بقلم/ خليل العناني

- مفهوم المعارضة في البيئة المصرية
- واقع المعارضة السياسية في مصر
- علاقة المعارضة بالنظام السياسي

تعرف المعارضة في أدبيات السياسة على أنها قوى (أحزاب) وجماعات سياسية تمتلك برنامجا محددا يهدف بالأساس إلى الوصول للسلطة، وتمتلك الأدوات التي تمكنها من تحقيق هذا الهدف.

وبالتطبيق على مصر نجد أن المعارضة بها هي أقرب لمعارضة مرؤوس لتوجيهات رئيسه، فلا هو قادر على إثنائه عما يخطط له ويدور في رأسه، ولا هو يقوى على اقتلاعه من منصبه كي يحل محله.

والمعارضة في مصر بمختلف أطيافها تدور في نفس الحلقة التي حددتها لها الحكومة، وتأبى أن تتعداها لأفق أوسع يضمن أن تشكل تهديدا حقيقيا للسلطة، بشكل قد يدفعها للعمل على كسب شرعية مجتمعية تصب في مصلحة المواطن.

مفهوم المعارضة في البيئة المصرية


أغلب برامج المعارضة لا تطرح بديلا للتعايش بقدر ما تحاول الاستئثار بالسلطة من أجل تكرار تجربة النظام القائم في التفرد بالقرار وعدم السماح بظهور كل ما هو مخالف
ربما لم تعرف مصر في تاريخها السياسي معارضة بالمعنى المعروف سوى في بدايات القرن العشرين أو ما يعرف في مصر بالعهد الليبرالي، حيث شكلت المعارضة السياسية آنذاك قوة حقيقية تتبادل السلطة مع حكومات القصر والاحتلال على حد سواء.

بيد أن هذه المعارضة ما لبثت أن اختفت، وتم وأدها بعد قيام ثورة يوليو/ تموز 1952 بعامين حين ألغيت الأحزاب والنقابات وكل ما يشكل تجمعا سياسيا، إيذانا بتدشين مرحلة الحزب الواحد التي عرفها العالم النامي طيلة الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت.

وتكتسي المعارضة في مصر بطابع خاص فرضته الطبيعة الجيوبوليتيكية لمصر، التي فرضت قدرا من الهالة والهيبة على السلطة المركزية الحاكمة في مصر، وأضعفت إلى حد بعيد من أي قوة مناوئة لها، بحيث بدت المعارضة وكأنها انتقاص من هيبة الدولة وليس نظامها السياسي فحسب.

وبغض النظر عن اتفاقنا مع هذا التفسير التاريخي –رغم وجاهته- يظل المحك في هذه المسألة ما هو قائم فعلا، فعبر تاريخ مصر الحديث الذي بدأ قبل نحو 200 عام، بدا أن هناك ميلا مصريا -فطريا- نحو احترام القانون وسيادته على الجميع، خاصة من قبل من هم خارج السلطة، وذلك إلى الدرجة التي قد تؤدي إلى اختفاء أي صوت معارض، وكثيرا ما استغل النظام السياسي هذه الفكرة إبان الستينيات والسبعينيات، لتوريط المعارضة في فكرة عدم الولاء الوطني والعمالة للخارج.

ووفق هذا المنطق كان على المعارضة المصرية أن تبذل جهودا قوية لمجابهة مثل هذه الأفكار، وإبراز مدى وطنيتها من خلال تبني شعارات أقرب ما تكون إلى الواقع الحياتي، بشكل انعكس على برامجها التي تشبعت بقدر كبير من التركيز على البعدين الاجتماعي والاقتصادي.

كذلك ارتبطت فكرة المعارضة في الذهن المصري بقدر ملحوظ من السلبية واللامبالاة على المستوى الشعبي، وهي إن كانت حالة عامة في البلدان العربية، إلا أنها ملحوظة بشكل واضح في الحالة المصرية.

وبروزها يعد مفارقة في ضوء أمرين، أولهما أن مصر بلد ذو كثافة سكانية مرتفعة بشكل يفترض أن تزيد معه قوة المعارضة عطفا على زيادة المنتمين إليها، وثانيهما أن مصر من أولى البلدان العربية التي تجذر فيها مفهوم المعارضة وإن ارتبطت بمقاومة الاحتلال، لذلك يبدو غريبا أن تتسم المعارضة السياسية في مصر بهذا الضعف والتهرؤ، إن لم تكن هناك عوامل نفسية تقلل من جدوى المعارضة وأهميتها.

الأكثر من ذلك أن المعارضة –كمفهوم سياسي- لا يلقى قبولا كبيرا لدى قطاعات كبيرة من ممثلي المعارضة، ليس لعدم اقتناعهم به بقدر ما هو متداخل مع فكرة أحادية الرأي، فأغلب برامج المعارضة لا تطرح بديلا للتعايش بقدر ما تحاول الاستئثار بالسلطة، من أجل تكرار تجربة النظام القائم في التفرد بالقرار وعدم السماح بظهور كل ما هو مخالف، أي أنها مباراة صفرية إما المعارضة أو النظام.

واقع المعارضة


تقع المعارضة السياسية في مصر بين شقي رحى، النظام بقواعده الصارمة من جهة والتأييد الشعبي من جهة أخرى

تعاني المعارضة السياسية في مصر حاليا من مأزق مزدوج، طرفه الأول يتمثل في حال الجمود الفكري والحركي الذي يسيطر على طبيعة الأحزاب السياسية المعارضة، والطرف الثاني ممثلا في زيادة الضغط السلطوي والالتفاف على مطالب المعارضة، بشكل جعل من العلاقة بين الطرفين علاقة تبعية أكثر من كونها علاقة أنداد.

ومن بين أكثر من 15 حزبا سياسيا في مصر، يصعب الحديث عن وجود أحزاب معارضة حقيقية، سوى أربعة أحزاب فقط تمثل –نوعا ما- شكل المعارضة في النظام السياسي المصري، وهي حزب الوفد والحزب العربي الناصري وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي وحزب الأحرار.

ويمكن القول إن هذه الأحزاب هي الأعلى صوتا وليست الأكثر معارضة، فهذه الأحزاب تمر بدورة جديدة من الضعف والجمود، ليس على مستوى الأفكار فحسب، وإنما أيضا على مستوى الآليات.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي ينبغي أن تكون فيه شوكة هذه الأحزاب قوية وعصية على السلطة، ومحاولة استغلال موجة الضغط بشقيها الداخلي والخارجي فيما يخص مسألة الإٍصلاح، تجد هذه الأحزاب مجرد أشباح تطالب بإصلاحات تدرك جيدا أنها لن تتحقق، لأنها بالأساس وضعت نفسها في موقع الند مع النظام أكثر من كونها حركة ذات مطالب إصلاحية.

وفي معرض تحليل هذا الضعف الذي يسيطر على القوى المعارضة في مصر، تجدر الإشارة إلى حزمتين من العوامل تتعلق أولاهما بطبيعة هذه القوى ذاتها، وتتمثل الثانية فيما فعله النظام بهذه القوى كي تصل إلى هذه الدرجة من الوهن والضعف.

ويتصدر المجموعة الأولى من العوامل كون الأحزاب والقوى المعارضة هشة وضعيفة ولا يتعدى وجودها في الشارع المصري أكثر من المنتمين إليها والمعبرين عن فكرها، وبالتالي فهي مجرد نقطة صغيرة وسط جموع المصريين الكثيفة، ما يؤثر بالطبع على مدى القدرة التعبوية لهذه الأحزاب، والضغط للمطالبة بأي تعديلات أو إصلاحات سياسية، ويتفوق عليها في هذا الشأن الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) بما له من شعبية وجماهيرية، حتى وإن كانت مفتعلة، فالمحك بوجودها وليس بشكلها.

ثانيا: أن مفهوم المعارضة لدى هذه الأحزاب قد انحسر وتجزأ حتى باتت معارضة لمجرد إثبات الحضور والرغبة في الظهور أكثر من كونها معارضة حقيقية تسعى لكسب السلطة وحصد مقاعد الحكم، فلم يعرف عن أي من هذه الأحزاب قدرته على تشكيل تهديد حقيقي للحزب الحاكم، وهو ما كشفته نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت عام 2000، التي لم يتعد نصيب أي حزب من هذه الأحزاب فيها عشرة مقاعد من أصل 455 مقعدا في البرلمان، وذلك على الرغم من توفر الفرص الملائمة -مقارنة بالانتخابات السابقة- لتحقيق نتائج أفضل كثيرا.

ثالثا: ارتضت أحزاب المعارضة -ونتيجة لجمود النخبة السياسية- إلى لعب دور الوصيف في معادلة الحكم، حيث خلعت أحزاب المعارضة في مصر رداءها السياسي واكتست برداء سلطوي -طوعا أو إكراها- سلبها القدرة على التعاطي مع الواقع السياسي القائم في مصر حاليا.

وعليه باتت علاقة النظام بهذه الأحزاب علاقة القائد والتابع، فحين يدعو الحزب الحاكم لحوار سياسي –شكلي- تتهافت عليه بقية الأحزاب، طمعا في نيل جزء من الكعكعة، أكثر من الرغبة في التغيير والإصلاح الحقيقي، ولذا لم يكن غريبا أن يستخف النظام بوزن المعارضة وقوتها، فتارة يمنيها بحوار، وتارة أخرى يدير ظهره لها، وكأنه لم يرها من قبل. وعليه تقع المعارضة السياسية في مصر بين شقي رحى، النظام بقواعده الصارمة من جهة والتأييد الشعبي من جهة أخرى.

أما فيما يخص العوامل الأخرى التي يسهم فيها النظام بتهميش المعارضة والتقليل من حجمها بشكل يضعف من قوتها، فتتلخص في الآتي:

أولا: لا يؤمن النظام في مصر بفكرة تداول السلطة، وعليه تصبح أفعال المعارضة كلها مجرد حرث في الماء، وتصبح فكرة المعارضة في ذهن النظام مجرد خدش في وجه تنين لا تؤلم ولا توجع، ومدلول ذلك أن جزءا كبيرا من قوة النظام والحزب الحاكم في مصر مرده ضعف أحزاب المعارضة وليس لقوة ذاتية يتمتع بها.

ثانيا: ما زالت فكرة الدولة المركزية تسيطر على فكر النظام بحيث تبدو أي معارضة له، وكأنها خروج عن سطوة الدولة وانتقاص لهيبتها -كما أوضحنا آنفا- وهو ما لا يدع مجالا لإمكانية قيام معارضة فاعلة، وجزء من تفسير ذلك مرده عدم ثقة النظام بنوايا المعارضة، حيث ينظر إليها -رغم وهنها- باعتبارها مكمن التهديد الوحيد لشرعيته، أكثر من أي أخطار خارجية.

ثالثا: نتيجة لما سبق أصبح القمع والعنف من أكثر الوسائل نجاعة في كسر شوكة المعارضة وإضعافها، وأكثر من مرة استخدمت هذه الأداة في وجه مظاهرات وإضرابات قامت بها بعض أحزاب المعارضة، وكان مصير البعض الآخر منهم الزج في السجون، ولو بشكل مؤقت بهدف الترويع.

علاقة المعارضة بالنظام السياسي


استطاع النظام أن يدجن المعارضة السياسية بحيث ترضى بما تقدمه لها الحكومة من اهتمام ومتابعة كالاشتراك في بعض المناسبات الفكرية والسياسية وهو ما يجمل صورة النظام أكثر مما يخدم المعارضة
لعل أقل ما يقال في هذا الشأن هو أن أحزاب المعارضة المصرية الرئيسية قد ولدت من رحم النظام، فمن المعروف أن التجربة الحزبية التي بدأت في مصر قبل نحو ربع قرن جاءت من قمة الهرم السياسي أي من النظام باعتبارها "منحة أو هبة" من الحاكم، ممثلا في إنشاء الرئيس الراحل أنور السادات لفكرة المنابر التي تحولت فيما بعد إلى أحزاب سياسية عام 1977.

وإذا كانت النشأة لا تمثل محكا في قوة الأحزاب أو ضعفها، فإنها أثرت بالطبع على علاقة المعارضة بالنظام، ما أدى –في تقديرنا- إلى نتيجتين سلبيتين: أولاهما ضعف التأييد الجماهيري الذي قد يمنح لهذه الأحزاب، باعتبارها امتدادا للنظام أو مجرد واجهة لتجميل صورته. وأخراهما: فقدان هذه الأحزاب للقدرة على الوقوف في وجه النظام، باعتباره كان سببا في وجودها أصلا.

فضلا عن ذلك استطاع النظام أن يدجن المعارضة السياسية ويقلم أظفارها بحيث تبدو مستأنسة مسالمة، ترضى بما تقدمه لها الحكومة من اهتمام ومتابعة، كالاشتراك في بعض المناسبات الفكرية والسياسية، وهو ما يجمل صورة النظام أكثر مما يخدم المعارضة، وهي في ذلك تبدو مجرد تابع وليس معارضا يطمع في كرسي القيادة.

هو ما انعكس بالسلب على قيادات المعارضة السياسية في مصر، حيث غابت طموحاتهم ودمرت توقعاتهم بإمكانية لعب دور سياسي بارز، يعوض حال الجفاء التي عاشتها المعارضة على مدار ربع قرن، وبات الحصول على منصب في الحكومة أقصى ما يطمح إليه قادة أحزاب المعارضة.

وأغلب الظن أن هذه العلاقة بين المعارضة السياسية والنظام في مصر ستظل هكذا على الأقل في الأمد المنظور، ومن غير المتوقع أن يحدث بها أي تغيير طالما ظلت المعارضة قانعة بدورها الذي حددته لها الدولة المصرية.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف