بقلم/ صالح محمد النعامي

- انطلاقة للتمايز عن السلطة
- آثار عدم تبني قيادة الحركة لكتائب الأقصى
- القضاء على مصداقية الكتائب

مع تفاقم الأزمة داخل حركة التحرير الفلسطيني (فتح) في أعقاب تفجر الصراع على قيادة الحركة والسلطة، وهو الصراع الذي أخفت حقيقته الدعوات لإصلاح الحركة وتجديد الدماء في عروقها، والقضاء على الفساد في مؤسسات السلطة.. مع تفاقم الأزمة برز دور متنام لكتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري للحركة.

لكن أشكال تدخل "الكتائب" في هذه الأزمة يجعل المراقب -لأول وهلة- يعجز عن فهم طبيعة الدور الذي تقوم به نظرا لتناقض أدائها بشكل كبير.

فتارة يقوم الذين يتبنون دعوات الإصلاح بتوظيف الكتائب لصالحهم، فيصدرون البيانات المطالبة بالإصلاح مذيلة بتوقيعها، فضلا عن خروج العشرات ممن يدعون الانتساب إليها في المسيرات المطالبة بالقضاء على الفساد والمعترضة على قرارات الرئيس ياسر عرفات والتي كان آخرها قرار تعيين اللواء موسى عرفات مديرا للأمن العام في قطاع غزة، ومشاركة عناصر تدعي الانتماء للكتائب في عمليات إحراق المؤسسات العامة مدعين الاحتجاج على واقع الفساد في السلطة.

تارة أخرى يقوم الذين يتهمون بالفساد بالرد على منتقديهم بإصدار بيانات موقعة أيضا باسم الكتائب، بل إن المئات من المسلحين الذين ادعوا أنهم ينتمون للكتائب خرجوا بعد يومين من تعيين اللواء موسى عرفات في موقعه الجديد، في مسيرة للإعراب عن تأييدهم لهذا التعيين.

هذا التناقض الفج في أداء الكتائب وتوظيفها من قبل المتصارعين على قيادة فتح والسلطة لا يدع مجالا للشك في أن هناك عدة مرجعيات باتت تحتكم إليها الكتائب، بحيث بدا هذا الجسم النضالي الهام الذي كان ولا يزال له دور بالغ الأهمية في النضال الفلسطيني ضد المحتل، حالة هلامية يصعب تحديد سياستها ومنطلقاتها.

نحن هنا سنحاول حصر الأسباب التي قادت إلى هذا الواقع، وتداعيات هذه الحالة على صدقية الكتائب وفعلها المقاوم.

انطلاقة للتمايز عن السلطة


أثبتت التجربة التفاوضية مع إسرائيل المخيبة لآمال الكثيرين في فتح أن دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس لن ترى النور اعتمادا على خيار المفاوضات وحده
بعد تشكيل السلطة الفلسطينية التي مثلت فتح عمادها الأساسي، انضم قادة الحركة وكوادرها إلى مؤسسات السلطة المدنية وأجهزتها الأمنية. وكان الشعار الذي التف حوله أبناء فتح هو الدفاع عن السلطة وحماية التزاماتها الدولية.

وقد كان هذا الشعار هو الذي برر لقادة الحركة وعناصرها الذين انضموا إلى أجهزتها الأمنية تحديدا التصادم مع حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي اللتين واصلتا عمليات المقاومة ضد الاحتلال وقمع أفرادها، على اعتبار أن ما تقوم به هاتان الحركتان يمثل "تهديدا للمصلحة العليا للشعب الفلسطيني"، حيث تم ترويج الادعاء بأن مسيرة أوسلو ستقود في النهاية إلى إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

ومنذ الإعلان عن تشكيل السلطة عام 1994 وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى أواخر سبتمبر/ أيلول 2000، تلاشى الفعل المقاوم لحركة فتح. لكن التجربة التفاوضية مع إسرائيل المخيبة للآمال، أثبتت للكثيرين في فتح بما لا يدع مجالا للشك أن دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس لن ترى النور اعتمادا على خيار المفاوضات وحده، وأن كل الشعارات التي رفعتها الحركة ضد الحركات الفلسطينية الأخرى لم تعد ذات مصداقية.

من هنا بادر عدد من كوادر الحركة نهاية العام 1999 بالإعلان عن مولد كتائب شهداء الأقصى كجناح عسكري للحركة لاستئناف عملياتها المسلحة ضد قوات الاحتلال.

ورغم أن السلطة الفلسطينية بعد انتهاء مؤتمر كامب ديفد ومحادثات طابا مطلع العام 2000، شجعت العمل المسلح ضد إسرائيل على اعتبار أن ذلك من شأنه أن يحسن وضعها التفاوضي.

غير أن السلطة -وأيضا قيادات فتح المتنفذة التي ذاقت طعم السلطة والسيطرة- تحفظت كثيرا على فكرة انطلاق ذراع عسكري للحركة التي تمثل الحزب الحاكم في مناطق السلطة، يتولى تنفيذ عمليات كبيرة ضد دولة الاحتلال، على اعتبار أن ذلك من شأنه أن يحرج السلطة ويقلص قدرتها على المناورة في الساحة الدولية.

ولكي نعي طبيعة الظروف التي واكبت انطلاق الكتائب فمن الأهمية بمكان أن نذكر أن الذي بادر إلى تأسيسها هو الشهيد القائد جهاد العمارين، وهو عقيد سابق في الشرطة الفلسطينية فضل الانتقال إلى خندق المقاومة على البقاء في كنف السلطة. وقد عرف العمارين الذي اغتيل عام 2002 من قبل المخابرات الإسرائيلية عن طريق تفجير سيارته عن بعد، بأنه متمرد على السلطة وقد تم اعتقاله على أيدي الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وكان شديد الانتقاد للسلطة ولعشعشة الفساد والمفسدين فيها، وانتقد بشكل خاص دور أجهزتها الأمنية.

في البداية كانت الكتائب تخضع لقيادة موحدة، فضلا عن أنه تم نقل تأثيرها إلى الضفة الغربية، وتكونت لها خلايا عاملة في طول الضفة وعرضها. وقد تميز العمل المقاوم في مطلع الانتفاضة باستهداف المستوطنين في الضفة الغربية، وأدت العمليات النوعية إلى إحداث شرخ بين شارون وقادة المستوطنين.

آثار عدم تبني قيادة الحركة لكتائب الأقصى


غياب المسؤولية المباشرة لقيادة
حركة فتح عن الكتائب ساعد على تعدد المرجعيات الضابطة لفعلها
فيما بعد
رغم إعلان الكتائب عن نفسها أنها ذراع عسكري لفتح، فإن قيادة الحركة المتمثلة في اللجنة المركزية -وهي أعلى هيئة قيادية فيها- لم تتبن إعلاميا ولا عمليا الكتائب ولم تهتم كثيرا بمأسسة العلاقة معها، وهذا بخلاف ما هو عليه في بقية الفصائل الفلسطينية.

ولكن نقطة التحول الفارقة في العلاقة بين قيادة الحركة والسلطة الفلسطينية من جهة وكتائب شهداء الأقصى من جهة أخرى، كانت اغتيال العمارين واعتقال المناضل مروان البرغوثي أمين سر اللجنة الحركية لفتح في الضفة، حيث طفت على السطح التناقضات بين قيادة الحركة وجناحها العسكري الأبرز بشكل واضح وجلي، وأصبحت الكثير من الانتقادات للكتائب تسمع داخل مؤسسات الحركة. وقد بلغت هذه الانتقادات ذروتها في الاجتماع الأخير للمجلس الثوري للحركة حيث دعا بعض الأعضاء إلى حل الكتائب وضم أعضائها إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

وما أثار حنق الكثيرين في قيادة الحركة ضد كتائب شهداء الأقصى هو انفرادها دون الأجنحة العسكرية لبقية الحركات الفلسطينية برفض الالتزام بالهدنة التي أعلنت عنها الفصائل بعد تدخل مباشر من الحكومة المصرية أواخر يونيو/ حزيران 2003، بل وقامت بتنفيذ عدة عمليات استشهادية في عمق دولة الاحتلال أثناء الهدنة التي أعلنت بشكل أحادي الجانب من قبل الفلسطينيين، وهذا ما أصاب قيادة السلطة وفتح -على حد سواء- بالحرج الشديد. وبرز التساؤل عن قدرة السلطة على إلزام بقية الفصائل بالهدنة في الوقت الذي لم تتمكن فيه من إلزام الذراع العسكري للحركة التي يتزعمها رئيسها ياسر عرفات.

لكن الذي يتحمل المسؤولية عن هذا الوضع هو قيادة الحركة التي تعاملت بشكل انتقائي مع الكتائب. كما أن غياب المسؤولية المباشرة لقيادة الحركة عن الكتائب ساعد على تعدد المرجعيات الضابطة لفعلها فيما بعد.

إلى جانب ذلك فقد أدت عملية السور الواقي الكبيرة التي قامت بها قوات الاحتلال في أبريل/ نيسان 2004 في جميع أنحاء الضفة الغربية، والتي ترافقت مع اغتيال واعتقال القادة الكريزماتيين للكتائب من أمثال الشهيد القائد رائد الكرمي ويوسف عويص وغيرهما، واغتيال واعتقال العشرات من المنتسبين إليها.. أدت إلى تفتيت الكتائب في النهاية إلى خلايا تخضع لإمرة قادة ميدانيين، بحيث يكون لكل منطقة قيادة مستقلة عن قيادة المناطق الأخرى يغيب التنسيق فيما بينها.

صحيح أن هذا لم يؤد في البداية إلى التأثير على الفعل المقاوم لكتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية، بل إنه حسب معطيات المخابرات الإسرائيلية فقد كان الفعل المقاوم للكتائب في الضفة يفوق فعل الأذرع المسلحة لبقية الفصائل الفلسطينية حتى نهاية العام 2003.

لكن في النهاية أدى تواصل ملاحقة الاحتلال لخلايا الكتائب وغياب مرجعية موحدة لها بعد أن تخلت قيادة فتح طواعية عن لعب هذا الدور، إلى تمكين أصحاب الأجندة السياسية الخاصة في الحركة -شيئا فشيئا- من توظيف الكتائب ورصيدها النضالي الغني والحافل لصالحهم.

فتجد هذا التيار في فتح يصدر بيانات تحمل توقيع كتائب شهداء الأقصى وتعبر عن تأييدها للمواقف التي يمثلها وتخدمه، ويرد خصوم هذا التيار في الحركة والسلطة بالمقابل بإصدار بيانات مقابلة تحمل توقيع الكتائب وتناقض تماما ما جاء في البيانات التي أصدرها الطرف الآخر.

الذين يصدرون البيانات ويدفعون بالمسلحين باسم الكتائب يعون تماما أنه من المتعذر الكشف عن ألاعيبهم، لأنه لم يعد هناك مرجعية ولا قيادة موحدة للكتائب يمكن الرجوع إليها عند قيام هؤلاء باستغلال اسم الكتائب من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة.

القضاء على مصداقية الكتائب


الرابح الوحيد من توريط الكتائب في صراعات وهمية هو الاحتلال
أعادت الكتائب وفعلها المقاوم المتميز خلال انتفاضة الأقصى لحركة فتح مصداقيتها بالنسبة للجمهور الفلسطيني، بعد أن كادت تذوب في بوتقة السلطة، مع كل ما علق بها من لوثات الفساد المالي والإداري. وه هم ذوو المصالح الخاصة من قادة الحركة الذين كانوا يعارضون الفعل المقاوم للكتائب أصبحوا يوظفون اسمها في معاركهم الخاصة.

فأصحاب دعوات الإصلاح ومحاربة الفساد من الذين يتحملون -مثل خصومهم- مسؤولية كبيرة عن واقع الفساد في السلطة، يزجون باسم الكتائب في حربهم ضد قيادة الحركة التقليدية التي لم تتردد في استغلال اسم الكتائب في الرد على الطامحين بالإطاحة بها.

وهكذا فإن الكتائب تفقد شيئا فشيئا صدقيتها أمام الشارع الفلسطيني المصدوم من جرأة الفرقاء في فتح على استغلالها إلى الحد الذي لم يعد معه في كثير من الأحيان من الجدية التطرق لموقف لكتائب شهداء الأقصى.

إلى جانب ذلك فإن الرابح الوحيد من توريط الكتائب في هذه الصراعات الوهمية هو الاحتلال. وحتما فإن المقاومة الفلسطينية ستخسر من هذا التوظيف، إذ تبديد جهد ذراع عسكري عريق مثل كتائب شهداء الأقصى في مناكفات رخيصة بين أصحاب مصالح سياسية ضيقة، يؤثر بشكل كبير على فعل المقاومة ضد الاحتلال.
__________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف