بقلم: كمال الهلباوي*

بعد خروج الاتحاد السوفياتي لم تستطع أميركا أن تفرض رؤيتها على المجاهدين الأفغان حتى بعد دخولهم كابل سنة 1992، وبعد طرد الشيوعيين من الحكم. ولم يقبل المجاهدون الحل الدولي آنذاك والذي تمثل أساسا في حكومة موسعة القاعدة. وقد بدأت الأوضاع على ساحة الجهاد في التغيير الملموس منذ أواخر 1988، إذ قتل الرئيس الباكستاني ضياء الحق الداعم الأساسي للمجاهدين الأفغان، وأحد صلات الوصل القوية بين المجاهدين والعالم الخارجي.

وما كان من المتوقع أن تخلف بينظير بوتو ضياء الحق في حكم باكستان، فالفرق شاسع والهوة كبيرة، مما يذكرنا بالبون الشاسع في توجهات حكم مصر على سبيل المثال، عندما خلف الرئيس السادات صاحب السياسات الغربية، الحكم الناصري بتطلعاته القومية. ثم كان مقتل المجاهد الكبير الشيخ عبدالله عزام، وهو من أمارات التغيير الطارئ الموحية على ساحة الجهاد الأفغاني.


مقتل الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق والمجاهد عبد الله عزام كان من أمارات التغيير في مسار الجهاد الأفغاني
كان المجاهدون الأفغان وخصوصا الأحزاب الأربعة التي تعرف بالأصولية، كما كانت أحلامهم وتطلعاتهم عائقا كبيرا، بل وسدا منيعا، أمام الأطماع والإستراتيجيات والخطط والحلول الدولية والأميركية خصوصا.

وكان التغيير السريع أيضا إذ حلت طالبان محل المجاهدين الأفغان في الإدارة وتسيير دفة الحكم في أفغانستان. ومن نافلة القول أن نؤكد أن المجاهدين هم الذين أداروا الصراع المرير والطويل باهظ التكاليف في الأرواح والبنية التحتية مع السوفيات والشيوعيين. كان الجهاد على حساب التنمية في بلد مدمر وكانت حصيلة الحرب والجهاد فيه ما يقرب من مليوني شهيد وقتيل، و(600) ألف أرملة ونصف مليون عاجز ومعاق إعاقات جزئية أو كلية، ونصف مليون يتيم، وستة ملايين مهاجر-أربعة منها في باكستان واثنان منها في إيران- وحوالي خمسة ملايين نازح داخل البلاد.

كان مجيء طالبان إلى الحكم بمثابة طعنة قوية للمجاهدين، لأن الصراع الداخلي بين فرقاء من المسلمين أدمى وأشد مرارة، ويشوه صورة الإسلام وصورة الجهاد الإسلامي الناصع، ويصرف عن أفغانستان أسباب الدعم والتعاطف، ويورث الحسرة والألم عند بعض الجهات الداعمة حتى على ما سبق تقديمه من خير لهم.

لقد اختلفت صورة طالبان في أذهان المسلمين وأحلامهم، فمنهم من رأى ذلك الحكم الإسلامي الوحيد المعاصر، وخصوصا مع إيجابية استتباب الأمن في المناطق التي سيطروا عليها وحكموها وتنفيذ الحدود، ومنهم من رأى طالبان مخلب قط لقوى خارجية إذ تمسكوا بالقشور، وركزوا على الفروع، وهمشوا روح الإسلام وجوهر الدين.


الأفغان تعبير عن ظاهرة مجتمعية تقوم على ركائز عديدة منها الروح القومية مثل التعصب للبشتونية أو الطاجيكية أو الأوزبكية. وتقوم هذه الروح على مذهبية ضيقة ترى بعض دوائرها أن المذهب هو الدين
والذي يدرك طبيعة الأفغان يجد أنهم تعبير عن ظاهرة مجتمعية تقوم على ركائز عديدة منها الروح القومية مثل التعصب للبشتونية أو الطاجيكية أو الأوزبكية. وتقوم هذه الروح على مذهبية ضيقه ترى بعض دوائرها أن المذهب هو الدين، كما تقوم على التعصب المذهبي أو المدرسي، وهي أمراض وأعراض لا يختص بها طالبان وحدهم بل هي سمة مجتمعية أفغانية قبل طالبان وبعد طالبان ولا علاج لها إلا الفهم الصحيح لروح الدين الإسلامي.

  • وأن أطماع تلك القوى لم تعد مجرد الاستعمار أو الصراع الفكري والثقافي بل الصراع الاقتصادي والأطماع كذلك. لقد عقد الاتحاد السوفياتي مع الحكومة الشيوعية في كابل أثناء سنوات الحرب ما يزيد على (90) اتفاقية تعليمية و تدريبية واقتصادية وغيرها لم تغن عن التحرير شيئا، ولا عن هزيمة السوفيات والشيوعيين أيضا.
  • أن الإسهام في بناء المستقبل الأفغاني أصبح أصعب بل وأعسر أمام التهم الجاهزة للإدانة بالإرهاب، والنقل إلى قاعدة غوانتانامو في كوبا للمحاكمة والنفي والتخويف والترهيب، آخذين في الاعتبار أن هناك اليوم من يعمل مع الأميركان من أجل المال أو الوضع الاجتماعي، ومنهم من يخشى تشويه سمعته، ومنهم وهم قلة من يعمل معهم اقتناعا بتوجهاتهم وثقافتهم وحضارتهم. هذا فضلا عن التحديات العديدة التي تواجه عملية البناء. وقد يأتي اليوم الذي تتهم فيه حتى الحكومة المؤقتة بالإرهاب إن طالبت القوات الأجنبية بالخروج قبل نفاذ الأجندة الأميركية.

إن أفغانستان اليوم في وضع سياسي واقتصادي وعملي متدن، وسيستمر ذلك بعض الوقت، فالحضارة تكمل تدريجا لا طفرة وخصوصا مع سياسات الأميركان التي من خصائصها المحافظة على التخلف في العالم الثالث. وعلى الذين يحلمون بالعسل واللبن من الأميركان الانتظار طويلا حتى يستيقظوا على الحقائق المرة. ومنها في العهد الأفغاني الأميركي ما أشارت إليه إنترناشيونال هيرالد تريبيون International Herald Tribune في أولى صفحاتها في عدديها الصادرين يومي السبت والأحد 9-10 مارس/ آذار 2002 من أن الأفغان يبيعون أولادهم من أجل القمح. ويقول أحد الذين فعلوا ذلك: ماذا يمكنني أن أعمل غير هذا؟ إنني أفتقد أولادي ولكن لم يكن هناك شيء نأكله. هذا نقلا عن الأب أختر محمد الذي باع ولديه شير وعمره عشر سنوات، وباز وعمره خمس سنوات. وهناك في أفغانستان من يأكل الأعشاب والحشائش حفاظا على حياته.

ومما يزيد التحديات ما جاء على لسان السيد أليجاندرو شيشيرى الناطق باسم برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة من قوله "دائما في أي موقف مثل هذا الموقف (ظروف أفغانستان) أن يموت الناس، ونحن قد قدمنا الكثير لتخفيف وتقليل حجم هذه الخسارة (الموت)، والمجاعات تحدث في أنحاء قليلة". هذه هي قناعة الأمم المتحدة.

هناك تحديات كثيرة من أهمها بناء البنية التحتية في أفغانستان، من تعليم واتصالات ومواصلات وطرق لربط البلاد بعضها ببعض وسهولة الوصول إلى القرى والكهوف والنجوع والمغارات وقمم الجبال. ولا يخفى أن مع علاج هذا التحدي فإن الأطماع تكثر مع سهولة المواصلات والاتصالات. كما تكثر التحديات بعد نهاية حدود الطرق المألوفة. ولكن التحدي الأهم والأخطر هو الأجندة الأميركية في أفغانستان.


لا ينبغي أن يترك أمر بناء المستقبل الأفغاني في يد الأميركان أو القوات الدولية، إذ إن هذه القوات ليست مدعاة لاستتباب الأمن، بل إنها مدعاة أمام الشعب الأفغاني بروحه الجهادية، وعدم خشيته من الموت، إلى استمرار الصراع و القتال
إن البرامج العالمية الإنسانية والخارجية عموما، تقوم مشكورة بعمل إنساني ولكن هذا العمل لن يحل المشكلات مع تزايدها. عندما بدأ الجهاد في أفغانستان ضد السوفيات والشيوعيين، فتحت كل الطرق لمساعدة المجاهدين الأفغان عسكريا وسياسيا واقتصاديا وإغاثيا وشاركت هيئات إغاثية ومؤسسات خيرية عديدة غربية وإسلامية في مساعدة الأفغان والاهتمام بهم. واليوم فإن التنمية في أفغانستان تحتاج إلى انفتاح أكبر دون خوف من الإرهاب أو ما يسمى بالإرهاب. ولا ينبغي أن يترك أمر بناء المستقبل الأفغاني في يد الأميركان أو القوات الدولية، إذ إن هذه القوات ليست مدعاة لاستتباب الأمن، بل إنها مدعاة أمام الشعب الأفغاني بروحه الجهادية، وعدم خشيته من الموت، إلى استمرار الصراع و القتال. فضلا عن صعوبة هضم وجود الأجانب، وقد شاهدنا العزلة التي عاشها أعضاء تنظيم القاعدة وذووهم أثناء الحرب الشرسة على أفغانستان وكانوا قد استوطنوا بلاد الأفغان لمساعدتهم لا طمعا في ثرواتهم وخيرات بلادهم.

تحتاج التنمية والاستقرار في أفغانستان إلى الأموال التي جمدتها أميركا بدعوى الإرهاب سواء لمؤسسات خيرية أو أفراد، وتحتاج مرة أخرى إلى حملات التبرع بالذهب والمال والقمح للشعب الأفغاني حتى لا يضطر بعضهم إلى بيع أبنائه وحتى لا تظلم الأمة الإسلامية خصوصا الأفغان أكثر من ذلك.

كما تحتاج التنمية والاستقرار إلى ثقافة تذهب بالأمراض العديدة، كما يحتاج بناء المستقبل إلى نظام سياسي يقوم على الشورى الحقيقية (اللويا جيركا) التي يسعد بها الأفغان ويقبلونها.

لقد ظلمنا الأفغان عندما حملناهم وحدهم بناء دولة الإسلام قفزا لا تدريجيا ونحن نعلم أن دولة الإسلام لا تقوم على السلاح والقهر بل تقوم على الدعوة والاختيار لا على الإكراه. وظلمنا الأفغان عندما تركناهم للاقتتال الداخلي حتى أقدمت أميركا على ما أقدمت عليه في أفغانستان. وظلمنا الأفغان عندما انضم بعض العرب والمسلمين إلى فريق أفغاني ضد فريق أفغاني آخر بعد اندحار الشيوعية وخروج السوفيات وهزيمتهم وتفتت الاتحاد السوفياتي. وأخشى أن نظلم الأفغان مرة أخرى ونحن نمتثل مع بعضهم للإستراتيجية الأميركية وتطبيقات مشروعاتها وبرامجها في أفغانستان.

_______________
*باحث في الشؤون الإستراتيجية وعضو الرابطة الإسلامية في بريطانيا

المصدر : غير معروف