بقلم غراهام فولر

يبدو أن جورج بوش لا يملك إستراتيجية يمكن من خلالها حل الأزمة الحالية في فلسطين، لكن ذهنه مشتت بين اتجاهات عديدة منها الانقسامات بين مستشاريه، ومؤيديه في الجناح اليميني إضافة إلى الحقائق الدولية. وقد أدى ذلك حتى الآن إلى غياب أي سياسة واضحة لديه. ويحاول بوش الآن التوفيق بين كل هذه الاتجاهات لكن النتيجة قد لا تكون مرضية. إن مهمة باول تهدف إلى تبيان أن واشنطن معنية بالمشكلة لكن هذا الأمر جاء متأخرا ومن غير المحتمل أن ينجح باول في مهمته هذه.


بوش لا يعرف غير القليل عن السياسة الدولية ويجهل مشكلة الشرق الأوسط، لكنه يرى إسرائيل دولة شرعية تريد المنظمات الفلسطينية زعزعة استقرارها
دعونا نبحث أولا في شخصية الرئيس الأميركي نفسه. إن جورج بوش شخصيا لا يعرف سوى القليل عن السياسة الدولية، ولم يتعرف إلا حديثا على مظاهر الصراع العربي-الإسرائيلي المعقد جدا. وهو متعاطف شخصيا مع إسرائيل، لكن ذلك لا يمثل سوى جانب من تركيبته النفسية. وكمحافظ فإنه يميل إلى اعتبار سلطة الدولة شرعية بينما المقاومة والمنظمات الفدائية وغيرها من حركات التحرر الوطني باعتبارها مصدر عدم استقرار وغير مرغوب فيها. ولذلك فهو لا يحب منظمة التحرير الفلسطينية. كما أنه كرس إدارته لمحاربة الإرهاب, ولذلك لم يكن سعيدا عندما توجب عليه التخلي عن موقفه تجاه الإرهاب من أجل حل المشكلة الفلسطينية. كما أن مستشاري بوش المحافظين، الذين بعضهم من مؤيدي إسرائيل والبعض الآخر ليس كذلك، ينصحونه بعدم التنازل عن مبادئه الأساسية في الحرب على الإرهاب لأنه كما يقولون لا يمكن التفريق بين "إرهاب طيب" و"إرهاب خبيث" وأنه يجب أن يحكم على الفلسطينيين بنفس المعايير التي يحكم بها على أسامة بن لادن. وشارون بالطبع يعزز هذه المسألة بإلحاحه بأن عرفات "بن لادن إسرائيل". ولذلك فإن بوش غير مرتاح تماما لأنه يجد نفسه مكرها على التعامل مع عرفات وهو لا يحبه بل يعتبره إرهابيا لكنه "إرهابي يحتاجه". وأخيرا فإن بوش وباول منزعجان جدا من احتمال فشل مهمة أميركية جديدة يقوم بها مسؤول أميركي رفيع بمستوى باول، وهو ما يمكن أن يخرب سمعة الرئيس ويضعف سياسته في الشرق الأوسط، وأعتقد أن الإدارة الأميركية على حق في هذه النقطة، لأن مهمة باول من المرجح أن تفشل.


الرئيس الأميركي قدم تنازلات في موقفه من فلسطين بسبب الحقائق التي واجهها نائبه خلال جولته الأخيرة في المنطقة وبسبب الضغط الكبير من جانب الدول الغربية التي تلح عليه بالتدخل
والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يقدم بوش تنازلات في هذه المسألة؟ والجواب هو أن تشيني يبدو قد عرف بعض الحقائق خلال جولته الأخيرة في الشرق الأوسط، فقد سمع مباشرة وجهات نظر الزعماء العرب في المسألة الفلسطينية. الأمر الثاني أن بوش واقع تحت ضغط دولي كبير من الحكومات الغربية الأخرى التي تلح عليه بالتدخل. إنه يدرك الآن أنه لا يستطيع عمل شيء ضد العراق بينما فلسطين تحترق. والأمر الثالث أن وزير الخارجية كولن باول، الذي يعتبر الأقرب من أي مسؤول أميركي آخر من فهم الواقع الدولي، يذكر بوش بوجود استياء دولي. وعلى الرغم من أن بوش يبدو في كثير من الأحيان غير مهتم كثيرا بالضغوط الدولية أو الرأي العام الدولي، فإنه يدرك أن هذا العداء يمكن أن يعيق جوانب أخرى من سياسته الخارجية على كثير من الجبهات.

ويوضح خطاب بوش الذي ألقاه في الرابع من أبريل الحالي كل هذه التناقضات، ففي وقت واحد طلب من شارون أن يسحب قواته فورا، ومن عرفات أن يضع حدا للإرهاب. هذا الموقف متوازن لأنه أبدى بعض التفهم للإذلال والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال. لكنه كان قاسيا في وصف عرفات شخصيا بأنه "خان شعبه"، فهذا يعكس الصورة المضطربة والمختلطة التي يراها الرئيس. وفي غضون ذلك توقف الرئيس عن الحديث عن عمليات ضد العراق، في الوقت الحالي على الأقل، كما أنه خلال زيارة بلير للولايات المتحدة لم يأت على ذكر العراق إلا لماما.

إن هدف باول التوسط بين الجانبين من حيث المبدأ، لكن المحير أنه لم يقرر إن كان سيلتقي عرفات أم لا، وهي دبلوماسية عامة سيئة لأنها تعطي دليلا على عدم توازن الدور الأميركي إذا ما تحدثت مع طرف دون آخر من طرفي الصراع. ومازالت الإدارة الأميركية تعطي إشارات على رغبتها في استبدال عرفات بفلسطيني آخر "أكثر اعتدالا"، لكن باول سيدرك أن ذلك غير ممكن. كما أن بوش لا يجرؤ على التخلص من عرفات على الرغم من الضغط الإسرائيلي لفعل ذلك، فتقارير استخباراته تشير بوضوح إلى أن الوضع لن يكون أحسن بدون عرفات وربما سيكون أسوأ. (في حال التوصل إلى تسوية سلمية يجب على عرفات إفساح المجال أمام جيل جديد من القيادة، ولكن ذلك لا ينبغي أن يتم في خضم النزاع أو الحرب). كما أن مبادرة السلام العربية لم يتم مناقشتها مناقشة جادة وسط هذه الأزمة. ومع ذلك فإن الإدارة الأميركية تقبل جوهر وجهة نظر شارون بأن الإرهاب، وليس الاحتلال، هو المشكلة الرئيسية. وسيحاول باول دفع العرب للضغط على عرفات لقبول حل لكنهم جميعا سيخبرونه أن الاحتلال لابد أن ينتهي.

لاحظنا خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تعاطفا مع الفلسطينيين في وسائل الإعلام الأميركية أكبر مما كان عليه الحال منذ فترة طويلة، فالشعب الفلسطيني يقدم باعتبارهم ضحايا حرب على الرغم من الإشارة إلى العائلات الإسرائيلية التي فقدت أبناء لها. وخلال زياراتي ومحاضراتي في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة خارج واشنطن وجدت أميركيين مثقفين جيدا يوجهون انتقادات شديدة للإدارة الأميركية بسبب انحيازها لإسرائيل, ومن بين هؤلاء شخصيات يهودية أميركية. وللأسف فإن اللوبي اليهودي لا يمثل وجهة نظرهم وإنما وجهة نظر حزب الليكود.

وعلى الجانب الآخر فإن شارون لم يبال بدعوة بوش له بالانسحاب، إنه يسابق الزمن في عملياته الحالية لكي "يكملها" قبل وصول باول. وقد تجاهل دعوة بوش الثانية له للانسحاب الفوري، إلا أنه من الواضح أن بوش لم يمارس ضغطا كافيا للتأثير على شارون. وعلى الرغم من أن الاتصالات بين الرجلين ليست كلها علنية فإن الحقيقة المعاينة هي أن الهجوم الإسرائيلي مستمر.


باول لن ينجح في مهمته في المنطقة لأن أي اتفاق لوقف إطلاق النار بين الفلسطينيين وإسرائيل لن يصمد طويلا وعرفات لن يجرؤ على اعتقال المسلحين الفلسطينيين
من الصعب على باول أن ينجح في مهمته، فشارون تجاهل أصلا الدعوة الأميركية له بوقف عملياته الحالية. وقد ينهيها قريبا إلا إن ذلك سيكون وفقا لبرنامجه هو وليس برنامج واشنطن. لقد توقفت العمليات "الانتحارية" منذ بدأ الغزو الإسرائيلي ولكن هل من أحد يضمن أن الفلسطينيين لن يطالبوا بالانتقام عندما ينتهي هذا الغزو؟ ومرة أخرى نرى النموذج القديم يعيد نفسه: باول (أو زيني) يصل للمنطقة، إسرائيل أنهت لتوها عملياتها العنيفة، كما حصل في رام الله من قبل، ثم يرد الجانب الفلسطيني بعمليات "انتحارية" ليعطي انطباعا بأن "الجانب الفلسطيني هو الذي ينتهك اتفاق وقف إطلاق النار". ولكن لن يكون هناك اتفاق لوقف النار لأن عرفات لن يجرؤ على اعتقال جميع المقاتلين (من حماس والجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى) لأنه يعرف أنه قد يحتاجهم في المستقبل. وسيدرك باول أنه لن يستطيع وقف "الإرهاب الفلسطيني"، فهل ستقرر واشنطن عندها ضرورة رحيل عرفات؟

وأين الأوروبيون في كل ما يجري؟ إن الأوروبيين لديهم اقتراح مثير للاهتمام وهو ضرورة إنشاء دولة فلسطينية قبل المفاوضات حتى يدخل الجانبان المفاوضات على قدم المساواة، فهل فقدوا الحماس أو التصميم على إسماع صوتهم؟ أليس لديهم ثقل يضغطون به للتأثير على شارون أو عرفات أو واشنطن؟ وأين هم الروس الذين كان لديهم اهتمام رئيسي بهذه العملية؟

ليس في الأمر ما يدعو إلى التفاؤل الكبير. لكنني سعيد على الأقل لأن الرئيس يبدو وقد بدأ يدرك ولو ببطء تعقيدات الموقف ويفهم أن الأمور ليست أبيض أو أسود فقط أو "طيبة أو خبيثة" كما كان يقول في خطاباته السابقة. لقد أجبر بوش على الإقرار أن صفة الحرب على الإرهاب غير مفيدة في سياق ما يجري في فلسطين. إن هذا الوضع المعقد يدفع بوش نحو الضعف ويكشف عدم خبرته ولذلك سيتوجب عليه الاعتماد بقوة على مستشاريه.

لذلك سيكون هذا الأسبوع أول اختبار لباول، لكن لا شارون ولا عرفات سيتعاملان معه بإيجابية، ولذلك على بوش أن يتعلم حقائق جديدة حول طبيعة العالم.

المصدر : غير معروف