بقلم غراهام فولر

في هذا المقال الثاني لتحليل تدهور العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة الأميركية سنناقش القضايا الإستراتيجية في الخليج ومسألة القواعد الأميركية في السعودية.فقد وصلت العلاقات السعودية الأميركية الآن إلى نقطة الأزمة التي لم نشهدها من قبل -ربما باستثناء حظر النفط السعودي على الولايات المتحدة إبان حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973- إذ أصبحت مسألة القواعد الأميركية في السعودية الآن هي بؤرة هذا الجدل.

لقد مهدت الحكومة السعودية بهدوء وبطريقة غير رسمية لمقولة أن القوات الأميركية أصبحت غير مرغوب فيها بالمملكة ويجب أن ترحل. وكما هو معهود في الدبلوماسية السعودية لا تصدر مثل هذه المقولة على المستوى الرسمي بل الأحرى أن تسرب إلى الصحافة عن طريق مسؤولين سعوديين غير معروفين أثناء حديثهم عن المسألة. وحتى الآن أنكرت واشنطن علنا تلقيها أي طلب من الحكومة السعودية بالانسحاب العسكري، ولكن كما هو واضح هناك الكثير من الأمور تدور في الخفاء.


يبدو أن أعضاء الكونغرس الأميركي يعتقدون أن السعودية تستفيد من الوجود الأميركي أكثر من أميركا نفسها، وهم مخطئون في ذلك
فقد عبر بعض أعضاء الكونغرس الأميركي عن استيائهم من الجهود السعودية للدعوة إلى الانسحاب الأميركي عندما صرح بعضهم قائلا "يعتقد السعوديون أنهم يؤدون خدمة للولايات المتحدة بالسماح لهذه القوات بالبقاء هناك". بالتأكيد تؤدي المملكة خدمة للولايات المتحدة من عدة نواحي، لدرجة أنها قد لا تريد مواصلة ذلك. لكن يبدو أن أعضاء الكونغرس هؤلاء يعتقدون أن السعودية تستفيد من الوجود الأميركي أكثر من أميركا نفسها، وهم مخطئون في ذلك.

ومما لا شك فيه أن السعودية ترى الآن أن وجود هذه القواعد يشكل تهديدا أمنيا للمملكة وللأسرة الحاكمة. وهذه المسألة بالذات هي التي جعلت أسامة بن لادن ينتقد سياسات المملكة في السماح للقوات الأميركية بالبقاء طوال هذه المدة بعد انتهاء حرب الخليج، فمن الصعب أن تتعاون السعودية علنا مع واشنطن والحال كما نراه في السياسات الأميركية المنتقدة في المنطقة، وتستخدم أيضا هذه القواعد الأميركية في الهجوم على دول إسلامية أخرى في المنطقة كالعراق وأفغانستان. أما الفائدة الرئيسية للرياض فهي أن الوجود الأميركي يجعل الأمر أسهل للدفاع عن السعودية في حالة حدوث هجوم آخر عليها كالذي حدث من صدام حسين عام 1991. لكن ما هو احتمال حدوث هجوم آخر على الأراضي السعودية؟ ومن أين؟ من العراق؟ إيران؟.. فكلا الاحتمالين غير وارد الآن.

في الواقع إن وجود القواعد الأميركية في السعودية يسهل كثيرا مهمة الولايات المتحدة لإبقاء الضغط على صدام وتحجيم حرية تحرك الإيرانيين في الخليج، ولكن لا يمكن للقوات الأميركية أن تظل في المنطقة إلى أجل غير مسمى ودورها على هذا النحو المتزايد من الانتقاد. فولي العهد السعودي الأمير عبد الله أكثر قومية في نظرته وأقرب للمواقف العربية العامة من الملك أو إخوة الملك، كما أن آراءه السياسية تلقى بعض التأييد الشعبي في المملكة.


وجود القواعد الأميركية مكلف جدا لأميركا من ناحية السخط الذي تسببه في المنطقة وإضعاف موقف الحكومة السعودية
ومع ذلك فالمسألة ليست بهذه البساطة في واشنطن. هناك جدال واسع يدور وراء الكواليس عن الوجود العسكري الأميركي في السعودية، ويعتقد كثير من المراقبين السياسيين -وأنا منهم- بالإضافة إلى فئة قليلة من كبار الضباط المتقاعدين أن وجود هذه القواعد مكلف جدا لأميركا من ناحية السخط الذي تسببه في المنطقة وإضعاف موقف الحكومة السعودية وتكوين أشبه ما يكون بمانعة الصواعق لأي هجوم متطرف.

ويجادل فريق آخر من المتخصصين الإستراتيجيين الأميركيين بأنه حتى لو اضطرت الولايات المتحدة الآن لإخلاء القواعد العسكرية السعودية بصفة مبدئية فهذا الوقت غير مناسب، لأن هذا قد يوحي بأن أسامة بن لادن كان على صواب ويحسب الانسحاب نقطة لصالحه. ولكن إذا كانت سياسة الإبقاء على القواعد سياسة غير حكيمة، فهل الولايات المتحدة مضطرة للاستمرار في هذه السياسة لمجرد حفظ ماء الوجه؟

من الملفت للنظر أن بعضا آخر من المنتقدين في الكونغرس يدعو للانسحاب "لإظهار عدم الارتياح من السياسات السعودية"، وقد تكون هذه محاولة وقائية لتفويت الفرصة على أي طلب سعودي بالانسحاب عن طريق المبادرة بالتحرك أولا "لمعاقبة" السعوديين.

أما من وجهة نظر واقعية، فمن الممكن أن تواجه دول الخليج تهديدات مستقبلية بالهجوم عليها من دول خليجية أخرى، ولا نستبعد مطلقا احتمال قيام العراق مرة أخرى بمحاولة للاستيلاء على الكويت، فإذا كانت للعراق أطماع توسعية فالوجود الأميركي يساعد على ردع مثل هذا التصرف. ويعتقد بعض المحللين الخليجيين أن إيران -وليس العراق- هي الخطر الأكبر، وأنا أختلف مع هذا التحليل لأني أعتقد أن إيران لم تعد تشكل تهديدا عسكريا خطيرا لدول الخليج وأنها قد تخلت عن محاولاتها لزعزعة تلك الأنظمة رغم الخلاف القائم مع أبو ظبي بشأن مسألة الجزر المتنازع عليها بين البلدين.

على أية حال يعد أكثر ملاءمة للولايات المتحدة أن يكون لها قواعد وتسهيلات موجودة فعلا في المنطقة إذا ما دعت الحاجة إلى القوة العسكرية الأميركية فيها مجددا، أما سياسيا فمن المحتمل أن هذا الأمر لم يعد عمليا، ذلك أن الولايات المتحدة لسنوات عدة حافظت على وجود عكسري مكثف من السفن والقواعد في مناطق أبعد بكثير من الخليج كما في دييغو غارسيا أو في أوروبا ويمكنها أن تعود إلى هذا الوضع العسكري مرة أخرى. وإذا كان تحريك القواعد بعيدا عن المنطقة أقل ملاءمة من وجهة النظر العسكرية، فإنه أكثر ملاءمة للجميع من الناحية السياسية. فلو أن هناك تهديدا خطيرا بحدوث عدوان عسكري من دولة أخرى مجاورة فإن بإمكان هذه الدول طلب مساندة الولايات المتحدة مجددا.

وأنا أعتقد أن على دول الخليج أن تأخذ على عاتقها في القريب العاجل مسؤولية أمنها هي في معظم الأوقات بدلا من الاعتماد على الولايات المتحدة، فهذا الوجود الأميركي المتواصل من شأنه أن يديم الاعتماد الإستراتيجي الخليجي على أميركا ويؤخر النضج الإستراتيجي لدول الخليج نفسها. فالخليج بحاجة إلى برنامج إستراتيجي كالذي نراه في أماكن أخرى من العالم حيث تناقش الدول علانية شؤونها الإستراتيجية وتسعى إلى شفافية أوسع في سياساتها وأنشطتها العسكرية.

لذلك أرى أن سحب أميركا لقواتها أمر مرغوب فيه وضروري للمحافظة على مصالحها ومصالح السعودية، فمن الصعب على أي دولة عربية مساندة الولايات المتحدة إسترتيجيا في هذا الوقت في ظل السياسات الأميركية غير المتوازنة تجاه القضية الفلسطينية الإسرائيلية والتوترات الناجمة عن الحرب على الإرهاب، وهو أصح للتطور السياسي في العالم العربي إذا لم تتدخل الولايات المتحدة كثيرا في الشؤون الإستراتيجية للمنطقة يوميا.

وأعتقد كذلك أن التوترات في العلاقة السعودية الأميركية من المحتمل أن تزداد، فمنطق الحرب على الإرهاب لا يكمن فقط في تحديد أماكن أفراد تنظيم القاعدة والقبض عليهم، ولكن أيضا في دراسة الأصل الديني والسياسي للتطرف في العالم الإسلامي. والدعم السعودي للحركات الوهابية من المحتمل أن يعزز الجماعات السلفية المتطرفة في دول أخرى، وقد انتبهت واشنطن فعلا إلى هذا الأمر. وحتى لو كانت الحكومة الأميركية تتعامل بهدوء نسبي مع الحركة الوهابية في السياسة الخارجية السعودية، فإن عناصر الصحافة الأميركية ستستمر في حملة النقد وستواصل السعودية هي الأخرى الرد عليها. ومن غير المحتمل أن يحاول بوش حماية السعودية من هذا النوع من هجوم الإعلام الأميركي، بل قد يعتقد أن مثل هذا الضغط سيجعل السعودية أكثر تعاونا. لكن هذا الأمر لن يجعل السعوديين أكثر تعاونا، بل على العكس سيجعلهم يرون السياسات الأميركية أكثر خطورة ويسعون لينأوا بأنفسهم عن واشنطن.

أعتقد أن الأمر يحتاج إلى تغيير كبير في السياسات الإقليمية للولايات المتحدة قبل عودة العلاقات السعودية الأميركية إلى الدفء الذي كانت عليه، لذلك ستفعل الرياض كل ما ترى أنه ضروري لحماية نفسها.

المصدر : غير معروف