بقلم: فهمي هويدي

- اعتبارات أساسية في المشهد الإيراني

- السيناريوهات المتوقعة لولاية خاتمي الجديدة

- آخر المعممين

أسئلة المستقبل تطرح نفسها بقوة بعد الفوز الكاسح الذي حققه السيد خاتمي، بعضها يتعلق بموقفة هو شخصياً بعد أن تعزز مركزه وأصبح في وضع يسمح له بأن يتحدى معارضيه ويضغط بكتلة الأصوات التي أيدته، الأمر الذي يفترض أن يمكنه من تطويع أو إزالة أية عقبة أمامه، والبعض الآخر يتعلق بالقوى الإصلاحية التي تسانده، وهل ستصعد وتسارع إلى الاشتباك، أم أنها ستظل على موقفها المشاغب في هدوء والحريص على الانحناء للعواصف؟.

ثم هناك أسئلة أخرى عديدة وعلامات استفهام كبرى حول موقف القائد آية الله خامنئي من رئيس الجمهورية الذي يأتيه هذه المرة أكثر قوة وثباتاً وأشد تأييداً. وبذات القدر هناك أسئلة تتعلق بسلوك المحافظين واستراتيجيتهم بعدما تبين أن حوالي 80 % من الأصوات ذهبت إليه، وأعرضت عن خطابهم وعن الذين ساندوهم.

اعتبارات أساسية في المشهد الإيراني

ونحن نقلب السيناريوهات أو نرجح بينها، ثمة اعتبارات في المشهد الإيراني ينبغي ملاحظتها هي:

آية الله علي خامنئي
الرئيس محمد خاتمي
- أن القائد له مقام خاص في المجتمع الإيراني وفي ظل دستور الجمهورية الإسلامية، فهو ليس رأس الدولة فحسب، ولكنه أيضاً نائب الإمام الغائب، وهذه الصفة الأخيرة أهم من الأولى، ولأنه كذلك فالتعامل ينبغي أن يتم بدرجة عالية من الحيطة والحذر، أعني أن العلاقة معه ليست محكومة بالاعتبارات السياسية فحسب، وإنما لها العمق العقدي الذي يتجاوز إطار الاتفاق أو الاختلاف في التفكير السياسي.

- أن القائد، وهو مرجع ديني في الوقت ذاته يستمد مرجعيته من التفاف الناس حوله وتأييدهم له، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يتجاهل مزاج الجماهير وتوجهاتها، لأنه إذا تجاهلها فإنه سوف ينعزل عنها، الأمر الذي يؤثر على تواصله مع الناس ويصبح سحباً من رصيد مرجعيته.

- أن المجتمع الإيراني الآن تغير كثيراً عما كان عليه وقت قيام الثورة، وهناك جيل ظهر بأحلام وأشواق جديدة، ومن أهم ما أنجزه السيد خاتمي في ولايته الأولى -كما ذكرنا قبلاً- أنه رفع سقف الحوار والجرأة في المجتمع، وأحدث تغييراً جوهرياً في المناخ السائد، فقد أصبحت الديمقراطية مطلب الأغلبية الساحقة، وصار الاستماع إلى صوت الجماهير واجبا، كما أصبحت شرعية النظام ومؤسساته مستمدة من تأييد الشعب ورضاه، ولم يعد أحد يقبل بفكرة أن الولي الفقيه هو "هبة" من الله، وهو المناخ الذي دفع السيد علي خامنئي في خطاب أخير له (ذكرى وفاة الإمام الخميني في 4/6/2001) إلى التأكيد على أن شرعية النظام مستمدة من الشعب. وفي ظل تلك المتغيرات أصبح من العسير للغالبية أن تعود العجلة إلى الوراء، وإذا جرت تلك المحاولة من جانب أي طرف فإنها ستكون باهظة التكلفة، وسيدفع النظام الإسلامي ثمناً مرتفعاً للغاية لتحقيقها.


شرعية النظام مستمدة من الشعب وقد أصبح من العسير للغالبية أن تعود العجلة إلى الوراء، وإذا جرت تلك المحاولة من جانب أي طرف فإنها ستكون باهظة التكلفة، وسيدفع النظام الإسلامي الإيراني ثمناً مرتفعاً للغاية لتحقيقها

- أن العلاقات بين أهل الحوزة العلمية لها طبيعة خاصة، فهي علاقة مجدولة ومتشابكة على نحو يحول عادة دون الانفراط. والمنتسبون إلى الحوزة إذا اختلفوا فالأصل أن الخلاف لا يصل إلى حد القطيعة، حتى إذا تصاعد ووصل إلى حافة الخطر، وفي الولاية الأولى للرئيس خاتمي تعقدت علاقاته مع معسكر المحافظين مرات كثيرة، وذهبت إلى مدى ظن الناس فيه أن الموقف على وشك الانفجار، لكن القائد كان عادة ما يتدخل في اللحظة الأخيرة كي ينزع الفتيل ويحول دون الانفجار.

- أن السيدين خامنئي وخاتمي، كل منهما بحاجة إلى الآخر، فخامنئي نائب الإمام ويملك صلاحيات واسعة تفوت بكثير ما يملكه رئيس الجمهورية، بل إنه قادر من الناحية الدستورية والقانونية على أن يشل حركة رئيس الجمهورية. أما خاتمي فهو نائب الشعب الذي يملك الآن تفويضاً من 80 % من الجماهير التي صوتت لصالحه في الانتخابات، ولأن آية الله خامنئي يستحوذ على أغلبية الصلاحيات، وخاتمي مؤيد من قبل أغلبية الشعب، فالأول يحتاج إلى الرصيد الجماهيري للثاني والثاني بحاجة إلى صلاحيات الأول. وبعبارة أخرى فإن جماهيرية خاتمي تعزز مركز ودور خامنئي وصلاحيات خامنئي مطلوبة لإنجاز مشروع خاتمي، والقائد ضعيف بغير الجماهير والرئيس ضعيف بغير الصلاحيات، والطرفان يدركان ذلك جيداً، وانتظام الاجتماعات الأسبوعية التي ينفرد فيها السيد خاتمي مع السيد خامنئي، تعبير عن ذلك الحرص، ولك أن تتصور أنها تقوي باستمرار خطوط التفاهم والفهم المتبادل.

- أن الفوز الكاسح الذي حققه خاتمي، لا يعني على الإطلاق أنه أصبح ينفرد بصدارة الساحة السياسية فقوته المستمدة من تأييد الجماهير ينبغي ألا تترجم إلى ضعف الجانب المتعلق بالمحافظين، فهؤلاء الآخرون أقوياء لا يزالون، وإذا كان الإسلاميون يستمدون قوتهم من التأييد الجماهيري الواسع لهم، فالمحافظون أقوياء في مؤسسات الدولة القضائية والاقتصادية، إضافة إلى مجالس الخبراء وصيانة الدستور وصيانة مصلحة النظام، هم أقوياء أيضاً في حرس الثورة والحوزة العلمية وفي البازار.

- إن الاختزال في تصنيف القوى السياسية في إيران يتسم بتبسيط مخل، فليس صحيحاً أن كل الإصلاحيين أبرار كما أنه ليس صحيحاً أن كل المحافظين أشرار، فعلى الجانبين هناك معتدلون ومتطرفون، وهناك خير وشر. ودفاع الإصلاحيين عن الديمقراطية يوازيه دفاع المحافظين عن ثوابت الأمة وهويتها واستقلالها وقد أثبتت التجربة أن إيران الإسلامية يتعذر أن يحكمها ويسير أمرها طرف واحد، وأنه ما لم يلتف عقلاء الطرفين ويتعاونا، فالمسيرة كلها مهددة بمخاطر وشرور كثيرة وقد تغرق بهما معاً.

السيناريوهات المتوقعة لولاية خاتمي الجديدة

بعد أن نستحضر تلك الخلفيات والملابسات أحسب أننا في موقف أفضل يسمح لنا بأن نستعرض السيناريوهات المتخيلة للمستقبل.


السيناريو الأسوأ أن يتورط الرئيس خاتمي في صدام مع آية الله خامنئي بسبب الخلاف حول الصلاحيات، ولجوء خامنئي إلى عزل خاتمي أسوة بما فعله الخميني مع الحسن بني صدر الرئيس الأول لإيران بعد الثورة، مما يرفع احتمالات الصدام بين المحافظين والإصلاحيين

أولاً: أسوأ السيناريوهات
في جلسة ضمت عدداً من المثقفين والمحللين الإيرانيين طرحت عليهم السؤال حول أسوأ الفروض فقالوا ما يلي:

لا يهم كثيراً اشتباك الإصلاحيين الذين يستشعرون الآن مزيداً من الثقة والقوة، مع المحافظين الذين لنا أن نتصور عدم سعادتهم بنتائج الانتخابات الرئاسية، ذلك أنهم عجزوا عن مقارعة السيد خاتمي وفشلوا في إضعافه، فلا استطاعوا أن يرشحوا منافساً له يناطحه، ولا تمكنوا من خلال المرشحين -الذين أيدوهم من وراء ستار وعلناً أحياناً- أن يقلصوا من عدد الأصوات التي حصل عليها السيد خاتمي.

لا غرابة في أن يستشعر المحافظون مرارة من جراء ذلك، ولا غرابة في أن يحاولوا، أو يحاول نفر منهم على الأقل استفزاز الإصلاحيين وإفقادهم اتزانهم، وسيكون ذلك أمراً سيئاً في كل الأحوال، لأنه قد يؤدي إلى انشغال كل طرف بتصفية حسابه مع الآخر، وانصراف الجميع عن التصدي للمشكلات الأساسية التي تواجه المجتمع.

وسيكون من نذر السوء لا ريب أن يفتخر الإصلاحيون بقوتهم، فيقررون الانفراد بالسلطة وتشكيل حكومة من جماعتهم فقط، ومن ثم إقصاء المحافظين واستئصالهم من ساحة السلطة التنفيذية، وربما يشجعهم على ذلك إدراكهم أن المحافظين مكتفون ومهيمنون بالفعل على مواقع مجالس أخرى مفصلية في الدولة، أما الأسوأ فهو أن تستخلص المرارات أسوأ ما في النفوس، فيعلو صوت المتطرفين، فينجح المحافظون منهم مثلاً في استدراج الإصلاحيين إلى اشتباك معهم في الشوراع، أو أن يتحرش المتطرفون من الإصلاحيين بنظائرهم من المحافظين مدفوعين في ذلك الغرور ذاته والثقة الزائدة بالنفس، بعد النجاح الكبير الذي حققه السيد خاتمي في الانتخابات، ويتطور ذلك التحرش، الذي ربما تصيده الآخرون، إلى اشبتاك يتسع نطاقه، ويستدعي تدخلاً من قوات الحرس الثوري وقوات الباسيج (الدفاع الشعبي)، ومثل هذا التدخل الذي سيكون في الأغلب إلى جانب المحافظين باعتبار أن قيادة الحرس على الأقل لها موقف ناقد للإصلاحيين، فإن من شأن ذلك أن يشيع توتراً في البلد، يعكر الصفو ويهدد الأمن العام، وفي هذه الحالة يستخدم القائد صلاحياته التي منها "عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصالح البلاد، بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن وظائفه القانونية".

الأشد سوءاً من ذلك احتمال آخر هو: أن يتورط السيد خاتمي في صدام مع القائد آية الله علي خامنئي، وموضوع الصلاحيات هو الأكثر ترشيحاً لمثل ذلك الاحتمال، باعتبار أنها تمثل القضية المحورية التي بسببها قيدت حركة السيد خاتمي في ولايته الأولى، ومن خلالها مارس القائد ضغوطه (عندما أمر مجلس الشورى مثلا بأن يسحب مشروع قانون المطبوعات). ذلك أن المادة 110 من الدستور الخاصة بوظائف القائد وصلاحياته تتضمن 11 بنداً بعضها واسع للغاية مثل: تعيين السياسات العامة للنظام بعد التشاور مع مجمع تشخيص المصلحة والإشراف على حسن إجراء السياسات العامة، وإلى جانب قيادة القوات المسلحة وإعلان الحرب والسلام والطوارئ فله أيضاً حق نصب وعزل كل من: فقهاء مجلس صيانة الدستور، رئيس السلطة القضائية، رئيس الإذاعة والتلفزيون، رئيس أركان القوات المسلحة، قائد حرس الثورة، قيادات القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي.

الجدل حول موضوع الصلاحيات ليس جديداً، لأنه استأثر بجانب كبير من المناقشات خلال السنوات الأربع الماضية، ولا يزال. وثمة وجهة نظر واسعة للاستشاريين الإصلاحيين ترى أنه ما لم تضبط هذه المسألة بصورة أو أخرى، فإنها ستظل مشكلة أساسية في النظام الإسلامي الذي يصقل حركة المجتمع، ذلك أن الولاية المطلقة للفقيه خطرة ما لم تعرف حدودها، وما إذا كان الولي الفقيه يتحرك في إطار الدولة ويخضع للقانون، أم أنه فوق كل ذلك.

وليس سراً أن بين العناصر الإصلاحية المتطرفة من يدعو إلى دفع الأمور إلى نهايتها، ولا يمانع في تفجير العلاقة مع القائد باعتبار أن ذلك هو الحل الوحيد للإشكال، الذي عن طريقه يمكن إعادة صياغة لموضوع الصلاحيات بحيث يكون هناك شيء من التوازن بين القائد والرئيس، هذا الكلام كان يتردد في دورة السيد خاتمي الأولى، وعندما كانت نسبة المؤيدين له في حدود 70 %، الأمر الذي اعتبره هؤلاء سنداً كافياً يمكن السيد خاتمي من أن يخوض " معركته" ضد القائد بثقة واطمئنان، وهي أصبحت الآن أكثر قوة، بعدما وصلت نسبة فوز الرئيس خاتمي إلى حوالي 80 %.

من هذه الأرقام إذاً فالخاسر المباشر هو السيد خاتمي بكل تأكيد، ولن يختلف مصيره في هذه الحالة عن مصير الدكتور أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية بعد الثورة، حيث نبذ وأطيح به، وانتهى لاجئاً في فرنسا. صحيح أن المجتمع تغير الآن بدرجة كبيرة، والشعبية التي يتمتع بها خاتمي الآن، كان آية الله الخميني يتمتع بأكثر منها في بداية الثورة وكان بوسع الخميني آنذاك أن يقرر عزل بني صدر بعدما سحب مجلس الشورى ثقته منه، وهذه الخطوة تمت بيسر بالغ ولم يحدث إبعاد بني صدر أي رد فعل سلبي أو صدى يذكر في المجتمع.

وإن أقدم السيد خامنئي على خطوة من ذلك القبيل فإنها لن تمر بسهولة ولا بالمجان، وإنما سيكون لها ثمنها الباهظ للأسباب التي سبق ذكرها، الأمر الذي يمكن أن يشيع الفوضى والاضطراب في البلاد، بعد أن يؤدي إلى استقطاب حاد تقف فيه القوى والمؤسسات والمجالس المؤيدة للمحافظين، ومعها الحوزة الدينية في قم ومشهد، وحرس الثورة، هذه القوى كلها تقف في جانب بينما يحتشد معسكر الإصلاحيين في الجانب المعاكس، وربما تدخلت جهات أخرى يهمها تفجير الوضع في البلاد الأمر الذي يمكن أن يوصل الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، وهذا هو السيناريو الأسوأ والأشد سوءاً.


السيناريو الأفضل أن تسود لغة التفاهم والتعـاون بين المرشد وبين رئيس الجمهورية وأن يدرك كل منهما أنه ضروري للآخر ولا بديل عنه، وأن يقرر الرئيس تشكيل حكومة وحدة وطنية، تمثل فيها القوى المحافظة والليبراليون والمستقلون، كنموذج لمصالحـة السلطة مع المجتمع، بعد النجاح النسبي الذي حققته محاولة الحكومة الدينية مع الديمقراطية

ثانياً: أفضل السيناريوهات
أن يقرر السيد خاتمي تشكيل حكومة وحدة وطنية، تمثل فيها القوى المحافظة والليبراليون والمستقلون، بحيث تكون نموذجاً يعكس مصالحة السلطة مع المجتمع، بعد النجاح النسبي الذي حققته محاولة الحكومة الدينية مع الديمقراطية.

وحكومة من هذا القبيل لن تتشكل إلا عبر اتفاق بين عقلاء الجانبين الإصلاحي والمحافظ، وقبل هذا وذاك فالأمر لا بد أن يسبقه تفاهم مع القائد، يتم في اللقاءات التي يختلي فيها مع السيد خاتمي، وهذا التفاهم يستصحب إدراكاً من الإصلاحيين لأهمية دور القائد، ولضرورة كسبه إلى صفهم الأمر الذي يقتضي الكف عن الغمز فيه والدعوة إلى تعديل الدستور للنظر في مسألة الصلاحيات، على الأقل بصورة مؤقتة حتى تزول الفكرة التي يحاول البعض ترويجها، وإقناع القائد بأنه هو ومسألة الفقيه مستهدفان من حملات الإصلاحيين.

بشكل مواز مع ما سبق فإن آية الله علي خامنئي إدراكا منه للشعبية الكاسحة التي حصل عليها السيد خاتمي، ومحاولة منه للتجاوب مع الجماهير التي أعلنت وقوفها وراء مشروعه فإنه يبادر إلى الإسهام في تخفيف الضغوط التي تمارس على السيد خاتمي، خصوصاً من جانب مجلس صيانة الدستور، وهو المجلس الذي يتحكم في الترشيح للانتخابات وفي إجازة مشروعات القوانين التي يصدرها مجلس الشورى، فينتهز فرصة التشكيل الجديد للمجلس، الذي يفترض أن يتم في العام القادم، ويتخير مجموعة من الفقهاء المعتدلين والمحايدين ويطلق يد مجلس الشورى في تقدير صلاحية ممثلي السلطة القضائية (معروف أن المجلس يضم 12 عضواً نصفهم من الفقهاء الذين يختارهم القائد، والنصف الآخر ترشحه السلطة القضائية ويوافق عليه مجلس الشورى).

بهذه الخطوة يتم تذليل واحدة من أبرز العقبات التي ما برحت تكبل الإصلاحيين وتقيد حركتهم، الأمر الذي يفتح الطريق أمام السيد خاتمي لكي يواصل مسيرته وهو مطمئن إلى تأمين ظهره.

بعد أن تمتد جسور الثقة بين القائد ورئيس الجمهورية وينجح السيد خاتمي وفريقه في تبديد قلق السيد خامنئي فإنه يخطو خطوة أخرى لتسهيل مهمة الحكومة، وتمكينها من بسط إصلاحاتها في مختلف الاتجاهات، وتتمثل هذه الخطوة في تنازل القائد عن اختصاصاته فيما يتعلق ببعض أجهزة ومؤسسات الدولة، خصوصا القوات المسلحة والأمن والإذاعة والتلفزيون.

وثمة سوابق في هذا الصدد تنازل بمقتضاها آية الله الخميني للسيد أبو الحسن بني صدر عن قيادة القوات المسلحة ومن ثم فإنه صار في زمانه نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة، وفي مرحلة لاحقة كان القائد يتنازل للرئيس عن اختصاصه بالإشراف على وزارة الأمن، وهكذا.

وبهذه الخطوة يتحقق الانسجام للحكومة ولا تتشتت بحيث يغدو بعضها تابعاً لرئيس الجمهورية بينما الوزارات الأكثر أهمية وحساسية تابعة للقائد.

ثالثاً: السيناريو المرشح
ردي الأول أن السياسة ليس فيها مطلق، وأن كل شيء وارد فيها، ومن ثم فإن الكلام عن السيناريوهات يظل نسبياً وقابلاً للمراجعة، أما ردي الثاني فإن السيناريو السيء وذاك الأسوأ مستبعدان في الأغلب، وهو استبعاد أستند فيه إلى ما سبق أن ذكرته من أن العلاقات الحوزوية لا تسمح للأمور بأن تتدهور وأن أهل الحوزة لديهم استشعار قوي يمكنهم من وقف التدهور قبل أن يصل إلى مداه.

بعد استبعاد هذين الاحتمالين يبقى أمامنا الاحتمال الإيجابي ورغم أنني لا أتصور أن هذا الاحتمال يمكن أن يتحقق بسرعة، إلا أن ثمة مؤشرات تدل على أن مسيرة الرئيس خاتمي ستتحرك في ذلك الاتجاه، ولي على ذلك شاهدان:

- الأول، صحة ممارسات السيد خاتمي نفسه خلال ولايته الأولى، فلم يسع إلى الصدام وقاوم بشدة ضغوط دعاة حرق المراحل، وحرص على أن يمد جسور التفاهم مع القائد، والاجتماعات الأسبوعية التي يعقدها معه لا شك لها دورها في تحقيق تفاهم إيجابي بينهما، ورموز الإصلاحيين وهم يقيمون تجربة السنوات الأربع الماضية يعترفون بأنهم قصروا في إعطاء القائد حقه من الاهتمام والوصل، كما قصروا في توحيد علاقاتهم بالحوزة الدينية في قم، وهو ما يعني أنهم سيحاولون تدارك ذلك الخطأ وعلاجه في الولاية الثانية.

الشاهد الثاني أن آية الله خامنئي خطا خطوة إيجابية ومهمة بالنسبة للإصلاحيين من قبيل ما أوردناه أو تمنيناه في السيناريو الأفضل، ففي الأسبوع الماضي 19/9 أطلق يد مجلس الشورى ذي الأغلبية الإصلاحية في الإشراف والمراقبة على أعمال مختلف أجهزة النظام ومؤسساته، بما فيها –بل وأهم ما فيها- تلك التابعة مباشرة لإشرافه الشخصي، وهو موقف لا يفسر إلا بكونه دعماً لمجلس الشورى وللإصلاحات، وقد علق رئيس المجلس، الشيخ مهدي كردي على قرار القائد بقوله إن "أي شخص أو مجموعة أو مؤسسة داخل النظام، لم تعد بمنأى عن رقابة مجلس الشورى عبر لجان التحقيق والتحري البرلمانية".

وتبرز أهمية هذه الخطوة إذا انتبهنا إلى أن معظم المؤسسات التابعة للمرشد خاضعة لنفوذ المحافظين، وأنهم كانوا يستثمرون موقعهم المتميز ذاك، ويحتمون بالمرشد ويمارسون ضغوطهم على الإصلاحيين. ويعني هذا القرار الذي اتخذه السيد خامنئي أن الإصلاحيين باتوا يمسكون بالوسائل القانونية الكفيلة بمراقبة أعمال منافسيهم المحافظين في تلك المؤسسات التي يصفها البعض بأنها مؤسسات موازية للحكومة الخاتمية ومستقلة عنها، وتمتلك ثروات تقدر ببلايين الدولارات كمؤسسة المستضعفين، كما تمتلك نفوذاً إعلامياً واسعاً كمؤسسة الإذاعة والتلفزيون وبذلك أنهى قرار المرشد خلافاً قانونياً حاداً حول الموضوع بين الإصلاحيين والمحافظين، والآخرون كانوا يتشددون في رفض ذلك الإشراف، ليس ذلك فحسب وإنما جاء القرار مبشراً بإمكانية فتح صفحة جديدة قوامها التعاون بين السيدين الكبيرين علي خامنئي وخاتمي.


الاحتمال كبير بأن يكون خاتمي آخر الرؤساء المعممين لإيران، فقد كان عدد المرشحين المعممين في انتخابات الرئاسة الأخيرة اثنين فقط من عشرة مرشحين، وكان الباقون من غير أبناء الحوزة، بل كانوا يخفون علاقتهم بالمحافظين

محمد رضا خاتمي نائب رئيس مجلس الشورى وأمين جبهة المشاركة (وشقيق رئيس الجمهورية) أعرب عن حفاوته وتقديره لموقف آية الله السيد خامنئي معتبراً "أنه دليله على وجود إجماع بشأن حق مجلس الشورى في التحقيق في كل الأمور التي تهم البلاد". قرار السيد خامنئي جاء في أعقاب الجدل الذي أثير بشأن رقابة مجلس الشورى على الإذاعة والتلفزيون، الذي حسمه الشيخ كروبي رئيس المجلس حين رفض الطلب معتبراً أن ذلك شأن القائد ووحده يختص به، ويبدو أن السيد خامنئي قدر المبادرة فردها بأحسن منها، وأعطى توجيها بحق مجلس الشورى في مباشرة تلك الرقابة.

من الواضح أن لغة التفاهم بين المرشد وبين رئيس الجمهورية هي الحل الأفضل لتحقيق التعاون بينهما، والذي يدرك فيه كل منهما أنه ضروري للآخر ولا بديل عنه، وإذا استمرت الشواهد التي مررنا بها فمعنى ذلك أن ثمة مستقبلاً للإصلاحات، وأن خاتمي الذي ينبغي أن يخرج من السياق في عام 2005 بعد انتهاء ولايته الثانية، لن يكون بالضرورة آخر الإصلاحيين الذين يتولون الرئاسة.

آخر المعممين

هل يكون خاتمي آخر المعممين الذين يشغلون ذلك المنصب؟

الاحتمال كبير، لأننا لاحظنا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أن المرشحين العشرة، كان بينهم اثنان فقط من المعممين وهما السيد محمد خاتمي وحجة الإسلام علي فلاحيان، أما الثمانية الباقون فقد كانوا جميعاً من غير أبناء الحوزة (من الأفندية).

لاحظنا أيضاً أن المرشحين كانوا يحاولون إخفاء علاقتهم بالمحافظين، وأن قيادات ذلك المعسكر رددت في أكثر من مناسبة أن مرشحها الأثير للانتخابات القادمة هو وزير الخارجية السابق الدكتور علي ولايتي (طبيب أطفال) وذكروا أيضاً اسم الشيخ هاشمي رفسنجاني، لكن حظوظه ضعيفة لأن ترتيبه جاء الأخير في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في طهران.

وأختم بتذكير الجميع بأن الخبرة علمتنا بأنه ليس في السياسة آخر كلام وأن كل كلام فيها قابل للتغيير في أي وقت خصوصاً في العالم الثالث.

لمزيد من المعلومات اقرأ أيضاً:
الملف الخاص: إيران الثورة والدولة

المصدر : غير معروف