمت علاقة عرفات بالرجوب بالشد والجذب طوال السنوات الثمانية الماضية التي هي عمر السلطة الفلسطينية، إذ تعامل الرجوب بطريقة متناقضة مع عرفات على امتداد تلك السنوات التي سطع فيها نجمه فأظهر الولاء من جهة ولم يلتزم بتوجيهات عرفات من جهة أخرى.

كما حاول عرفات في السابق عزل الرجوب مرتين آخرهما كان قبل ثلاثة أعوام وتعيين حسين الشيخ أحد قادة فتح في الضفة الغربية بدلا عنه، إلا أن محاولات عرفات تلك باءت بالفشل ونجح الرجوب في إدارة صراع البقاء مع عرفات والخروج أقوى مما كان عليه في كل مرة وبقي على رأس جهازه.

زهير المناصرة جبريل الرجوب
عناصر قوة
استمد الرجوب قوته تلك من اعتماده على دعم تنظيم فتح داخل الأراضي الفلسطينية في مواجهة أعضاء التنظيم القادمين من الخارج وهو أمر افتقد إليه كثيرون من رجالات السلطة إضافة إلى أن جهاز الأمن الوقائي شكل البوابة الأوسع لتوظيف عناصر حركة فتح إضافة إلى تمتعه بإمكانات مادية أكبر من أي جهاز أو وزارة في السلطة الفلسطينية وهو ما جعل الرجوب يحظى بمكانة مميزة بين أفراد جهازه.

كل ذلك دفع أفراد ذلك الجهاز إلى التمرد على قرار عرفات بتعيين زهير مناصرة رئيسا لجهاز الأمن الوقائي خلافا للرجوب إذ قد تلغي تلك التغييرات المكاسب المادية التي استأثر بها أفراد الأمن الوقائي وهو ما قد يفسر المظاهرات التي خرجت في بعص المدن الفلسطينية تأييدا للرجوب.

أسلوب الإقالة:
لم يكن اتخاذ قرار إقالة الرجوب بالأمر السهل عند عرفات، إذ سبق القول إلى أن عرفات حاول عزل الرجوب قبل ذلك غير أنه فشل في عزله، لذا لجأ عرفات بقرار عزله للرجوب إلى أسلوب بالونات الاختبار الذي مارسه أثناء قيادته لمنظمة التحرير الفلسطينية.

فبعد أن تحدثت وسائل الإعلام عن عزل الرجوب من منصبه أعلن الرجوب أنه لم يسمع عن أمر إعفائه من منصبه وأعلن رجاله أنهم لن يمتثلوا لأوامر شخص غير الرجوب، عندها أرسل عرفات جميل الطريفي وزير الشؤون المدنية في السلطة لإبلاغ الرجوب بقرار عزله في حين أبلغ عرفات نفسه زهير مناصره أنه عين رئيسا للأمن الوقائي خلفا للرجوب، وكان عرفات يهدف من تلك الخطوة إلى أن يبقي كافة الخيارات مفتوحة أمامه فإذا اتضح له أن التغييرات ستواجه بمقاومة شديدة فإنه سيكون بمقدوره التراجع عن تلك التغييرات والقول إنه لا يؤيد تلك الخطوة وأنها مجرد إشاعات تستهدف المس بالسلطة الفلسطينية وتماسكها، إلا أن مطالبة الرجوب بأمر رئاسي صادر من عرفات شخصيا لم يبق خيارا لعرفات سوى أن يبلغ الرجوب بالقرار شخصيا في لقاء جمعه مع الرجوب.

ظاهريا قد لا يبدو أن تغيير الرجوب بالمناصرة تغييرا حقيقيا في توجهات ومهام الأمن الوقائي إذ أقيل مسؤول وعين آخر، وبقي الجهاز كما هو ولم يطرأ تقليص لعدد أفراده أو حجم مهماته الأمنية.

ولكن عمليا فإن تلك التغييرات ستبعد الرجوب عن مركز القوة الهام وسيخضع رئيس الأمن الوقائي الجديد لوزير الداخلية، وبهذا النحو يحقق عرفات إنجازين أولهما إبعاد الرجوب الذي كانت إسرائيل والولايات المتحدة تعتبره شريكا أو على الأقل شريكا ثانويا وسط القيادة الجديدة للسلطة، وبذلك يستطيع عرفات أن يظهر وكأنه قام بالإصلاحات المطلوبه وفي نفس الوقت يقضي على إمكانية بروز قيادة بديلة في الوقت الحاضر.

سطوع دحلان وأفول الرجوب


كان بروز دحلان وظهوره طرفا أساسيا في أي تغيير يحدث في هرم السلطة الفلسطينية قد تزامن مع موجة التغييرات التي اجتاحت بنى السلطة الفلسطينية، ويشير ذلك إلى صراع القوى الدائر في أجهزة السلطة على مراكز النفوذ فيها
جاء الإعلان عن تعيين محمد دحلان مستشارا لشؤون الأمن الوطني الفلسطيني، وهو منصب استحدث حديثا في السلطة، ليشير إلى أن محور محمد دحلان مسؤول الأمن الوقائي السابق في قطاع غزة ومحمد رشيد المستشار الاقتصادي لعرفات يحظى بأفضلية في أي تغيير يحدث في قيادة السلطة الفلسطينية.

وكان بروز اسم العقيد محمد دحلان وظهوره طرفا أساسيا في أي تغيير يحدث في هرم السلطة الفلسطينية قد تزامن مع موجة التغييرات التي اجتاحت بنى السلطة الفلسطينية، وقد جاء سطوع نجم دحلان مع أفول نجم الرجوب ليشير إلى صراع القوى الدائر في أجهزة السلطة على مراكز النفوذ فيها.

بدأ الخلاف بين دحلان والرجوب في البروز إلى السطح بعد اقتحام قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي مقر الأمن الوقائي في بيتونيا بالضفة الغربية واعتقال عدد من أعضاء الجهاز وناشطين في حركة حماس واندفاع دحلان وحليفه محمد رشيد إلى اتهام الرجوب بعدم تنفيذ تعليمات عرفات القاضية باطلاق سراح المعتقلين لدى الرجوب، وبدا الرجوب وكأنه متواطئ مع إسرائيل، عندها اندفع الرجوب إلى الدفاع عن نفسه وكال الاتهام لدحلان بأنه هو من أبلغه أن الأميركيين لن يسمحوا لجيش الاحتلال الإسرائيلي بمهاجمة مقر الرجوب كما أشار الرجوب إلى أن دحلان وحليفه رشيد كانوا وراء صفقتي كنيسة المهد ورفع العصار عن عرفات وهما الصفقتان اللتان جوبهتا بنقد شديد في أوساط الشعب الفلسطيني.

ويبدو أن عرفات بإقالته للرجوب وإعادة تكليفه لدحلان بتولي المنصب المستحدث قد حسم الصراع الدائر بين رجاله، هادفا من وراء ذلك إلى التخلص من الرجوب الذي لم يعد مرغوبا به من قبل الأميركان والإسرائيليين والرفض الشعبي الكبير له، كما أنه يضمن بذلك بقاء ولاء محمد دحلان وعدم الدخول في أي محاولة لإقصاء عرفان عن قيادة السلطة الفلسطنية.

من هنا يمكن القول أن محور دحلان رشيد سيكون له دور رئيس في المرحلة القادمة، إذ تكمن أهمية هذا المحور بأنه يمثل قوة سياسية - اقتصادية أمنية نظرا إلى أن دحلان يعتبر أقوى القادة الأمنيين ولديه علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر والسعودية، في حين أن رشيد هو المستشار الاقتصادي الأول لعرفات وحافظ أسراره المالية وهو مقبول أميركيا وإسرائيليا.

شكل السلطة النهائي

شارون وفي الإطار أحمد قريع (أسفل) ومحمود عباس
قد تتجاوب الإدارة الأميركية مع التغييرات التي أحدثها عرفات ودعوات الدول العربية للإبقاء على عرفات على رأس السلطة الفلسطينية كما قد يتجاوب الإسرائيليون مع ذلك الأمر أيضا، إلا أنه من الواضح أن سلطة عرفات وقدرته على الإمساك بكافة خيوط اللعبة لم تعد كما كانت، وسيكون الهاجس الأكبر لدى جميع الأطراف هو مستقبل السلطة بعد غياب عرفات.

يبدو جليا أن إسرائيل تبحث عن شريك يكون أداة أمنية تعمل على حفظ أمن إسرائيل من القوى الفلسطينية لذا فإن الغلبة ستكون للقادة الأمنيين. ولا يعتقد أن تقوم هذه القيادة الجديدة بتقديم تنازلات سياسية أكبر لإسرائيل مما قدمه عرفات إلا إنها ستكون جاهزة لتقديم تنازلات أمنية لإسرائيل وستكون قوى المقاومة الفلسطينية هي المسرح الذي ستستعرض عليه تلك القيادة قوتها ومدى فاعليتها فيما سيكون همها الوحيد المحافظة على سلطتها.

________________
*صحفي وكاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف