بقلم/ وحيد محمد مفضل

- قناة البحرين بكل ألوان الطيف
- قناة البحرين بين المعارضة والتأييد
- المردود والمفقود من وراء إنشاء قناة البحرين
- اللافت والخافت في تسويق مشروع قناة البحرين

في غمرة الخلافات العربية الإسرائيلية وفي وقت تباعدت فيه إلى أكبر حد فرص تحقيق سلام ولو كان مزعوما بين الطرفين، وفي خضم تعاظم دعوات المقاطعة لكل ما هو إسرائيلي خرج علينا من مظلة مؤتمر قمة الأرض للتنمية المستدامة، المنعقد آنذاك في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، وزير المياه الأردني بمشروع أردني إسرائيلي لربط البحر الميت بالأحمر بغرض إنقاذ الأول من الجفاف.

والحقيقة أن الأمر كان مفاجأة لمعظم الأوساط العربية، مفاجأة لكنها تقترب في المعنى والمردود من أثر "الصدمة"، لأن توقيت الإعلان عنه لم يكن مناسبا على الإطلاق وإن كان الحدث يبدو مناسبا إلى حد ما.

وإذا أضفنا إلى هذا أنه لم يكن هناك أي تشاور عربي مسبق بهذا الخصوص، كما لم يكن هناك أي بوادر مسبقة على تقارب أردني إسرائيلي بهذا الشأن، فليس أقل إذن من توصيف هذه المفاجأة بالصدمة المصحوبة بالاستغراب والدهشة.

قناة البحرين بكل ألوان الطيف

"
صبغت قناة البحرين بالصبغة الاقتصادية كفرصة جيدة لبدء شراكة اقتصادية بين أطراف النزاع في المنطقة وأخيرا بالصبغة السياسية باعتبارها مشكلة سياسية مائية
"

من استعراض تاريخ فكرة وصل البحرين (الميت بالمتوسط أو الميت بالأحمر) يتبين أن هذا المشروع هو في الأصل فكرة استعمارية قديمة طرحها الاحتلال الإنجليزي لفلسطين لأول مرة عام 1850 ثم تلقفتها بعد ذلك الصهيونية العالمية بقيادة مؤسس الدولة العبرية تيودور هرتزل الذي تحمس لها وعرضها في كتابه "أرض الميعاد" الصادر عام 1902، ثم جرت لاحقا محاولة تنفيذها إبان رئاسة ميناحيم بيغن، تحديدا عام 1981، إلا أن العمل بها قد توقف عام 1985 لأسباب غامضة.

بيد أنه تم مؤخرا تعريب هذه الفكرة بالكامل بعد تنقيح وتعديل بواسطة الأردن، على اعتبار أنها وسيلة للخلاص من مشاكل عديدة متفاقمة بالبلاد. غير أن تكلفتها المادية الباهظة (4 مليارات دولار) اضطرت الأردن لتدويلها وتسويقها عالميا.

ومن هنا ورغبة في الحصول على دعم العالم لها، تم إلباسها أكثر من زي بأكثر من لون، في البداية ارتدت الفكرة زيا أخضر وعرضت كقضية علمية بيئية في مؤتمر الأرض (جوهانسبرغ، سبتمبر/أيلول 2002)، ثم تم لاحقا صبغها باللون الإنساني ونوقشت في مؤتمر المياه (كيوتو، مارس/آذار 2003) على أساس أن حل مشكلة العوز المائي في المنطقة يعد مطلبا إنسانيا ملحا، ثم اصطبغت بعد ذلك بالصبغة الاقتصادية، وطرحت في المنتدى الاقتصادي العالمي (عمان، يوليو/تموز 2003) على أنها فرصة جيدة لبدء شراكة اقتصادية بين أطراف النزاع في المنطقة، وأخيرا بالصبغة السياسية عندما نوقشت في المؤتمر الدولي لإدارة الطلب على المياه (عمان، يونيو/حزيران 2004) باعتبارها مشكلة سياسية مائية.

وحقيقة يحار المرء بسبب هذا وبسبب تعدد الأسماء الحركية للمشروع في تصنيفه أيضا، هل هو مثلا "مشروع بيئي" يهدف للحفاظ على المنظومة البيئية الفريدة للبحر الميت كما يدلل شعار "إنقاذ البحر الميت"؟، أم هو "مشروع اقتصادي" بحت لا يرجى منه سوى تطوير المنطقة وتخليصها من بعض المشاكل المتفاقمة فيها وهو ما قد يعنيه مصطلح "مشروع قناة البحرين"؟، أم هو "نموذج للتطبيع والمواءمة" مع إسرائيل كما يفيد مسمى "قناة السلام"؟، أم هو "ترانسفير" جديد تنعقد عليه آمال الدولة العبرية في استقطاب وتوطين ملايين إضافية من يهود العالم المشتتين في الأرض؟، أم هو كل ذلك؟

والواقع أن كثرة الشعارات وتنوع الأقاويل والتصريحات المقترنة بهذا المشروع، إضافة لإفراط الجانب الأردني في الدعاية له قد أثار لدى البعض حساسية وريبة، كما أنه ذكر كثيرين بحالة الهرولة نحو إسرائيل التي أصابت عددا من الدول العربية إبان العقد الماضي.

قناة البحرين بين المعارضة والتأييد
على هذا النحو لقي الطرح الأردني لمشروع قناة البحرين معارضة شديدة في البداية، كما تعرض وزير المياه الأردني بسببه لانتقادات عديدة من قبل عدد من العلماء والساسة والاقتصاديين والمفكرين العرب، مثلما أثار قبل ذلك الإعلان عنه لأول مرة خلال فعاليات مؤتمر جوهانسبرغ حفيظة واعتراض وفد فلسطين الذي تخوف في البداية من أن تكون للمشروع آثار جانبية أخرى، منها ترسيم الحدود بين الأردن وإسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. وتعرض المشروع لانتقاد عدد آخر من المسؤولين العرب المشاركين في المؤتمر باعتباره نوعا من التعاون العربي الإسرائيلي، الأمر الذي تحظره جامعة الدول العربية.

غير أن الأردن بذل منذ ذلك الحين مساعي مضنية وحشد كل الجهود لإقناع الأطراف المعنية لاسيما العربية بفوائد المشروع وسلامة أهدافه. وقد تحقق له ذلك مؤخرا حيث تم التأكيد أكثر من مرة على موافقة الدول المعنية وهي الأردن ومصر وفلسطين وإسرائيل عليه.

والحقيقة أن التمعن في الأمر يوضح أن كثيرا من الآراء المعارضة قد شابها بعض الالتباس وكثير من الانفعال، ولعل هذا يرجع إلى حدوث حالة من الخلط بين الطرح الإسرائيلي الذي يقوم على فكرة إنشاء قناة ملاحية تستغل في منافسة قناة السويس والطرح الأردني الذي تقوم فكرته على إنشاء قناة أنبوبية لا تتسع إلا لنقل المياه فقط. كما حدث خلط بين دور كل من الأردن وإسرائيل في تنفيذ المشروع، حيث كان يعتقد أنه سيتم من خلال شراكة ثنائية كاملة بين الدولتين. غير أن النسخة الأردنية من المشروع تفيد بأنه سيتم تنفيذه بالكامل في الأراضي الأردنية وأنه لا شراكة في الإدارة أو التنفيذ مع أحد على الأقل في مراحله الأولى.

المردود والمفقود من وراء إنشاء قناة البحرين

"
سوف يفيد إنشاء قناة البحرين بإصدارها العربي في إلغاء إسرائيل لفكرة إنشاء قناة ملاحية منافسة لقناة السويس، وهذا على أساس أنه لا يمكن تنفيذ كلا المشروعين وأن وجود أحدهما يلغي فكرة وجدوى الآخر
"

من مراجعة جميع التفاصيل والتصريحات المتوافرة عن القناة الأنبوب يتضح أن توجه الحكومة الأردنية نحو هذا المشروع رغم ما يقترن به من غموض وتحيز واندفاع، له مبرراته القوية وأن في الأمر فائدة ونفعا ليس فقط للأردن وإنما لأطراف عربية أخرى، على النحو التالي:

بالنسبة للأردن سوف يسهم هذا المشروع في تخليصها من مشاكل عديدة تمثل عبئا على البلاد وأهمها ندرة مصادر المياه العذبة والنقص الحاد في إنتاج الطاقة الكهربائية وانخفاض مستوى المياه الجوفية في المناطق المشاطئة للبحر الميت، حيث سيتم استغلال المياه المنقولة في إنتاج الطاقة وفي الزراعة كمياه شرب بعد تحليتها.

بالنسبة لمصر سوف يفيد إنشاء قناة البحرين بإصدارها العربي في إلغاء إسرائيل لفكرة إنشاء قناة ملاحية منافسة لقناة السويس، وهذا على أساس أنه لا يمكن تنفيذ كلا المشروعين وأن وجود أحدهما يلغي فكرة وجدوى الآخر.

بالنسبة للفلسطينيين فهم في فقر مائي مدقع بسبب استيلاء إسرائيل على معظم مواردها المائية وبسبب تمنعها عن تنفيذ الاتفاقات الثنائية بينهما لتقاسم المياه، لذا فإنهم سيفيدون من حصة لا بأس بها من المياه المحلاة من هذا المشروع.
وبالطبع ينطبق الأمر نفسه وأكثر على إسرائيل وإن كانت تحلية كل مياه المحيط لن تكفي في الواقع للإيفاء باحتياجات مشاريعها الاستيطانية المقبلة.

لن يكلف المشروع الأردن أعباء مادية كبيرة، فقد دفعت موافقة الأطراف المعنية عددا من الجهات الدولية المانحة وأهمها البنك الدولي واليونيسكو إلى الوعد بالتمويل والإسهام في تنفيذه رغبة منها في دفع عجلة السلام والتنمية والاستقرار بالمنطقة.

للمشروع فوائد اقتصادية واجتماعية عديدة لا يتسع المجال لشرحها، لكن يمكن اختصارها بالقول إنه سيسهم في إعفاء كيانات وتجمعات صناعية وسياحية وزراعية وبشرية عديدة من أضرار مبينة بسبب الانخفاض المستمر في منسوب مياه البحر الميت.

ورغم هذه الحوافز ينطوي المشروع أيضا على مخاطر عديدة على البحرين الميت والأحمر، وفي هذا الإطار قد يكون من المفيد الاستماع لبعض أصوات المعارضة المتزنة، فالأمر يبدو من وجهة نظرهم عامرا أيضا بالمضار والمحاذير، من أبرزها:

سوف تتغير طبيعة البحر الميت كلية من حيث خواص مياهه الفيزيائية وتركيبها الكيميائي ومكوناتها البيولوجية، وهو ما سيترتب عليه فقد البحر الميت لهويته البيئية المميزة.
سوف يؤدي تخفيف ملوحة البحر الميت كذلك إلى تداخل المياه العذبة الجوفية مع المياه المالحة لاسيما في المناطق المتاخمة للبحر الميت، وكذلك في زيادة معدلات البخر في المنطقة وهو ما سيترتب عليه حدوث أضرار وتداعيات اجتماعية وبيئية غير مأمونة العواقب.

قد تتسبب الضغوط الهائلة الناتجة من زيادة كميات المياه الواردة للبحر الميت في وقوع زلازل قوية بالمنطقة، أو في تنشيطها على أقل تقدير، كما قد يتسبب ارتفاع مستوى المياه بالبحر في غمر مساحة عريضة من الأراضي الزراعية بالمنطقة ما سيعرضها للتدهور وفقدان غطائها النباتي.

كذلك هناك مخاوف من تضرر بيئة البحر الأحمر هي الأخرى من عملية نقل المياه حيث من المحتمل أن يتعرض الميزان المائي بينه وبين المحيط الهندي للاختلال، كما قد يهيئ هذا الوضع الفرصة لبعض كائنات البحر الميت لأن تستوطن البحر الأحمر وهو ما قد يسبب ضررا لعدد من الموائل الثرية والمميزة للأحمر.

اللافت والخافت في تسويق مشروع قناة البحرين

"
ينبغي ألا تكون مبادرة إنشاء قناة البحرين بيد إسرائيل أو على أرضها، فهذا يعني حصد إسرائيل لعوائد وفوائد المشروع وفي المقابل نيل الأراضي والشعوب العربية المحيطة بالبحر الميت جل آثاره الجانبية ومضاره
"

يبدو أن مشروع قناة البحرين قد أخذ حقه من كل شيء إلا التدقيق والفحص العلمي، إذ نال في البداية قسطا وافرا من التهويد ثم انتقل منذ فترة للفكر العربي قبل أن يظهر مؤخرا في عباءة أردنية، ثم استدعت متطلبات تسويقه وإقناع الأوساط العربية والدولية بجدواه صبغه بكل الألوان، الإنساني والاقتصادي والسياسي والبيئي، وإن كان الأخير أبهتها وأقلها قوة وإقناعا. وعلى هذا النحو خلا الأمر من اللون العلمي المتعمق رغم كونه أثبت وأولى الألوان في هذا الموضوع.

لذا يجدر بالمسؤولين في الحكومة الأردنية إعطاء الجانب العلمي من الآن حقه من الدراسة والاهتمام لأنه الفيصل والحكم قبل أي شيء وقبل أي توجه. فكل ما تم بهذا الخصوص لا يزيد عن دراسة أولية يتيمة تمت عام 1994 بمنحة من الحكومة الإيطالية لتبيان جدوى المشروع اقتصاديا وبيئيا.

وبدهي أنه لا يمكن الاعتماد على دراسة واحدة لتقييم كامل الآثار البيئية لمشروع بهذا الحجم، لاسيما بعد مرور عقد كامل على إجرائها. ولا جدال في أن الإلمام بهذه التأثيرات ومعرفة تداعياتها الشاملة يتطلب وقتا طويلا ودراسات متخصصة ومستفيضة، ودون ذلك قد يتحول المشروع لكارثة بيئية مدمرة.

يجدر أيضا بمتبني هذا المشروع البعد عن المبالغة والاجترار على الحقائق العلمية من أجل استدرار قبول وحماسة المجتمع العربي والدولي، فليس من المناسب علميا مثلا التصريح أكثر من مرة بأن البحر الميت دون تلك القناة سيختفي تماما في غضون 50 عاما من الآن.

إن جل الدراسات العلمية المتخصصة تؤكد أن جفاف البحر الميت -إن حدث- لن يتحقق قبل نصف ألفية من الآن، وأن تناقص مستوى المياه فيه لن يستمر بالضرورة على معدلاته الحالية أو أنه سيصل لمناسيب كارثية كما يتداول حاليا.

وليس من المناسب علميا أيضا الادعاء بأن القناة سوف تحل كل أو معظم مشاكل البحر الميت البيئية. الثابت أن القناة لن تشفي بيئة البحر الميت ولن تعيدها لما كانت عليه بل ستعيد فقط منسوب المياه فيه إلى وضعيته التاريخية السابقة.

لكن تبقى مع ذلك نقطة حيوية للغاية تقف في صف الأردن والقناة وهي تتعلق بأهمية ألا تكون مبادرة إنشائها بيد إسرائيل أو على أرضها، فهذا يعني في أبسط معانيه حصد إسرائيل لمعظم عوائد وفوائد المشروع وفي المقابل نيل الأراضي والشعوب العربية المحيطة بالبحر الميت جل آثاره الجانبية ومضاره.

ينبغي إذن أن تكون المبادرة بيدنا لأن خسائرنا القومية أمام إسرائيل لا تنقصها خسائر إضافية في البيئة والاقتصاد والنقل الملاحي وموارد المياه. أما كل ما هو مطلوب بعد ذلك أو قبله فهو التوفيق بين متطلبات المشروع العلمية والتقنية ودوافعه الإستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية، فهذا دون شك أفضل كثيرا من الإفراط في الأحلام والوعود.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف