بقلم: محمد فال ولد المجتبى*

ـ تفاعلات الحدث على الصعيد الأوروبي
ـ محددات الموقف الأوربي الراهن
ـ آفاق تجربة غير مسبوقة

لم يكن فوز حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي في الانتخابات التركية الأخيرة مفاجئا للمراقبين، ذلك أن جميع المؤشرات كانت تدل على أن الحزب الذي يقوده رجب طيب أردوغان يمتلك كل الفرص للتقدم على منافسيه، غير أن ما لم يكن يتوقعه المراقبون -وربما لم يكن ينتظره حتى زعماء الحزب ومناضلوه- هو أن يفوز بأغلبية مطلقة مريحة من النواب وأن يقصي من البرلمان أبرز الخصوم التقليديين للتيار الإسلامي سواء داخل التحالف الحاكم أو في حزب الطريق القويم.

لذلك ترددت أصداء هذا الاختراق الانتخابي، التاريخي بكل المقاييس، واجتذب قدرا كبيرا من الاهتمام على أكثر من مستوى، وكما يحصل في كل مرة يحقق فيها الإسلاميون تقدما فإن هذا الحدث استدعى نقاشا يتجاوز حدود سياقه السياسي الخاص، لا سيما في الغرب حيث أثار جدلا مفتوحا حول الإسلام وعلاقته بالديمقراطية والعالم الإسلامي وصلاته بالغرب ... إلى غيرها من الموضوعات المعهود طرقها في مثل هذه المناسبات، وأحيا الحدث، بصورة خاصة، نقاشا قديما متجددا حول مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وفى كل الأحوال لم يعد الأمر -في ما يخص الموقف الأوروبي- أن كان مناسبة أخرى لإعادة إنتاج الخطاب التقليدي الذي يتأرجح بين تأثير المبادئ المعلنة والمصالح المتغيرة والتصورات الثقافية المترسبة.

إن فهم ردود الفعل الأوروبية على فوز الإسلاميين الأتراك لا يكتمل إلا باستعراض المحددات الأساسية المؤثرة في تشكيل الموقف الأوروبي، والتي يعد استحضارها ضروريا أيضا قبل أي تأمل حول مستقبل العلاقات بين الطرفين.

تفاعلات الحدث على الصعيد الأوربي

موقف المؤسسات الرسمية:
بادرت اللجنة الأوروبية إلى الإعلان عن "الاستعداد للتعاون" مع أنقرة، مؤكدة في الوقت نفسه تمسكها بضرورة مواصلة الإصلاحات التي أدخلت في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ومن جهته صرح خافيير سولانا، ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي بأن من الخطأ اتخاذ قرارات أو الإدلاء بتصريحات على أساس الطبيعة الإسلامية لحزب ما، واعتبر أن الحكومة التركية المقبلة ينبغى تقييمها على أساس ما ستفعله، لكن الاتحاد الأوروبي يجب أن يمنحها الثقة من حيث المبدأ.

موقف البلدان الرئيسية:

  • في فرنسا صرح الناطق باسم وزارة الخارجية فرانسوا ريفاسو بأن نتائج الانتخابات التركية تعبر عن رغبة في إحداث "تغيير سياسي هام"، في حين اعتبر رئيس الحكومة أن تقييم التجربة ينبغى أن يتم على أساس نتائج أداء الحكومة المقبلة.
  • أما رئيس الوزراء البريطاني تونى بلير فقد أعلن أنه سيكون مسرورا بالتعامل مع الحكومة الجديدة، معبرا عن ارتياحه للتصريحات المشجعة التي أطلقها حزب العدالة والتنمية بعد فوزه.
  • وفى بلجيكا دعا وزير الخارجية لويس ميشيل السيد أردوغان إلى تجسيد مواقفه الأوروبية ومواصلة إنجاز الإصلاحات الدستورية وصولا إلى تحقيق الشروط المطلوبة لدخول الاتحاد.
  • من جهتها أعلنت الحكومة الألمانية أنها "لاحظت بارتياح المؤشرات الإيجابية الأولية" وأنها تأمل في وجود "حكومة مستقرة" بأنقرة.
  • أخيرا، تمنت وزيرة خارجية إسبانيا أن تكون الحكومة التركية المقبلة "إسلامية معتدلة حقيقة"، واعتبرت أنه لا يوجد "أي مانع" من انضمام بلد إسلامي معتدل مثل تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.


يلاحظ أن الخطاب المستخدم من جانب الأوروبيين بشأن الموقف من فوز العدالة والتنمية عمد في الأغلب إلى التقليل من أهمية الصفة الإسلامية للحزب الفائز
تصريحات جيسكار ديستان:
في أجواء فوز الإسلاميين الأتراك عبر فاليرى جيسكار ديستان رئيس الجمعية التأسيسية حول مستقبل أوروبا، في تصريحات نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية (بتاريخ 8/11)، عن آراء لا تعتبر خارجة عن النغمة السائدة فحسب، بل إنها أيضا تبدو مخالفة تماما للموقف الأوروبي المعلن بشأن مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد، حيث اعتبر أن تركيا لا تنتمي إلى الكيان الأوروبي، بل ذهب إلى حد القول إن انضمامها سيعنى نهاية المشروع الأوروبي، مذكرا بأن أكثر المتحمسين لدمج تركيا هم "خصوم الوحدة الأوروبية"، وذلك في إشارة ضمنية إلى بريطانيا.

دلالات ردود الفعل الأوروبية:
يمكن ملاحظة أن الموقف الأوروبي اتسم بطابع الترحيب المتحفظ وهو ما يمكن استخلاصه من مختلف التصريحات الصادرة عن المؤسسات الاتحادية والحكومات الأوروبية، ويلاحظ أن الخطاب المستخدم عمد في الأغلب إلى التقليل من أهمية الصفة الإسلامية للحزب الفائز، ويتم ذلك إما عبر نفي الدلالات المثيرة التي يميل الإعلام الغربي عادة إلى ربطها بالصفة المذكورة وإما من خلال التأكيد على أن الاتحاد يعتمد في اتخاذ مواقفه على جملة من المعايير والاعتبارات الموضوعية وأنه لا يبني مواقفه من هذا الطرف أو ذاك على أساس المرجعيات الدينية والثقافية.

واضح أن هذا المسلك يحقق وظيفتين مهمتين للحكومات والمؤسسات الاتحادية الأوروبية:

  • الأولى: تتمثل في الالتزام بحدود ما هو مقبول في الخطاب السياسي، وهو مطلب يتأكد بصورة استثنائية في الظروف الراهنة المتسمة بتصاعد نبرة الحديث عن صراع الحضارات وعن العداء الغربي للإسلام، خصوصا أنه لا تزال في الأذهان الآثار السلبية لزلات اللسان (؟) التي تضمنتها تصريحات أكثر من مسؤول غربي على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.
  • الثانية: توجيه رسائل تطمين في اتجاهات مختلفة مما يسمح بتهدئة العواطف واكتساب الوقت لصياغة موقف مدروس ومنسجم إزاء الشركاء الجدد، بعيدا عن أجواء الصدمة الناتجة عن المفاجأة الانتخابية التي جاءت في ظروف تتسم بالتعقيد على أكثر من صعيد.

غير أن ردود الفعل الأوروبية، وفى انتظار بلورة مثل هذا الموقف، تضمنت نوعا من التحذير المبطن الموجه نحو الإسلاميين. ويتجلى هذا التحذير في كون معظم التصريحات تواتر فيها الإلحاح على أن الاتحاد معني بتقييم الأفعال أكثر من اهتمامه بتتبع الأقوال. وفحوى هذا الخطاب أنه لن يكتفي من حزب العدالة والتنمية بإعلان نواياه الحسنة تجاه أوروبا بل سيكون مطلوبا منه أن يبرهن على استعداده للتأقلم مع النموذج الأوروبي. ولهذا التنبيه صلة أيضا بالتلميح المتكرر إلى ضرورة استحضار الطبيعة العلمانية للاتحاد.

هذا التردد الذي يطبع الموقف الأوروبي الراهن يعود إلى تعدد وتعقيد وعدم تجانس مجموع المؤثرات التي تسهم، بشكل أو بآخر، في تحديد هذا الموقف.

محددات الموقف الأوربي الراهن

المؤثرات الثقافية والأيديولوجية:
إن رواسب الإرث التاريخي للنظرة الغربية للعالم الإسلامي لا تزال قوية ويتعين الأخذ في الاعتبار أن صعود الإسلاميين في تركيا لا يمكن إلا أن يعيد إلى الذاكرة الأوربية، المسكونة بأوهام الخطر الإسلامي، عهودا تاريخية ممتدة من الحضور القوي للإسلام ممثلا بالإمبراطورية العثمانية. وإذا كانت كلمة "تركي" لا يزال لها، إلى الآن، وقع قوي في اللغة اليومية وفي المخيلة الجماعية لمعظم شعوب غرب المتوسط، فلا غرابة أن يمثل تقدم الإسلاميين في تركيا مناسبة لاستحضار كل الصور السلبية التي تراكمت على امتداد قرون من التزاحم الثقافي والصراع السياسي والمواجهة العسكرية، خاصة أن قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية تستهويها أجواء المواجهة مع كل ما يمثل الثقافة الإسلامية، وهي لا تعدم من صناع الرأي وأصحاب النفوذ في أقطارها من يرون مصلحة في إحياء الضغائن التاريخية ونفض الغبار عن الصور النمطية، مما يسد كل مسالك الحوار ويلغي كل إمكانات التفاهم.


لقد أثارت تصريحات جيسكار ديستان جدلا في الأوساط الأوروبية وهي تكشف بوضوح نمط التفكير السائد في بعض الأوساط الأوروبية، وبالتأمل في سياقها نجد أنها جاءت في أعقاب زيارة للفاتيكان علم إثرها أن البابا أكد على ضرورة تضمين الدستور الأوروبي قيد الإعداد إشارة إلى الهوية المسيحية للكيان الأوروبي
لقد أثارت تصريحات جيسكار ديستان جدلا في الأوساط الأوربية، ورغم أن كثيرين اعتبروها في غير محلها فإنها تكشف بوضوح عن نمط التفكير السائد في بعض أوساط الطبقة السياسية الأوروبية، وبالتأمل في سياق هذه التصريحات نجد أنها جاءت في أعقاب زيارة للفاتيكان علم إثرها أن البابا أكد على ضرورة تضمين الدستور الأوروبي قيد الإعداد إشارة إلى الهوية المسيحية للكيان الأوربي. والواقع أن الفاتيكان ليس الجهة الوحيدة التي تضغط في هذا الاتجاه فقد أصبح معروفا أن الحزب الشعبي الأوروبي يتحرك لتحقيق الغرض نفسه، وقد بات في حكم المؤكد أن الدستور الأوروبي المنتظر سيتضمن ما يفيد أهمية الهوية المسيحية كعامل انسجام بين الدول المكونة للاتحاد.

وفى مقابلة مع صحيفة "البايس" الإسبانية (نشرت في عددها ليوم 8 نوفمبر/ تشرين الثاني) لم ينف رئيس اللجنة الأوروبية رومانو برودى -وهو من المنادين بضرورة تفعيل الحوار مع تركيا- وجود توجه من هذا القبيل، واكتفى بالتأكيد على أن مثل هذه الإشارة لا علاقة لها بإمكانية دخول دول غير مسيحية في الاتحاد وأنها لا تتناقض إطلاقا مع التعددية الدينية.

وقد حرص بعض المسؤولين الأوروبيين على المبادرة إلى إطلاق تطمينات من هذا النوع مثل ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الإسبانية آنا بلاثيو التي صرحت غداة ظهور نتائج الانتخابات التركية بأن الاتحاد الأوروبي ليس "ناديا مسيحيا".

إذا أخذنا في الاعتبار وجود تحفظ مبدئي تجاه الإسلاميين عموما وإقامة تعارض مطلق بين الشريعة الإسلامية وقيم حقوق الإنسان، وهو التعارض الذي أكدت عليه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قبل عدة أشهر بمناسبة البت في الطعن المقدم ضد قرار حل حزب إسلامي تركي، فإن هذه التطمينات تبقى دون معنى ما دام هذا التعارض مفترضا وما دام كل إعلان للارتباط بالقيم الإسلامية يعتبر خروجا على المبادئ العلمانية التي تعلن البلدان الأوروبية التمسك بها.

والحقيقة أن هذا الموقف أبعد ما يكون عن الإنصاف، ذلك أنه ليس صحيحا إطلاقا أن كل البلدان الأوروبية تحترم المعايير العلمانية التي تبدو حريصة على إلزام الآخرين بها. ولعل ذلك ما دفع سميح فانر، الباحث بمركز الدراسات والبحوث الدولية (باريس)، إلى التساؤل، عشية الانتخابات التركية، عما إذا كان هناك استثناء تركي، وعلى هامش حديثه عن خصائص التجربة الديمقراطية في تركيا وموقف حزب العدالة والتنمية مضى معددا بعض مظاهر حضور الدين في الحياة العامة بعدد من كبريات الدول الغربية بدء من الولايات المتحدة وانتهاء بفرنسا (البايس، السبت 2/11). وقد فات الكاتب أن يذكر واحدا من أهم هذه المظاهر وهو أن دستور أحد البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يذهب إلى حد تقرير أي من نصوص "الكتاب المقدس" يجب اعتماده.

الاعتبارات الإستراتيجية:
من الواضح أن للولايات المتحدة الأميركية مصلحة معتبرة في الاحتفاظ بتركيا كحليف إستراتيجي بغض النظر عن الخيارات الأيديولوجية لمن تؤول إليه السلطة. ورغم أنه أحيانا يظهر اختلاف في وجهات النظر بخصوص قضايا محددة إلا أنه يبدو أن تركيا ستبقى لوقت طويل حلقة رئيسية في الإستراتيجية الأميركية بالمنطقة، سواء في ما يتصل بضمان السيطرة على الأوضاع في منطقة الخليج أو في ما يتعلق بالحفاظ على توازنات القوة في عموم منطقة الشرق الأوسط. لذلك لم تتردد الولايات المتحدة منذ وقت مبكر في ممارسة الضغط، بصورة مباشرة أو عبر رديفها الأوروبي -المملكة المتحدة- من أجل دمج تركيا أوروبيا والتعامل معها بما يضمن استقرار أوضاعها الداخلية وثبات مواقفها الموالية للغرب.

في الوقت نفسه تعتبر تركيا لاعبا أساسيا في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وإلى حد ما يمكن القول إنه على إرادتها يتوقف تفعيل "التسويات الدائمة" التي من شأنها، متى وضعت موضع التطبيق، أن تسمح للاتحاد الأوروبي بالاستخدام المباشر للوسائل الموجودة بحوزة الحلف. ودون موقف إيجابي من طرف تركيا يبدو من المستحيل تنفيذ السياسة الأوربية للأمن والدفاع.

هذا الواقع يمنح ورقة ضغط مهمة لأي طرف يصل إلى السلطة في تركيا، لا سيما مع ظهور ملامح لوعي غربي بضرورة التخلي عن الرؤية الإستراتيجية التقليدية القائمة على الاعتماد على المؤسسة العسكرية كضامن لولاء تركيا للغرب، والاستعاضة عن ذلك بالدخول في حوار مباشر مع الأطراف السياسية المؤثرة في الرأي العام.


بات في حكم المؤكد أن الدستور الأوروبي المنتظر سيتضمن ما يفيد أهمية الهوية المسيحية كعامل انسجام بين الدول المكونة للاتحاد وهو ما يسعى له الفاتيكان والحزب الشعبي الأوروبي
تجاذب المصالح والأيديولوجيا:
رغم المؤثرات الأيديولوجية والثقافية التي سبقت الإشارة إليها فإن هناك أطرافا أوروبية ربما ترى، لاعتبارات مختلفة، أن مصالحها تقتضي الاحتفاظ بعلاقة طيبة أو غير عدائية، على الأقل، مع من تؤول إليه السلطة في أنقرة. أضف إلى ذلك أن طرفا من المثقفين والناشطين الأوروبيين لديهم دوافعهم الأيديولوجية الخاصة التي تجعلهم أقل حماسا لخطابات التعبئة ضد الآخر.

لعل من المفارقة أن تكون اليونان من بين الدول الأوروبية الأكثر حرصا على تجنب الاصطدام بالقوى الصاعدة في تركيا، ربما بسبب أن لليونان مصلحتها المباشرة في الوصول إلى تسوية سياسية للمسألة القبرصية، وربما ساعد على دفعها قدما في موقفها الودي تصريحات أردوغان التي أشار فيها إلى تجربة بلجيكا كنموذج يمكن الاستفادة منه للوصول إلى حل مقبول للنزاع بشأن قضية قبرص، وهو التصور نفسه الذي تنطلق منه خطة الأمم المتحدة حول هذا الملف. وتقوم الرؤية السياسية لليونان على اعتبار أن الحوار مع تركيا وإدماجها في الاتحاد الأوروبي سيحد من توتر مواقفها ويقلص نفوذ المؤسسة العسكرية المعروفة بتصلب مواقفها تجاه اليونان.

هناك العديد من القوى اليسارية والليبرالية المنفتحة التي رغم خلفياتها الأيديولوجية التي تجعلها لا تكن تعاطفا كبيرا مع حزب لا تخفى جذوره الإسلامية فإنها قد لا تتحمس للخطاب العدائي السائد باعتبار أن الفوبيا الإسلامية الراهنة تعكس في الواقع تأثير الاتجاهات المحافظة التي حققت، خلال السنوات الأخيرة، تقدما سياسيا ملحوظا في معظم بلدان أوروبا الغربية.

آفاق تجربة غير مسبوقة

لقد حاولنا رصد الموقف الأوربي من فوز الإسلاميين في الانتخابات التركية الأخيرة، مع التنبيه إلى جملة من المحددات التي اعتبرناها مؤثرة في صياغته. لكن الواقع أن الموقف الراهن يبدو إلى رد الفعل أقرب منه إلى موقف ثابت ومدروس. ولعل تبلور مثل هذا الموقف بشكل كامل ومنسجم يتطلب مرور بعض الوقت وهو، فى الأغلب، سيتوقف على جملة من المعطيات منها ما يتعلق بتغيرات النظرة الأوروبية ومنها ما يتصل بأداء الطرف الآخر. ومن هذه المعطيات:

  • مدى قدرة النخب السياسية والفكرية والإعلامية فى الغرب على صياغة خطاب متوازن وبعيد عن التعصب والاستفزاز وأن تسهم في خلق قبول عام في الشارع الأوروبي لإمكانية حصول عملية تحول ديمقراطي جاد وأصيل داخل المجتمعات الإسلامية والإمساك عن ترويج وتعميم الأحكام المسبقة والاتهامات المجانية الجاهزة التي تنطلق من تقرير استحالة تحديث أي بلد إسلامي وتطوير أوضاعه السياسية دون انسلاخه عن هويته الإسلامية.
  • استعداد أوروبا لتجاوز سياستها الراهنة في العالم الإسلامي والمتمثلة فى تكريس التخلف السياسي من خلال الإصرار على دعم أنظمة مستبدة كل رصيدها من الشرعية أنها ترفع شعارات العلمانية وتتمسح بالقيم الليبرالية.
  • حسم التجاذب الأيديولوجي بين تحيز الأغلبية -التى تبنى موقفها من الأتراك عموما والإسلاميين خاصة انطلاقا من اعتبارات دينية وثقافية متعصبة أصبحت من الوضوح بحيث لم يعد الكثيرون يكلفون أنفسهم عناء التورية عنها- وبين الأصوات المنادية بضرورة التفهم والإنصاف. وتتصل بهذا الأمر مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث ينتظر أن يتخذ الاتحاد الأوروبي قرارا بهذا الشأن يضع حدا للتردد والغموض.
  • مدى قدرة الإسلاميين الأتراك على التعامل بكفاءة مع تعقيدات الحالة الداخلية بما يسمح بتطبيع وضعهم السياسي وتجنب حصول هزات اجتماعية وسياسية تخدم الحريصين على إجهاض التجربة عبر إشاعة أجواء من شأنها أن تخلق حالة عامة من عدم الثقة بالمستقبل.
  • مدى قدرتهم على إثبات كفاءتهم في تسيير وتجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية ودفع عجلة الإصلاحات التي تم إطلاقها خلال الصيف الماضي.
  • يعمل لصالح الإسلاميين الأتراك موقفهم الإيجابي إزاء المؤسسات النقدية الدولية ورؤيتهم الاقتصادية المنفتحة على الخيارات الرأسمالية، ففي الحد الأدنى يوفر عليهم مثل هذا الموقف عداء أطراف نافذة عديدة.
  • من التحديات البارزة التي تواجه الإسلاميين التوصل إلى صيغ مناسبة للتعامل مع عدد من الملفات الحساسة التي تتطلب القدرة على الاحتفاظ بمستوى من التوازن الحرج بين منطلقاتهم الفكرية وتطلعات ناخبيهم، من جهة، وبين ضغوط الواقع ومتطلبات المناورة السياسية من جهة أخرى. يتعلق الأمر بملفات مثل تطورات الأوضاع في العراق والعلاقة مع إيران، وقبل ذلك الموضوع الأكثر حساسية وحرجا وهو الموقف من القضية الفلسطينية خاصة ما يتصل بتسيير ملف العلاقات المتميزة مع إسرائيل وهي العلاقات التي تكاد تكتسي صفة تحالف إستراتيجي يزعج بلدانا كثيرة في المنطقة.
  • قدرة الإسلاميين على الموازنة بين ضرورات مراعاة الخط التقليدي للسياسة الخارجية التركية ومتطلبات تقديم تصورات جديدة تسمح بتجاوز تعقيدات قضايا تعتبر عادة في غاية الحساسية مثل قضية النزاع حول قبرص ومثل المسألة الكردية.

بالتأكيد ستضطر أوروبا إلى التسليم بالواقع والقبول بالتعامل مع الإسلاميين الأتراك على النحو الذي يقتضيه تحقيق مصالحها، ومن المرجح أن تراعي مبادئها فلا تأسى على انحسار نفوذ العسكر وتراجع وزن الطبقة السياسية التقليدية التي أضحت رمزا للفساد، غير أنه من المستبعد أن تتخلى النخب المتحكمة في توجيه الرأي العام الأوروبي عن رؤيتها الثقافية الضيقة وتتحرر من هوس "الخطر المحمدي" الذي يشل قدرتها على التعامل المتوازن مع أي مظهر من مظاهر التعبير عن الهوية الإسلامية.

يعتبر البعض أن نتائج الانتخابات التركية مثلت صفعة قوية لطبقة سياسية نخرها الفساد وقعد بها العجز عن تجسيد آمال الناخبين، وصرخة احتجاج في وجه سدنة نظام متخلف عن عصره ومنبت عن خيارات شعبه، ومن ثم فهي رسالة واضحة ضد النظام العلماني المفروض بتهميش المجتمع والمسنود بقوة الجيش والمروج له بدعاية بعض الغرب ... وكل ذلك صحيح إلى حد بعيد.

لكن المؤكد هو أن الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من تجربة الانتخابات التركية
الأخيرة هو إمكان وجود أحزاب إسلامية تمتلك القدرة والاستعداد لخوض غمار المعترك السياسي بكفاءة ودون تشنج، أحزاب مستعدة لإعطاء البرهان على صدق نيتها في احترام قواعد اللعبة السياسية والالتزام بالعمل داخل إطار الشرعية، دون أن تتنازل عن حقها في توظيف تلك القواعد والأطر إلى أقصى حد وبمنتهى النجاعة بما يخدم برنامجها السياسي ويحقق تطلعات أتباعها والمتعاطفين معها.

لكل ذلك فإن الوضع الذى أفرزته انتخابات 3 نوفمبر/ تشرين الثانى يمثل، وبغض النظر عن الموقف الأوروبي، فرصة ذهبية لإثبات إمكانية إصلاح البلدان الإسلامية عبر المصالحة بين القيم الإسلامية والآليات الديمقراطية وتحديث الممارسة السياسية أولى الخطوات في هذا الاتجاه.

المعطيات:

  • مدى قدرة النخب السياسية والفكرية والإعلامية فى الغرب على صياغة خطاب متوازن وبعيد عن التعصب والاستفزاز وأن تسهم فى خلق قبول عام في الشارع الأوروبي لإمكانية حصول عملية تحول ديمقراطي جاد وأصيل داخل المجتمعات الإسلامية والإمساك عن ترويج وتعميم الأحكام المسبقة والاتهامات المجانية الجاهزة التي تنطلق من تقرير استحالة تحديث أي بلد إسلامي وتطوير أوضاعه السياسية دون انسلاخه عن هويته الإسلامية.
  • استعداد أوروبا لتجاوز سياستها الراهنة في العالم الإسلامي والمتمثلة فى تكريس التخلف السياسي من خلال الإصرار على دعم أنظمة مستبدة كل رصيدها من الشرعية أنها ترفع شعارات العلمانية وتتمسح بالقيم الليبرالية.
  • حسم التجاذب الإيديولوجي بين تحيز الأغلبية التى تبني موقفها من الأتراك عموما والإسلاميين خاصة انطلاقا من اعتبارات دينية وثقافية متعصبة أصبحت من الوضوح بحيث لم يعد الكثيرون يكلفون أنفسهم عناء التورية عنها والأصوات المنادية بضرورة التفهم والإنصاف. وتتصل بهذا الأمر مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث ينتظر أن يتخذ الاتحاد الأوروبي قرارا بهذا الشأن يضع حدا للتردد والغموض.
  • مدى قدرة الإسلاميين الأتراك على التعامل بكفاءة مع تعقيدات الحالة الداخلية بما يسمح بتطبيع وضعهم السياسي وتجنب حصول هزات اجتماعية وسياسية تخدم الحريصين على إجهاض التجربة عبر إشاعة أجواء من شأنها أن تخلق حالة عامة من عدم الثقة بالمستقبل.
  • مدى قدرتهم على إثبات كفاءتهم فى تسيير وتجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية ودفع عجلة الإصلاحات التى تم إطلاقها خلال الصيف الماضي.
  • يعمل لصالح الإسلاميين الأتراك موقفهم الإيجابي إزاء المؤسسات النقدية الدولية ورؤيتهم الاقتصادية المنفتحة على الخيارات الرأسمالية، ففي الحد الأدنى يوفر عليهم مثل هذا الموقف عداء أطراف نافذة عديدة.
  • من التحديات البارزة التي تواجه الإسلاميين التوصل إلى صيغ مناسبة للتعامل مع عدد من الملفات الحساسة التي تتطلب القدرة على الاحتفاظ بمستوى من التوازن الحرج بين منطلقاتهم الفكرية وتطلعات ناخبيهم، من جهة، وضغوط الواقع ومتطلبات المناورة السياسية من جهة أخرى. يتعلق الأمر بملفات مثل تطورات الأوضاع في العراق والعلاقة مع إيران، وقبل ذلك الموضوع الأكثر حساسية وحرجا وهو الموقف من القضية الفلسطينية خاصة ما يتصل بتسيير ملف العلاقات المتميزة مع إسرائيل وهي العلاقات التي تكاد تكتسي صفة تحالف إستراتيجي يزعج بلدانا كثيرة فى المنطقة.
  • قدرة الإسلاميين على الموازنة بين ضرورات مراعاة الخط التقليدي للسياسة الخارجية التركية ومتطلبات تقديم تصورات جديدة تسمح بتجاوز تعقيدات قضايا تعتبر عادة في غاية الحساسية مثل قضية النزاع حول قبرص ومثل المسألة الكردية الداخلية وثبات مواقفها الموالية للغرب. فى الوقت نفسه تعتبر تركيا لاعبا أساسيا في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال.

بالتأكيد ستضطر أوروبا إلى التسليم بالواقع والقبول بالتعامل مع الإسلاميين الأتراك على النحو الذي يقتضيه تحقيق مصالحها، ومن المرجح أن تراعي مبادئها فلا تأسى على انحسار نفوذ العسكر وتراجع وزن الطبقة السياسية التقليدية التي أضحت رمزا للفساد، غير أنه من المستبعد أن تتخلى النخب المتحكمة في توجيه الرأي العام الأوروبي عن رؤيتها الثقافية الضيقة وتتحرر من هوس "الخطر المحمدي" الذي يشل قدرتها على التعامل المتوازن مع أي مظهر من مظاهر التعبير عن الهوية الإسلامية.
يعتبر البعض أن نتائج الانتخابات التركية مثلت صفعة قوية لطبقة سياسية نخرها الفساد وقعد بها العجز عن تجسيد آمال الناخبين، وصرخة احتجاج في وجه سدنة نظام متخلف عن عصره ومنبت عن خيارات شعبه، ومن ثم فهي رسالة واضحة ضد النظام العلماني المفروض بتهميش المجتمع والمسنود بقوة الجيش والمروج له بدعاية بعض الغرب ... وكل ذلك صحيح إلى حد بعيد.

لكن المؤكد هو أن الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من تجربة الانتخابات التركية الأخيرة هو إمكان وجود أحزاب إسلامية تمتلك القدرة والاستعداد لخوض غمار المعترك السياسي بكفاءة ودون تشنج، أحزاب مستعدة لإعطاء البرهان على صدق نيتها فى احترام قواعد اللعبة السياسية والالتزام بالعمل داخل إطار الشرعية، دون أن تتنازل عن حقها في توظيف تلك القواعد والأطر إلى أقصى حد وبمنتهى النجاعة بما يخدم برنامجها السياسي ويحقق تطلعات أتباعها والمتعاطفين معها.

لكل ذلك فإن الوضع الذي أفرزته انتخابات 3 نوفمبر/ تشرين الثانى يمثل، وبغض النظر عن الموقف الأوروبي، فرصة ذهبية لإثبات إمكانية إصلاح البلدان الإسلامية عبر المصالحة بين القيم الإسلامية والآليات الديمقراطية وتحديث الممارسة السياسية أولى الخطوات في هذا الاتجاه.

_______________
*كاتب وباحث موريتاني مقيم في إسبانيا

المصدر : غير معروف