بقلم/ ياسر الزعاترة

- حقيقة دور صدام في المقاومة
- مجموعات المقاومة
- المقاومة بعد صدام
- موقف الآخرين من المقاومة بعد صدام
- ما بعد الاعتقال سياسياً

من أجمل ما كتب عن عملية اعتقال صدام حسين كان مقالاً للكاتب الأميركي المعروف "ريتشارد كوهين" في صحيفة "واشنطن بوست" ذهب فيه إلى أن خبر اعتقال صدام كان جيداً، أما ما عدا ذلك فكان خبراً سيئاً.

الخبر السيئ حسب كوهين هو أن صدام "قد ألقي القبض عليه في حفرة قرب مزرعة، وكان يرافقه رجلان فقط وكان لديه مخبأ متواضع من الأسلحة و750 ألف دولار نقداً، وهذا لا يمكن أن يكفي لتوجيه عصيان واسع الانتشار، وقد بدا عاجزاً تماماً عن القيام بذلك، ولو أنه ظهر في نيويورك لقام عمدتها بلومبرغ بإرساله إلى ملجأ مشردين".

تلك كانت من مفارقات اعتقال صدام حسين، فقد جاء المشهد بمثابة خيبة مضاعفة، ليس لمن شعروا بالإهانة من الغالبية الساحقة من الشارع العربي والإسلامي ومعهم جزء من العراقيين (العرب السنة تحديداً) فحسب، وإنما لأولئك الذين روجوا طوال الشهور الماضية لمقولة إن صدام حسين يتحرك في كل مكان ويقود المقاومة بنفسه.

حقيقة دور صدام في المقاومة


ما جرى ويجري يؤكد أن دور صدام في المقاومة لم يتعد في أحسن الأحوال حدود التمويل لبعض المقاومين من جهة، إضافة إلى دوره كقوة دفع معنوي لآخرين
يدخلنا مشهد الاعتقال ودلالاته مباشرة إلى سؤال دور صدام حسين في المقاومة. والحال أن المشهد المذكور قد وفر علينا الكثير من التأكيدات التي طالما أوردناها في مقالات وتحليلات سابقة كثيرة عن محدودية الدور الذي يقوم به الرجل في توجيه المقاومة.

لقد جاء المشهد بكل عفويته وعبثيته في آن ليؤكد أن الرجل لم يكن قائد مقاومة بقدر ما كان مطارداً يبحث عن مأوى بأي شكل، ويخضع لإجراءات أمنية استثنائية كي يبقى على قيد الحياة. والحال أن اعتقاله داخل حفرة، وفي تكريت تحديداً، قد أكد ذلك كله أننا بإزاء منطقة لم تتوقف عمليات دهمها في الليل ولا في النهار منذ شهور، خلافاً لمناطق أخرى أقل تعرضاً للدهم.

لوضع النقاط على الحروف بعيداً عن التهوين والمبالغة، يمكن القول إن وجود صدام على قيد الحياة كان يمنح بعض المقاومين دفعة ما للاستمرار في المقاومة، لكنه في كل الأحوال لم يكن قائد فصيل أو مجموعة مقاتلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وقد أشار كثيرون إلى أن الرجل كان يلعب دوراً ما في عمليات التمويل لبعض المجموعات، وهذه معلومة قد تحتاج إلى تأكيد، فالمبلغ الذي وجد بحوزته محدود، اللهم إلا إذا كان قد صرف الجزء الأكبر مما كان معه، والذي قيل إنه الأموال السائلة في البنك المركزي التي سحبها عشية الغزو وتقدر بحوالي خمسين مليون دولار كان من بينها حوالي النصف بعملة اليورو.

إن طبيعة صدام حسين الأمنية وشكوكه في كل ما حوله وإدراكه لحجم مطاردته, كل ذلك لم يكن ليدفعه نحو حركة عادية أو حتى أقل من عادية، وبذلك يمكن القول إن ما جرى ويجري إنما يؤكد أن دور صدام في المقاومة لم يتعد في أحسن الأحوال حدود التمويل لبعض المقاومين من جهة، إضافة إلى دوره كقوة دفع معنوي لآخرين، أكان أملاً بعودته، وهم القلة، أم إيماناً بدور وجوده في منح المقاومة فرصة الاستمرار.


استهداف مراكز الشرطة بالسيارات المفخخة ربما كان من تدبير عناصر في الأجهزة العسكرية لأنهم تعرضوا لأذى كبير على يد الشرطة ومازالوا يتعرضون بسبب هوياتهم المعروفة
مجموعات المقاومة
يدخلنا هذا بالضرورة إلى طبيعة القوى والمجموعات التي تقاوم الاحتلال، وذلك ولا شك أمر مهم في سياق البحث عن تأثيرات اعتقال صدام على المقاومة.

من المؤكد استناداً إلى معلومات موثقة لقادمين كثر من العراق، إعلاميين وأكاديميين وأناس عاديين عراقيين وغير عراقيين، أن الحصة الأكبر من أعمال المقاومة هي الإسلامية، أي المجموعات الإسلامية، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية الوطنية (كتائب ثورة العشرين)، وهي الحركة الوحيدة إلى جانب المجموعة البعثية التي تصدر بيانات دورية بفعالياتها على الأرض، فضلاً عن البيانات السياسية عن رؤاها وبرامجها، وإن لم تفرز قادة سياسيين يعبرون عنها بسبب الاعتبارات الأمنية.

إلى جانب هذه المجموعة هناك مجموعات إسلامية صغيرة متناثرة هنا وهناك لا يربطها رابط واضح، وهي من خريجي مساجد العراق أو الصحوة الإسلامية في سنواتها الأخيرة ممن يعيشون على تراث المقاومة الإسلامية الفلسطينية، إضافة إلى منهجية أسامة بن لادن.

هناك المجاهدون القادمون من الخارج، وهؤلاء قلة قليلة يحاول الأميركان وبعض تابعيهم في مجلس الحكم والرموز المناهضة للمقاومة التضخيم من حجمهم على الأرض. والحال أن المقاومة العراقية لا تحبذ مجيء أحد من الخارج لسبب بسيط، هو أن عناصر المقاومة العراقية لا يملكون جبالاً ولا ملاذات آمنة يأوون إليها، وإنما هم رجال يخططون وينفذون ثم يعودون إلى بيوتهم ويندمجون في مجتمعهم، وبذلك يغدو وجود أي عنصر من الخارج معروف الوجه واللكنة أو اللهجة عبئاً عليهم يحتاجون إلى جهود استثنائية لحمايته وإخفائه، وهي جهود يفضلون استثمارها في المقاومة.

هناك مجموعات صغيرة أخرى متناثرة من الوطنيين أبناء العشائر، وهؤلاء أيضاً يتفرقون على مجموعات صغيرة ولهم روح إسلامية أيضاً، ولهؤلاء دور جيد في أعمال المقاومة، لا سيما وأن عدداً كبيراً منهم يفعلون ذلك كردة فعل على سياسات الدهم والاعتقال التي تطال بيوتهم وذويهم.

هناك التيار البعثي، وهو وإن بدا عالي الصوت من حيث البيانات فإن المراقبين يشككون في حقيقة دوره بالحجم المعلن، لكنه أحد التيارات الموجودة على الساحة.

يصل بنا هذا إلى المجموعات الأخيرة التي يمكن وصفها بالمقاومة العشوائية التي ينفذها رجال عاديون لا صلة لهم بأي أحد وبعضهم من عناصر الجيش، وهؤلاء قوم يحبون وطنهم ويدافعون عن دينهم، وغالباً ما يفعلون ذلك على نحو فردي أو ثنائي أو مجموعة من ثلاثة عناصر. ولا شك في أن حجم إنجاز هؤلاء معقول إلى حد كبير.

وبالطبع فإن ما يحفز ذلك كله هو سهولة الحصول على الأسلحة لمن لا تتوفر لديه، فضلاً عن العبوات الناسفة التي يجري زرعها على الطرقات بانتظار صيد أميركي.
ثمة سؤال مهم بشأن عمليات استهداف مراكز الشرطة بالسيارات المفخخة. والحال أن تفخيخ سيارة ليس أمراً صعباً لأن عملية تعبئتها تتم من خلال مقذوفات الأسلحة العادية، ولا يبقى بعد ذلك سوى التفخيخ.

وهنا من الممكن القول إن هذه العمليات ربما كانت من تدبير عناصر في الأجهزة العسكرية العراقية، والسبب أن هؤلاء قد تعرضوا لأذى كبير على يد الشرطة ومازالوا يتعرضون بسبب هوياتهم المعروفة، وقد قتل من هؤلاء أعداد كبيرة جداً، وبذلك يمكن القول إن مشاعر الثأر والانتقام هي التي تحرّك مثل هذه العمليات أكثر من أي شيء آخر، لاسيما في المرحلة الأخيرة التي بات فيها دور الشرطة العراقية أكثر وضوحاً في استهداف البعثيين السابقين، وبخاصة عناصر الجيش والاستخبارات.

المقاومة بعد صدام
في ضوء ما تقدم يتأكد لنا أن هذه الأنواع المختلفة من المقاومة ستبقى قائمة بعد اعتقال صدام، بل إن المهانة التي شعر بها العرب السنة بسبب ذلك الاعتقال قد تدفع مزيداً منهم إلى الانخراط في عمليات المقاومة بشكل أو بآخر.

أما الأهم من ذلك فهو أن كثيراً من المجموعات المقاومة، لاسيما الإسلامية والوطنية، لم تكن مرتاحة أبداً لربط مقاومتها بصدام حسين، ذلك أن أية حركة تغيير أو تحرير لا يمكن أن تكون سعيدة بربطها برمز له كل تلك الكراهية في وعي شعبه، ونحن هنا لا نحصر كراهية صدام في أوساط الشيعة والأكراد فقط، بل السنة أيضاً وإن كان على نحو أقل. وإذا ذكرت بعض مظاهر التعاطف مع الرجل في الشهور الأخيرة فإن الرد على ذلك ليس صعباً، لأنها مظاهر مناكفة للأميركان وربما للشيعة أيضاً أكثر من كونها قناعة بصدام وعهده.

لقد كانت قوى المقاومة وأهمها الإسلامية في حرج شديد بسبب وجود صدام ودعوى قيادته للمقاومة، وها هي الآن تتحلل من ذلك الحرج وتبدأ عهداً جديداً من الجهاد ضد عدو واضح ومن أجل هدف واضح هو تحرير العراق وأهله من أسوأ احتلال في العالم، لا يستهدفه فحسب وإنما يريد إذلال الأمة بأسرها.


حجم العداء الشيعي والكردي للمقاومة سيتراجع في المرحلة المقبلة بعد اعتقال صدام الذي كان يقدم على أنه قائد هذه المقاومة ومحركها
موقف الآخرين من المقاومة بعد صدام
هنا تنهض مسألة على درجة من الأهمية بعد اعتقال صدام حسين تتصل بموقف الآخرين من المقاومة، نعني من غير العرب السنة، وتحديداً الشيعة وبدرجة ثانية الأكراد. ليس من العسير القول إن القناعة التي كانت سائدة في أوساط الشيعة بشأن المقاومة هي أن صدام هو قائدها ومحركها. وفوق ذلك قناعة بأن رحيل الاحتلال هذا اليوم سيأتي بصدام في اليوم التالي.

من هنا يمكن القول إن سؤال موقف الشيعة من المقاومة يبدو مطروحاً بعد اعتقال صدام، ومعه موقفهم من التحالف مع الاحتلال والتعامل معه.

لاشك في أن حجم العدائية الشيعية للمقاومة وكذلك الكردية سيتراجع على نحو واضح في المرحلة المقبلة نظراً لأن استمرارها سيؤكد أنها غير ذات صلة بصدام وأنها تدافع عن العراق وتسعى إلى تحريره. والحال أن ذلك ليس أمراً هامشياً، فعندما كان صدام هو قائد المقاومة كان العمل ضدها نوعاً من العمل الجهادي من قبل بعض الشيعة أكان في قطاع الشرطة أم القطاعات الأخرى. أما الآن فإن الموقف يغدو مختلفاً بشكل ما.

في ضوء ذلك كله يمكن القول إن جملة الظروف الموضوعية بعد اعتقال صدام حسين تبشر بتصاعد المقاومة ضد الاحتلال وليس تراجعها، أكان بسبب تحلل مجموعاتها من عقدة الارتباط بالرجل وتاريخه الدموي، أم بسبب تراجع العمل ضدها من قبل الآخرين شيعة وأكراداً وربما سنة أيضاً. أما مسألة التمويل التي قيل إن صدام كان له دور فيها فإنها لا تبدو معضلة في الحالة العراقية، لأن المقاومين يفعلون ذلك على أساس مجموعات وليس جيوشا.

وفي كل الأحوال فإن البحث عن أدوات تمويل يبدو أمراً لابد منه، مع أنه من المشكوك فيه أن صدام كان يمول الجميع، حتى لو دفع لبعض رموز العشائر أو المجموعات بشكل أو بآخر.

ما بعد الاعتقال سياسياً
البعد السياسي في مرحلة ما بعد اعتقال صدام لا يقل أهمية عن البعد العسكري أو المقاوم، وإن اندمج البعدين على نحو من الأنحاء. وقد أشرنا سابقاً إلى القناعة التي كانت سائدة في أوساط الشيعة بشأن علاقة المقاومة بصدام حسين ومخاوف عودته لو رحل الأميركان عن العراق.


اعتقال صدام وإن بدا مؤسفاً للأكثرية في العالم العربي والإسلامي فإنه سيكون مفيداً إلى حد كبير، أكان على صعيد المقاومة أم على صعيد العمل السياسي
وهنا يمكن القول إن ذلك قد دفع الشيعة والأكراد على وجه الخصوص إلى التحالف أو التعاون مع الاحتلال، إلى جانب الموقف الإيراني ذو الحسابات الخاصة، لكن ذلك سيكون مختلفاً بعد اعتقال صدام، ذلك أن من غير العسير القول إن أصواتاً جديدة قد تظهر لاحقاً في أوساط الشيعة تطالب بالمقاومة ضد الاحتلال وصولاً الى البلاد بشرعية التحرير وشرعية الغالبية المتقرحة.

وإذا افترضنا أن الاحتلال سيواصل مجاملة الشيعة لإبعادهم عن خيار المقاومة، فإن السؤال هو إلى أي حد سيستمر ذلك، وهل سيرضى الأميركان بالخروج من البلاد وتركه لهم؟ وإذا لم يحدث ذلك، هل سيرضى الشيعة بحكم بلد محتل من قبل الأميركان خلافاً لمشاعر الغالبية الساحقة من الأمة، بما في ذلك إيران المهددة باستقرار الاحتلال في العراق؟

لقد أكدت قصة آية الله السيستاني واعتراضاته على آلية نقل السلطة للعراقيين أن إيران في العراق لاتزال الأقوى بقوة الشيعة، وهو ما يعني أن هؤلاء سيكون لهم موقف مختلف في المرحلة التالية بعد التخلص من هواجس عودة صدام حسين.

لقد جاء مشهد اعتقال صدام حسين على ذلك النحو الذليل ليضيف بعداً إيجابياً آخر لصورة المستقبل، ذلك أن في العراق أحقادا وعقدا لا يعلم بها إلا الله، وكان لا بد لها أن تتنفس أو يتنفس جزء منها في مشهد كذلك الذي رأيناه بدل أن يجري تنفيسها ضد آخرين من أبناء الشعب.

خلاصة القول هي إن اعتقال صدام حسين وإن بدا مؤسفاً للأكثرية في العالم العربي والإسلامي, فإنه سيكون مفيداً إلى حد كبير، أكان على صعيد المقاومة بوصفها المسار الأهم في طرد الاحتلال، أم على صعيد العمل السياسي الذي سيتحلل من عقدة الخوف من عودة صدام ويبدأ النضال الحقيقي لطرد الاحتلال، أو التحول لاحقاً إلى المقاومة في حال إصراره على البقاء.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة