بقلم: حافظ الميرازي

محددات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط
منذ أن سلم الرئيس الراحل أنور السادات بأن "تسعة وتسعين في المئة من أوراق القضية في يد أميركا" وتعهد حتى قبل أن يسترجع كل سيناء بأن "حرب أكتوبر آخر الحروب" العربية ضد إسرائيل لم يعد أمام المحلل العربي في واشنطن أو المتابع لها -عن كثب- إلا الانخراط كل أربع سنوات في التكهن بما إذا كان الرئيس الأميركي الجديد أو المنتخب من جديد سيحل القضية ويضغط على إسرائيل أم لا. ورغم أن البعض قد يرى أن الواقع العربي تدهور أكثر فأصبحنا نراهن على الفائز في الانتخابات الإسرائيلية كل أربع أو ثلاث سنوات: مرشح العمل أم الليكود؟ فقد تكون هذه المراهنة الأخيرة أكثر واقعية وفهما لحدود هامش الحركة لدى صانع القرار الأميركي فيما يختص بالعلاقة مع إسرائيل، وثوابت السياسة الأميركية تجاه المنطقة بغض النظر عمن يحكم في البيت الأبيض.

محددات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط
رؤية تاريخية (من السويس إلى الخليج)

مثلما كان سقوط الاتحاد السوفيتي والانفراد الأميركي بالعالم أول حقبة "الأحادية القطبية" التي يمكن التأريخ ببدايتها بحرب في الشرق الأوسط وهي حرب الخليج (الثانية ) ضد العراق عام 1991، كانت حربا أخرى في المنطقة وهي حرب السويس (العدوان الثلاثي على مصر) عام 1956 بداية فعلية لحقبة "القطبية الثنائية" في العلاقات الدولية. حيث كان إنذار الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور (والسوفيتي بولغانين) رسالة واضحة - بمن يحوز القوة النووية والاقتصادية والأيديولوجية الجديدة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية - وهي رسالة للقوتين الأوروبيتين القديمتين (بريطانيا وفرنسا) اللتين تقاسمتا الشرق الأوسط وشاركتا في تحالفات مع قوى أخرى في فترة "التعددية القطبية" السابقة، وكانت معهما آنذاك في هذا العدوان حليفتهما إسرائيل التي سرعان ما تحولت لخدمة واشنطن وأثبتت إمكانية الاعتماد عليها بانتصارها الساحق في حرب عام 1967 مثلما نجحت في فهم واختراق النظام السياسي الأميركي.

وقد اتسمت النظرة العربية إلى الموقف الأميركي في الحربين بالتفاؤل إزاء ما يمكن لواشنطن أن تفعله تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا وأن الرئيس في الحالتين كان جمهوريا يدرك المصالح القومية الأميركية بمفهومها الضيق العسكري والاستراتيجي وليس السياسي، ولا يوجد لديه دين داخلي يدفعه للناخبين اليهود أو المتلقين لتبرعاتهم الانتخابية.

بيد أن التفاؤل الأول بشأن قدرة "الجنرال" أيزنهاور على أن يقول للمعتدين أخرجوا فيخرجون، سرعان ما تلاشى بتحرك اليمين المحافظ، متمثلا في وزير الخارجية آنذاك – جون فوستر دالاس- لملء الفراغ في المنطقة واحتواء المعسكر الشيوعي وأصدقائه وهي صفة حصل عليها بقصد أو بدون قصد -ولكن بجدارة- التيار القومي العربي المعني بالقضية الفلسطينية، الذي تورط في الحرب الباردة ودفع على مراحل الثمن بينما جنت إسرائيل الأرباح.

وجاءت حرب الخليج وفي البيت الأبيض رئيس جمهوري آخر هو جورج بوش (الأب) ليسود التفاؤل، على المستوى الحكومي العربي وليس الشعبي، بأن البترول دون سواه هو المصلحة الأميركية الأساسية في المنطقة وأن إسرائيل لن تحمي هذه المصلحة بل أصبحت عبئا على أميركا التي ذهبت لتدافع بنفسها عن مصالحها ومعها بين قوات "التحالف" جيوش عربية تحارب معها جيشا عربيا بمنطق مصلحة الدولة القطرية وليس القومية العربية التي قبرت ولم يعد هناك داع لدى واشنطن للخوف منها بالتحالف الأميركي السابق مع إسرائيل. كما اقتنعت واشنطن بنصيحة أصدقائها العرب أن القضية الفلسطينية هي قميص عثمان الذي يجب تجريد أي زعيم عربي يدعي الثورية أو القومية من ارتدائه وتحريك جماهيرهم ضدهم وضد واشنطن. وبالتالي لابد من حله في غياب "البديل" السوفياتي، وبعد ضرب القوة العسكرية العراقية باعتبارها "أكبر تهديد عسكري في المنطقة لإسرائيل" على حد قول ريتشارد {دك} تشيني نائب الرئيس الأميركي بوش الابن (والذي كان وزير الدفاع لبوش الأب في حرب الخليج) في مناظرة انتخابية العام الماضي أمام المرشح الديمقراطي (اليهودي) المنافس جوزيف ليبرمان. وبعد أن ورطت القيادة الفلسطينية "الرسمية" نفسها في صراع عربي / عربي بدت فيه في مأزق أخلاقي باحتضان زعيم قوة احتلال عربي (لقاء عرفات وصدام خلال احتلال الكويت) والمراهنة الخاسرة التي أفقدت المنظمة الدعم المالي الخليجي ، وتململ المضيفين الجدد (تونس) الراغبين في لحاق ما فاتهم بأقل خسائر مع الغرب والفريق العربي المنتصر، بالتالي كانوا مستعدين "للتسوية". كما أدركت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن الصواريخ العربية (لحسن حظهم غير الجرثومية أو الكيماوية أو النووية، في تلك المرة) يمكن أن تضرب قلب تل أبيب قادمة من العراق غير المجاور ومن على بعد آلاف الكيلومترات دون حماية أي حدود آمنة أو أراض محتلة حتى نهر الأردن.

هكذا انطلقت مسيرة مدريد السلمية حتى تعثرت فأنجبت أوسلو. ورغم تفاوت طبيعة الدور الأميركي فيما سمي "بعملية السلام"، فلم تتغير محددات السياسة الخارجية الأميركية تجاه المنطقة ليس فقط على مدى العقد المنصرم بل وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية.

وظلت البرامج السياسية للحزبين الرئيسيين الأميركيين والمرشحين عن الحزبين دون تغيير حتى لحظة كتابة هذه الكلمات .

الأهداف التي ترتكز عليها السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط

* الحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها العسكري النوعي على "خصومها" (من الناحية الفعلية : العرب مجتمعين).

* ضمان تدفق البترول والحصول عليه "بأسعار معقولة" ( المستهلك الغربي هو الذي يحدد السعر المعقول).

ويتطلب تحقيق الهدفين الرئيسيين أهداف فرعية مثل:

- الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة (ما عدا أمن واستقرار الحكومات غير "الصديقة").

- منع انتشار أسلحة الدمار الشامل - باستثناء ما لدى إسرائيل (سواء كانت حكومات "عربية" صديقة أو غير صديقة)، مع التشديد على الدول "المارقة" على المجتمع الدولي ( خارج المظلة الأميركية).

وبالطبع توجد إشارات بلاغية إلى دعم الديمقراطية (وغالبا ما ترتبط بتبرير دعم إسرائيل بوصفها "الديمقراطية الوحيدة في المنطقة"، ودعم حقوق الإنسان (وغالبا ما ترتبط بذكر انتهاكات الأنظمة العربية "غير الصديقة" لتلك الحقوق)، ومكافحة الإرهاب والتطرف الديني.

إدارة كلنتون والقضية الفلسطينية

حين فاز حاكم ولاية أركنسو الشاب بل كلنتون بالرئاسة الأميركية مرشحا عن الحزب الديمقراطي في نوفمبر 1992 كان شعار حملته الانتخابية في الإعلانات التليفزيونية ضد منافسه الجمهوري الرئيس جورج بوش (الأب) عبارة: "إنه الاقتصاد يا غبي!" فالناخب الأميركي سرعان ما نسي انتصار بوش في حرب الخليج ونجاح إدارته في تفكيك الاتحاد السوفياتي بأقل التكاليف، واهتم بحالة الاقتصاد المتردية والبطالة المرتفعة التي جاءت كدورة اقتصادية طبيعية بعد الاتفاق العسكري والاقتصادي الضخم في عهد ريغان الذي استهدف بنجاح في جانب منه استنزاف السوفيات في سباق تسلح وحروب بالوكالة. وكان طبيعيا أن ينكب كلنتون على الداخل في فترته الرئاسية الأولى، وإن اضطر للتعامل مع تركة بوش من محادثات ثنائية متعثرة في واشنطن بين إسرائيل والفلسطينيين (وفد مدريد وليس المنظمة) وسوريا والأردن، ضاربا عرض الحائط بمطالب الفلسطينيين إعادة المبعدين إلى ديارهم من جنوب لبنان قبل استئناف المباحثات. ففي أول مؤتمر صحفي له كرئيس مع زعيم عربي زائر (الرئيس المصري حسني مبارك في أبريل 1993) دافع كلنتون عن العرض الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك اسحق رابين لإعادة بعض المبعدين، وأكد على الموقف الأميركي بمواصلة قطع الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية حتى "تنبذ الإرهاب تماما.." وغير ذلك من المطالب الإسرائيلية. ومثلما أرسل وزير الخارجية الأميركي الحالي كولن باول السفير السابق في الأردن وليام (بل) بيرنز (وهو المساعد الجديد لوزير الخارجية للشرق الأوسط (الأدنى)، إلى الإسرائيليين بمقترحات لتنفيذ خطة ميتشل، أرسل وارن كريستوفر وزير الخارجية في عهد كلنتون في مايو 1993 مبعوثه وليام (بل) براون، السفير السابق لدى إسرائيل بخطة أميركية للحكم الذاتي الفلسطيني وهي تعديلات على مقترحات الإسرائيليين للفلسطينيين في واشنطن بزعامة حيدر عبد الشافي. لم يكن عبد الشافي ولا كريستوفر ولا حتى كلنتون يعرفون وقتها أن اجتماعات أوسلو بين مفاوضين فلسطينيين وإسرائيلين التي تتم على هامش وتحت ستار الجولة الثانية من المفاوضات المتعددة بشأن اللاجئين بعد جولة أوتاوا، تعالج تسوية جريئة للقضية الفلسطينية بشكل مباشر بين ممثلي عرفات (الذي كانت إدارة كلنتون لا تزال تعتبره إرهابيا وقتها) وممثلي رابين.

لم يكن أحد ليشكك في ولاء كلنتون وامتنانه لإسرائيل وأنصارها، فهو الفائز من الحزب الديمقراطي، الحزب الذي يحصل تقليديا على أغلب أصوات اليهود الأميركيين، كما استفاد كلنتون من استنفار اللوبي اليهودي ضد بوش لتحديه لهم علنا مع وزير خارجيته جيمس بيكر في المواجهة مع حكومة شامير لمنع إنفاق ضمانات القروض الأميركية في بناء مستوطنات جديدة. وحقق كلنتون رغبات هذا اللوبي أو اتفاقه معهم في العديد من التعيينات السياسية الهامة، كما قال زعيم لمنظمة إيباك في مكالمة سجلت له وتم فصله من إيباك بسبب تلك الحماقة.

كان العرب يتحسرون وقتها على إدارة بوش ويقارنون بين تعييناته وتعيينات كلنتون السياسية لوزرائه ونوابهم ومستشاريه المعروفين بمناصرتهم العلنية لإسرائيل، بل إن الرجل الذي اختاره كلنتون كمستشاره في البيت الأبيض لشئون الشرق الأوسط، وسلمه بعد ذلك مسئولية شئون المنطقة في الخارجية الأميركية وهو مارتن إندك (السفير لدى إسرائيل حاليا) كان كبير الباحثين للوبي الإسرائيلي "إيباك: لجنة الشئون العامة الإسرائيلية الأميركية".

حين أبلغ الإسرائيليون وارن كريستوفر بما حققوه في أوسلو من اتفاق على مبادئ السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، وجد كلنتون نفسه أمام فرصة تاريخية يحقق فيها مجانا، أمام التليفزيون الذي يتقن لغته، مصافحة تاريخية بين رابين وعرفات الذي سيدخل البيت الأبيض بمباركة إسرائيلية، ودون أن يبذل الرئيس الأميركي أي جهد أو يغضب الإسرائيليين بأي ضغط خلافا لما فعل سلفه الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر باتفاق السلام التاريخي بين بيغن والسادات. وتحقق له ما أراد.

آلية أوسلو وتغيير طبيعة الوساطة الأميركية

قد يكون التمعن في فهم الكيفية التي تم التوصل فيها إلى أوسلو مفتاح فهم طبيعة الدور الأميركي في "الوساطة" أو"الانخراط" في العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية منذ ذلك الحين. فعملية مدريد حققت أولا لإسرائيل ما هو أكثر من جنيف، أي ليس مجرد الجلوس مع العرب لتسوية القضية دوليا بالسلام دون سواه، ولكن الجلوس على مائدة واحدة والتفاوض المباشر وبوسيط فعلي وحيد هو الأميركي مع وجود شكلي روسي في القاعة. ثم طورت محادثات واشنطن الثنائية الصيغة في الاتجاه الإسرائيلي بتعدد المسارات بدلا من التفاوض الجماعي. وهذا ما قبله السوريون ثم انتقدوا الفلسطينيين في نهاية اللعبة. لكن، حتى هذه المرحلة استطاعت إسرائيل أن تدفع العرب، من معسكر الرفض سابقا، إلى أن يحذو خطى السادات، ولكن مكرهين وبخطى ثقيلة لم يلحظها الإعلام الغربي خلافا لقدرة السادات السينمائية في سرقة الأضواء والمطالبة بمقابل لوثبته. شأن السادات، أصبح الفلسطينيون والسوريون يتفاوضون مع إسرائيل برعاية أميركية "وفي واشنطن دون سواها" كما كانوا يصرون هم أنفسهم آنذاك! ثم جاءت خطوة أوسلو لتتجاوز ما حققه الإسرائيليون حتى مع السادات، ألا وهو التفاوض المباشر بدون الأميركيين، بل ومن وراء ظهورهم. لقد أدرك الفلسطينيون بحصافة، سواء كانوا على حق أو غير حق في ذلك، أن واشنطن لن تفعل إلا ما تريد إسرائيل، وبالتالي اختاروا أقصر الطرق. إذا أرادت إسرائيل أن تصافح عرفات سيستقبله البيت الأبيض وإن أرادت أن تقتسم معهم القدس الشرقية سيدرك الأميركيون أنهم كانوا سذجا حين صدقوا أنه لا تفاوض من جانب إسرائيل في ضم القدس. وكانت النتيجة الطبيعية أيضا أن تسعة وتسعين في المئة من أوراق القضية أضحت في يد إسرائيل وليس في يد أميركا كما كان يقول السادات! وبدلا من تركيز العرب "المعتدلين" على الانتخابات الأميركية تحولوا إلى المراهنة على الانتخابات الإسرائيلية وساهمت القيادة الفلسطينية في حشد التأييد العربي داخل إسرائيل لمرشحها المفضل.

من هذه الخلفية يجب فهم الدور الأميركي في عهد كلنتون في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وهي عملية قادها من الخارجية الأميركية فريق ثلاثي من حمائم اليهود الأميركيين: مارتن إندك، دنيس روس، وآرون ميللر. الأول والثالث مازالا في السلك الدبلوماسي، بينما رحل روس مع كلنتون رغم أنه جاء قبله مع ريجان و بوش الأب. أصبحت العملية قائمة على توزيع العمل المسرحي-إن صح التعبير: التأليف لإسرائيل والإخراج لأميركا. كما أدرك كلنتون بحسه السياسي الفائق وخلفيته الاجتماعية المتواضعة التي جعلته متعاطفا (إن استطاع ) مع المستضعفين كالسود الأميركيين، أهمية اللفتات الإنسانية وقوة الرمز السياسي للبيت الأبيض في عهد "الأحادية القطبية"، فمد البساط الأحمر للزعيم الفلسطيني وعامله معاملة رئيس الدولة، دون أن يعترف له بتلك الدولة، فأصبح عرفات بنهاية عهد كلنتون أكثر من زار البيت الأبيض من زعماء العالم. ولثقة كلنتون في ولائه لإسرائيل الذي أثبته في عهدي رابين ثم بيريز، ومع إحاطة نفسه بمستشارين من حمائم العمل وليس صقور الليكود، كان لدى كلنتون رصيد يسمح له بتجاهل نتنياهو بل وإهانته أحيانا بعدم تحيته مثلا في مطار لوس أنجلس وطائرته رابضة قرب طائرة كلنتون الذي انشغل بقص شعره على أيدي أحد أغلى المصففين في المدينة.

لقد أدرك كلنتون من رابين الخطوط الحمراء لإسرائيل، وبالتالي كان أكثر جرأة في التعامل مع نتنياهو الذي أخطأ بدوره بمغازلة اليمين الجمهوري المسيطر على الكونجرس في محاولة للانتقام من تحالف كلنتون مع مرشح العمل الخاسر بيريز في الانتخابات الإسرائيلية. وحين أدرك نتنياهو بالتجربة أن عرفات شر لا بد منه إذا كان يريد تحقيق الأمن الذي وعد به ناخبيه، فرغ كلنتون نفسه ليل نهار في منتجع واي ريفر، الذي لم تنجح فيه من قبل محادثات سورية إسرائيلية، وحقق اتفاقا مرحليا يعطي الإسرائيليين الأمن مقابل إقرار الليكود بأوسلو وقبول الانخراط الأميركي الفعلي في تنفيذ الاتفاقات من خلال وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA حتى يعود البعد الثالث (الأميركي) إلى معادلة السلام، بعد إخراجهم في أوسلو، ثم حتى يتوقف اللوبي الصهيوني في الكونجرس، الذي يتلون بلون من يحكم في إسرائيل، عن إعادة تجريم عرفات وإبعاده عن البيت الأبيض.

بذور الفشل: كلنتون ينفذ أولويات باراك

وبمجيء أيهود باراك إلى الحكم بتعهد الانسحاب من لبنان، مع أمل أن يتم في إطار صفقة سلام مع سوريا، تنفس كلنتون الصعداء بعودة العمل والحمائم إلى إسرائيل، ليعودوا إلى التأليف الحقيقي - درج الأميركيون على تسمية تلك المقترحات المنسوبة لفريقهم "بالأفكار المبكرة"، ويعود كلنتون البارع في التمثيل إلى الإخراج بالمثل. ولآن النص الذي كتبه باراك يضع الأولوية لسوريا'' أهمل كلنتون الملف الفلسطيني بتأجيله لموعد نهائي آخر، وعدم الخوض بجدية في قضايا الوضع النهائي الشائكة حتى لا يفسد شهور عسله الأولى مع باراك، وتفرغ للملف السوري. ولأنه حمل إلى السوريين في جنيف ثم في شيبردزتاون نصا إسرائيليا فقط، لم يجد اهتماما بطريقة الإخراج الأميركي أو انبهارا بها'' وأثبت فريقه المعتمد كباره على خبرتهم مع السادات في كامب ديفيد وصغاره على خبرتهم مع عرفات في واي ريفر، عدم دراية بالظرف السوري وشخصية الأسد. وبالتالي أعاد باراك كلنتون ليخرج التسوية مع الفلسطينيين. ولان باراك تعلم من درس لبنان أنك قد تضطر للخروج مهما طال الاحتلال بدون ثمن، فقد كان كريما في النص الذي وضعه لكلنتون طالبا منه إحضار عرفات رغما عنه إلى كامب ديفيد لاتخاذ "القرارات الصعبة" مثلما سيفعل هو. وأقنع كلنتون أن عرفات لن يرمي الورقة الأخيرة لديه إلا في اللحظات الأخيرة، وبالتالي لا توجد مشكلة في التأخير حتى هذه المرحلة الأخيرة من رئاسة كلنتون. وبالطبع كان الأخير تواقا بعد فضيحة مونيكا ودخوله التاريخ الأميركي كالرئيس الثاني الذي يحاكمه الكونجرس، إلى دخول التاريخ العالمي كصانع السلام في الشرق الأوسط ، وليرتبط اسمه بالدولة الفلسطينية الوليدة مثلما ارتبط اسم سلفه الديمقراطي ترومان بالاعتراف بدولة إسرائيل.

لقد أخطأ كلنتون حين اعتقد أن التنازلات الفلسطينية التي تم تقديمها له في اتفاقات مرحلية مثل واي ريفر أو اتفاق الخليل أو اتفاق القاهرة، يمكن أن تتحقق بمزيد من الضغط في الاتفاق الأخير، المطلوب فيه من عرفات إنهاء الصراع. كما عزل الأميركيون عرفات عن المصريين وباقي العرب، اعتقادا بأن نصائح القاهرة وهمس عمرو موسى في أذنه عراقيل تدفعه إلى التشدد. كما انبهر المخرج الأميركي كلنتون بالنص الذي أطلعه عليه المؤلف الإسرائيلي باراك في اللحظات الأخيرة، لأنه تجاوز الخطوط الحمراء الإسرائيلية المعلنة التي تصورها الأميركيون مقدسات لا مساس بها حتى في فكر رابين، الصديق الراحل، وبالتحديد الاستعداد للتنازل عن كل الأحياء العربية التي ضمتها إسرائيل في القدس الشرقية وقبول عاصمة للدولة الفلسطينية في بعض القدس الشرقية، ومقايضة بعض الأرض في داخل إسرائيل (الخط الأخضر) مقابل نسبة من بلوكات المستوطنات التي لن تفكها إسرائيل وستبقيها قرب حدودها بالضفة الغربية، مع قبول حق عودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية، ولكن ليس إسرائيل.

ولكن بدلا من أن يتصرف عرفات كما تصرف السادات في كامب ديفيد بعدم الاستماع إلى مساعديه كبارهم وصغارهم، ومن الأخيرين على الساحة الآن أسامة الباز وأحمد ماهر السيد، تهرب عرفات من الضغوط بإحالة الأميركيين إلى مساعديه، مبلغا إياهم بأنه سيوافق على ما يوافقون عليه. وتكرر الإحباط الأميركي والغضب من المساعدين، خصوصا كما قال مصدر أميركي حضر المحادثات: "خلافا لتجاوب صائب عريقات، بدا أبومازن و أبو العلاء وكأنهما غير راغبين في التوصل لتسوية". والواقع أنها ملحوظة جديرة بالبحث فقد أذهلنا كصحفيين عرب في المركز الصحفي التابع لكامب ديفيد خبر مغادرة محمود عباس "أبي مازن" المحادثات المصيرية لحضور زفاف ابنه في الضفة! وأسأل المصدر الأميركي: هل يعود هذا إلى التنافس على خلافة عرفات وخوف كل طرف أن يزايد عليه الأخر؟ يجيب: "ربما"!

لم يتصرف عرفات أيضا كما تصرف الأسد (الأب) بالخروج من جنيف رافضا الصفقة المعروضة من باراك على لسان كلنتون بكل وضوح وحسم، لأنه حدد للأميركيين خطوطه الحمراء الحقيقية وليس التفاوضية، وهو ما فعله في شبردزتاون بالمثل حين تفاوض مع باراك وكلنتون عن طريق الشرع، وكان الجميع يعلمون قبل وبعد المفاوضات من بيده العقد والحل وما هو بالضبط المطلوب للسلام مع سوريا. بالتالي حافظ الأسد على احترام الأميركيين والإسرائيليين له ومقتهم له في الوقت ذاته، ولم يكن هناك الكثير مما يخسره من مقتهم. أما عرفات فخسر احترام كلنتون لأنه لم يجد فيه زعيما حاسما، وحاز على سخطه بجدارة. وخرج كلنتون فورا من كامب ديفيد إلى منصة البيت الأبيض يوجه اللوم علنا إلى عرفات ويعرب عن امتنانه وإعجابه بالخطوات الجريئة لباراك. وخرج باراك فورا إلى الفندق المجاور للصحافة الإسرائيلية ليؤكد أن عرفات أضاع فرصة تاريخية للسلام. أما عرفات فترك صائب عريقات يتحدث كلاما دبلوماسيا غرضه حماية مكتسبات كامب ديفيد، أما الزعيم الفلسطيني فتوجه للمطار إلى القاهرة وباقي العواصم، يوضح الموقف الفلسطيني. وسرعان ما بدأت عجلة اللوبي الصهيوني تدور في واشنطن تكرر اتهامات باراك ضد الفلسطينيين، ثم مع اشتعال الانتفاضة تكرر تهم الإرهاب وتعيد المناخ السياسي المعادي للقيادة الفلسطيني والذي كان قد تلاشى تدريجيا من الإعلام الأميركي والدوائر الرسمية بعد المصافحة التاريخية بين عرفات وباراك في البيت الأبيض. وخلقت الانتفاضة قيودا إضافية على القيادة الفلسطينية لم تجد معها تحسينات طابا على مقترحات كامب ديفيد.

وهكذا خرج المخرج الأميركي كلنتون من الحكم وبعده المؤلف الإسرائيلي بارك وكلاهما حانق على عرفات لأنه في اعتقادهم لم يستحق دور البطل أو "الزعيم" الذي أعطياه له في مسرحية كامب ديفيد. وأكد كلنتون أن "أفكاره" التي قدمها للسلام الفلسطيني الإسرائيلي تخص شخصه وليست ملزمة لمن يأتي بعده، وبأنها ستذهب بذهابه.

كان الإحساس في واشنطن مع مجيء شارون هو شعور الشماتة في العرب، وهو ما عبر عنه الكاتب الصحفي الإسرائيلي ديفيد ماكوفسكي: "إن عرفات، الذي لم يعجبه باراك، يستحق شارون". لكن العرب هونوا على أنفسهم بأن الابن بوش هو الفائز بالرئاسة، واستبشروا خيرا!

الحاكم بوش يصل إلى الحكم

في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة، اختفى بشكل مريب العراف السياسي لعائلة بوش، ألا وهو جمس بيكر وزير الخارجية الأسبق الذي لم ينس له اللوبي الصهيوني تحديه لهم ولحكومة شامير في الكونجرس خلال أزمة ضمانات القروض. فقد حرص جورج بوش الابن ألا يكرر خطأ والده - جورج هربرت ووكر بوش- بالركون إلى أنه كجمهوري سيخسر مهما فعل أغلبية الصوت اليهودي التي تذهب تقليديا للحزب الديمقراطي، وبالتالي دفع الأب ثمن تحديه بعدم الحصول على فترة ثانية رغم سجل إنجازاته. أما الابن - جورج ووكر بوش - فقد حرص وهو لا يزال حاكم ولاية تكساس، لم يعلن بعد سعيه للترشيح الرئاسي، إلى زيارة إسرائيل. ورأى لأول مرة الضفة الغربية من طائرة هليكوبتر إسرائيلية مع مرافق ومرشد غير عادي: إنه آرييل شارون، الذي شكره بوش على هذه الجولة حين التقيا كزعيمين في البيت الأبيض في مارس الماضي. وبعد ترشيحه قدم بوش لليهود الأميركيين الوعد التقليدي من مرشحي الرئاسة بالبدء في عملية نقل السفارة الأميركية للقدس بمجرد توليه الحكم. ورغم أن كثيرين كانوا مقتنعين أن بيكر يعطي دروسا خصوصية مكثفة للابن بوش في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية خصوصا بعد إحراج المرشح بوش في مقابلة تليفزيونية لعدم معرفته أسماء عدة زعماء منهم حاكم باكستان العسكري الجديد، فقد ظل بيكر في الظل، ولم يخرج إلا حين انتهت الانتخابات وبدأت المعارك السياسية والقانونية على نتائج الانتخابات، وبدعم واضح لمنافسه آل غور من أنصار المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس السناتور جوزيف ليبرمان، أول يهودي أميركي يرشح للمنصب. في حين حشدت المنظمات الإسلامية الأميركية جهودها المتواضعة لانتخاب بوش، وتصورت أن فوزه، بفارق ضئيل، فوز لها وانتظرت المقابل.

أجنده بوش وفريقه

جاء بوش الابن بفريق والده، أي بفريقي حرب الخليج (نائبه دك تشيني ووزير خارجيته كولن باول) وفريق الحرب الباردة (وزير دفاعه رامزفلد ومستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس). وكان طبيعيا أن يهتم تاجر البترول ابن تاجر البترول بوش ابن ولاية تكساس البترولية بالهدف الأول في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط وهو ضمان حرية تدفق البترول، وبالتالي الاهتمام بأمن الخليج وبالتحديد بالملف العراقي، وهي الخبرة الجاهزة لدى مساعديه، كما أنه ابن بار مهتم بإكمال مهمة والده في حسم حرب الخليج ضد نظام صدام حسين. أما الهدف الثاني بضمان أمن إسرائيل فلم يكن هناك ما يهدده، بل إن بوش وجد فيما فعله كلنتون من إهدار كل هذه الليالي والشهور والسنوات في مفاوضات لم يكن منها طائل مضيعة للوقت وتقليلا من دور الرئيس الذي يجب ألا يتحول إلى دبلوماسي صغير بدرجة"مسئول مكتب لدولة" في الخارجية الأميركية يتصلون به في كل صغيرة وكبيرة، كما وصف فريق بوش ما فعله كلنتون بنفسه في عملية السلام. بل حتى تعبير "عملية السلام" أوقف باول استخدامه، وألغى مكتب "منسق عملية السلام" بعد أن رحل عنه محتكر اللقب، دنيس روس.

ومع اشتعال حدة الانتفاضة، وسقوط قتلى إسرائيليين في حادث الاتوبيس الذي داهمهم، وقع بوش في اليوم التالي للحادث أمرا بقصف أنظمة للدفاع الجوي العراقي خارج نطاق منطقة حظر الطيران، وهو ما تم يوم السادس عشر من فبراير الماضي. وبحدوثه تحولت الأنظار كما أرادت إدارة بوش، خصوصا صقور وزارة الدفاع، إلى أولوية العراق على أجنده بوش الدولية.

لقد أدرك الجميع أن إدارة بوش لن تتعامل مع القضية الفلسطينية بشكل مباشر، ولكن بقدر ما تؤثر على الرؤية الاستراتيجية الشاملة للإدارة للمنطقة وهي رؤية محورها العراق وكيفية تعديل العقوبات لتحويل اللوم في مأساة الشعب العراقي إلى النظام الحاكم وليس أميركا، ومنع انتشار أسلحة دمار شامل وسبل توصيلها، وحماية أنظمة المنطقة "الصديقة" من عوامل زعزعة الاستقرار الناجمة عن الرد الإسرائيلي الوحشي على الانتفاضة حتى تهدأ.

لم يساعد بوش والعرب أيضا، أن شارون جاء إلى الحكم مع بداية حكم بوش، وبالتالي كان على الأخير أن يثبت ولاءه لإسرائيل، مهما كان حاكمها ودون انتقادات له، خلافا لكلنتون الذي أثبت ولاءه في عهد رابين والعمل وبالتالي حين جاءه نتنياهو والليكود لم يخش من تحديهما-بحدود- لثقة كلنتون في ولائه لإسرائيل. أما بوش فيحتاج - تبعا لقواعد اللعبة السياسية الأميركية- أن يثبت هذا الولاء أولا، وللأسف من خلال تدليل شارون.

وكما اعترف بوش في لقائه الحميم مع زعماء منظمات اليهود الأميركيين، على العشاء بالبيت الأبيض تكريما للرئيس الإسرائيلي الزائر موشيه كاتزاف في الحادي والثلاثين من مايو الماضي ، بأنه يمسك بورقة زيارة عرفات لواشنطن والبيت الأبيض ملوحا بها حتى يحصل على أعلى مقابل حين يرميها على الطاولة. كما تفهم اليهود الأميركيون في الاجتماع مبررات بوش لاستخدام الاستثناء المخول للرئيس في تشريع نقل السفارة الأميركية للقدس، لكي يؤجل ستة أشهر أخرى - كما فعل كلنتون على مدى ست سنوات قبله - تأجيل نقل السفارة، غاضا الطرف على تعهداته الانتخابية. بينما كافأته منظمة الإيباك بعدم إثارة مشاكل حول قراره في الكونجرس أو الصحافة، حين اتخذ قرار التأجيل في الحادي عشر من يونيو الحالي، قبيل سفره إلى أوروبا.

ورغم تواضع توصيات خطة (لجنة السناتور جورج) ميتشل لوقف الانتفاضة والعنف الإسرائيلي مع تجميد كل النشاط الاستيطاني الإسرائيلي ضمن إجراءات لبناء الثقة ثم العمل بعدها على استئناف المفاوضات، فإن وزير الخارجية الأميركية الذي رحب بالخطة في البداية عاد في إعلانه الرد الرسمي عليها يتبنى الموقف الإسرائيلي الذي يشدد على وقف العنف بدون شروط أولا، أما المستوطنات فأمر متروك لما يتفق عليه الطرفان. وبهذا الموقف المشوه أوفد باول مبعوثه وليام بيرنز الذي سيتولى منصب مساعد وزير الخارجية لشئون المنطقة، وبذلك يضمن باول عدم وجود منصب مبعوث أو منسق سلام. ولكن حين تدهورت الأوضاع أكثر ووقع حادث تل أبيب الذي أودى بحياة عشرين إسرائيليا اضطرت الإدارة الأميركية للتدخل بأقوى مبعوثيها الأمنيين: جورج تنت مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA. وبالتالي، عادت تكرر سيناريو الوساطة الأمنية الأميركية بين السلطة الفلسطينية وحكومة الليكود، في عهد نتنياهو. الفارق أن الرئيس الأميركي غير مهتم بالقضية كلها'' وتاركا الأمر لوزير خارجيته الذي يتطلع فقط إلى احتواء الأزمة وتبريد الوضع الملتهب حتى يستطيع على الأقل أن يبرر عقوباته"الذكية" ضد العراق. وبعد أن حدد باول لشارون بعض الخطوط الحمراء، وهي عدم العودة لاحتلال أراضي السلطة بشكل دائم، وعدم القيام بعمل أرعن يهدد موقف الحكومات العربية المحيطة والمتفرجة أمام شعوبها.

المتوقع من إدارة بوش

إدارة الأزمة وليس محاولة حل الأزمة أو تسوية القضية هو أقصى ما يمكن لإدارة بوش أن تحققه في عهد شارون والليكود. وبعد أن تركته لفترة يضرب الفلسطينيين على رؤسهم دون أن يذعنوا، تأمل واشنطن أن يقتنع شارون أخيرا بأن الحل العسكري غير مجد، وأن غزة ورام الله ليستا بيروت ليخرج منهما القيادة الفلسطينية، وأنه يدرك حتى عاقبة الدخول إلى بيروت ولبنان. ولو اقتنع شارون، وتمكن عرفات من السيطرة على الانتفاضة، فقد تتمكن واشنطن من التعامل مع الأزمة بالأسلوب الأمني والاتفاقات المرحلية الصغيرة، على غرار ما تم في عهد الليكودي نتنياهو. وعلى أمل أن يزول وهم الأمن الذي تمناه الإسرائيليون بانتخابهم شارون، وأن يبحثوا عن زعيم آخر من العمل يتفق مع الفلسطينيين إما خلسة بعيدا عن واشنطن، كما فعل رابين، أو بمشاركة أميركية مضمونة النتائج، أي بخطوة متقدمة عن باراك.

وفي الحالتين، ستتولى الإدارة الأميركية، بوش أو غير بوش، مهمة الإخراج والاحتفال بأي اتفاق للسلام، مع الاحتفاظ بحقوق الطبع للمؤلف الإسرائيلي.

وكأي تحليل يقوم على "افتراض ثوابت العوامل الأخرى"، فإن تطور الانتفاضة الفلسطينية واحتمال انفجار مشاعر السخط المتراكمة لدى الشعوب العربية ضد الولايات المتحدة وحكوماتها المتفرجة، قد يكونان عاملين غير ثابتين، تتغير نتيجة التحليل بتغيرهما.

المصدر : صحيفة برلنفسكي الدانماركية