* بقلم/غراهام فولر

دخلت الولايات المتحدة الأميركية عهداً جديداً في تاريخها في الشرق الأوسط، فللمرة الأولى تصبح أمة إمبريالية ذات أبعاد إمبراطورية. وسبق أن شهدنا التدخلات الأميركية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية -مرتين في لبنان وفي ليبيا والسودان وكذلك الأمر في العراق عام 1991- أما هذه فقد كانت المرة الأولى التي تتولى فيها الولايات المتحدة المسؤولية المباشرة لحكم دولة من دول المنطقة.


القوى العالمية ترغب في التعاون مع الولايات المتحدة على أساس المصالح المشتركة لكنها ترفض الإملاءات
الأميركية

إن حكم الولايات المتحدة للعراق سيشكل اختباراً قاسياً لقدرتها وإستراتيجيتها. وفي نهاية المطاف ربما تصبح غير قادرة على الوفاء بمثل هذا النوع من الالتزام الإمبريالي، ليس لأنها تفتقر إلى القدر اللازم من الكفاءة، بل لأنها دولة تفتقر إلى النزعة والتقاليد الإمبريالية. فإلى متى ستظل الولايات المتحدة في العراق؟

ومن المثير للاهتمام أن العديد من منتقدي الولايات المتحدة خلال العقود الماضية كانوا يركزون على أن واضعي السياسة الخارجية الأميركية يفتقرون إلى الرؤية الإستراتيجية. وقد وصفوا سياسات الولايات المتحدة بأنها وليدة اللحظة ولمعالجة القضايا العاجلة، وليست مبنية على رؤية مستقبلية بعيدة المدى. فخلال حقبة الحرب الباردة كان لسياسة الولايات المتحدة -ضد الاتحاد السوفياتي آنذاك- هدف واضح، إلا أن هذا الوضوح في الأهداف لم يعد له وجود بعد انتهاء تلك الحقبة.

أما المحافظون الجدد هذه الأيام، فقد فرضوا هيمنتهم السياسية على المسؤولين في واشنطن، وهم في الحقيقة لديهم رؤية مستقبلية بعيدة المدى إلا أنها رؤية خاطئة. فهي ترى العالم الجديد باعتباره منطقة خطرة –وهذا صحيح– إلا أنها تسعى لقيام الولايات المتحدة بدور الشرطي لمواجهة الأزمات الدولية. كما تفضل أن تتصرف الولايات المتحدة بمفردها سعياً لفرض هيمنتها الكاملة على العالم في مواجهة منافسيها، وحتى ضد الأوروبيين. والنتيجة هي إقصاء الولايات المتحدة لمعظم القوى العالمية التي ترفض الإذعان لهيمنتها. مع العلم أن هذه القوى ترغب في التعاون مع الولايات المتحدة على أساس المصالح المشتركة، إلا أنها ترفض الإملاءات الأميركية.

ونشاهد في العراق اليوم تداعيات مثل هذه السياسة الأميركية. فقد كانت الحملة العسكرية ضد صدام حسين موفقة، إذ أثبتت ضعف الجيش العراقي، وفقدان صدام للتأييد الشعبي داخل بلاده.


اهتمام الأميركيين غير منصب على السياسة الخارجية، والصحافة الأميركية لا تقدم رؤية واضحة للأزمات العالمية التي تهيمن عليها أفكار المحافظين الجدد
إلا أنه بعد الانتصار في الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة منفردة بشكل أساسي إلا من بعض الدعم البريطاني، تواجه الولايات المتحدة اليوم العديد من المعضلات في محاولتها لحكم العراق الجديد.

ولا يدهشنا كثيراً عزوف معظم الدول عن مشاركة الولايات المتحدة في تحمل أعباء حكم العراق، فقد رفضت واشنطن تدخل الأمم المتحدة في المشكلة العراقية قبل نشوب الحرب، وهي الآن في أمس الحاجة إلى مساعدة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. وقد لا يتوفر الكثير من الدعم، مما يشكل بداية غير مبشرة لبناء الإمبراطورية الأميركية.

ومما يقلقني كثيراً عندما أشاهد التغطية الإخبارية لأحداث الشرق الأوسط، مدى بعد الأميركيين عن الحقيقة. إذ أننا نملك المئات من قنوات الإرسال التلفزيوني إلا أن جميعها تقريباً لا يعكس حقيقة ما يدور في المنطقة، كما أنها لا تبدو راغبة في ذلك.

فالأميركيون يركزون القليل جداً من اهتمامهم على السياسة الخارجية، كما أن الصحافة الأميركية لا تقدم رؤية واضحة للمشاكل والأزمات العالمية التي تهيمن عليها أفكار المحافظين الجدد. وهناك القليل من الصحفيين الموجودين بالمنطقة ممن يملكون فهماً واضحاً لثقافة الشرق الأوسط، والقليل منهم يتحدث العربية. نتيجة لذلك فهم يفشلون في إدراك طبيعة أحاسيس ومواقف العرب والعراقيين, مما يشكّل كارثة بالنسبة لواشنطن إذا ما أرادت أن تقيم إمبراطورية. وهناك حالة استثنائية من بين الصحفيين الأميركيين، هي أنتوني شديد الذي يكتب لصحيفة واشنطن بوست، لفهمه العميق لتقاليد وأحاسيس العراقيين اليوم.

ومما يبعث على الأسى أن المحافظين الجدد واللوبي الموالي لإسرائيل قد حققوا نجاحاً كبيراً في تفسير مشاكل المنطقة وفق مصطلحاتهم الخاصة. ففي فلسطين هناك مشكلة تتعلق بالإرهاب، بينما سبب المشكلة وهو الاحتلال الإسرائيلي لا يدخل في نطاق تحليل المشكلة. وبالمثل، هناك تركيز دائم في العراق على المقاومة التابعة للقوى المؤيدة لصدام، بينما هناك القليل من التقدير للعديد من العراقيين ممن يكرهون صدام حسين، ولكنهم يعارضون احتلالاً أميركياً عسكرياً طويل الأمد.


واشنطن على دراية بكيفية تسليط نفوذها بقوة ولكنها ليست ملمة بالاحتياجات اللازمة لاحتلال وإدارة أقطار الشرق الأوسط
وبالطبع هناك وجود مكثف للاستخبارات الأميركية في العراق، إلا أن القدر الأكبر من الجهود الاستخباراتية موجه نحو أغراض عسكرية وأمنية وليس نحو الواقع السياسي للبلاد. علاوة على ذلك فإن التخطيط للسياسات يتم في واشنطن بحيث تبدو مواقف إدارة الرئيس بوش معزولة تماماً عما يدور على أرض الواقع داخل العراق.

ولم يفت الأوان بعد بالنسبة لحاكم العراق بول بريمر لكسب نوع من التأييد الشعبي لدى الشعب العراقي إذا نجح بوقت قصير في بناء مؤسسات عراقية تعنى بالحكم الذاتي. إلا أن من الواضح أن الوقت ينفد بسرعة، مما يدفعني للشك في نجاح بريمر في إنجاز المهام المعقدة التي يواجهها حالياً قبل أن تستفحل المقاومة للاحتلال الأميركي، بما في ذلك المقاومة المسلحة. كما أن الخسائر بين صفوف القوات الأميركية ليست كبيرة بالمعايير العسكرية، ولكنها تبدو أكثر أهمية بالمعايير السياسية.

أما الشعب الأميركي فهو لا يفكر بشكل أساسي وفق معايير إستراتيجية وأيديولوجية، فمعظم الأميركيين لا يولون سوى القليل من الاهتمام لشؤون الإمبراطوريات، لأن الأمر ليس ضمن تقاليدهم الوطنية. فواشنطن على دراية بكيفية تسليط نفوذها بقوة، ولكنها ليست ملمة بالاحتياجات اللازمة لاحتلال وإدارة أقطار الشرق الأوسط. فقد علمت من أصدقائي البريطانيين أن النجاح الذي حققته بريطانيا خلال مائتي عام من الحكم الإمبريالي، هو أن بريطانيا لم يكن يهمها ما يفكر فيه الناس في المستعمرات. ولكن الأميركيين يهمهم كثيراً ما يفكر فيه الناس، وهذا ما يجعلهم مستعمرين غير لائقين.

إذن هناك سؤال هام، وهو إلى أي مدى يمكن للأميركيين الاستمرار في دعم سياسات الرئيس بوش في العراق؟

فخلال الخمسة عشر شهراً القادمة ستجري انتخابات أميركية، وإذا ظل الجنود الأميركيون يموتون كل يوم فإن الجمهور الأميركي سيقف موقفاً سلبياً من سياسة حكومته في العراق، إلا أنه على استعداد للتضحية إذا كان الهدف يستحق ذلك.

ولكن لم يكن الشعب الأميركي متحمساً لشن الحرب ضد العراق، رغم أن العديد من الأميركيين منح الرئيس بوش فرصة الاستفادة من الشكوك بنظام صدام حسين وبالتالي القبول بالمبررات التي ساقها بضرورة الإطاحة به.


على أميركا البقاء في العراق لمدة تكفي لإقامة حكومة فاعلة، وبعدها يتولى العراقيون كل شيء بأنفسهم
أما الآن، فإن الشعب الأميركي لا يعير اهتماماً للعراق، فصدام ليس موجوداً على الساحة بعد إسقاط نظام الطاغية ولا يوجد أي تهديد بسبب أسلحة الدمار الشامل كما كان في السابق. وعليه فالاهتمام الشعبي ضئيل بمشروع "بناء الدولة العراقية"، ومن الواضح أن الاحتلال لم يحقق بعد النتائج التي سعى إليها الرئيس بوش.

إنني أعتقد أن على واشنطن البقاء في العراق لمدة تكفي لإقامة حكومة فاعلة، وحفظ النظام العام، والإشراف على كتابة دستور جديد، وإعادة تشكيل قوات مسلحة، وضمان عدم استيلاء أي مجموعة منفردة -سنة أو شيعة أو أكرادا- على البلاد بالقوة. ولكن أقصى ما تستطيع الولايات المتحدة فعله هو وضع أساس وإطار محدد، وبعدها يتولى العراقيون كل شيء بأنفسهم.

وفي واشنطن يحتدم الصراع الآن في اتجاهين: فهناك فئة تتمسك بفكرة إنشاء عراق جديد، يكون صديقاً للولايات المتحدة ويحكم على أساس ديمقراطي كجزء من "الشرق الأوسط الجديد". أما الفئة الثانية وهم المستشارون من الساسة المحليين المتحلقين حول الرئيس جورج بوش، فهي تخشى من أن تؤدي مشاكل العراق إلى القضاء على فرص إعادة انتخاب الرئيس بوش.

وبالنسبة للفئة الثانية، فإن الأجندة الوطنية هي أكثر أهمية من أجندة السياسة الخارجية، كما أنها لا تعير اهتماماً كبيراً لنظرية المحافظين الجدد لبناء إمبراطورية أميركية في المستقبل.

وهنا أؤكد أن مجموعة السياسيين الوطنيين هذه قد بدأت بالفعل في رسم الخطط لواشنطن لكي تعلن نجاح مهمتها في العراق، ومن ثم العودة إلى أميركا في وقت ما خلال الاثني عشر شهرا القادمة، حتى يمكن تحرير الرئيس من أعبائه العراقية بحلول موعد الانتخابات الأميركية.

وسيعارض المحافظون الجدد هذه الإستراتيجية على أساس أنه لن يعقل أن تتحول كل هذه القوة العسكرية الأميركية إلى فشل سياسي خلال هذه الفترة القصيرة. فهل هذا ما نريده للعراق؟
ــــــــــــــــــ
* كاتب أميركي

المصدر : غير معروف