*بقلم/ إبراهيم غرايبة

- حالات من التعاون والقبول
- السياسة الأميركية تجاه الحركة الإسلامية
- مستقبل العلاقة بين واشنطن والحركة الإسلامية

برغم أجواء العداء الشديد التي شحنت العلاقة بين الإسلام وواشنطن فقد كشفت مؤشرات كثيرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول -وقبلها أيضا- عن مرحلة جديدة في العلاقة بين الولايات المتحدة والحركة الإسلامية قائمة على التمييز بين اتجاهات الحركة الإسلامية، واختلاف المصالح القٌطرية والإقليمية وما يتبعها من اختلاف في العلاقة مع الحركة الإسلامية حسب الأقطار والأقاليم، وضرورة الترتيب والاستعداد لمرحلة مستقبلية يبدو فيها دور مهم للحركة الإسلامية وبخاصة مع تنامي حركات العنف والتطرف وتحديها للاتجاه الوسطي المعتدل في الحركة الإسلامية.

حالات من التعاون والقبول


تبدي خريطة العالم الإسلامي الجديدة حالات من التعاون والقبول بين أميركا والحركة الإسلامية كما في أفغانستان وتركيا والسودان والعراق مع اختلاف في درجات التعاون والتنسيق
تبدي خريطة العالم الإسلامي الجديدة حالات من التعاون والقبول بين أميركا والحركة الإسلامية كما في أفغانستان، حيث بدأت الولايات المتحدة في مرحلة مبكرة من الثمانينيات علاقة من التنسيق والدعم للحركة الإسلامية الأفغانية، وكانت الحرب الأميركية على أفغانستان بعد أحداث سبتمبر/ أيلول بالتنسيق والتعاون مع تحالف الشمال القائم على الحركة الإسلامية الأفغانية والأقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين بقيادة برهان الدين رباني وعبد رب الرسول سياف.

وفي تركيا واصلت الولايات المتحدة تنسيقها مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي المشكل من حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان الذي لم يستطع مواصلة حكومته عام 1997 بسبب العداء الذي أحاط بها من الداخل والخارج.

وتغيرت العلاقة بين الولايات المتحدة والسودان الذي تحكمه الحركة الإسلامية منذ عام 1989 إلى حالة إيجابية من التعاون والتنسيق، وساهمت واشنطن في إنجاز اتفاق سلام ينهي الحرب بين الحكومة والمتمردين الذين كانت تقدم لهم التمويل والدعم لمواجهة الحكومة المعادية لها.

وكان مجلس الحكم الذي تشكل في العراق برعاية الولايات المتحدة بعد سقوط نظام الحكم بقيادة صدام حسين يضم عددا من قادة الحركة الإسلامية السنية والشيعية والكردية.

السياسة الأميركية تجاه الحركة الإسلامية
ما نظرة المسؤولين الأميركيين ومؤسساتهم الاجتماعية إلى الحركة الإسلامية؟ هل يعتقد المسؤولون الأميركيون بالفعل بالخطر الأخضر (الإسلام) الذي حل مكان الخطر الأحمر (الشيوعية)؟ هل يؤمنون بصدام الحضارات؟ هل يوجد إجماع لدى النخبة المشرفة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الإسلام والحركة الإسلامية؟ هل هم مقتنعون بإمكانية المواءمة بين الإسلام والديمقراطية؟ هل تحرٌك السياسة الأميركية نابع من ثقافة واتجاه فكري عدائي نحو الإسلام؟.

إن التصريحات الرسمية المتكررة للمسؤولين الأميركان تبدي احتراماً وتفهماً للإسلام ورفضاً لنظرية صدام الحضارات. ولكن فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية والشرق الأوسط في أكثر من جامعة غربية آخرها جامعة سارة لورنس في نيويورك، ومؤلف كتاب "أميركا والإسلام السياسي.. صراع الحضارات أم صراع المصالح" يرى أن الحرص المتكرر والمؤكد من الإدارات الأميركية المتعاقبة على إظهار احترام الإسلام يخفي عند الدراسة والبحث تقلبات وتوترات وإشكالات كثيرة تصوغ الموقف الأميركي تجاه الحركة الإسلامية.

يشكل – حسب جرجس – موقف الولايات المتحدة من الإسلام السياسي ثلاثة هموم، أولها أن واشنطن لا ترغب في الظهور معادية علناً وبوضوح للإسلاميين، والثاني أن أميركا تتجنب دعماً علنياً لأية جماعة إسلامية وترتاب بشدة في توجهات الإسلاميين نحو أميركا، والثالث أن النخبة الأميركية في الحقيقة تشكك بإمكانية التوافق بين الإسلام السياسي والديمقراطية، فالخطاب السياسي الأميركي مشحون بالإشارات التي ترى الإسلاميين أعداء للديمقراطية.

وتبدو مواقف رسمية أميركية عدة مختلفة عن التصريحات الليبرالية، فالإدارة الأميركية تقف بصلابة إلى جانب أنظمة حكم علمانية تخوض معركة غير ديمقراطية مع الإسلاميين، وتبدو سياسة الولايات المتحدة متأثرة بخوف من الخطر الإسلامي.

وفي تأرجح السياسة الخارجية لواشنطن الدائم بين الواقعية والأخلاقية وتغلب الواقعية على المصالح القومية الواضحة، فإن سياسة أميركا تجاه الإسلاميين تحكمها هذه الظاهرة. وتبدي استطلاعات الرأي والأحداث الكثيرة واتجاهات السينما في أميركا عدائية أميركية تجاه العرب والمسلمين وتصورات عن الإسلام مؤداها التعصب ومعاداة الديمقراطية.


تظهر استطلاعات الرأي والأحداث الكثيرة واتجاهات السينما في أميركا عدائية واضحة تجاه العرب والمسلمين وتصورات عن الإسلام مؤداها التعصب ومعاداة الديمقراطية
وربما يكون استطلاع معهد جالوب أكثر هذه الاستطلاعات أهمية، فقد أجري على النخب الأميركية ممن يحتلون مناصب رفيعة في الإدارة والإعلام والجامعات وإدارة الأعمال، والذي أظهر أن معظم النخب الأميركية يرون في الأصولية الإسلامية تهديداً للمصالح الأميركية، وقد جاء "الخطر الإسلامي" في المرتبة الثالثة بين ثمانية تهديدات خطرة محتملة أوردتها الدراسة الاستطلاعية.

وفي المقابل فإن مجموعة من المفكرين وقادة الرأي الأميركان تطعن في القيمة التأريخية للخطاب السائد في الولايات المتحدة بشأن الإسلام السياسي، ويؤكدون على احتمال قيام الإسلاميين الجدد بدور سياسي بناء في إدخال الإصلاح والليبرالية إلى مجتمعاتهم مثل الدور الذي أداه دعاة الإصلاح البروتستانتيون في أوروبا.

ولا يمكن بالطبع إغفال الخطاب المعادي للغرب الذي تبرع به كثير من الإسلاميين، وتقديم صورة مبالغة في الحرب والجهاد على المصالح الأميركية والغربية، والنظرة إلى الغرب كحضارة إمبريالية معادية للإسلام.

ويبدو من الواضح أن السياسة والاعتبارات الأمنية الحديثة تفسر استحواذ "الإسلامية" على تفكير الولايات المتحدة أكثر مما تفعله العوامل الثقافية أو التاريخية. وقد أثبتت استطلاعات الرأي تأرجحاً في المواقف تجاه الحركة الإسلامية تبعاً للانطباع والإدراك الحسي الذي تتركه أحداث خارجية وأمنية، وأن توافقاً في الخطابين الغربي والإسلامي يصف العلاقة بين الطرفين بأنها صدام ثقافات وحضارات ساهم في تعميق الانطباع والثقافة العدائية.

في سياق النظرة العدائية والدعوة للتصدي للظاهرة الإسلامية يأتي برنارد لويس وصمويل هنتنجتون وآيموس بيرلموتر الذين يرون أن الثقافة الإسلامية بطبيعتها معادية للغرب والديمقراطية، وليس ثمة فرصة للتصالح مع الغرب المسيحي. ويتنبأ هنتنجتون بأن الحرب العالمية القادمة ستكون حرباً بين حضارات.

ويعتقد دعاة التصدي للإسلام والذين يناصرهم عدد من مشرفي السياسة الخارجية الأميركية بشبكية الحركات الأصولية التي تتخذ جميعها من إيران مقراً لها، وبانطباق نظرية الدومينو عليها، أي أن حدوث نجاح أو نجاحين للحركات الأصولية سيؤدي إلى تضاعف ثوري متسارع يتخطى الحدود يوحد المسلمين جميعاً في قوة سياسية إسلامية جامعة, ويصل الأمر عند جوناثان باريس إلى أن الأمة الإسلامية ستتحول إلى عدو جديد ليس للغرب فحسب وإنما لبقية الجنس البشري.

وفي سياق المصالحة والتراضي مع الإسلام هناك جون أسبو سيتو وليونتي هايدار وغيرهما ممن يرى أن الخطر الإسلامي خرافة متباعدة عن واقع التاريخ الإسلامي، ويشككون في ديمقراطية الحكومات في الدول العربية والإسلامية، ويفسرون الصحوة الإسلامية بتفاعلات اقتصادية واجتماعية وتطلع الشعوب إلى الحرية السياسية.

ويوصي هؤلاء أميركا بعدم معارضة تطبيق الشريعة الإسلامية، والنظر إلى الإسلاميين على أنهم يمثلون تحدياً لأميركا وليس تهديداً، ويرى جون أنتيليس أن صعود الأصولية يوفر فرصاً لأميركا لتحقيق مصالحها وخدمتها، وبخاصة إذا ما أبدت أميركا تشجيعاً وتأييداً للديمقراطية في الدول العربية والإسلامية، ويجنب أميركا البغضاء واستهدافها في أعمال إرهابية.

وفي مؤتمر عقده مؤخرا معهد واشنطن للسياسات تحدث كل من مدير منتدى الشرق الأوسط دانيال بايبس، وكبير الخبراء في مؤسسة رند للبحوث وغراهام فولر.

يقول دانيال بايبس، في معرض حديثه عن مواجهة القوى الإسلامية المتطرفة، إن الأميركان عموما ينقسمون في إجابتهم عن سؤال من هو العدو؟ إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول يجيب بأنهم "الإرهابيون"، وهذا هو خيار الرئيس بوش وخيار مساعديه، حيث تصر الإدارة الأميركية على أن لا علاقة بين الإسلام والإرهاب، ويفترض أصحاب هذا الرأي أن الإسلام دين سلام، وأن الربط بينه وبين الإرهاب إفساد لجوهر الدين الحق. الإجابة الثانية ستكون "المسلمون"، وهي تفترض أن الإسلام هو العدو. وقد وجد هذا الخيار قبولا لدى العديد من المتحدثين البارزين، وحاول العديد من الكتاب إثبات ذلك في كتابات ومناقشات مطولة. كما تزداد القناعة بهذا الخيار لدى المسيحيين الإنجيليين. والإجابة الثالثة وهي الأقرب إلى الصواب، تعتبر الإسلاميين المتطرفين هم العدو فالتطرف هو الأصل، وما الإرهاب إلا عرض.

وإذا كانت المشكلة في جماعات العنف والتطرف فإن الحل يكمن لدى الحركات الإسلامية المعتدلة. ونقل الصراع -حسب وجهة النظر هذه- كونه بين الولايات المتحدة والجماعات الإسلامية المتطرفة والمسلحة إلى أن يكون بين الحركات الإسلامية المعتدلة والمتطرفة.

ويرى بايبس أن الولايات المتحدة قد أخطأت عندما قبلت التعامل مع الحكام المستبدين، وعليها في المقابل أن تسارع إلى دعم التحول الديمقراطي في المنطقة. وإذا نجحت الحركات الإسلامية المعتدلة -وهذا هو المتوقع- فإنها ستكون مستعدة للتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة على أساس من تبادل المصالح والمنافع، وربما لن يكون الأمر مختلفا كثيرا عن الوضع السابق سوى أن واشنطن ستجد غطاء ديمقراطيا لحماية مصالحها في المنطقة.

ويرى غراهام فولر أن الظاهرة الإسلامية ليست مثيلة للفاشية أو الشيوعية، بل هي إطار ديني سياسي ثقافي تتناول هموم المسلمين وتطرح نفسها كبديل أكثر جاذبية للأيديولوجيات العربية التي شهدتها العقود الماضية والتي أخفقت في تحقيق مطالب شعوبها.

وليس لـ "الإسلامية" زعيم مركزي أو خطاب مركزي، ولا تتبنى موقفا ثابتا تجاه نظام الحكم أو الكيفية التي يدار بها النشاط الاقتصادي. فهي ليست عقيدة ثابتة، وهناك خلافات عميقة بين الإسلاميين حول كيفية نشر الإسلام أو الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة. ورغم كون مسألة تطبيق الشريعة تلقى قبولا واسعا، إلا أنه هناك العديد من الصياغات المختلفة لكيفية تحقيق هذا المطلب، وبعض هذه الخيارات سطحي وخطير، غير أن هناك بعض الخيارات أوسع أفقا وأكثر تسامحا، والشريعة الإسلامية لا تتناول إلا مجالا محدودا من النشاطات الإنسانية ولا تغطي معظم وظائف الدولة.

فالظاهرة الإسلامية وفق هذا التحليل هي نتاج للتوجه العالمي نحو التحديث والتعاطي مع مشاكل ومتطلبات العالم الحديث، وهي جزء من الكفاح العالمي لتقديم تفسير للعالم الذي تحوطه المصاعب من خلال الدين، وهي جزء من محاولات الدفع لاستعادة كرامة العالم الإسلامي والمحافظة على هويته، والصراع والتوتر بين العالم الغربي والعالم الإسلامي ليس نتاجا للتصادم بين الديانات، بل هو تعبير عن تعارض عميق في المصالح.

مستقبل العلاقة بين واشنطن والحركة الإسلامية
يتوقع أن صعود الحركات المتطرفة والإصلاح السياسي في العالم العربي الإسلامي هما تحديان أساسيان لواشنطن. فإستراتيجيتها السابقة لحماية مصالحها وفرضها في المنطقة أدت إلى غياب الديمقراطية وتنامي العنف والتطرف، وإذا كانت تملك فرصة للتعاون مع الحركات الإسلامية المعتدلة والتي تمتلك الفرصة الأقوى للنجاح في انتخابات ديمقراطية فإن هذه الحركات أيضا مهددة بالحالة الجديدة، وقد تتلاشى أو تضعف لحساب الجماعات المتطرفة والتي يبدو أنها بدأت تسحب البساط من تحت أقدام الجماعات الوسطية العريقة.

وسيكون الحل إما الاستمرار في الاستبداد والتوتر والصراع أو فتح المجال لموجات الإصلاح السياسي، وإن حملت معها الحركة الإسلامية التي وإن كانت تبدو معادية لواشنطن فإنها ستخضع لاعتبارات المصالح والواقع القائم، وهو ما يحدث الآن بالفعل في أفغانستان والعراق والسودان وتركيا.
ــــــــــــــــــ
*كاتب أردني

المصدر : غير معروف