* بقلم/ منير شفيق

ما من إدارة أميركية غير إدارة الرئيس جورج دبليو بوش كانت ستذهب إلى الحرب (العدوان) على العراق في ظل كل ما يواجهها من المعارضة العالمية والأميركية الداخلية الواسعة جداً.


توماس فريدمان: نسبة المعارضين للحرب أعلى كثيراً مما تظهره استطلاعات الرأي

فكم من حروب دخلتها الولايات المتحدة من قبل، ولكن ما من حرب شنتها دون أن يكون هنالك إجماع وطني داخلي وأغلبية ظاهرة في التأييد من جانب الرأي العام الأميركي، لأن الحرب مسؤولية كبرى ولها نتائج خطيرة على الدولة، وتحتاج إلى أن تتابع أهدافها بعد انتهائها في حالة انتقال الإدارة من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي أو العكس، أو عند مجيء رئيس آخر وبفريق مختلف حتى من داخل الحزب الواحد.

مشكلة الإدارة الحالية أنها تخوض حرباً في ظل انقسام داخلي على مستوى القيادات صاحبة الرأي والنفوذ والتي تتداول على السلطة من دون أن تؤمن رأيا عاما، بدليل تواصل التظاهرات (أصغرها أكبر من تظاهرات حرب فيتنام) في كل المدن الأميركية ضد الحرب، وهو ما أكدته أغلب استطلاعات الرأي العام. وقد شكك توماس فريدمان في صحتها من حيث نسبة معارضي الحرب، واعتبر أن نسبتهم أعلى كثيراً مما تظهره الاستطلاعات.

ولا تفسير لهذا الخروج على القاعدة سوى المراهنة على كبت المعارضة عند شن الحرب تحت حجة أن الأمة يجب أن تتحد لئلا يؤثر الانقسام في معنويات الجنود، ولئلا تتهم المعارضة بخيانة أميركا في حال الحرب. ولكن شتان بين وحدة تحت الابتزاز ووحدة حقيقية تقوم على أساس إجماع وطني. ويظهر الفارق بعد انتهاء الحرب حيث سيعود الانقسام أشد من السابق.


إدارة بوش لم تستطع أن تكسب حتى تأييد جارتيها كندا والمكسيك ولم تتمكن من الحصول على الأصوات التسعة في مجلس الأمن رغم الضغوط الهائلة التي مارستها أو الإغراءات التي عرضتها

العامل الثاني الذي ما كان ليسمح بشن الحرب لو كانت هنالك أي إدارة أميركية أخرى، يتمثل في هزال التحالف الدولي الذي يؤيد إدارة الرئيس بوش كيفاً وكماً، وفي المقابل ضخامة المعارضة الدولية للحرب كيفاً وكماً. كذلك إلى جانب معارضة رأي عام عالمي شبه جماعي، فإن إدارة بوش لم تستطع أن تكسب حتى تأييد جارتيها كندا والمكسيك، وهذا ملفت جداَ. كما لم تتمكن من الحصول على أغلبية تسعة أصوات في مجلس الأمن رغم الضغوط الهائلة التي مارستها أو الإغراءات التي عرضتها.

وأما الشذوذ البريطاني الذي وقف إلى جانبها وجر معه إسبانيا وأستراليا فما ينبغي أن يعتد به لأنه ولد ضعيفا مهتزا بسبب المعارضة له، فتوني بلير الآن يواجه عزلة ويتهدده السقوط بعد الحرب من قبل المعارضة في حزبه نفسه.

وإسبانيا أعلنت أنها لن تشارك بجنودها في الحرب رغم تأييد رئيس وزرائها لها، والذي يواجه معارضة داخلية وصلت 94%. وليس وضع رئيس وزراء أستراليا جون هوارد بأحسن حال من حيث ما يلاقيه من معارضة وإحراج داخلي.

أما تأييد اليابان فيرجع إلى حاجتها في هذا الظرف بالذات إلى مساندة أميركا في مواجهة المشكلة الكورية وقنبلتها النووية وليس نتاج قناعة. ومن ثم لا يبقى غير بعض دول أوروبا الشرقية وتأييد قيادات ضعيفة لا قيمة مادية أو سياسية لها، وقد وضعت نفسها في تعارض مع الجغرافية الأوروبية، الأمر الذي سيهزها في أول انتخابات قادمة لا سيما وأن قطاعاً كبيراَ من الرأي العام في أغلب تلك الدول يقف ضد الحرب.

ثم هنالك عامل آخر أخلت به هذه الإدارة الأميركية الحالية وهو ضعف حجتها في تعزيز دعواها، فرغم الجهود المضنية لتقديم قضية قوية وصلت إلى حد تزوير بعض الوثائق والمعلومات، فإنها لم تستطع إقناع أحد، ولا سيما بعدما جاءت تقارير رئيس "أنموفيك" هانز بليكس ورئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية محمد البرادعي في غير مصلحة الادعاءات الأميركية، مما شكل قناعة لدى من يريدون نزع سلاح الدمار الشامل أن المعني بعمل لجان التفتيش سيحقق النتيجة المنشودة، ولا حاجة إلى استخدام القوة العسكرية.


الإدارة الأميركية الحالية شكلت شذوذا صارخا حتى بمقياس الإدارات الأميركية السابقة

ومن هنا يمكن القول إن هذه الإدارة شكلت شذوذا صارخا حتى بمقياس الإدارات الأميركية السابقة، وهو ما لا تفسير له إلا من خلال فهم طبيعة الفريق العامل مع جورج بوش، لأنه هو المسؤول عن القرار الأميركي ودفع الأمور إلى درجة الحرب.

فهذا الفريق مشكل من طرف لا يؤمن إلا بالعضلات العسكرية في العلاقات الدولية، وأهم رموزه وزير الدفاع دونالد رمسفيلد، ونائب الرئيس ديك تشيني، وهنالك طرف يهودي صهيوني صرف يحمل أهداف المشروع الصهيوني إسرائيليا وعالمياً، وطرف ثالث مسيحي توراتي متصهين عقيدة عارضته غالبية الكنائس المسيحية داخل الولايات المتحدة وكل الكنائس المسيحية خارجها، وأهم رموزه وزير العدل جون آشكروفت، والرئيس بوش نفسه.

وبهذا تكون الإدارة الأميركية تتشكل من تركيبة متطرفة متصهينة تحمل هدفين أساسيين من وراء الحرب:

  • الأول يتعلق بالمشروع الصهيوني الإسرائيلي مما يجعل احتلال العراق ووضعه ضمن إستراتيجية المشروع الإسرائيلي رغبة محمومة إلى حد تجاهل كل ما عداها، ولو من خلال الخروج على تقاليد الإدارات الأميركية في الذهاب إلى الحرب وبناء العلاقات الدولية.
  • أما الهدف الثاني فهو استخدام العراق ونفطه سلاحاً من أجل إخضاع الدول الكبرى الأخرى، وبناء نظام عالمي يقوم على دكتاتورية عسكرية سياسية اقتصادية ثقافية يتحكم فيها ذلك الفريق الذي يسعى إلى إحداث تغييرات داخلية في الولايات المتحدة، وذلك لضمان دورة ثانية لبوش، بل وتأمين ديمومة هيمنة اتجاه ذلك المركّب آنف الذكر على الإدارات الأميركية اللاحقة في القرن الواحد والعشرين.

ومن هنا يمكن أن يفسر قرار الحرب ضد العراق كتحد لكل المعارضة العالمية والداخلية التي كان يفترض بأي إدارة أميركية غير الحالية أن تراعيها، كما يمكن أن يعطي إشارات لما سينشأ من أوضاع خارج أي سيطرة بالضرورة في العراق والمنطقة والعالم، لأن كل التناقضات التي فجرها فريق إدارة بوش داخلياً وعالمياَ، عراقيا وعربيا وإسلاميا، تفاقمت بعد قرار شن الحرب، ولن يكبتها الخوف من الصواريخ والطائرات وزحف الدبابات، بل سوف تتفاقم أكثر بعد أن تضع الحرب أوزارها.

كل ذلك مادام هذا الفريق يتحكم بالسياسة الأميركية ولا يعرف مخاطبة الآخرين إلا بلغة القوة ولا يقبل من الدول الأخرى كبيرها وصغيرها وحتى من أقرب حلفائه بريطانيا إلا التبعية الكاملة، الأمر الذي يتعارض مع المصالح العليا له ولدول العالم وشعوبه تعارضاً عدائيا، ويتصادم مع العقلانية والدبلوماسية والمساومة والحلول الوسط تصادما صارخا، ومن ثم ليس أمامه غير العزلة وكثرة المعارضين والمقاومين. فهو يمضي بالمناطحة حتى يوهن قرنه، وقد تأتيه الضربة القاضية من صناديق الانتخاب بعد سنتين في الولايات المتحدة، أو سيذهب بأميركا كلها في طريق التدهور والفشل.
ـــــــــــــــ
* محلل وكاتب ومفكر فلسطيني

المصدر : غير معروف