بقلم غراهام فولر

أزمة واشنطن في الشرق الأوسط تتفاقم بشكل مستمر بينما تحاول إدارة بوش تقرير أولويات سياساتها في المنطقة هل هي العراق أم فلسطين.

فجورج بوش مهتم أساسا بموضوع العراق أكثر من اهتمامه بفلسطين، لأن العراق في نظره هو القضية التي بدأها والده ولم ينهها، كما أن هذه المسألة من وجهة نظره الأخلاقية تمثل قضية أكثر وضوحا لموضوع "الخير والشر". والواقع أن أكثر المراقبين موضوعية يقر بأن نظام صدام أكثر الأنظمة وحشية وعدوانية في العالم العربي في القرن العشرين، لكن هذه ليست هي القضية الآن، وإنما هي المأزق الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط وخصوصا منذ بدأت "الحرب على الإرهاب" تسيطر على جداول الأعمال بعد 11 سبتمبر/ أيلول. وعلى الرغم من أن صدام حسين ليس متورطا في الإرهاب بالمعنى العادي، فإن الرئيس بوش ربط أسلحة الدمار الشامل بمشكلة الإرهاب وخصوصا أنها تعطي الإرهابيين فرصة للحصول على هذه الأسلحة. وإضافة إلى ذلك فإن إسرائيل تعتبر العراق خطرا رئيسيا على وجودها يوافقها على ذلك الرئيس بوش موافقة تامة ويريد إزالة هذا الخطر. وأخيرا تظل نوايا صدام سلبية وتزعزع استقرار المنطقة وتهدد الدول المجاورة. ولهذه الأسباب كلها فإن بوش مصمم على إزالة نظام صدام حسين.


الأنظمة العربية تشعر بالخوف من الخطر الذي يهددها من الشارع العربي في حال توجيه واشنطن ضربة عسكرية للعراق وهو ما علمه تشيني خلال جولته الأخيرة للمنطقة
لكن التردي الكبير في الوضع الفلسطيني أوجد درجة أكبر من الوحدة العربية حول مسألة العراق، فالأنظمة العربية قلقة جدا من الخطر الذي قد يتهدد هذه الأنظمة نتيجة الغضب الشعبي العربي الذي سيتولد من أي عمل عسكري أميركي محتمل ضد العراق. وقد أحيط نائب الرئيس الأميركي تشيني علما بهذا الأمر خلال جولته في المنطقة، ولذلك فإن بوش يرى نفسه مكرها على الخوض في الموضوع الفلسطيني.

إلا أن تطور الوضع لا يترك أمام بوش سوى خيارات محدودة أولها أن الوضع الفلسطيني لا يمكن حله بين عشية وضحاها وحتى الجنرال زيني العصامي لا يملك سلطة جمع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على طاولة واحدة. وأكبر مشكلة بالطبع هي أن أهداف الفلسطينيين والإسرائيليين تظل غير متطابقة أبدا. وقد أخبر كل من بوش وتشيني رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون بأن عليه تهدئة الأوضاع في الأراضي المحتلة من أجل مساعدة الولايات المتحدة -على وجه الخصوص- في الإطاحة بصدام حسين والذي هو أيضا هدف إسرائيلي رئيسي. لكن شارون الآن عالق بين حاجته إلى إرضاء واشنطن وبين الإبقاء على الضغط على عرفات. وكان شارون قد أجبر أصلا على تخفيف الضغط على عرفات، لكن تخفيف الضغط هذا لا يلبي المطالب الفلسطينية بإجراء مفاوضات سياسية حقيقية، كما أنهم لن يرضوا بمفاوضات لا تهدف إلا إلى وقف العنف. إضافة إلى ذلك فإن عرفات غير راغب بنزع أسلحة الفلسطينيين فقط كشرط للدخول في مفاوضات مع إسرائيل المسلحة من رأسها حتى أخمص قدميها.

وهكذا فإن العنف لم ينته، كما أن عرفات ليس في وضع يستطيع فيه وقفه تماما، فالعمليات ستستمر ما دامت حماس أو حتى عناصر فتح يرون الوضع مستحيلا. ومع عدم وجود شيء معروض على الفلسطينيين لا يستطيع عرفات العمل على سحق حماس أو عناصر فتح المسلحين الذين قد يحتاجهم مرة أخرى في المستقبل إذا انهارت مباحثات السلام.


الرئيس الأميركي لا يستطيع تجاهل المبادرة السعودية لما تحتويه من عناصر إيجابية وبسبب عدم وجود بديل عنها، كما أنه لا يريد تنفير الرياض أكثر مما هو عليه الحال الآن
كما تظل واشنطن في موقف حرج مع مبادرة السلام السعودية، فبوش لا يستطيع تجاهل هذه المبادرة لأنها إيجابية وبناءة ولا توجد أي مبادرة بديلة عنها في الوقت الحالي. إضافة إلى ذلك لا يريد بوش تنفير الرياض من واشنطن أكثر من الوضع الحالي. ولذلك يفضل بوش حضور عرفات قمة بيروت. لكن تشيني بدافع من عدم الحكمة ربط بين إحراز تقدم في تخفيف حدة العنف وبين حضور عرفات للقمة. ولكن إذا لم يخف العنف، هل يترك بوش رئيس الوزراء الإسرائيلي يمنع عرفات من الذهاب إلى بيروت؟ إن ذلك سيدمر مبادرة السلام السعودية، وإذا ذهب عرفات إلى بيروت ولم يتمكن من العودة فستكون هناك قيادة أقل مركزية وستضعف السلطة الفلسطينية التي تشارك في أي مفاوضات سواء تلك التي تهدف إلى تخفيف العنف أو إلى التوصل لتسوية سياسية، ولذلك فإن واشنطن ليس أمامها خيارات حقيقية.

كما أنه أصبح واضحا الآن أن إسرائيل تخسر هذا الصراع مع الفلسطينيين على الرغم من أن خسائر الفلسطينيين تفوق خسائر الإسرائيليين بثلاثة مقابل واحد، ولا تستطيع إسرائيل تحمل هذا الرقم من الخسائر بينما يتحمل الفلسطينيون ذلك. ولذلك لا يستطيع شارون في حقيقة الأمر العودة بسهولة إلى سياسة العنف البالغة التي يتبعها في الأراضي المحتلة دون أن يرفع درجة التوتر في المنطقة من جديد وهو ما سيعقد مشاكله مع واشنطن. وهكذا فإن شارون في وضع حرج للغاية مع وجود نتانياهو الذي يضغط عليه بقوة من جهة اليمين ويهدد بإزاحته وتولي قيادة الليكود مكانه إضافة إلى أن شارون لم يعد له مكان آخر يلجأ إليه.

في غضون ذلك، يعمل اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن جاهدا لرسم علاقة بين إيران والفلسطينيين باعتبارها " تطورا إستراتيجيا جديدا" في الشرق الأوسط. وهناك نقاش حول حقيقة المسألة، لكن إن اتضح أن إيران أو العناصر المتشددة فيها على الأقل تساعد الفلسطينيين، سيتوجب على واشنطن تقرير كيفية التعامل مع هذه المسألة. وأعتقد شخصيا أن المنطق يقول إن القيادة العليا للفلسطينيين كانت تبحث عن أي مصدر ممكن للأسلحة لاستمرار الكفاح المسلح ضد إسرائيل ما دام ضروريا. وهذا ليس مفاجئا، فلو تمكن الفلسطينيون من الحصول على أسلحة كتلك التي صادرتها إسرائيل من السفينة كارين إي في مياه البحر الأحمر قبل بضعة أسابيع، فإن قدرتهم على قتال إسرائيل كانت ستزداد بشكل كبير. ولكن إذا ما أرادت واشنطن -بتشجيع من إسرائيل- تضخيم هذا الحدث، وتحدثت عن وجود "تحالف إستراتيجي" جديد وخطير بين الفلسطينيين وإيران (بوساطة قامت بها موسكو في مايو/أيار الماضي، كما زعمت تقارير أميركية حديثة)، فإن ذلك سيجعل تعامل واشنطن مع عرفات مسألة أكثر صعوبة. والواقع أن كثيرا من الأصوات الأميركية تلح على واشنطن وقف تعاملها مع عرفات، لكن واشنطن لا تستطيع قطع الاتصال مع طرف يمثل نصف المشكلة.


من الواضح وجود تفاوت في المواقف داخل الإدارة الأميركية بخصوص توجيه ضربة للعراق في الوقت الحالي، فالحمائم ممثلين بوزير الخارجية يعارضون العمل العسكري الذي يصر عليه الصقور لكن صوت باول يظل خافتا وغير مرغوب فيه داخل البيت الأبيض
وفي خضم ذلك كله نلحظ صمتا غير طبيعي من جانب وزير الخارجية الأميركي كولن باول خلال الشهرين الماضيين، فتشيني هو الذي قام بالجولة في الشرق الأوسط وليس باول، وتشيني وليس باول هو الذي يدلي بالتصريحات الرئيسية بشأن الشرق الأوسط. ويبدو أن باول قد استبعد في المرحلة الحالية من المشاركة في أي قرار رئيسي يتعلق بالشرق الأوسط. وهذه علامات سلبية لأن باول بالتأكيد هو "الحمامة" البارزة في الإدارة الأميركية، لكن آراءه غير مرحب بها في البيت الأبيض هذه الأيام. إنه الصوت الرئيس الذي يعارض سرا العمل العسكري ضد العراق في الوقت الحالي. وهكذا فإن "الصقور" هم أصحاب الصوت القوي والمهيمن، أما صوت باول المعتدل والمتحفظ فلن يسمع إلا عندما يفشل الأسلوب الحالي للسياسة الأميركية فشلا واضحا.

ولذلك فإن واشنطن الآن محتارة لا تدري ماذا تفعل. إنها لا تستطيع التحرك ضد العراق ما دام الوضع في فلسطين مشتعلا. وهي لا تستطيع الضغط على الإسرائيليين ضغطا حقيقيا لأخذ مزيد من التنازلات لأن ذلك سيضعف موقف شارون تماما. وهي لا تستطيع الضغط على عرفات لوقف الهجمات من الجانب الفلسطيني، كما أن زيني لا يملك القدرة على حمل الجانبين على وقف العنف. لقد خلقت هذه الدائرة المفرغة أزمة خطيرة، فكيف يمكن حلها؟

المصدر : غير معروف