بقلم/ محمد عبد الدايم*

- أسعار النفط قبل عام 1998
- آلية أوبك لضبط الأسعار

- أسعار النفط بعد أحداث 11 سبتمبر

- آلية ضبط الأسعار بين مصالح المنتجين وضغوط الصناعيين

يتناول الموضوع آلية منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" لضبط الأسعار، والعلاقة الجدلية بين الإنتاج (العرض) والطلب العالمي على النفط، وتأثير درجة النمو الاقتصادي العالمي على تذبذب الأسعار.

فمن المعروف أن النفط يعتبر سلعة إستراتيجية ناضبة (غير متجددة) يرتبط سعر كثير من السلع بها. وقد كانت آلية العرض والطلب هي التي تحدد أسعار النفط حتى عام 1973، ففي هذه الفترة أدى تزايد وتيرة الاستهلاك لهذه السلعة إلى زيادة في أسعارها وهو أمر طبيعي حسب قانون السوق، إلا أن هذا الارتفاع قوبل باستهجان وتذمر من طرف الدول الصناعية. وقد مر تاريخ هذه السلعة بأزمات حادة كأزمتي عامي 1973 و1979.

وسنركز في هذا المقال على ضبط الأسعار ابتداء من عام 1998 ودور آلية أوبك في ضبط الأسعار واستقرارها، وأخيرا تداعيات أحداث 11 سبتمبر/أيلول على أسعار النفط.

ولكي يتسنى للقارئ غير المختص فهم ما يحدث، سنعرج بعجالة على المحطات الأساسية في تاريخ هذه السلعة الإستراتيجية.

أسعار النفط قبل عام 1998


عرفت أسعار النفط عام 1998 انهيارا كبيرا حيث تراجعت حتى وصلت إلى 9 دولارات للبرميل. ومن المعروف أنه بعد انهيار الأسعار عام 1986 سقطت نظرية تحديد السعر من طرف الدول المنتجة للنفط، وأصبحت هذه السلعة الإستراتيجية تخضع لضغوطات السوق
تأسست منظمة أوبك يوم 14 سبتمبر/أيلول 1960 بمبادرة من الدول الخمسة الأساسية المنتجة للنفط (السعودية وإيران والعراق والكويت وفنزويلا) في اجتماع عقد بالعاصمة العراقية بغداد. وبذلك أصبحت أوبك أهم منظمة أنشئت من طرف الدول النامية لرعاية مصالحها. وكان السبب الأساسي لهذه المبادرة هو التكتل في مواجهة شركات النفط الكبرى. وانضمت قطر لهذه المنظمة عام 1961، ثم إندونيسيا وليبيا عام 1963، والإمارات والجزائر (1967)، ونيجيريا (1971)، والإكوادور والغابون (1973)، إلا أن الدولتين الأخيرتين انسحبتا على التوالي عامي 1992 و1996، ولذلك فإن المنظمة تضم حاليا إحدى عشرة دولة ومقرها في العاصمة النمساوية فيينا. وقد عرف تاريخ هذه المنظمة محطات مهمة:

  • حاولت منظمة أوبك عام 1965 أن تؤثر على أسعار النفط الخام وذلك بتحديدها لسقف زيادة الإنتاج، وحددت لكل دولة حصة إلا أن الدول الأعضاء لم تلتزم بذلك. وفي يناير/كانون الثاني 1968 أي بعد حرب الأيام الستة، تمكنت المنظمة من إيجاد اتفاق مع الشركات الغربية يقضي بنزع الخصم على سعر البيع.
  • في مؤتمر المنظمة في فبراير/شباط 1971 اضطرت الشركات النفطية إلى التخلي عن عقودها التقليدية الثنائية وتوقيع اتفاق جماعي يرفع من الأسعار، ووضع برنامج للسعر لستة سنوات.
  • في أكتوبر/تشرين الأول 1973 تم التوصل إلى اتفاق في وجهات النظر بين المملكة العربية السعودية وإيران واتبعهما في ذلك باقي الدول، ودخل سلاح النفط المعركة العربية الإسرائيلية وأقيم حصار على الدول المؤيدة لإسرائيل.
    وقد تمثل استخدام سلاح النفط يومها في إجراءين رئيسيين:
    - تخفيض إنتاج النفط وصادراته.
    - فرض حظر على تصدير النفط العربي إلى الولايات المتحدة الأميركية نتيجة لدعمها غير المشروط لإسرائيل في المجالات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وشمل هذا الحظر أيضا هولندا لمواقفها المنحازة لإسرائيل.

وللتعرف على الأهداف التي رسمت لسلاح النفط أو التي يؤمل منه تحقيقها، نذكر أن قرارات وزراء النفط العرب نصت على أن إجراءات الحظر ستستمر حتى يتم الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها القدس، واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. والحقيقة أن الأهداف التي يمكن تحقيقها واقعيا من استخدام سلاح النفط يمكن تلخيصها في ما يلي:

  1. إشعار الرأي العام العالمي بالقضية الفلسطينية وحشد التأييد من أجل حل عادل.
  2. الضغط على دول أوروبا الغربية واليابان للضغط على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة الأميركية حليفها الأول.
  3. الضغط على الولايات المتحدة بصفة مباشرة لدفعها إلى مواقف متوازنة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تحققت أهداف سلاح النفط؟ إن الهدف الأساسي من استخدام سلاح النفط هو انسحاب إسرائيل من كل الأراضي الفلسطينية وفي مقدمتها القدس، وهذا الهدف لم يتحقق ناهيك عن تأمين الحقوق المشروعة لشعب فلسطين.

إننا نرى أن الدول العربية وقعت في أخطاء إستراتيجية خطيرة نذكر منها:

- أدت أزمة عام 1973 إلى تكتل الدول الغربية لمواجهة منظمة أوبك.
- كما أدت إلى بناء الدول الصناعية لمخزون إستراتيجي من النفط تستخدمه في الأزمات وللتأثير على سعر النفط.
- أدت هذه الأزمة أيضا إلى دفع الدول الصناعية للبحث عن بدائل للطاقة المعتمدة على البترول.
- في السبعينيات ارتكبت الدول المنتجة للنفط أخطاء أخرى، فقد جرت وراء أسعار كبيرة بدون تحليل ودراسة مما أدى كما سبق أن ذكرنا إلى بناء مخزون احتياطي إستراتيجي لدى الدول الصناعية.
- أدى هذا الحدث إلى إنشاء الوكالة الدولية للطاقة يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1974.

  • من المحطات المهمة أيضا في السبعينيات صدمة البترول عام 1979 الناتجة عن قيام الثورة الإسلامية في إيران وتوقف الصادرات العراقية مما أدى إلى زيادة كبيرة في سعر البرميل ليصل في بعض الأحيان إلى 40 دولارا للبرميل. وفي نفس العام نشبت الحرب العراقية الإيرانية.
  • وفي مارس/آذار 1982 تم تحديد أول سقف للإنتاج من طرف منظمة أوبك، إلا أن الدول الأعضاء لم تلتزم به تماما.
  • في أكتوبر/تشرين الأول 1984 تم تقليص نصيب كل دولة منتجة من دول أوبك.
  • في يناير/كانون الثاني 1985 انخفضت الأسعار ولم تكن هناك أسعار رسمية، وضعف التنسيق بين دول المنظمة والدول غير الأعضاء.
  • في أبريل/نيسان 1988 اجتمعت الدول الأعضاء في المنظمة مع منتجين للنفط خارج المنظمة (أنغولا والصين وكولومبيا ومصر وماليزيا والمكسيك وعمان)، لكن لم يكن هناك اتفاق محدد.
  • في أغسطس/آب 1990 اندلعت حرب الخليج وفرض الحظر التجاري على العراق من طرف الأمم المتحدة، ولذلك تم إقصاء العراق من سقف الإنتاج المحدد من طرف المنظمة.
  • في نوفمبر/تشرين الثاني 1997 اجتمعت دول أوبك في جاكرتا ورفعت إنتاجها بنسبة 10% دون أن تأخذ بعين الاعتبار الأزمة الآسيوية، مما أدى إلى انهيار أسعار النفط بنسبة قدرها 40%.

أما المحطات الأخرى فسنتناولها في الفقرة المتعلقة بأسعار أوبك ابتداء من عام 1998.

آلية أوبك لضبط الأسعار


أقرت أوبك آلية لضبط الأسعار تقضي بتخفيض الإنتاج بواقع 500 ألف برميل يوميا إذا ظل سعر السلة أدنى من 22 دولارا لمدة عشرة أيام عمل متصلة، وزيادته بنفس الكمية إذا ارتفع السعر فوق 28 دولارا للبرميل طوال 20 يوما متصلة

عرفت أسعار النفط عام 1998 انهيارا كبيرا حيث تراجعت حتى وصلت إلى تسعة دولارات للبرميل. ومن المعروف أنه بعد انهيار الأسعار عام 1986 سقطت نظرية تحديد السعر أو ما يسمى بالسعر الثابت المحدد من طرف الدول المنتجة للنفط، وأصبحت هذه السلعة الإستراتيجية تخضع لضغوطات السوق، فاعتبار السوق هو المحدد الأساسي للسعر.

لكن المستأنس بتاريخ أسعار النفط يدرك أن الدول الصناعية (المستهلك الرئيسي للنفط) تبذل جهودا كبيرة لإضعاف آلية السوق والحد من دور منظمة أوبك في رسم سياسات النفط، مما أدى إلى فشل آلية السوق وانخفاض أسعار النفط إلى أدنى المستويات أحيانا وارتفاعها إلى أسعار باهظة أحيانا أخرى، وبالتالي عدم استقرار الأسعار وما يؤدي إليه من أزمات للدول الصناعية والدول المنتجة النامية في آن واحد.

ولذلك أدركت أوبك أن العرض والطلب هما العاملان الأساسيان لتحديد سعر النفط، إلا أن هناك اعتبارات أخرى تتعلق بسقف الإنتاج أو حصته لكل دولة وضرورة الالتزام بهذه الحصص، والأخذ بعين الاعتبار مستوى النمو الاقتصادي العالمي وتأثيره على الطلب وكذلك تأثير المضاربات، إضافة إلى عامل أساسي آخر هو محاولة التنسيق الوثيق بين الدول الأعضاء في أوبك والدول المنتجة للنفط غير الأعضاء في المنظمة. فالتعاون مع هذه الدول أصبح ضرورة لا محيد عنها، وهناك دول كبيرة منتجة للنفط تملك حوالي 60% من الإنتاج العالمي وهي دول مؤثرة جدا في سوق النفط. فالنرويج على سبيل المثال تعتبر الدولة المصدرة الثانية في السوق العالمي بعد السعودية، وهي ليست عضوا في أوبك. ونفس المثال ينطبق على المكسيك وأنغولا.

وهكذا وانطلاقا من هذه المعطيات أقرت منظمة أوبك آلية لضبط الأسعار تقضي بتخفيض الإنتاج بواقع 500 ألف برميل يوميا إذا ظل سعر السلة أدنى من 22 دولارا لمدة عشرة أيام عمل متصلة، وزيادته بنفس الكمية إذا ارتفع السعر فوق 28 دولارا للبرميل طوال 20 يوما متصلة.

وعلى العموم فإن أوبك بعد اتفاق مارس/آذار 1999 حافظت على أسعار مستقرة معتمدة هذه الآلية التي اتفقت عليها دول المنظمة بالتنسيق مع دول خارج المنظمة، إلا أن عدم تجاوب بعض الدول -مثل روسيا- جعل المنظمة في مأزق. كما ألقت هجمات 11 سبتمبر/أيلول بثقلها أيضا على أسعار النفط.

أسعار النفط بعد أحداث 11 سبتمبر


تستهلك الولايات المتحدة إنتاجها وتحتاج إلى استيراد كميات كبيرة، فهي تنتج حوالي 7.7 ملايين برميل يوميا، وهو ما يقدر بنسبة 11% من الإنتاج اليومي العالمي في الوقت الذي تستهلك فيه ما يقارب 25% من الإنتاج العالمي

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية ثاني دولة منتجة للنفط عالميا بعد المملكة العربية السعودية، تنافسها في هذه المنزلة النرويج. إلا أن الفرق بينهما يكمن في أن الأخيرة دولة منتجة ومصدرة للنفط، أما الولايات المتحدة فهي تستهلك إنتاجها وتحتاج إلى استيراد كميات كبيرة. فهي تنتج حوالي 7.7 ملايين برميل يوميا وهو ما يقدر بنسبة 11% من الإنتاج اليومي العالمي، في الوقت الذي تستهلك فيه ما يقارب 25% من الإنتاج العالمي.

غير أن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ألقت بظلالها على الاقتصاد الأميركي، فقد تم تدمير مركز التجارة العالمي الذي يعتبر رمزا لهذا الاقتصاد وكذلك وزارة الدفاع، إضافة إلى محاولة تحطيم البيت الأبيض، وبذلك تكون أميركا قد مست في كبريائها ورموزها الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وهذا بالنسبة للاقتصاديين أمر له دلالة في تقييم الوضع الاقتصادي وله تأثير على المناخ المناسب للاستثمار.

فالمؤشرات الاقتصادية تبين تراجع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية بنسبة 0.4% بعد الأحداث، كما أسفرت هذه الأزمة عن تسريح عدد كبير من العمال مما أدى إلى زيادة حجم البطالة بما يقارب 415 ألف عاطل.

وتفاقمت الأوضاع حيث أصبح الحديث عن اقتصاد الحرب وما يتطلبه من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وخيم الركود الاقتصادي على اقتصاديات الدول الصناعية عموما.

وفي ظل هذه التطورات تجد منظمة أوبك نفسها أمام قرارات صعبة، فالركود الاقتصادي يؤدي إلى انخفاض في الطلب العالمي وتراجع في الأسعار من المفروض أن يقابل بتخفيض في إنتاج النفط، لكن آثار مثل هذا القرار على الاقتصاد العالمي الذي يمر بأزمة يتطلب من هذه الدول أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الظروف إضافة إلى احتمال عدم التزام جميع الدول الأعضاء بالإنتاج المحدد.


تبين المؤشرات الاقتصادية تراجع الناتج المحلي الأميركي بنسبة 0.4 % بعد أحداث سبتمبر، وزيادة حجم البطالة بما يقارب 415 ألف عاطل
فقد بلغ سعر سلة نفط أوبك نحو 17.5 دولارا للبرميل في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 وهذا يعني أن سعر النفط انخفض عن الحد الأدنى المحدد من طرف المنظمة وهو 22 دولارا للبرميل حسب آلية ضبط الأسعار التي وضعتها المنظمة عام 2000. ومع ذلك فإن المنظمة لم تلتزم إلا بنصف التخفيض الذي أقر في بداية سبتمبر/أيلول 2001 والبالغ مليون برميل يوميا، بل بلغ الإنتاج الإجمالي لدول المنظمة نحو 24.3 مليون برميل يوميا وهو ما يزيد عن مجموع حصص الإنتاج المتفق عليه بنحو 1.13 مليون برميل يوميا.

وفي ظل هذه الظروف كان من اللازم على منظمة أوبك التحرك للقيام بإجراءات للحفاظ على مصداقيتها التي تتطلب احترام آلية ضبط الأسعار المقررة من طرفها. لأجل ذلك فقد أعلنت أوبك على لسان أمينها العام أن المنظمة تنوي تخفيض الإنتاج، لكننا ننبه إلى أن هذا التخفيض يجب أن يكون بتنسيق مع الدول غير الأعضاء في المنظمة. غير أن المراقبين يعلمون أن هذه الجهود لن تنجح في تخفيض الإنتاج والرفع من الأسعار نتيجة للجهود السياسية المكثفة من طرف الدول الصناعية مما أدى إلى اضطراب في المواقف. صحيح أن وزراء النفط لكل من السعودية وفنزويلا والمكسيك بذلوا جهودا من أجل تخفيض الإنتاج، إلا أن الطرفين الروسي والسعودي صرحا أن الهدف هو سعر عادل بين 22 و25 دولارا للبرميل، وهذا يعني تخلي السعودية عن الالتزام بآلية أوبك لضبط الأسعار التي تحدد السعر العادل بين 22 و28 دولارا للبرميل.

آلية ضبط الأسعار بين مصالح المنتجين وضغوط الصناعيين

يتوقف مستقبل أسعار النفط على الطلب العالمي من جهة وعلى حجم الإنتاج (العرض)، بالإضافة إلى عوامل أخرى نتناول منها مدى انسجام مواقف الدول الأعضاء في أوبك ومدى تجاوب الدول غير الأعضاء في المنظمة مع قراراتها وتوجهاتها وضغوط الدول الصناعية من أجل زيادة الإنتاج. ولنبدأ بالنقطة الأخيرة أي ضغوط الدول الغربية المستهلك الرئيسي للنفط.

ضغوط الدول الغربية
تعتبر الدول الغربية المستهلك الرئيسي لنفط منظمة أوبك إلا أنها تعتمد معايير مزدوجة، فكلما ارتفعت أسعار السلع حتى لو كان ارتفاعا طفيفا نلاحظ حملات وضجة إعلامية من قبل أجهزة الإعلام الغربية وضغوطا سياسية كبيرة. والشواهد على ذلك عديدة، فعلى سبيل المثال الحملة الإعلامية التي حملت دول أوبك المسؤولية عندما ارتفعت أسعار النفط عامي 1999 و2000.

فقد قام وزير الطاقة الأميركي بزيارات لكثير من الدول الأعضاء في منظمة أوبك لحثهم على زيادة حجم الإنتاج من أجل تخفيض الأسعار، وفي حال عدم الاستجابة لهذه الجهود والضغوط السياسية تبدأ الدول الصناعية بالتلويح باستخدام أوراق أخرى فمرة يلوحون باستخدام المخزون الاحتياطي لدى الدول الصناعية ومرة يعطون الدروس في التعامل الحضاري مع شعوب العالم وما يحمله ذلك عندهم من اتهامات لشعوب العالم العربي بالجشع والتخلف.

وفي هذا الإطار نود أن نشير إلى أن هناك اعتبارين للدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية في الضغوط التي تمارسها:

  • أحدهما جديد وهو المتعلق بأزمة النظام الاقتصادي العالمي بعد أحداث 11 سبتمبر.
  • والاعتبار الثاني يتعلق بتأثير ارتفاع الأسعار على الرأي العام الأميركي وعلى المواطن الأميركي بصفة مباشرة، هذا على العكس من المواطن الأوروبي الذي يتحمل أعباء ضريبية كبيرة.

ففي عام 1998 على سبيل المثال هبطت أسعار النفط حتى وصلت ما بين 9 إلى 10 دولارات، وواصل المواطن الأوروبي دفع الضرائب الباهظة والحكومات تأخذ هذا الفارق. أما الولايات المتحدة الأميركية فالضرائب لا تقارن بمثيلاتها في أوروبا، لذلك فالمواطن الأميركي يشعر بانخفاض الأسعار وارتفاعها.

ومن البديهي أيضا أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى ارتفاع الكثير من السلع الاستهلاكية والإستراتيجية التي يدخل النفط ومشتقاته عنصرا في تركيبها، كما يؤدي أيضا إلى التضخم واختلال التوازن الاقتصادي الدولي وارتفاع معدلات الفائدة.

أما الانخفاض في أسعار النفط فإنه يؤدي إلى تراجع العائدات السنوية للدول المنتجة التي يشكل النفط مصدرا أساسيا للدخل في معظمها، مما يؤدي إلى ارتفاع حجم العجز في الموازنات المالية لتلك الدول وبالتالي تقليص الإنفاق الحكومي الذي يؤدي بدوره إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي وبالتالي زيادة حجم البطالة.

مثل هذه الآثار السلبية لانخفاض الأسعار والأزمات التي تمر بها الدول المنتجة، لا يعيرها الإعلام الغربي أي أهمية. وعموما فإن استقرار سعر النفط يعتبر عاملا مهما للنمو الاقتصادي العالمي ويكتسي أهمية أخرى بالغة تتعلق بتأثيره على حجم الطلب.

توقعات الطلب العالمي
أما على مستوى الطلب المتوقع فهناك مصدران لدراسة توقعات الطلب العالمي على النفط، إلا أنهما متناقضان ومتضادان في مصالحهما وهما: منظمة أوبك والوكالة الدولية للطاقة. هذه الأخيرة ترى أن الطلب العالمي على نفط أوبك سينخفض إلى معدل 25.7 مليون برميل يوميا في الربع الأول من عام 2002. ومن المعلوم أن هذه التقديرات تقل عن مستوى إنتاج المنظمة في سبتمبر/أيلول 2001 بنسبة قدرها 5.7%، أما تقديرات أوبك فهي أكثر تفاؤلا إذ تعتبر أن الطلب العالمي الإجمالي سينخفض إلى 26.1 مليون برميل يوميا.

الانسجام بين دول أوبك


هناك مصدران متناقضان لدراسة توقعات الطلب العالمي على النفط هما: منظمة أوبك والوكالة الدولية للطاقة، وهذه الأخيرة ترى أن الطلب العالمي على نفط أوبك سينخفض إلى معدل 25.7 مليون برميل يوميا في الربع الأول من عام 2002، أما تقديرات أوبك فتعتبر أن الطلب العالمي سينخفض إلى 26.1 مليونا
أما على مستوى الانسجام بين دول أوبك في ما بينها فإنها ترى ضرورة تخفيض الإنتاج، ونجد ذلك على لسان الأمين العام وفي مواقف فنزويلا وليبيا وكذلك السعودية، إلا أنه في الفترة الأخيرة بدأ الحديث عن تخفيض لإنتاج النفط تخفيضا مشروطا إذ يراعي من جهة نمو الاقتصاد العالمي وتجاوب الدول المنتجة غير الأعضاء في أوبك من جهة أخرى.

وإذا تعلق الأمر بمواقف الدول المنتجة غير الأعضاء في أوبك فإنها تختلف من دولة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال ترى المكسيك أنها ستخفض إنتاجها هذا العام بمعدل 100 ألف برميل يوميا طالما استمرت أوبك في خفض إنتاجها مع بقية المنتجين. ومن الأمثلة أيضا على مواقف الدول غير الأعضاء نذكر أيضا أن النرويج لا تمانع في خفض إنتاجها من حيث المبدأ للحفاظ على استقرار الأسعار وعدم انهيارها، إلا أنها تعتبر أن الأسعار الحالية للنفط ليست منخفضة إلى الحد الذي يدفعها لتخفيض الإنتاج. وتعطي النرويج الأولوية لبقاء أسعار النفط في مستوى يمكن من إعادة انتعاش اقتصاديات الدول الصناعية.

وخلاصة القول فإن قدرة أوبك على ضبط الأسعار والتزامها بالآلية المقررة من طرفها أمر من الصعوبة بمكان، وذلك لأسباب عديدة نجملها في الأسباب الثلاثة التالية:

  1. الركود الاقتصادي الذي تعاني منه الدول الصناعية وخصوصا بعد أحداث 11سبتمبر/أيلول 2001 وما أدى إليه من تراجع في الطلب العالمي على النفط.
  2. تضارب مصالح الأقطاب التي لها علاقة بسوق النفط، ونعني بهذه الأقطاب: الدول الأعضاء في أوبك، والدول المنتجة والمصدرة خارج المنظمة، والدول الصناعية المستهلك الرئيسي للنفط والشركات النفطية الكبرى، والوسطاء والموزعين في السوق النفطية ومصافي التكرير المستقلة.
  3. تضارب تقويم أعضاء القطب الواحد لواقع سوق النفط من ناحية السعر وسقف الإنتاج وتوقعات الطلب العالمي في ظل الظروف الدولية الحالية وما تتميز به من ركود اقتصادي.

وعلى العموم فإن على منظمة أوبك لكي يتسنى لها ضبط الأسعار واستقرارها أن تفتح عضويتها لكل من مصر والسودان واليمن وسوريا وعمان وكذلك المكسيك وأنغولا وغانا والغابون وكولومبيا والإكوادور وبوليفيا. كما عليها محاولة التنسيق القوي مع روسيا والنرويج إن لم تنضما إلى المنظمة، لما تمثله هاتان الدولتان بالخصوص من ثقل في الإنتاج العالمي للنفط وبالتحديد الرتبة الثانية والثالثة بعد المملكة العربية السعودية بالنسبة للدول المنتجة والمصدرة للنفط.

_______________
* باحث في مختبر إدارة الأعمال بكلية العلوم الاقتصادية في تونس.

المصدر : غير معروف