بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

- سلطان الصورة
- لعبة الاعترافات
- الإفلاس القيادي
- هدية للمقاومة

لم يشهد التاريخ المعاصر زعيما نصب نفسه وثنا معبودا مثلما فعل صدام حسين، فقد اختصر بلده الفسيح الأرجاء العريق التاريخ في شخصه المهيب، وحوَّله إلى ظل له، ونصب أنواع المراسم والطقوس لعبادته, ولم تتوقف عبادة صدام حسين على العراقيين، بل مدها صدام بماله وإعلامه في الثمانينات إلى كافة أرجاء الوطن العربي الفسيح.

فقد قدسه بعض الصحفيين وسبحوا بحمده، وكان الشعراء يتقاطرون إلى مهرجان "المربد" الشعري في العراق كل عام، ليكيلوا له بسخاء من ثروتهم اللغوية، ويجسدوا فيه فضائل أمة العرب وأمجادها، ويكيل لهم بسخاء من ثروته المالية وثروة غيره، يوم كانت ثروة غيره طوع يده.

كل هذا وهو يقتل أبناء العراق وإيران في حرب عبثية طاحنة، خدمة للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وبتعاون من دول عربية عديدة هي جزء من تلك الاستراتيجية. لكن التاريخ لم يشهد زعيما انتهى بمذلة ومهانة أمام أعين العالم أجمع مثلما حدث لصدام حسين.

وفي رحلة الانتقال من وثن معبود إلى شخص منبوذ عبرة للمعتبر، خصوصا للزعماء العرب الذين رسخوا في شعوبهم الوثنية السياسية، ومنعوها من اكتشاف الذات واحترامها, وهما شرطان لكل إنجاز.

كان في وسع صدام حسين أن يموت مضرجا بدمائه، فيمحو سجله الأسود، ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه، بدلا من حياة الذل وموت الذل التي يواجهها الآن. لكن التاريخ لم يحدثنا عن سيد بذل روحه حرصا على حياة عبيده أو صونا لكرامتهم.

وكان في وسع العراقيين أن يمسحوا عن أنفسهم شيئا من عار الهزائم وظلم الظلمة بالإمساك بخناق صدام وذبحه في الشارع، كما فعلت شعوب حرة بأسلافه من قبل. لكن التاريخ لم يحدثنا عن عباد وثن يجرؤون على تحطيمه.

وشاء القدر أن تكون النهاية مزيجا من المأساة والملهاة: أعظم زعماء العالم فخرا وتضخما للذات يعتقله الغزاة في حفرة موحشة أشعث أغبر وحيدا، وهو ملتح بلحية شهباء، تشبه لحية أعظم علماء وكتاب العراق في القرن العشرين محمد باقر الصدر، الذي ذبحه صدام مطلع الثمانينات.. وكان يدعوه "خميني العراق".

ولم تكن نهاية صدام مهانة له فقط، بل كانت مهانة لجميع العرب والمسلمين في العالم، وأولهم العراقيون الذين نسي بعضهم في غمرة الفرحة برحيل الطاغية أنهم ليسوا من أمسك به. ولا هم من يملك تقرير مصيره أو مصير أنفسهم.

سلطان الصورة


مشهد المهانة في صورة اعتقال صدام حسين جرحت مشاعر الملايين في العالم العربي، وبدلا من دفعهم إلى اليأس والقعود، فقد تدفع بهم إلى الفعل والحركة
وقد عرض الأميركيون أسيرهم صدام حسين في صورة مفزعة، تثير مزيجا من المشاعر، تترواح بين المهانة والإشفاق والتقزز والشماتة. وللصورة في علم الإعلام سلطانها وتأثيرها الخاص، وهي لا تقل تأثيرا عن تأثير الكلمة، بل هي أقوى، وأسهل نفاذا إلى القلوب. وقد أريد للصورة التي خرج – أو أُخرِج - بها صدام أن تخاطب أصنافا شتى من المتلقين، وتثير في كل منهم مشاعر خاصة:

• فالرأي العام الأميركي أريد أن تخاطبه الصورة بلغة العزة والنصر: فهذا هو قائد البلد الذي خرج الجيش الأميركي لغزوه في يد الجنود الأميركيين البواسل، فالتقدم في الحرب موجود إذن، فلا تهونكم قصص موت جنودنا في بغداد يوميا.

• وحلفاء واشنطن داخل العراق وحوله أريد أن تخاطبهم الصورة بلغة القوة والقهر، بحيث تطمئن قلوبهم أن الزعيم الذي طالما رهبوه أصبح اليوم معدودا في سَقَط المتاع. فليس من خوف من عودته أو عودة رجاله إلى الحكم إلى الأبد.

• والمقاومون وأنصارهم خاطبتهم الصورة بلغة التيئيس والتقنيط، فهذا هو "القائد" في صَغار ومذلة تحت يد الفاتح المنتصر، وما عليهم سوى الاستسلام، وهو ما طالبهم به كل من بوش وبريمر في هذه المناسبة.

• وقادة العالم الثالث الخارجين على بيت الطاعة الأميركي – وهم قلة هذه الأيام – أريد لهم أن يأخذوا من الصورة الرعبَ والفزع من أن ينالهم ما نال صدام حسين، إذا لم يبادروا بالتوبة والرجوع إلى بيت الطاعة.

• والرأي العام العربي خاطبته الصورة بلغة التحذير: أن لا يغتر باتباع قائد يتحدث عن القومية ولو مجازا، أو يذكر الإسلام ولو نفاقا، أو يعادي إسرائيل ولو شعارا. وإلا فإن الخيبة والخسران والهزيمة في انتظاره..

بيد أن الصورة سيف ذو حدين: فمشهد المهانة في صورة اعتقال صدام حسين جرحت مشاعر الملايين في العالم العربي، وبدلا من دفعهم إلى اليأس والقعود، فقد تدفع بهم إلى الفعل والحركة.

على أن واشنطن التي اعتادت من العرب خطبا نارية لا يصاحبها تصميم، وأقوالا لا تصدقها أفعال، لا يهمها كثيرا نوعية المشاعر إذا كانت جوفاء. وللأمريكيين نظرة وقراءة خاصة للعقلية العراقية والعربية، عبر عنها بعض قادتهم العسكريين في العراق مؤخرا، هو النقيب تود براون من فرقة المشاة الأميركية الرابعة، بقوله: "لا بد أن تفهم العقلية العربية.. إنهم لا يعرفون غير لغة القوة". وزاد زميله العقيد ساسامان: "أعتقد أننا بجرعات قوية من التخويف والعنف، وبمبالغ مالية كبيرة، يمكن أن نقنع هؤلاء القوم أننا جئنا هنا لمساعدتهم" .

لعبة الاعترافات


خدم صدام أميركا من مخبئه، حيث اتخذت من ذلك ذريعة لاستمرار الاحتلال، وهو سيخدمها في زنزانته، حينما تنسب إليه كل يوم "اعترافات" تورط هذا الطرف أو تحرج ذاك
ومما له صلة بموضوع الصورة ورسالتها، موضوع الاعترافات التي قد يقولها صدام أو تقال على لسانه. فمنذ اللحظات الأولى لاعتقال صدام حسين بدأ تسريب اعترافات على لسانه إلى الصحافة، تخدم أهداف أميركا السياسية والدعائية وأهداف المتعاونين معها من العراقيين. وتضمنت تلك "الاعترافات" تعبيره عن احتقاره للشعب العراقي، وعدم ندمه على مساوئ حكمه. ورسالة تلك الاعترافات – التي قد تصح نسبتها إلى صدام وقد لا تصح – هي تبديد أي تعاطف من العراقيين مع الأسير البائس وهو في السلاسل الأميركية.

ولعل لعبة "الاعترافات" هذه ستكون أعظم مكاسب أميركا من اعتقال صدام حسين مستقبلا، حينما تفقد صورة الاعتقال تأثيرها الإعلامي مع الزمن. إذ تستطيع المجموعة الحاكمة في واشنطن تحقيق مكاسب جمة من اعتقال صدام حسين من خلال "اعترافات" حقيقية أو مزيفة تعزوها إليه من حين لآخر لغايات الحرب النفسية والإعلامية والسياسية، ومن أمثلة "اعترافات" صدام على نفسه التي ستطلع علينا مستقبلا على الراجح:

• اعترافه بأنه كان يمتلك أسلحة دمار شامل. وهو ما سيخفف الضغط السياسي على الرئيس بوش وحزبه داخليا وخارجيا، ويرد بعض ماء الوجه الذي فقده الرئيس الأميركي عالميا بسبب عدم وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق.

• اعترافه بأنه هو الذي أسس المقاومة وقادها خلال كل الفترة الماضية، أملا في أن يفقد ذلك الاعتراف المقاومة شيئا من بريقها في نظر أكثر العراقيين، ممن مقتوا صدام وحكمه، وعانوا على يديه خلال العقود المنصرمة.

• اعترافه أنه تعاون عن كثب مع "القاعدة" وغيرها من منظمات تحاربها واشنطن حاليا، وهو ما يحتاجه الرئيس الأميركي لإضفاء طابع أخلاقي وشرعي على حربه ضد العراق أمام الرأي العام الأميركي.

• اعتراف منه بتورط دول أخرى، تريد واشنطن استهدافها مستقبلا. ومن أمثلة ذلك أن يقول – أو يقال على لسانه – أنه نقل برامجه التسلحية إلى إيران أو سوريا، أو أن الكوريين الشماليين تعاونوا معه، مما سيكون ذريعة مستقبلية لضرب هذه الدول.

• اعتراف منه إن بعض قادة الدول التي عارضت الحرب الأميركية ضد العراق أو شركاتها ساعدته عسكريا في الأعوام الأخيرة. والغرض من ذلك إحراج تلك الدول مثل فرنسا وروسيا.

ونكرر أن المهم ليس ما إذا كانت هذه "الاعترافات" حقيقية أم لا، فلن يكون أغلبها حقيقيا في أحسن الأحوال. إنما المهم هو وظيفتها السياسية والإعلامية.

لقد خدم صدام أميركا من مخبئه، حيث اتخذت من تخويف العراقيين منه ذريعة لاستمرار الاحتلال، وهو سيخدمها في زنزانته، حينما تنسب إليه كل يوم "اعترافات" تورط هذا الطرف أو تحرج ذاك. إنها ورقة رابحة للاستخدام الحقيقي والمفتعل في اتجاهات شتى.

الإفلاس القيادي
ولسقوط صدام واعتقاله بطريقة مهينة علاقة بالإفلاس القيادي الذي تحترق بناره الشعوب العربية، في وقت تكاد تفقد فيه الوجهة. وهو إفلاس يستوي فيه من رفع شعارات التحرير والقومية، ومن جاهر بخيانته.

وحتى الشعب الفلسطيني الذي يعاني من استئصال لايرحم، تعاني قيادته التاريخية من إفلاس مريع. ففي الوقت الذي يبني فيه شارون جداره العنصري ينشغل فيه رئيس الوزراء الفلسطيني بالتغزل بزوجة شارون "ليلى" التي ماتت منذ سبعة أعوام، قائلا: "نعم، نعم، إنني أتذكر ليلى، لقد التقينا في المرة الأولي في معهد واشنطن في العاصمة الأميركية قبل سنوات عديدة. وبعد ذلك التقينا عشرات المرات في مزرعة شارون في النقب.. إنها امرأة فريدة من نوعها، مؤثرة جدا"!! وكأن أحمد قريع مجنون بني عامر هائما في ربى نجد، وليس قائد شعب يعيش مأساة الاستعباد، ويواجه خطر الإبادة. وما كان ينقصه وهو ينازع شارون روح زوجته الميتة سوى أن يترنم ببيت المجنون:

قضاها لغيري وابتلاني بحبها *** فهلاَّ بشيء غيرِ ليلى ابتلانيا!!

لقد جاء اعتقال صدام إدانة للقادة المفلسين من كل الأصناف، ممن تاجروا بشعارات التحرير والتحرر وهم يستعبدون شعوبهم، ومن والوا وتواطأوا مع الذين يستعبدون شعوبهم، ومن قعد بهم الخوف والخور عن فعل شيء لصالح شعوبهم. وكلهم يأخذون ولا يعطون، ويبيعون الأوطان حرصا على الكرسي، ولو انتصب ذلك الكرسي على أشلاء شعوبهم وارتوى من دمائها.

ويبقى الجند المجهولون الذين يعطون ولا يأخذون، هم أمل الأمة المستباحة، لا الزعماء المتألهون الذين يملأون الأفق بصورهم المتضخمة، فيحجبون الرؤية، ويعوقون الحركة.. حتى حركة الراسفين في الأغلال.

هدية للمقاومة


أنهى اعتقال صدام حسين حقبة دامية من تاريخ العراق المعاصر، اتسمت بالوثنية السياسية والمغامرات الدموية لكن الحقبة الآتية لا تزال في ضمير الغيب وهي لن تسلم من آلام المخاض
ويبقى الرابح الأكبر من اعتقال صدام حسين، هو المقاومة العراقية، لا الاستراتيجية الأميركية، وتلك مفارقة أخرى من مفارقات الحدث. فغياب صدام من الصورة يخدم المقاومة ومشروع التحرر العراقي من الاستبداد والاستعمار كليهما. وبيان ذلك:

• أن غياب صدام سحب أكبر ذريعة أميركية للبقاء في العراق، وهو يضع الاحتلال في مأزق سياسي، ويضع السياسيين العراقيين الذين امتطوا دبابات الاحتلال أمام أحد خيارين: إما الإفصاح عن هوياتهم المتواطئة، أو الوقوف إلى جانب شعبهم الذي يطالب برحيل الاستعمار.

• كما أن غياب صدام سيؤدي إلى تقارب الطوائف العراقية، بعد أن يقتنع ضحاياه من الشيعة والأكراد أن إخوانهم من السنة – وهم من ضحاياه أيضا – لا يقاومون الاحتلال دفاعا عن صدام، أو حرصا عليه، كما وصمهم الأميركيون. فلم يعد اتهام المقاومين للاحتلال بمحاولة إرجاع صدام إلى السلطة واردا أو مقنعا.

• ومن فوائد غياب صدام من الصورة الفرز الطبيعي للقوى السياسية العراقية، حتى يتبين للشعب العراقي من يقف في صف الاحتلال حاسرا عن وجهه، غير متستر بستار الديمقراطية ومقاومة للدكتاتور، ويتبين له من يريد الحرية والاستقلال واضح الراية غير ملوث بتراث الدكتاتور وتركته الدموية.

إن الحفرة الموحشة التي كان صدام يختفي فيها بضواحي تكريت هي قبر حقيقي لا مجازي، وهي نصيب صدام من القبر الواسع الذي اختطه لشعبه. كما هي دليل على أن الرجل كان يعيش نهايته وحيدا، وأن لا شأن له بالمقاومة الفتية في العراق. ولم يكن ينقص المقاومة لإقناع الناس بنقاء رايتها غير اعتقال الدكتاتور المدحور.

لقد أنهى اعتقال صدام حسين حقبة دامية من تاريخ العراق المعاصر، اتسمت بالوثنية السياسية والمغامرات الدموية، لكن الحقبة الآتية لا تزال في ضمير الغيب، وهي لن تسلم من آلام المخاض. ويبقى على الشعب أن يمسك بزمام مصيره بعد أن ذاق مرارات تسليم أمره للغير. ويبقى على السياسيين العراقيين أن يدركوا أن الالتحام بالشعب هو الذي يحمي ويُبقِي.

كان عمر بن الخطاب يقول وهو على فراش الموت: "لئن عشت لأدَعنَّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي‏". ولن ينقذ العراق اليوم في هذا المفترق من تاريخه غير القادة الذين يحرصون على أرامل أهل العراق ويتاماهم –وما أكثرهم اليوم- أكثر مما يحرصون على الكرسي والصولجان.
ــــــــــــــــــ
كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : غير معروف