بقلم/ وحيد محمد مفضل

- أسباب البحث عن مصادر بديلة للطاقة
- البترول ومصادر الطاقة البديلة في الميزان
- العرب في زمن اللانفط

الصدمة تعبير لم تعرف أميركا أو كبريات الدول الصناعية الأخرى معناه الحقيقي إلا في سبعينيات القرن الماضي، تحديدا إبان حرب أكتوبر/ تشرين الأول عندما أقدم العرب على خطوة غير مسبوقة بوقف تصدير النفط إلى جميع الدول المساندة لإسرائيل.

إلا أن توابع تلك الخطوة لم تقف عند حد الزج بالبترول في الصراعات الإقليمية واستخدامه سلاحا اقتصاديا وسياسيا ضاغطا، بل امتدت آثارها لأسعار البترول التي سجلت في ذلك الحين مستويات غير مسبوقة، ما سبب أعباء أو صدمات سياسية واقتصادية قاسية لهذه الدول، ولعل هذا هو سبب تسمية هذه الأزمة بالصدمة.

غير أن تلك الدول لم تفق من صدمتها إلا على حقيقة مرة ألا وهي امتلاك العرب لسلاح إستراتيجي خطير وبالغ التأثير. ومن هنا طفقت من ذلك الحين وبقيادة أميركية تبحث حثيثا عن مصادر طاقة بديلة لمنع تكرار تلك الصدمة ولسلب العرب ذلك السلاح الإستراتيجي الذي استخدموه مرة واحدة فقط.

وقد مر تاريخ البحث عن مصادر جديدة للطاقة بفترات من الازدهار وفترات أخرى من الركود، ورغم تحقيق بعض التقدم في هذا الاتجاه إلا أن الطريق لازال طويلا أمام هذا المجال لتحقيق الأغراض والطموحات المنشودة منه.

لذا لم يكن غريبا أن تتكرر الصدمة، فأسعار البترول المباع في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار 2004 التي اقتربت من 40 دولارا للبرميل الواحد قد أحدثت مجددا ثقبا كبيرا في ميزانيات تلك الدول وفي جيوب دافعي الضرائب فيها، ما ألقى بظلال قاتمة على اقتصادها وعلى اقتصاد واستقرار كثير من الدول غيرها.

ويخطئ من يظن أن الدول المستهلكة للبترول هي الخاسر الوحيد في تلك الأزمة وأن في زيادة أسعار النفط كل الربحية ولا خسائر للدول المنتجة، فمع كل دولار زيادة في أسعار البترول يتزايد إصرار الدول الغربية على اكتشاف مصادر بديلة للطاقة.

لاشك أن هذا -إن تحقق- سوف يؤدي لنزع التاج المرصع بالذهب الأسود من على رؤوس الدول النفطية ومعظمها عربية. ولعل هذا ما دفع الأوبك للعمل مؤخرا على محاولة ضخ مزيد من البترول في الأسواق من أجل وقف تصاعد الأسعار، هذا على الرغم من معارضة بعض الدول الأعضاء مثل ليبيا وفنزويلا لهذا الاتجاه. ويمكن القول إن هذا النهج يعبر عن فلسفة دائمة للأوبك في تعاملها مع سوق النفط العالمي.

وفي هذا الصدد ترى الأوبك أن سعر 25 دولارا لبرميل البترول يعتبر عادلا ومرضيا لكلا الطرفين المنتج والمستهلك، بل أن تثبيته عند هذا الحد قد يسهم في تأخير ظهور مصدر طاقة بديل قد يزيح البترول عن عرشه الراسخ.

سبب إضافي هام يدفع الأوبك لاتباع هذا النهج وهو أن ارتفاع أسعار النفط إلى المستوى الحالي يحد بشكل كبير من سرعة النمو الاقتصادي في معظم بلدان العالم لا سيما الصناعية، ما يعني تزايد الكساد العالمي وإضافة مزيد من الأعباء على عالم محدودي الدخل أفرادا وبلدانا.

ولعل زيادة أسعار البنزين والمحروقات في عدد من الدول مؤخرا وما تلا ذلك من إضرابات واضطرابات أفضت في بعض الأحيان لإصابات ووفيات عديدة كما حدث في لبنان ونيجيريا، لعل هذا المشهد يلخص خطورة تداعيات ارتفاع أسعار النفط، ويلخص أيضا سطوة النفط على المجتمع العالمي واقتصادياته. وفي هذا سبب كاف للعديد من الدول لاسيما الكبرى منها للعمل على التخلص بأي شكل من هذه السطوة.

وفي سبيل ذلك يمكن القول إن الدول الصناعية الكبرى تتبع منهجين أساسيين لمعالجة تلك المشكلة، الأول "استعماري" يعتمد على الاستيلاء (عسكريا أو اقتصاديا) على منابع النفط والتحكم في مصادره وتتبنى هذا الاتجاه بالطبع أميركا، والثاني "اجتهادي" يقوم على محاولة تدبير مصدر طاقة آخر بديل عن البترول، وتتصدر هذا الاتجاه دول مثل اليابان وإنجلترا وألمانيا من خلال مساعيها في تحسين جودة وإنتاجية الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على اعتبار أنها واعدة أكثر من غيرها.

غير أنه يمكن إضافة نهج ثالث وسط بينهما تتبعه أحيانا أميركا وبعض الدول الأوروبية، ويتمثل في ممارسة أسلوب الضغط على الأوبك أو الدول المنتجة للنفط من أجل النزول بالأسعار إلى مستويات مرضية.

أما وسائل الضغط فهي كثيرة وليس أقلها فرض الضرائب مثل ضريبة الكربون الشهيرة والتهديد باستخدام الاحتياطي الإستراتيجي الأميركي من النفط وغير ذلك من الوسائل الفاعلة.

أسباب البحث عن مصادر بديلة للطاقة


البترول والوقود الحفري عموما صالح لجميع الأماكن وجميع التطبيقات على خلاف مصادر الطاقة
البديلة الأخرى
وبعيدا عن نظرية المؤامرة فإنه يبدو أن لدى دول العالم غير النفطية أسبابا وجيهة ومنطقية للبحث عن مصادر بديلة للطاقة غير البترول، وتقوم هذه الأسباب على اعتبارات سياسية واقتصادية وبيئية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، أهمها:

- التخلص من عبء ارتفاع أسعار البترول وطفراته الحادة على ما في ذلك من تداعيات سيئة اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا على النحو السابق ذكره.
- منع تكرار استخدام النفط سلاحا اقتصاديا أو سياسيا وسلب الدول النفطية لا سيما العربية وعلى رأسها تلك الدول المتهمة بدعم الإرهاب امتيازا هاما ومؤثرا.
- القلق العالمي المتزايد من نضوب البترول أو نفاد احتياطياته وما سيترتب على ذلك من تداعيات لن تقدر المدنية الحديثة على تحمل تبعاتها.
- التخلص من المشاكل البيئية المترتبة على إنتاج وحرق الوقود الحفري (البترول والغاز الطبيعي والفحم) مثل التلوث وزيادة درجة الحرارة على سطح الأرض وتدمير الموائل الطبيعية وهي مشاكل مقلقة يعاني منها كل العالم حاليا.

وهذه الأسباب لا تعني في مجملها إلا أن الدول الصناعية جادة في هذا المسعى بدرجة كبيرة، بل إن دولا مثل أميركا واليابان وألمانيا وإنجلترا والنرويج وهولندا قد حققت بالفعل نجاحات بارزة على هذا المستوى، على الأخص في مجال إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية.

وقراءة إحصائيات الاستهلاك العالمي للطاقة توضح أن النفط الخام يغطي حاليا حوالي 36% من الاحتياجات العالمية بينما يسهم الغاز الطبيعي بحوالي 24%، والفحم الحجري 25% والمصادر الأخرى المتجددة بنسبة 15%. إلا أن التوقعات المستقبلية لمساهمة الأخيرة في حجم المستهلك عالميا سوف تصل إلى 30% بحلول العام 2030 وهذا يعني تزايد التوجه نحو هذه المصادر.

البترول ومصادر الطاقة البديلة في الميزان


ارتباط البترول بحتمية نضوبه وجفاف منابعه يعيد بعض أو كل الاتزان لمستقبل مصادر الطاقة البديلة
وعلى هذا النحو فإن مستقبل الطاقة لا يبدو في صالح البترول أو بقية أنواع الوقود الحفري، وقد عرف العالم بالفعل ومنذ منتصف السبعينيات عدة مصادر أخرى بديلة ومتجددة.

وإذا طرحنا الطاقة النووية جانبا فإن أبرز هذه المصادر تشمل الطاقة الحيوية المنتجة من الأخشاب ومخلفات الكائنات ونشاء الذرة والطاقة الحرارية المستخرجة من باطن الأرض والطاقة الشمسية المعتمدة على حرارة أو ضوء الشمس وطاقة الرياح والطاقة الهيدروكهربائية.

ولكل من هذه المصادر ميزات وعيوب وإن اشتركت جميعا في كونها لازالت في مرحلة التطوير، أما عن المصاعب المقترنة بها فهي ارتفاع تكلفة إنتاجها وصعوبة تخزين بعضها أو تحويله لطاقة كهربائية وضرورة توافر تضاريس أو ظروف مناخية محددة لإنتاجها. وتعتلي الطاقة الشمسية قمة هذه المصادر لما حققته من تقدم ولما تتميز به من "نظافة" لا تقارن.

وفي المقابل فإن من أهم ميزات البترول والوقود الحفري عموما هو أنه صالح لجميع الأماكن وجميع التطبيقات خلافا للمصادر الجديدة الأخرى، فالطاقة الشمسية قد تقيد بعدم سطوع الشمس بالقدر الكافي في كثير من البلدان، وطواحين الهواء يرتبط إنشاؤها بتضاريس معينة وعوامل جوية خاصة لا تتوافر في جميع الأماكن، والطاقة النووية ترتبط بتوافر تقنيات وكوادر معقدة ومكلفة ليست متاحة لمعظم البلدان، وعلى هذا النحو يمكن الحديث عن بقية المصادر. وهذا يعني أن للبترول وأقرانه ميزة مسبقة تتيح له سيادة عرش الطاقة لسنوات طويلة قادمة.

غير أن ارتباط البترول أيضا بحقيقة أخرى لا يمكن إنكارها وهي حتمية نضوبه وجفاف منابعه يعيد بعض أو كل الاتزان لمستقبل مصادر الطاقة البديلة.

وإذا أضفنا إلى هذا نظافة معظم هذه المصادر مقارنة بالبترول وهي صفة أصبحت حيوية بعد تزايد الاتهامات عن مسؤولية الوقود الحفري في معاناة سكان الأرض من ظاهرة الاحتباس الحراري وغيرها من المشاكل البيئية المقلقة الأخرى، فإن مستقبل الكفتين تبدو متزنة بعض الشيء.

وهناك بالفعل مؤشرات تدعم هذه الرؤية، فكل أسبوع يزداد عدد المنازل والمنشآت الأميركية التي تعتمد على أحد مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح بمقدار الآلاف.

يؤكد هذا زيادة المستهلك من هذه المصادر في أميركا بنسبة 10% بين العامين 2001 و2002، هذا فضلا عن التوقعات المستقبلية التي ترجح أن توفي مصادر الطاقة المتجددة بحوالي ربع احتياجات كل من بريطانيا وألمانيا من الطاقة بحلول العام 2025، والنسبة لا تختلف كثيرا في معظم الدول الناهضة مثل الهند والصين.


يجدر بالدول النفطية أن تعد اقتصادها من الآن لزمن اللانفط بتجهيز بدائل تنموية أخرى تستطيع معها أن تواصل عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمجتمعاتها المرفهة

العرب في زمن اللانفط
وسواء كان سبب أزمة البترول الأخيرة تعاظم اقتصاديات الصين وأميركا وزيادة طلبهما على البترول أو كان الظلال القاتمة للقلاقل والاضطرابات التي لا تهدأ في العراق وآثار ذلك على بتروله أو تداعيات العمليات الإرهابية في الخُبر وتأثيرها على إنتاج البترول السعودي أو زيادة الطلب العالمي على البترول مع قدوم الصيف مع قلة المعروض منه، أو غير ذلك من الأسباب فإن الواقع يقول إنها لن تكون آخر الأزمات ويقول أيضا إن زمن البترول الرخيص قد ولى، حسب وصف مجلة الناشيونال جيوجرافيك في يونيو/ حزيران 2004 ومصادر أخرى عديدة.

وهذا يعني أن جهود الدول الصناعية الكبرى لن تهدأ حتى يتم تدبير مصدر طاقة بديل ورخيص يريحها ويعفيها من نار أسعار النفط وتوابع أزماته المقلقة.

من هنا لا ينبغي على الدول النفطية خاصة العربية أن تسعد كليا للمكاسب العاجلة التي تتحصل عليها من وراء ارتفاع أسعار النفط، فقد تؤدي نفس هذه المكاسب إلى خسائر آجلة كبيرة لا تقدر عليها خزاناتها أو ميزانياتها.

كما يجدر بها أن تقلق مرتين، مرة بسبب تزايد احتمالات زلزلة عرش البترول، ومرة بسبب حتمية نضوب مخزونه ونفاذ احتياطياته. وليس بمستبعد أن يتحقق هذا قريبا، فمعظم التقديرات تشير إلى أن ديمومة البترول واحتياطياته لن تصمد أمام الاستهلاك العالمي المتنامي أكثر من خمسة عقود على أكثر تقدير.

وبعيدا عن التوقعات والتقديرات فإنه يجدر بتلك الدول على أي حال أن تعد اقتصادها من الآن لزمن اللانفط، وينبغي عليها أن تجهز بدائل تنموية أخرى تستطيع معها أن تواصل عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمجتمعاتها المرفهة.

ولعل دولا مثل السعودية والإمارات وقطر، وهي التى انتبهت لهذه الحقيقة منذ فترة وقطعت بالفعل خطوات جادة في هذا الاتجاه، تمثل القدوة لدول عربية أخرى لم يصل مدى رؤيتها إلى أبعد من إعداد خطط خمسية نمطية وتخلو من أي فكر مستقبلي أو إستراتيجي حقيقي.

ولا بأس أن تبدأ الاستثمارات في الطاقة الشمسية، وهي الأوفر حظا مقارنة بمصادر الطاقة الواعدة الأخرى، كما أنها الأنسب لجغرافيتنا ولمناخنا. ولعل الجميع ينتبه إلى أهمية الاستثمار في الإنسان والبعد عن النمط الاستهلاكي السائد حاليا في حياتنا، فلا جدال أن الإنسان ثروة لا تنضب ولا يمكن أن يزلزل أركانه أحد، لذا فإن في إعداده وتنميته أفضل اختيار لمواجهة متغيرات وتقلبات المستقبل.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف