بقلم غراهام فولر

تحوم حول الموقف الصيني من الشرق الأوسط علامة استفهام كبيرة في الوقت الحالي، وهو تساؤل عن إمكانية أن تكون الصين حليفا للعالم الإسلامي. إن هذا المقال هو أول مقالين سيحللان الوضع في الصين وأحوال المسلمين فيها، كما سيلقيان الضوء على سياساتها تجاه العالم الإسلامي ككل.

إن الموقف الصيني من الإسلام متأثر بشكل كبير بوجود الأقلية المسلمة الكبيرة داخل الصين نفسها، فهناك حوالي 20 مليون مسلم في الصين وهو رقم كبير لكنه ضئيل مقارنة بعدد السكان الإجمالي البالغ 1.3 مليار، وبشكل رئيسي فإن بكين تشعر بالعصبية من الإسلام وتعتبره دينا يهدد الدولة.

هناك مجموعتان من المسلمين في الصين مختلفتان اختلافا كبيرا: الأولى هي المجموعة العرقية التي تدعى "هان" وهم لا يتكلمون سوى اللغة الصينية على الرغم من أنهم يعتبرون أنفسهم مجموعة عرقية منفصلة بسبب هويتهم الثقافية والدينية المستقلة منذ عصور طويلة. إنهم مستقلون استقلالا قويا ويفخرون بتراثهم الإسلامي، وهم موزعون في كل أنحاء الصين لكنهم يتركزون بشكل خاص في الشمال الغربي قرب منغوليا، وكذلك في الجنوب الشرقي للبلاد. ويعود اعتناقهم للإسلام إلى حوالي ألف عام على الرغم من أن معظمهم اعتنقه بعد ذلك. وتعتبرهم بكين أقلية رسمية ويسمون في اللغة الصينية بـ "هوي" أو "دانغان". ويبدو البناء المعماري لمساجدهم من بعيد شبيها بالمعابد الصينية، لكنك عندما تتفحصها عن قرب ترى أنها مساجد حقيقية بمحاريب وكتابة عربية.. إلخ. وبشكل عام فإن الأئمة فيها يعرفون اللغتين الفارسية والعربية.

وكثيرا ما قام مسلمو الهوي بحركات تمرد ضد سلطة بكين خلال القرون الماضية، لكنهم لم يطالبوا بالاستقلال وذلك لسبب واضح وهو أنهم مبعثرون في أنحاء الصين. وهناك إقليم صغير تسكنه غالبية من الهوي، ولذلك فإن غاية ما يسعى إليه هؤلاء هو الحصول على حكم ثقافي ذاتي.

أما المجموعة العرقية الثانية من مسلمي الصين والتي تعادل في أهميتها عرقية الهوي لكنها تختلف عنها اختلافا كبيرا فهي "الإيغور" الذين يتحدثون التركية إذ إن لغتهم وثقافتهم قريبة جدا من لغة وثقافة الأوزبك. وكان الإيغور أول أتراك تكونت لهم حروفهم الهجائية الخاصة بهم وأول من حصل على التعليم منهم. وكانوا دوما شعبا مستقرا مستوطنا وليسوا بدوا ويعيشون بشكل رئيسي على الزراعة والتجارة.

ويعيش الإيغور في إقليم شينغيانغ غربي الصين، أو ما اصطلح على تسميته بتركستان الشرقية. وكانت عاصمتها حتى وقت قريب تدعى كاشغر وهي أشبه ببغداد منها ببكين. ويعيش في الإقليم ثمانية ملايين من الإيغور وحوالي المليون من الأقليات المسلمة من آسيا الوسطى غالبيتهم من الطاجيك والكزاخ والقرقيز. وكان الإيغور خارج نطاق سيطرة الإمبراطورية الصينية معظم فترات التاريخ وظلت ارتباطاتهم الثقافية بالكامل مع آسيا الوسطى المسلمة وليس مع الصين، ولم يتعرضوا للغزو الصيني إلا بعد منتصف القرن الثامن عشر. وعلى الرغم من ذلك كان لهم حكامهم المحليون ويتمتعون بمقدار كبير من الحكم الذاتي ماداموا يدفعون ضرائبهم ويقرون بالبيعة للإمبراطور.


أقام مسلمو الإيغور في القرن العشرين دولتين مستقلتين لهم في الصين لم تعمرا طويلا، كانت آخرهما عام 1945
كما قام الإيغور بعدة ثورات ضد سلطة بكين وكان لهم في القرن العشرين دولتان مستقلتان لم تعمرا سوى فترة قصيرة، كانت آخرهما في أواخر عام 1945. ومثل جميع الصينيين عانى الإيغور كثيرا خلال "الثورة الثقافية" المتعصبة في الستينيات عندما دمر الرئيس ماو سيتونغ جميع المباني الدينية والمساجد والمعابد والمباني الثقافية والنصب التذكارية الفنية الخاصة بالديانات البوذية والكونفوشيوسية والداوية والإسلام والمسيحية في جميع أنحاء الصين. وبعد الثورة الثقافية ووفاة الرئيس ماو منحت بكين حريات دينية أكبر لجميع المجموعات الدينية، لكنها باعتبارها دولة شيوعية ظلت تتوجس خيفة من جميع الأديان وتعتبرها تهديدا للبلاد.


يواجه الإيغور أزمة حقيقية اليوم بسبب السياسات الصينية الجديدة التي تشجع الصينيين الهان على الهجرة إلى إقليم شينغيانغ المسلم بغرض تحويل الإيغور هناك إلى أقلية معزولة وهو ما يحدث بسرعة كبيرة

غير أن الإيغور يفكرون في الاستقلال لأنهم يشكلون غالبية سكان الإقليم، كما أنه ظلت لهم دوما هويتهم الثقافية المتميزة مع عدم وجود سوى القليل جدا من الصينيين المنحدرين من عرق الهان الذين هم في غالبيتهم من المسؤولين والمنشقين الصينيين الذين عوقبوا بإرسالهم إلى إقليم شينغيانغ. ومنذ أن حصل أتراك آسيا الوسطى على استقلالهم عن موسكو عام 1991 ازداد إصرار الإيغور على الاستقلال.

لكن الأمور الآن تتغير إذ يواجه الإيغور أزمة حقيقية، فمنذ حوالي عشر سنوات بدأت بكين تنفيذ سياسة جديدة بفتحها الباب أمام الصينيين من الهان للهجرة إلى الأقاليم الغربية. وبدأ ملايين الهان بالتدفق على شينغيانغ والاستيلاء على الأراضي الزراعية، وأنشؤوا المصانع والمدن الجديدة التي تسكنها غالبية من الهان. وتقوم بكين بتطوير الاحتياطيات النفطية في شينغيانغ وبالتالي فإنهم لن يتخلوا عن الإقليم. ومن الواضح أن الغرض غير المعلن من هذه السياسة هو "إغراق" الإيغور في بحر من الصينيين الهان، وهي الطريقة الأكثر فعالية في التعامل مع أقلية.

ويشكل الإيغور اليوم أقل من 50% من سكان شينغيانغ كما أن أعدادهم في تراجع نسبي مستمر. ويسيطر الهان على الإدارة والاقتصاد والأمن في شينغيانغ ولا يعطون الإيغور سوى هامش بسيط جدا من تلك الأعمال باستثناء فئة صغيرة جدا من الإيغور "الموالين". إن شينغيانغ إقليم يتمتع بالحكم الذاتي من الناحية الشكلية فقط لكنه في الواقع لا يتمتع بأي حكم ذاتي تقريبا.

ويثق النظام الصيني بالمسلمين الهوي أكثر من ثقته بالإيغور، ويعطي الهوي حكما ذاتيا ثقافيا أكثر مما يعطيه للإيغور لأنه يعرف أن الهوي لا يسعون للاستقلال. ولم يكن للهوي علاقات طيبة مع رفاقهم المسلمين الإيغور، إلا أنه ظهرت حركة تحرر إيغورية جادة استمرت عدة عقود وكانت تسعى للاستقلال التام عن الصين وتعتقد أن الوقت يسير في غير صالح الإيغور. فإذا كانوا لا يستطيعون الحصول على الاستقلال أو على الأقل على سيطرة حقيقية على إقليمهم، فإنهم قد يختفون بعد بضعة أجيال ويتحولون إلى "متحف" صغير لا يقدم سوى الأغاني والرقصات الفولكلورية للأجانب بعد أن فقدوا هويتهم ولغتهم وثقافتهم المستقلة. أما بكين فإنها تدعي أنها تقوم بتطوير إقليم شينغيانغ وتنميته.

إن بكين خائفة بشكل خاص من قوة الإسلام في دعم حركة استقلال الإيغور. وهناك اليوم مدرسة وطنية واحدة فقط لخدمة الثمانية ملايين مسلم في إقليم شينغيانغ، أما المسؤولون الحكوميون من الإيغور أو أعضاء الحزب الشيوعي منهم فإنهم لا يمارسون واجباتهم الدينية على أية حال. وتسيطر الحكومة بقوة على تعيين جميع أئمة المساجد الذين تملي عليهم ما يقولونه. (عندما قمت بزيارة المساجد في الإقليم، تجنب الأئمة الخوض في هذه المشكلة بصراحة خوفا من عيون وآذان الحكومة الصينية). وهناك لافتات منصوبة خارج كل مسجد تحذر من دخول أي شخص للمسجد يقل عمره عن 18 عاما، كما أنه من المحظور تعليم الإسلام للأطفال في البيوت.

ومن الصعب على الإيغور الحصول على جواز سفر لمغادرة البلاد حتى لأغراض التجارة لأن بكين تخشى من اتصالهم مع منظمات إرهابية أو منظمات تحرير الإيغور التي تتمركز في آسيا الوسطى وتركيا وأوروبا وأميركا. ويواجه الإيغور متاعب عديدة في الحصول على وظائف في المؤسسات الصينية بدعوى أنهم لا يتحدثون اللغة الصينية بشكل صحيح. وهم في الغالب ممنوعون من تعلم اللغة الإنجليزية لأن "لغتهم الصينية ليست جيدة بما فيه الكفاية". لقد أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية في بلدهم، ويشعرون بالغضب والخوف من محاولات الصين القضاء عليهم -بدون إراقة دماء- كشعب وحضارة. وهناك أعمال عنف صغيرة ومتكررة ضد السلطات الصينية إلا أن بكين تصفها بالأعمال الإرهابية، بعضها يقوم بها العلمانيون والبعض الآخر الإسلاميون من الإيغور، ولذلك يكثف الجيش والأمن الصيني من وجودهما في إقليم شينغيانغ.

لقد اتخذت بكين إجراءات وسياسات حازمة لضمان عدم حصول الإيغور على مساعدات خارجية من إخوانهم الإيغور الذين يعيشون في المنفى أو من الشعوب التركية الأخرى. واشترطت بكين على جميع الدول المجاورة لها ضرورة القضاء على جميع الإيغور الذين يعيشون في هذه الدول مقابل تمتع هذه الدول بحق التجارة مع الصين والحصول على مساعدات من بكين. كما تطالب الصين هذه الدول بتسليمها جميع الناشطين السياسيين من حركات تحرير الإيغور.

وباختصار، فإن الأزمة التي تواجه الإيغور عميقة جدا والمستقبل أمامهم غير مشجع. إنهم يعتبرون أن العالم الإسلامي تخلى عنهم تماما وينظرون إلى ألمانيا والولايات المتحدة لكي تساعدهم وتحميهم.

في المقال القادم سنسلط الضوء على السياسات الصينية تجاه العالم الإسلامي.

المصدر : غير معروف