أحد ضحايا أحداث العنف في انتخابات الرئاسة التي أجريت في ديسمبر 2000 في ساحل العاج والتي فاز بها الرئيس لوران غباغبو

بقلم/ محمد جميل بن منصور*

- المساحة: 322460 كم2
- السكان: 16.3 مليون نسمة
- مسيحيون:34%
- مسلمون: 27%
- لا دينيون: 21%
- الأرواحيون: 15%
- ديانات أخرى: 3%


من المنتظر أن يختتم الملتقى الوطني الذي دعا له الرئيس العاجي لوران غباغبو 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، أعماله في العاشر من شهر ديسمبر القادم في العاصمة أبيدجان وذلك بعد مشاركة زعيم تجمع الجمهوريين المنتظرة في الملتقى, ومن المعروف أن الملتقى الوطني مبادرة سياسية أطلقها الرئيس لوران غباغبو بعد أن تأزمت الأوضاع الداخلية في البلاد وبعد أن
عكست آخر انتخابات بلدية وضعا سياسيا بدا فيه الحزب الحاكم ضعيفا بالمقارنة مع منافسه الرئيس الذي يقوده المعارض المخضرم الحسن وتارا.

جذور الأزمة في ساحل العاج

محطات تاريخية
- 7/8/1960استقلت عن فرنسا
- 1993 وفاة الرئيس المؤسس فليكس هوفوت بونييه، وتعيين رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) هنري كونان بيدييه رئيسا
- 1995 انتخاب بيدييه رئيسا في انتخابات استبعد منها المعارض الشمالي المسلم الحسن وتارا بدعوى أصله البوركنابي
- 25/12/1999 الجيش ينقلب على بيديه والجنرال روبير غي يسيطر على مقاليد ىالسلطة
- 26/10/2000 انتخاب لوران غباغبو بعد منافسة مع غي انهت بهروبه في انتخابات قاطعها وتارا.

سيطر على دولة ساحل العاج حتى سنة 1990 حزب حاكم واحد هو الحزب الديمقراطي لساحل العاج الذي أسسه وقاده لحين وفاته عام 1993 الرئيس السابق هوفوت بونييه الذي لم يكن منافسا على قيادة البلاد كونه مسيحيا ولسمعته الطيبة في أوساط المسلمين، ثم لدوره في استقلال البلاد ونيلها مكانتها الإقليمية والدولية.
وقبيل وفاته بثلاث سنوات شهدت البلاد طرح مسألة خلافة الرئيس العجوز مما تطلب من الأخير استدعاء الحسن وتارا ذي المصداقية الخارجية والمكانة الداخلية ليتولى حقيبة رئيس الوزراء مخولا إياه صلاحيات تنفيذية واسعة مما أثار حفيظة المحافظين في حزب السلطة وعلى رأسهم رئيس الجمعية الوطنية حينها هنري كونان بيديه.


وهكذا وبشكل مبكر وفي حياة العجوز برز قطبا الصراع المسيحي: بيدييه والمعول على نصر دستوري يخول رئيس البرلمان خلافة رئيس الدولة والمسلم وتارا الذي أعطاه العجوز ثقته ومنحه قدرا من الصلاحيات، ولم يكن صعبا على هنري كونان بيدييه حسم المعركة لصالحه مادام الدستور في صفه وأغلب قيادات البلاد تدعمه لأسباب دينية وسياسية وهو ما كان فور وفاة هوفوت بونييه ومن ذلك الوقت بدأت أزمة ساحل العاج:
  • رئيس الدولة يبدأ حملته ضد وتارا ويثير قضية الجنسية متهما منافسه بالأصل البوركينابي واستدعى لذلك منظر القومية العاجية استاذ القانون نيامكي كوفي وذلك تمهيدا لقطع الطريق أمام وتارا في الانتخابات الرئاسية عام 1995.
  • الحسن وتارا بدأ بتجميع أنصاره وأسس حزبا سياسيا أسماه تجمع الجمهوريين، وقرر خوض المعركة يدعمه سند شعبي واضح في الداخل ومصداقية خارجية وفرتها له تجربته في صندوق النقد الدولي الذي كان يشغل وظيفة نائب رئيسه.
  • لوران غباغبو وحزبه اليساري الجبهة الشعبية العاجية يشرعان في توظيف الصراع وإبراز البديل عن الطرفين.

وقد أخذ التوزع السياسي منحا عرقيا واضحا حيث أصبحت قاعدة الحزب الحاكم الحزب الديمقراطي لساحل العاج الذي يتزعمه رئيس الدولة بيدييه قومية (باولي) القاطنة في الوسط والشرق بينما انحاز أهل الشمال وأغلبهم من قومية (جولي) للحسن وتارا وحزبه الذي نجح رغم اعتماده على المسلمين في اجتذاب عناصر مسيحية من بينها الأمينة العامة للحزب هانريت جيابيتا واختارت قومية (بتى) حزب الجبهة الشعبية العاجية برئاسة غباغبو.

ورغم نجاح رئيس الدولة في حسم المعركة لصالحه واقصائه الطرفين الآخرين عمليا واجتيازه عتبة انتخابات الرئاسة عام 1999 فإن الظرف الاقتصادي وآثار التجاذب العرقي والسياسي دفعت كلها الأوضاع لمزيد من التأزم الذي كان الخلفية الأساسية لانقلاب حضرته ونفذته عناصر الجيش الشابة المسلمة في أغلبها واستفاد منه بعض كبار الضباط يتقدمهم الجنرال روبرت غي.

الجيش يستولي على السلطة في ساحل العاج

روبرت غي
حين استلم الجيش السلطة بعد انقلاب 24/12/1999، وأعلن الانقلابيون أنهم سيعيدون السلطة إثر انتخابات ديمقراطية بدات الخريطة السياسية في التشكل مفرزة صراعا ثنائيا هذه المرة بين تجمع الجمهوريين بزعامة الحسن وتارا والجبهة الشعبية بقيادة لوران غباغبو وذلك بعد فرار الرئيس بيدييه ونشوب صراعات داخل حزبه (الحزب الحاكم إلى حد الانقلاب) ورغم وجود عناصر من الجيش مقربة من الحسن وتارا ورغم الدور المتميز للضباط الشباب (مسلمون) في إنجاز الانقلاب فإن الكفة مالت بسرعة لصالح الجنرال غي وحلفائه يدعمهم في ذلك جهاز دولة ظل المسيحيون يسيطرون عليه منذ زمن غير قصير.

ولم يفت على لوران غباغبو وهو السياسي المحنك أن يستفيد من الوضعية ويذكي الصراع بين الجنرال الرئيس وبين المرشح الأقوى حينها الحسن وتارا وموظفا في ذلك العوامل الدينية والحساسيات الشخصية، وهكذا شجع مدعوما في ذلك بمجمع الكنائس الجنرال غي على الترشح للرئاسة وإثارة موضوع الجنسية العاجية وهو ما أقدم عليه الحاكم العسكري مما أعاد الوضعية للصفر وفجر الأزمة من جديد.

وبعد شد وجذب ومناورات مضادة أقصي الحسن وتارا من الترشح للرئاسة وعومل أنصاره بقساوة وضرب مقر إقامته بالمدافع مما أضطره للجوء للسفارة الألمانية، وفي جو مشحون بالتوتر وعلى خلفية إقصاء المرشح الأقوى وتارا تنافس كل من الجنرال غي والزعيم اليساري غباغبو على الرئاسة وهو ما كان يريده الأخير فقدم نفسه بديلا عن حكم الجيش ومرشحا للتغيير وهو ما دفع أنصاره لانتزاع النصر من حاكم عسكري حاول حتى اللحظة الأخيرة التشبث بمقاليد السلطة.

غباغبو يذكي النعرات الدينية والقومية

الحسن وتارا

فور استلامه السلطة ورغم جو التوتر والأزمة الذي خلفه إقصاء وتارا وزادت من حدته الانتخابات الرئاسية الدموية لم يتردد لوران غباغبو في استعمال العصا وبشدة ضد جماهير تجمع الجمهوريين وعموم المسلمين وهو ما أدى لمجزرة في إحدى ضواحي أبيدجان فضلا عن حرق مساجد وانتهاك حرمات في مناطق وجود المسلمين.

وحاول حزب غباغبو أن يقيم حول رئيسه تحالفا يضمن الأغلبية وهو ما كان له بعضه بعد الانتخابات التشريعية الطارئة التي قاطعها حزب وتارا حيث تم إشراك الحزب الديمقراطي لساحل العاج الخارج من السلطة والمنهك على إثر ذلك والذي يقوده بالنيابة لوران دونوف لوغو, وأحزاب صغيرة أخرى محتفظا لنفسه بالحقائب الأساسية في الحكومة.

أما الطرف الثاني فحاول رغم كل أنواع المضايقة والمحاصرة أن يعيد ترتيب أوراقه فيتولى رئيسه المرغم على المهجر تعبئة الرأي العام الخارجي وهو ما نجح فيه مع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الأطراف الأوروبية ويقود سفينة الحزب في الداخل هانريت ديابيتا (مسيحية).

وعادت الساحة العاجية لتجاذب لم تخرجه أصلا –على نحو جدي- وبدأت الوساطات الإقليمية تتحرك فنشط الرؤساء الغابوني عمر بونغو والمالي ألفا عمر كوناري والسينغالي عبد الله واد والبوركينابي بليز كامباوري والتوغولي أياسنغبي آياديما ونجح الأخير في تنظيم لقاء لومي بين غباغبو ووتارا.

لوران غباغبو
في هذه الأجواء بدأت الاستعدادات للانتخابات البلدية التي قرر تجمع الجمهوريين المشاركة فيها وكانت المفاجأة حيث اكتسح هذا الحزب بقيادة زعيمه المنفي الحسن وتارا وإدارة أمينته العامة أهم البلديات وأغلبها، وكانت رسالة الشعب العاجي مؤلمة للرئيس وجاء حزبه في المرتبة الثالثة بعد الحزب الديمقراطي لساحل العاج الحاكم سابقا ولم يكن سهلا أن تتجاوز نتائج هذه الانتخابات دون تدبر وحساب.

هنا كان لابد من التعجيل بانعقاد المؤتمر الوطني فسياسة القمع فشلت في الحد من نفوذ الحسن وتارا وحزبه واللعب على أوتار الصراع العرقي والديني لم ينجح أمام علاقات وتارا الواسعة دوليا والقيادة المباشرة للمسيحية ديابيتا.


يبدو المشكل الديني عنصرا هاما في الأزمة العاجية ويلقي بظلال واضحة على الصراع السياسي وتحاول الأطراف السياسية المسيحية المسيطرة على قيادات الجيش والإدارة إبقاء الأمور على حالها.
وفي سياق استغلاله للأحداث حاول غباغبو إقناع الولايات المتحدة بأنه يحارب الإرهاب وجذوره مستغلا أحداث 11 سبتمبر وما بعده، ويبدو المشكل الديني عنصرا هاما في الأزمة العاجية ويلقي بظلال واضحة على الصراع السياسي وتحاول الأطراف السياسية المسيحية المسيطرة على قيادات الجيش والإدارة إبقاء الأمور على حالها.

ولكن نجاح وتارا حتى الآن في إثبات قدراته ونجاحه في تقديم هانريت ديابيتا في الأمانة العامة لحزبه وحبكه لعلاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية وأطراف مهمة في أوروبا قد يغير المعادلة ويعطي لتجمع الجمهوريين السلطة في أغنى دول الغرب الأفريقي وأجملها.

وقد صرح أستاذ القانون العاجي أنيامغي كوفي في فيلم أعده أستاذ في علم الاجتماع من بلجيكا بأن المسلمين في ساحل العاج يملكون قوة الاقتصاد والتجارة ويريدون أن يجمعوا معها قوة الحكم والسياسة وهذا ما لا ينبغي أن يسمح به.

الملتقى الوطني.. احتمالات النجاح وعوامل الفشل

حين أطلق الرئيس غباغبو مبادرة الملتقى الوطني –وهي فكرة قديمة- نال مباركة دول الجوار والدول الصديقة لساحل العاج واختار غباغبو لرئاسة هذا الملتقى شخصية وطنية معروفة وذات مصداقية عند أغلب أطراف وفرقاء النزاع يتعلق الأمر بصيدو ديارا الذي تربطه علاقات ودية مع كل من الرئيس السابق بيدييه الذي شاركه الدراسة في فرنسا ومع الحسن وتارا الذي كان يلقبه توتون، ومع روبرت غي الذي جمعته معه الوظيفة.

أما غباغبو الرئيس الحالي فصيدو ديارا من النوادر الذين تعاطفو معه أيام معارضته الراديكالية للرئيس العجوز بونيي، وحينما دعا غباغبو صيدو ديارا لرئاسة الملتقى وكان الأخير حينها في لندن لم يتردد وطرح شرطا واحدا أن يكون الملتقى مستقلا ولا سلطة للحكومة عليه وحدد صيدو ديارا هدفا لملتقاه بدونه لا يتصوره ناجحا وذلك حينما أعلن أنه "إذا لم ينته هذا الملتقى إلى عقد جمهوري فإنني أخاف على مستقبل بلادي".

لكن نجاح الملقتى مربوط بأمور:

  1. مشاركة جميع الفرقاء والزعماء وهو ما نجح فيه صيدو ديارا إلى حد ما فقد دعا الجنرال روبرت غي من قريته واستطاع استقدام الرئيس السابق هانري كونان بيدييه الذي صرح أنه يفضل إنهاء حياته في بلده، ومازال صيدو يبذل قصارى جهده لإقناع الحسن وتارا للقدوم إلا إن تجمع الجمهوريين يشترط لذلك استعادة زعيمه لكامل حقوقه المدنية والسياسية حسم (قضية الجنسية).
  2. خروجه بعقد جمهوري على لغة صيدو ديارا يضمن للجميع فرصا متساوية أمام الاستعداد لانتخابات الرئاسة في أكتوبر 2005.
  3. نجاحه في تخفيف التوتر الديني والعرقي والحد من سياسة القمع والملاحقة التي انتهجها وزير داخلية غباغبو المحامي إميل بو غادوغو.

وفي انتظار اختتام الملتقى الوطني في ديسمبر القادم يتخوف المراقبون من نية الرئيس لوران غباغبو الذي يبدو غير مستعد لوضع سياسي جديد من شأنه أن يفقده مقعد الرئاسة خصوصا أن وتارا لا يغريه مقعد آخر. ________________________

*كاتب موريتاني مختص في الشؤون الأفريقية والمغاربية

المصدر : غير معروف