-"أرسلوا لي خبزا أو رصاصا".
-هل كان "ماك آرثر" ذا قلب رقيق؟
-من دولة إرهابية إلى حليف إستراتيجي.

-"إنما هي طريقة أخرى للقتل".

-مشاركة جدية في الحرب ضد إيران.

-البحث عن منافذ داخل العراق.

-"ليست أهدافنا مناقضة لأهداف عدونا".

-القيادة العراقية وعدم الوعي بالمكان.

-القيادة العراقية وعدم الوعي بالزمان.

محمد بن المختار الشنقيطي

"أرسلوا لي خبزا أو رصاصا"

منذ سنة خلت كنت أتابع برنامجا وثائقياعلى قناة "التاريخ" الأميركية، يتحدث عن المعجزة الاقتصادية اليابانية خلال نصف القرن الماضي. وقد وصف البرنامج الانهيار الاقتصادي الياباني -بداية الخمسينات- نتيجة لدمار الحرب العالمية الثانية، التي انتهت بكارثة "هيروشيما" و"ناكازاكي"، وانتشار المجاعة والأوبئة في كافة أرجاء اليابان. وبدأت القوى السياسية اليابانية تتحرك في مظاهرات دائبة، وتميل إلى الراديكالية اليسارية التي راجت في العالم آنذاك، بتأثير من تجربة الروس الصاعدة، وحسن بلائهم في الحرب. وأصبح الجنرال "ماك آرثر" -قائد القوة الأميركية في اليابان– حائرا في التعامل مع الواقع السياسي المتفجر في اليابان، والذي يهدد بتدمير كل المكاسب الأميركية على جبهة المحيط الهادئ خلال الحرب.

بعد طول تفكير وتأمل قرر "ماك آرثر" أن يستغيث بالكونغرس الأميركي، فكتب إلى الكونكغرس رسالة شخَّص فيها الواقع الاجتماعي والاقتصادي البائس في اليابان، ثم ختمها بطلب "رجاءً أرسلوا لي خبزا أو رصاصا".

لم يكن اليابانيون في نظر "ماك آرثر" بشرا من لحم ودم، بل مجرد "أشياء" أو "لوجستيك". ولم تكن مجاعة الشعب الياباني في نظره مشكلة إنسانية، بل مشكلة إستراتيجية، تعامل معها تعاملا فنيا محضا، وكان حلها بالخبز أو بالرصاص متساويَ الطرفين في قلبه المتحجر. وتلك هي البراغماتية الأميركية في أسمى معانيها.

تذكرت هذه القصة وأنا أقلب صفحات التعاون العسكري السري بين العراق وأميركا في الثمانينات، وما تلا ذلك من تدمير للبنية العسكرية والمدنية العراقية على أيدي الأميركيين فيما بعد، وتهديد بإعادة غزو العراق اليوم.

هل كان "ماك آرثر" ذا قلب رقيق؟


كان "ماك آرثر" مستعدا للتعامل مع المشكلة اليابانية بخيار "الخبز": خبز تدفع أميركا ثمنه، ولم يحصر الأمر في خيار "الرصاص"، أما في الحالة العراقية فإن خيار الخبز لم يكن مطروحا أبدا في يوم من الأيام -ولو دفع العراق ثمنه- وإنما كان خيار الرصاص، بل الإبادة الجماعية بالجوع والمرض هو الخيار الوحيد أولا وأخيرا
ولابد من التنويه بدءا بأن قلب "ماك آرثر" كان قلبا رحيما جدا بالمقارنة مع قلوب بعض القادة الأميركيين في تعاملهم مع العراق. وإليك المثال: في يوم 12/05/1996 أجرت قناة "سي بي إس" مقابلة مع وزيرة الخارجية الأميركية حينها مادلين أولبرايت، وكان من أسئلة المقابلة هذا السؤال: "لقد سمعنا عن موت نصف مليون طفل عراقي، وهذا أكثر من عدد ضحايا هيروشيما، وأنت تدركين ذلك، أليس هذا ثمنا فادحا؟" وجاء رد الوزيرة الأميركية: "أعتقد أن هذا خيار صعب جدا، لكنه ثمن يستحق دفعه". (صحيفة الإندبندنت يوم 25/09/2002).

كان "ماك آرثر" مستعدا للتعامل مع المشكلة اليابانية بخيار "الخبز": خبز تدفع أميركا ثمنه، ولم يحصر الأمر في خيار "الرصاص". أما في الحالة العراقية فإن خيار الخبز لم يكن مطروحا أبدا في يوم من الأيام -ولو دفع العراق ثمنه- وإنما كان خيار الرصاص، بل الإبادة الجماعية بالجوع والمرض هو الخيار الوحيد أولا وأخيرا. أرأيت ما أرق قلب "ماك آرثر" وما أرهف مشاعره؟

لكن مفارقات العلاقة بين أميركا والعراق خلال العقدين الأخيرين لا تنحصر في الجانب الأميركي، بل تشمل الجانب العراقي أيضا، إنها محنة مركبة وتحالف مرير بين الاستبداد والاستعمار. فإليك القصة الحزينة من البداية.

من دولة إرهابية إلى حليف إستراتيجي

كان العراق منذ الخمسينات تقوده قيادات يسارية أو قومية، وظل دائما نشازا بين جيرانه الذين انخرطوا ضمن الإستراتيجية الأميركية منذ نصف قرن. فهو بحكم الإيديولوجيا والمواقف السياسية يعتبر من أعداء أميركا في المنطقة العربية. وقد ضمت وزارة الخارجية الأميركية العراق إلى لائحة الدول الراعية للإرهاب عام 1979 بسبب دعمه لبعض فصائل المقاومة الفلسطينية. لكن البراغماتية الأميركية التي تدرك كيف تستفيد من العدو ومن الصديق على حد السواء، دفعت الأميركيين إلى رفع اسم العراق من تلك اللائحة السوداء، حينما أعلن حربه المشؤومة على إيران واكتسح نصف أراضيها.

كانت إدارة الرئيس ريغان هي التي اتخذت قرار محو اسم العراق من لائحة الدول الراعية للإرهاب عام 1982، لتفتح الباب لتعاون إستراتيجي بين البلدين ضد إيران. وبناء على نصيحة من مدير "السي آي أي" حينها ويليام كيسي أصدر ريغان أوامره إلى وزير الدفاع ومدير "السي آي أي" في نفس العام بتزويد العراق بالمعلومات العسكرية عن إيران، وبالاستشارات التخطيطية، وبالسلاح، وضمان عدم نقص الذخائر وسيارات النقل العسكري لدى العراق. وفي العام ذاته والذي يليه بدأ العراق باستخدام أسلحته الكيمياوية ضد الإيرانيين، ومنها غاز الخردل وغاز الأعصاب، ولم يؤثر ذلك بطبيعة الحال في علاقته الإستراتيجية بأميركا، رغم اطلاع الأميركيين على ذلك، باعتراف وزير الخارجية الأميركي حينها "جورج شولتز" في مذكراته. ويُظهر تقرير للسي آي أي كُتب حينها أن الأميركيين اعتبروا ذلك "تفوقا تكتيكيا" ضروريا للعراق على إيران.

ويذكر "بوب وودوارد" الصحفي المعروف باطلاعه على عمل المخابرات الأميركية في المنطقة العربية في مقال له بصحيفة الواشنطن بوست يوم 15/12/1986 أن "السي آي أي" أعانت العراق على تصنيع غاز الخردل. وقد أفاد غاز الخردل وغاز الأعصاب العراقيين في وقف الزحوف الإيرانية منتصف الثمانينات، ثم في استرجاع بعض الأراضي العراقية مثل منطقة "الفاو" عام 1988.

"إنما هي طريقة أخرى للقتل"


في فبراير 1988 قتلت القوات العراقية بالغاز السام آلاف الأكراد في بلدة حلبجة، لكن واشنطن غضت الطرف وصرح وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز أنه ينتظر أدلة مقنعة قبل الإقدام على أي إجراء عقابي ضد العراق. أما اليوم فإن مذبحة حلبجة من أهم ما في جعبة الإعلام الأميركي لتجريم القيادة العراقية وتبرير غزو العراق أمام الرأي العام الأميركي والعالمي
وقد تجلت البراغماتية الأميركية في وصف أحد القادة الأميركيين الذين أشرفوا على التعاون العسكري مع العراق مشاعرَه ومشاعر زملائه تجاه استعمال الأسلحة الكيمياوية ضد الإيرانيين. حيث قال لصحيفة نيويورك تايمز يوم 18/08/2002: "إن البنتاغون لم يرتعب من استخدام العراق للأسلحة الكيمياوية، بل اعتبرها مجرد طريقة أخرى للقتل، وسواء كان القتل بالرصاص أو بالغاز السام فلا فرق". وقد تأكد هذا الطرح في تقرير سري لوزارة الخارجية الأميركية في الثمانينات، ورد فيه طبقا لصحيفة وول ستريت جورنال في عددها الصادر يوم 10/07/2002: "لقد طرحنا موضوع حقوق الإنسان والأسلحة الكيمياوية جانبا. إذ كانت مصالحنا تتقاطع مع مصالح العراق في ذلك الوقت".

وبدلا من مقاطعة العراق أو معاقبته على ذلك –كما تقضي بذلك "الأخلاقيات" الأميركية التي نسمع عنها الآن- أعادت أميركا علاقاتها الدبلوماسية مع بغداد يوم 26/11/1984. واستطاع وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز عام 1985 وقف تشريع في الكونغرس يطالب بإعادة العراق إلى لائحة الدول الراعية للإرهاب.

في فبراير 1988 قتلت القوات العراقية بالغاز السام آلاف الأكراد في بلدة "حلبجة"، لكن واشنطن غضت الطرف، وصرح وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز أنه ينتظر "أدلة مقنعة" قبل الإقدام على أي إجراء عقابي ضد العراق. أما اليوم فإن مذبحة "حلبجة" من أهم ما في جعبة الإعلام الأميركي لتجريم القيادة العراقية وتبرير غزو العراق أمام الرأي العام الأميركي والعالمي.

مشاركة جدية في الحرب ضد إيران

لقد استمر العون الأميركي للعراق طيلة الثمانينات. وطبقا لصحيفة الواشنطن بوست الصادرة يوم 3/11/1991 ولوثائق حكومية أميركية عن تلك المرحلة نشرت فيما بعد، فإن المبيعات العسكرية الأميركية للعراق في الثمانينات بلغت مليارا ونصف المليار دولار، وشملت أجهزة اتصال عسكرية، وآلات تمكن من تحليل صور الأقمار الصناعية. كما شمل ذلك وزارتي الدفاع والداخلية العراقيتين، وبعض الجامعات والمؤسسات العلمية المعروفة بصلتها الوثيقة بالجهد الحربي، بما فيها "لجنة الطاقة الذرية العراقية". وتشير نفس الوثائق إلى أن أميركا وافقت على بيع العراق ما قيمته أربعة ملايين ونصف المليون دولار من الأجهزة المتقدمة النادرة ذات الاستعمال الحربي.

وكان العون الأميركي يأتي أحيانا بطرق غير مباشرة، ومن أمثلة ذلك أن السعودية والكويت والأردن ومصر كانت تورد إلى العراق بعض المعدات العسكرية الأميركية، من ضمنها قنابل وطائرات "هليكوبتر" باتفاق مع حكومة ريغان. كما ساعدت أميركا العراق بالمعلومات المستقاة من طائرات "الأواكس" السعودية التي يقودها طيارون أميركيون، ويدير "البنتاغون" نشاطها، حسب ما أفاد "بوب وودوارد" في مقاله المذكور.

واتسم العون الأميركي للعراق بطابع المشاركة الجدية في الحرب ضد إيران، إذ كانت أميركا تقدم للعراق صور أقمار صناعية، ساعدته كثيرا على رصد التحركات الإيرانية، ومكنته من قصف المصانع والجسور ومحطات الكهرباء ومصافي النفط داخل إيران بدقة، كما قدمت له خبرة تكتيكية في مجال التخطيط للمعارك. وطبقا لتقرير "وودوارد" المذكور آنفا فإن العراقيين كانوا يحصلون من أميركا على صور الأقمار الصناعية "بعد بضع ساعات" من قصفهم المواقع الإيرانية، مما يمكنهم من تقييم أثر القصف، ورصد التحركات الإيرانية على الجبهة، ويعينهم على التخطيط لهجمات مستقبلية، وسد الثغرات المحتملة في دفاعاتهم.

ومن المفارقات أن وزير الدفاع الأميركي الحالي "دونالد رمسفيلد" كان ممن بذلوا جهدا مضنيا في دعم العراق يومذاك. وقد ابتعث الرئيس ريغان "رمسفيلد" يوم 19/12/1983 إلى بغداد في مهمة خاصة جدا تتضمن "حمل تحيات الرئيس الأميركي إلى القيادة العراقية"، وتدعيم التعاون العسكري السري بين البلدين. كما زار رمسفيلد العراق زيارة أخرى لنفس الغاية يوم 24 مارس 1984.

البحث عن منافذ داخل العراق

وحينما وضعت الحرب مع إيران أوزارها، فقد العراق قيمته العسكرية نسبيا في أعين الأميركيين، لكنه لم يفقد قيمته السياسية، وزادت قيمته الاقتصادية. ومن وثائق تلك المرحلة المهمة التي أصبحت منشورة اليوم، التوجيه الرئاسي رقم 26 الصادر عن الرئيس بوش الأب يوم 02/10/1989 حول السياسة الأميركية في العراق. وقد جاء في هذا التوجيه نص: "إن على الولايات المتحدة أن تقدم الدعم الاقتصادي والسياسي للعراق، من أجل زيادة نفوذنا في العراق، ولجعل العراق يسلك مسلكا سياسيا معتدلا... وعلينا أن نعمل لإيجاد منافذ للشركات الأميركية للمساهمة في إعادة إعمار العراق، وخصوصا في قطاع الطاقة، بحيث لا يتعارض ذلك مع سياستنا في الحد من التسلح، ولا مع أهدافنا الجوهرية الأخرى. ومن أجل إيجاد منافذ إلى المؤسسة العسكرية العراقية ووسائل للتأثير عليها، ينبغي على الولايات المتحدة النظر في الاستجابة لطلبات العراق العسكرية، في المجال غير القتالي، كالدورات التدريبية، والتكوين الطبي، وذلك بحسب كل حالة".


في يوم 01/08/1990 وهو اليوم السابق على دخول الجيش العراقي الكويت، صادقت الحكومة الأميركية على بيع العراق معدات اتصال عسكرية متقدمة فيما يشبه الخدعة والتشجيع على التقدم إلى الشراك
ومن الواضح من هذه الوثيقة أن الإدارة الأميركية لم تفقد الأمل حتى ذلك الحين في انضمام العراق إلى الفلك الأميركي، أما الإشارة إلى "التأثير على المؤسسة العسكرية العراقية" فربما كان مؤشرا على طموح الأميركيين إلى تقويض النظام العراقي من داخله لصالحهم.

وفي العام 1990 –وقبيل غزو الكويت- طلبت بعض الشركات الأميركية من الإدارة الأميركية أن تتحقق من أن منتجات تلك الشركات المصدرة إلى العراق لا تستعمل استعمالا عسكريا، لكن الإدارة الأميركية اكتفت بطلب التزام مكتوب من العراق بذلك. وطمأن وزير التجارة الأميركي تلك الشركات بأن لا حاجة لإصدار ترخيصات خاصة أو تفتيش خاص لأي صادرات موجهة للعراق، وأن لا داعي لمثل تلك التحفظات.

وأخيرا في يوم 01/08/1990 وهو اليوم السابق على دخول الجيش العراقي الكويت، صادقت الحكومة الأميركية على بيع العراق معدات اتصال عسكرية متقدمة فيما يشبه الخدعة والتشجيع على التقدم إلى الشراك.

"ليست أهدافنا مناقضة لأهداف عدونا"

كان من أخطاء القيادة العراقية أن ظنت أن تعاون أميركا معها ضد إيران يعني أن الأميركيين أصبحوا أصدقاء للعراق، وكان ذلك من أسباب جرأة القيادة العراقية على غزو الكويت دون نظر في العواقب. ولو أن العراقيين تأملوا قضية "إيران-كونترا" لأدركوا أن دعم الأميركيين لهم ضد إيران ليس دليل صداقة، بل هو مجرد مظهر من مظاهر "لعبة الأمم" في تلك المنطقة.

لقد كان العراقيون –وظلوا دائما– في نظر الأميركيين أعداء، لكنهم في الثمانينات كانوا أعداء في صالح أميركا. وكما قال "روبرت ووهلستتر" أبو الإستراتيجية النووية الأميركية في الستينات: "إن أهدافنا ليست مناقضة لأهداف عدونا". لكن يبدو أن هذا النمط من التفكير البراغماتي الأميركي كان غائبا عن بال القيادة العراقية، التي صادقت أميركا ثم عادتها دون أن تعرف عنها الكثير، بل كانت معلوماتها عنها لا تتجاوز "المعلومات السياحية" حسب تعبير سعد البزاز المدير السابق للتلفزيون العراقي في كتابه "الجنرالات آخر من يعلم".

لكن أخطاء القيادة العراقية لا تتوقف عند حد جهلها بطرائق التفكير وصناعة القرار الإستراتيجي في أميركا: أكبر حليف للعراق في الثمانينات وأخطر عدو له في التسعينات. بل امتزج ذلك الجهل بعدم وعي بالزمان والمكان.

القيادة العراقية وعدم الوعي بالمكان

أما عدم الوعي بالمكان فيظهر من خلال حقيقة بادية لكل ذي عينين –ربما باستثناء القيادة العراقية– وهي أن من ثوابت سياسة الولايات المتحدة أنها لا تريد أصدقاء فضلا عن أعداء أقوياء في المنطقة العربية، لأن القوة تعني في النهاية إمكانية الاستغناء عن المظلة الأميركية، كما تعني تهديدا لإسرائيل، وهي امتداد للوجود الأميركي في المنطقة، وجزء من العقيدة الدينية الأميركية. (انظر مقالنا عن "المسيحية الصهيونية والسياسة الأميركية" على "الجزيرة نت"). فحتى السعودية التي ربطها بأميركا حلف إستراتيجي منذ ثلاثينات القرن العشرين أثارت غضب أميركا حينما اشترت صواريخ صينية في الثمانينات.

لقد تجاوز العراقيون –بتصنيعهم العسكري الطموح- خطا أحمر في العقيدة الإستراتيجية الأميركية، فكان عليهم أن يدركوا المخاطر المترتبة على ذلك، ويتعاملوا بحنكة وروية حتى يتجاوزوا عنق الزجاجة، ويتمكنوا من بناء قوة ردع تحميهم من الانكشاف الإستراتيجي. وتوجد سابقة من هذا القبيل تتمثل في الصناعة العسكرية الباكستانية: فقد احتمت باكستان بالمظلة السياسية الأميركية طيلة فترة الحرب الباردة، واستفادت من التناقضات بين الأميركيين والسوفيات ومن التقارب الهندي السوفياتي وهي تبني ترسانتها العسكرية بهدوء وصمت دون شعارات أو عنتريات أو فتح جبهات غير ضرورية. حتى فجرت قنبلتها النووية عام 1997، فتجاوزت عنق الزجاجة بحكمة، وامتلكت ما تحمي به نفسها دون معوقات. ورغم مظاهر الضعف السياسي الهيكلي الذي تعاني منه باكستان –مما جعلها غير بعيدة عن النفوذ الأميركي– إلا أنها ليست الدولة التي يسهل التجرؤ على غزوها، كما هو حال العراق اليوم.

ومن المؤكد أن العراق كان سيفجر قنبلته النووية في نفس عام 1997 الذي فجرت فيه باكستان قنبلتها، وربما قبله بأعوام، لو كانت القيادة العراقية سلكت سبيل العمل الصامت الدؤوب، والسعي الحكيم نحو الغايات المبتغاة، دون شعارات وعنتريات تثير أعداءه ضده. ولا ريب أن العراق لو كان نجح في ذلك لتغيرت الخريطة الإستراتيجية للمنطقة إلى الأبد. لكن القيادة العراقية سلكت سبيلا مغايرا، اتسم بطابع الانفعال والاحتفال بقوة لاتزال في طور النشوء، وبلغ ذلك ذروته بالتهديد بحرق نصف إسرائيل، وهو التهديد الذي بدأت به حرب الخليج الثانية في مظهرها السياسي والإعلامي، لا بغزو الكويت.

القيادة العراقية وعدم الوعي بالزمان

وإذا كانت القيادة العراقية لم تكن واعية بالمكان، فإن عدم وعيها بالزمان كان أفدح: فقد انتهت الحرب الباردة مطلع الثمانينات، منذ أن تولى "غورباتشوف" قيادة الاتحاد السوفياتي، وأصبحت هذه الإمبراطورية العملاقة -التي احتمى بها العديد من دول العالم الثالث- في عداد الأموات منذ ذلك التاريخ، بعد أن أنهكتها حرب الاستنزاف في أفغانستان والأزمة الاقتصادية المستحكمة، ومزقت أحشاءها التناقضات التي عانت منها كل الإمبراطوريات الاستعمارية المصطنعة من قبل. لكن القيادة العراقية كانت متخلفة في وعيها بأبعاد هذا التحول في السياسة الدولية، فاقتحمت الكويت مراهنة على التوازن التقليدي بين الروس والأميركيين، وهو توازن لم يعد له وجود يوم 2 أغسطس 1990.


لو أن العراقيين غزوا الكويت في أوج الحرب الباردة في السبعينات، أو بعد امتلاكهم سلاحا نوويا في التسعينات، لاتخذت الأحداث مسارا آخر مختلفا تماما، أقله أن يحافظوا على العراق إذا خسروا الكويت، ولا يخسروهما معا، كما حدث في حرب الخليج عام 1991
وبغض النظر عن أخلاقية أو عدم أخلاقية غزو الكويت، فمن الواضح –من وجهة نظر إستراتيجية– أن غزو الكويت جاء سابقا لأوانه أو متأخرا عنه، وأن لعنصر الزمن هنا أهمية محورية لم تدركها القيادة العراقية. ولو أن العراقيين غزوا الكويت في أوج الحرب الباردة في السبعينات، أو بعد امتلاكهم سلاحا نوويا في التسعينات، لاتخذت الأحداث مسارا آخر مختلفا تماما، أقله أن يحافظوا على العراق إذا خسروا الكويت، ولا يخسروهما معا، كما حدث في حرب الخليج عام 1991.

وفي ظل هذا الجهل وضعف الوعي بالزمان والمكان لدى القيادة العراقية، يجد الشعب العراقي نفسه اليوم مخيرا بين الاستبداد والاستعمار، وهما أمران أحلاهما مر.

من حسن حظ أميركا أنها تتعامل أحيانا مع أقوام لا يحسنون صداقة، ولا يتقنون عداوة. يخدمونها بالتخاذل في وقت الحرب، وبالتهور في وقت السلم.

كان الحسن البصري –وهو أحد علماء العراق في القرن الأول الهجري– يقول عن إحدى الحروب التي خاضها ضد الحجاج بن يوسف: "تلك فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء".

فهل أعاد التاريخ نفسه بعد ألف وثلاثمائة عام؟

-----------------------

* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : غير معروف