أونروا.. قصة اغتيال معلن
آخر تحديث: 2018/2/22 الساعة 14:32 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/22 الساعة 14:32 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/6 هـ
مقدمة
هكذا يرى ترمب حل القضية الفلسطينية
الأونروا واللاجئون الفلسطينيون
خدمات "أونروا" شريان حياة لاجئي غزة
"عواقب وخيمة" تنتظر لاجئي لبنان
عثرات الأونروا
دوافع حرب إسرائيل على أونروا
تقليصات الأونروا تخنق لاجئي غزة
" خطة ممنهجة" في مخيمات الضفة
تقشف الأونروا يخنق لاجئي الأردن
من الجزيرة

مقدمة

منذ نكبتهم بخسارة وطنهم قبل سبعين عاما، لم يعرف الفلسطينيون قلقا بعمق القلق الذي يجتاحهم، منذ شروع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالكشف عن حلقات مسلسله لتصفية قضيتهم ، الواحدة تلو الأخرى.

فبعد قراره الكارثي بنقل سفارة بلاده إلى القدس في 6 ديسمبر/ الأول الماضي، جاءت دعوة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في 7 يناير/ كانون الثاني لحل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" وإلحاقهم بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين. ولم تتأخر وزارة الخارجية الأميركية بدعم الدعوة الإسرائيلية، فأعلنت في 16 يناير عن الاكتفاء بتقديم 65 مليون دولار كتبرع للوكالة بدلا من 125 درجت على تقديمها. وألحقت المتحدثة باسم الوزارة القرار، بالقول إن "هذا لا يهدف إلى معاقبة أحد."

بيد أن التصريحات المنسوبة لجيسون غيرنبلات المبعوث الرئاسي الأميركي أمام القناصل الأوروبيين في القدس في 3 فبراير/ شباط أكملت الصورة. فقد نقل عنه قوله إن صفقة القرن في مراحلها الأخيرة، وأن " الفلسطينيين ليسوا طرفا مقررا في تطبيقها"، وأنها مخصصة للإقليم وليس لهم وحدهم. وختم غرينبلات بالقول إن الولايات المتحدة تريد إنهاء عمل "أونروا".

البلبلة التي تسيطر حاليا على الفلسطينيين عموما- واللاجئين منهم خصوصا- أكبر من أن توصف.  فالوكالة كانت أكثر من مجرد هيئة للخدمات التعليمية والصحية. وحلها على هذا النحو اعتداء ونسف لحقهم في العودة. كما أن مصيرهم يتقرر على يد الخصوم والأعداء، بدون الأخذ برأيهم أو احترام حقوقهم.

الجزيرة نت واكبت الترتيبات المعلن عنها لصفقة القرن ببطاقات وتقارير، كما عرضت تقارير ميدانية عن أوضاع اللاجئين على ضوء خطوات مبعوثي ترمب ، إضافة إلى التعريف بالأونروا والأزمات التي واجهتها.

هكذا يرى ترمب حل القضية الفلسطينية

أمين محمد

دخل مطلح "صفقة القرن" دائرة التداول السياسي والإعلامي منذ تولي دونالد ترمب منصب الرئاسةالأميركية، وبدأت تتكشف خيوطها شيئا فشيئا وسط غموض جديد يحيط بمضامينها وأطرافها، فضلا عن استحقاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

تجمع وسائل الإعلام على أن جاريد كوشنر صهر ومستشار ترمب هو عراب صفقة القرن ويضم فريقه عددا محدودا من الأعضاء، وبينهم جيسون غرينبلات (المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط)، وهو يهودي أرثوذكسي عمل محاميا في مجال العقارات وكان مقربا لترمب منذ عقود.

وتتحدث وسائل الإعلام العالمية عن زيارات سرية ومعلنة قام بها كوشنر وفريقه إلى عواصم إقليمية تعتبرها واشنطن أهم مفاتيح المنطقة، وأهم أدوات الترويج لصفقة القرن المثيرة، ومن بينها الرياض والقاهرة وتل أبيب.

 ترمب ونتنياهو وبينها جاريد كوشنر (رويترز)

ورغم أن صفقة القرن لم تعلن حتى الآن بشكل رسمي؛ فإن العديد من تفاصيلها تسربت خلال الشهور الماضية عبر وسائل إعلام عربية وغربية، وعلى لسان أكثر من مسؤول من هذا الطرف أو ذاك.

ويقول مسؤولون أميركيون إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكشف قبل منتصف العام الجاري عن خطة لتسوية الصراع الفلسطيني. وأوضحوا أن هذه الخطة ستكون شاملة، وتتجاوز الأطر التي وضعتها الإدارات الأميركية السابقة، وتتناول كل القضايا الكبرى، بما فيها القدس والحدود واللاجئون، وتكون مدعومة بأموال من السعودية ودول خليجية أخرى لصالح الفلسطينيين.

حلف إقليمي
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني في مقابلة مع تلفزيون فلسطين (يناير/كانون الثاني 2018) إن المقترحات الأميركية نقلت إلى الفلسطينيين عن طريق الجانب السعودي. وأضاف أن الصفقة تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وإنشاء حلف إقليمي ضد النفوذ الإيراني في المنطقة تكون إسرائيل جزءا منه.

وفي الوقت ذاته، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني عما قال إنها تفاصيل حصل عليها حصرا لمضمون خطة الرئيس الأميركي ترمب بشأن عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي درجت بعض وسائل الإعلام على وصفها "بصفقة القرن".

وبحسب ما كشفه الموقع -نقلا عن مسؤول غربي اشترط عدم الكشف عن هويته- فإن الصفقة تشمل ما يلي:

- إقامة دولة فلسطينية تشتمل أراضيها على قطاع غزة والمناطق "أ" و"ب" وبعض أجزاء من منطقة "ج" في الضفة الغربية.

- قيام الدول المانحة بتوفير عشرة مليارات دولار لإقامة الدولة التي ستشتمل بنيتها التحتية على مطار وميناء في غزة، ومساكن ومشاريع زراعية ومناطق صناعية ومدن جديدة.

- تأجيل وضع مدينة القدس وموضوع عودة اللاجئين إلى مفاوضات لاحقة.

- ستشمل المفاوضات النهائية محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والأقطار العربية بقيادة المملكة العربية السعودية.

رفض الصفقة
وبينما تعد أطراف عربية الخطى لإقناع الفلسطينيين بخطة ترمب، أعلنت السلطة الفلسطينية رفضها الكامل للصفقة، ووصفها الرئيس محمود عباس "بصفعة القرن"، وقال في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية منتصف الشهر الماضي إن مشروع الرئيس ترمب لحل القضية الفلسطينية مرفوض، وأكد أن إسرائيل أنهت مسار أوسلو، وأنه لا مجال للتنازل عن القدس عاصمة لدولة فلسطين. وهو الموقف ذاته الذي عبرت عنه أطراف فلسطينية أخرى بصيغ مختلفة، وأجمعت كلها على رفض الخطة ودعت لمواجهتها وإسقاطها.

وبينما تتضاءل فرص نجاح المروجين للصفقة في تحقيق اختراق جدي يسمح بتمريرها، يواصل المسؤولون الأميركيون حشد التأييد لها إقليميا ودوليا، بالتزامن مع خطوات عدة اتخذتها إدارة ترمب فُسرت على أنها بداية تطبيق عملي للصفقة، ومن ذلك قرار اعتبار القدس عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل، والتنكر لقضايا الحل النهائي، وحجب الدعم عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

الأونروا واللاجئون الفلسطينيون

خدمات "أونروا" شريان حياة لاجئي غزة

أحمد عبد العال-غزة

تصاعد دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في قطاع غزة خلال السنوات العشر الماضية، خاصة في ظل الحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل على القطاع والحروب المدمرة التي شنتها عليه.

وباتت خدمات الإغاثة الإنسانية التي تقدمها "أونروا" بمثابة حبل سُري يمد غزة بالحياة، وأصبح معظم اللاجئين الذين يشكلون نحو 67% من سكان القطاع يعتمدون عليها بشكل رئيسي في تلبية احتياجاتهم المعيشية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة لمستويات قياسية.

ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة -وهو ثاني أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين بالعالم بعد الأردن- مليونا و348 ألفا و536 نسمة، أي أنهم يشكلون 67.4% من عدد سكان القطاع الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة.

الأونروا تقدم خدمات التعليم والصحة وخدمات أخرى لثلثي سكان قطاع غزة (الجزيرة)

ويتركز عمل "أونروا" في ثمانية مخيمات للاجئين الفلسطينيين بقطاع غزه هي البريج والشاطئ والمغازي والنصيرات وجباليا وخان يونس ودير البلح ورفح، وتقدم الوكالة الأممية لهذه المخيمات خدمات التعليم والصحة والإغاثة، والخدمات الاجتماعية ومشاريع البنى التحتية.

وينتشر في قطاع غزة 252 مدرسة تابعة لـ"أونروا" تقدم الخدمة لأكثر من 240 ألفا وأربعمئة طالب وطالبة، وتأثر التعليم في "أونروا" بالأزمة المالية ونقص التمويل، حيث بقي النظام التربوي في غزة يعمل فوق طاقته لتبقى 94% من المدارس تعمل بنظام الفترتين، الأمر الذي يلقي بآثاره السلبية على الطلبة وتحصيلهم الدراسي.

وعلى الصعيد الصحي، تعمل "أونروا" من خلال 22 مركزا لتقديم خدمات الرعاية الصحية للأغلبية العظمى من اللاجئين في غزة، إضافة إلى خدمات العيادات والفحوص المخبرية، وخدمات صحة الأمومة وتنظيم الأسرة.

ومنذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 وما أحدثته من تغيير جذري للظروف الاقتصادية لقطاع غزة لم تتوقف المعونة الغذائية الطارئة التي تقدمها "أونروا"، وبلغ عدد من يستفيدون منها في عام 2017 نحو مليون فلسطيني لاجئ.

كما توفر الوكالة الأممية خدمات التأهيل المجتمعي الهادفة لتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقات، إضافة إلى عملها على تنفيذ برامج تخص المرأة عبر سبعة مراكز تعمل على تمكين المرأة وتحسين وضعها الاقتصادي وتنميتها الاجتماعية.

وتحاول وكالة الأمم المتحدة تطوير البنى التحتية وتحسين المخيمات في غزة، ومنذ العام 2010 بدأت بخطة لإنعاش وإعادة بناء المخيمات، ومنذ ذلك الوقت تم بناء 34 مدرسة وثلاثة مراكز صحية، إلى جانب إطلاقها مشروعا لبناء 752 وحدة سكنية في رفح.

وتصاعد دور الوكالة أثناء الحروب الثلاث التي شنتها إسرائيل على غزة خلال الفترة بين 2008 و2014 فتجاوبت مع الظروف التي فرضتها الحروب عبر تعزيز خدماتها على كافة الصعد واستحداث خدمات إغاثية طارئة.

ويعتبر الناطق الرسمي باسم "أونروا" سامي مشعشع أن لدى الوكالة سجلا قويا في التجاوب مع حالات الطوارئ بحكم تجربتها الميدانية ووجود طواقم ميدانية لها في القطاع.

وفرضت الحروب الثلاث على "أونروا" خطط طوارئ وخدمات جديدة، ففتحت مدارسها لإيواء النازحين ووفرت لهم متطلباتهم الأساسية، وبعد انتهاء الحروب عملت على بناء العشرات من المنازل ضمن برامجها المختلفة، وفق مشعشع.

مقر توزيع مساعدات تابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الجزيرة)

وإضافة إلى الضغط الذي شكلته الحروب على الخدمات التي تقدمها الوكالة يؤكد مشعشع أن حصار غزة أدى لإضعاف البنية التحتية بالقطاع، وخلق بطالة تعدت الـ47% في صفوف اللاجئين، مما دفع "أونروا" إلى توزيع مواد غذائية لميلون إنسان وقعوا تحت خط الفقر ولا يستطيعون الإيفاء بالتزاماتهم الحياتية اليومية.


الأزمة الأخيرة
وتلقي الأزمة المالية الأخيرة التي تعيشها "أونروا" بعد تراجع الدعم الأميركي لها من 360 مليون دولار إلى ستين مليونا بظلال سلبية على مناطق عملياتها الخمس، إلا أن التأثير الأكبر كان في قطاع غزة بسبب الضغط الكبير على خدمات الوكالة هناك نتيجة لعدد اللاجئين الكبير وظروف القطاع المعيشية السيئة.

وأطلقت "أونروا" نداء استغاثة للحصول على دعم بقيمة 309 ملايين دولار، منها 260 مليونا لغزة فقط حتى تبقي على خدماتها الطارئة فيها.

ويقول مشعشع "إن لم تنجح الأونروا في حملتها لجمع الدعم فإن ذلك سيؤثر على خدماتها بشكل مباشر".

وتتجنب الوكالة أن تلقي الأزمة بظلالها على الخدمات الصحية والتعليمية التي لم تصلها بعد الإجراءات التقشفية التي لجأت إليها الوكالة.

وحذر مشعشع من أن تطال الإجراءات التقشفية الخدمات المباشرة للاجئين إذا ما استمرت الأزمة، مؤكدا أن الوكالة الأممية تواجه تحديا كبيرا وصعبا.

"عواقب وخيمة" تنتظر لاجئي لبنان

وسيم الزهيري-بيروت

تقطن نايفة كايد داود في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمالي لبنان، وهي تلازم المنزل لتبقى إلى جانب شقيقها إيهاب المصاب بالشلل. الطريق إلى منزلهما عبر الأزقة الضيقة تظهر ضرورة توفير البنى التحتية اللازمة للمخيم الذي يعاني كغيره من مخيمات اللاجئين.

تعاني نايفة ابنة الأربعين عاما من آلام في الظهر تمنعها من العمل، ولهذا تعتمد على المساعدات، ومنذ العام 2015 توقفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) عن دفع بدل إيجار المنزل الذي تسكنه في المخيم، مما جعل نايفة وشقيقها مهددين بالإخلاء.

أزمة لا مثيل لها تواجهها أونروا جراء الانخفاض الحاد في موازنتها بعد تقليص التبرعات الأميركية والدولية، ويستفيد من خدمات التعليم المختلفة للأونروا في لبنان نحو 47 ألف طالب، وفق ما أوضحت المتحدثة باسم الوكالة في بيروت هدى السمرة صعيبي.

وأشارت صعيبي في حديث للجزيرة نت إلى استفادة حوالي 160 ألف شخص من خدمات الرعاية الصحية الأولية إضافة لتقديم معونات اجتماعية وخدمات بنى تحتية وغيرها. ولفتت إلى أنه رغم الأزمة المالية غير المسبوقة لم تقلص أونروا حتى الآن خدماتها إلى اللاجئين وهي تسعى جاهدة للحؤول دون ذلك عبر اعتماد تدابير تقشفية وحشد التمويل.

إيهاب داوود يعاني وشقيقته ظروفا اقتصادية صعبة  (الجزيرة)

حملة الكرامة
ورأت أن تخفيض التمويل قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تؤثر على حياة اللاجئين الفلسطينيين، وأشارت إلى إطلاق أونروا حملة عالمية بعنوان الكرامة لا تقدر بثمن لجمع مبلغ 500 مليون دولار، كما أكدت أن الوكالة تبذل جهودا لحماية موظفيها حتى تجاوز ما وصفته بالأزمة الصعبة.

وبحسب آخر إحصاء رسمي، فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قارب 174 ألف شخص، يعتمد قسم كبير منهم على مساعدات أونروا.

ويشدد أمين سر اللجان الشعبية الفلسطينية في لبنان عبد الله سعد على النظر بعين الريبة والحذر لما تواجهه أونروا من مواقف سياسية ومالية من بعض الدول المانحة ولا سيما الولايات المتحدة. وأشار سعد إلى تبلغهم من المدير العام للأونروا في لبنان أن تقليص المنح الأميركية سينعكس سلبا على الاحتياجات الحياتية اليومية للاجئين وتحديدا في الجانب التربوي عبر إنهاء خدمات بعض المعلمين والموظفين أو إلغاء بعض الصفوف أو المدراس. وأكد سعد على تمسك الفلسطينيين بوجود وكالة أونروا كونها الجهة الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة حتى إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.

ترزح المخيمات الفلسطنية تحت الفقر والاهمال  (الجزيرة)

نكبة إنسانية
من جهته رأى الكاتب والإعلامي الفلسطيني عثمان بدر أن خفض التبرعات الدولية للأونروا يحمل بعدا سياسيا يتمثل في إلغاء أحد شواهد نكبة فلسطين عام 1948. وقال بدر للجزيرة نت إن الفلسطينيين في لبنان أمام نكبة إنسانية حقيقية، واعتبر أن الحكومات اللبنانية تعاطت دائما مع الموضوع الفلسطيني بنظرة أمنية، مشيرا إلى مخاطر حقيقية من استغلال بعض الجهات المتطرفة الظروف الصعبة للشباب الفلسطيني لمآرب تخريبية.

سيكون لبنان أكثر الدول تضررا بقرار تخفيض موازنة أونروا، لأن الوكالة تهتم بمعظم احتياجات الفلسطينيين فيه، وقال رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني حسن منيمنة إن تقليص موازنة أونروا هو سياسة أميركية جديدة يبدو أنها متلازمة مع مشروع إنهاء القضية الفلسطينية عبر ما وصف بصفقة القرن.

ورأى منيمنة في حديث للجزيرة نت أن تقليص موازنة أونروا خطير جدا لأنه يأتي تنفيذا لما يدعو إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتخلص من هذه الوكالة. ودعا منيمنة وزارة الخارجية اللبنانية وجامعة الدول العربية إلى التحرك لعودة واشنطن عن قرارها والعمل لتأمين مصادر تمويل لاستمرار أونروا في عملها.

عثرات الأونروا

دوافع حرب إسرائيل على أونروا

محمد النجار  

رغم أن المطالبة الإسرائيلية بإغلاق منظمة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (أونروا) تعود لسنوات ماضية، فإنها حازت على زخم كبير الشهرين الأخيرين بعد أن قلصت الولايات المتحدة مساعداتها للوكالة مباشرة بعد قرار الرئيس دونالد ترمب اعتبار القدس عاصمة إسرائيل.

ولدى إسرائيل تاريخ طويل من الدعاية المعادية لأونروا، ورغم أنها تحاول تقديم مبررات تلبسها رداء سياسيا وإنسانيا فإن كافة المراقبين والمحللين وحتى القائمين على المنظمة الدولية يرون أن هذه الدعاية تهدف لتصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين ولدت أونروا من رحم مأساتهم بعد نكبة عام 1948.

وأونروا بالنسبة لأكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني بمثابة المخيم الكبير الذي يجمعهم، ولدى دخول المرء لأي مخيم للاجئين من تلك المنتشرة في مناطق عمليات المنظمة الخمس (غزة، الضفة الغربية، الأردن، لبنان، سوريا)، يقابله علم الأمم المتحدة الذي يرتفع في مداخلها وعلى مباني المدارس فيها.

ويشكل العلم الأممي الأزرق للاجئين الفلسطينيين رمزا لاستمرار قضيتهم المتمثلة بالمطالبة بحق العودة، وتحاول إسرائيل في دعايتها تأكيد أنها لا تريد إسقاط هذا العلم وإنما تغيير اللافتات التي تنتشر تحته.

موظفون للأونروا في غزة يحتجون على تقليص المساعدات الأميركية للأونروا (رويترز)


من أونروا للمفوضية
فإسرائيل تريد أن ينتقل اللاجئون الفلسطينيون من عهدة أونروا إلى المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، دون المرور طويلا على الإسقاطات بالغة الخطورة التي تحول مشاكل هؤلاء من قضية سياسية إلى قضية إنسانية شأنهم في ذلك شأن عشرات الملايين من اللاجئين من ضحايا الحروب حول العالم.
وتعتبر أونروا مسؤولة عن 6.1 ملايين لاجئ فلسطيني، بعد أن كان هذا العدد سبعمئة ألف عام 1948، وكانوا يشكلون وقتها ثلثي عدد الفلسطينيين الذين هجروا من أراضي فلسطين عام 1948.

وتدير الوكالة نحو سبعمئة مدرسة، يدرس فيها 525 ألف طالب يتلقون التعليم الأساسي، ويعتبر قطاع غزة منطقة العمليات الأكبر لأونروا حيث بات يعتمد نحو 80% من سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني فلسطيني على مساعداتها بفعل الحروب والحصار الذي تفرضه إسرائيل منذ عام 2007.

في السنوات الأخيرة، كثفت إسرائيل من دعواتها لإغلاق أونروا، لكنها ومنذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض عملت على الاستفادة من سياساته التي توجها بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ثم رفضه تمويل الوكالة بعد أن قال إن بلاده لا تحظى بأدنى تقدير من الفلسطينيين رغم مئات الملايين التي تدفعها بلاده لهم.
تقليص المساعدات
وقلصت واشنطن -التي تتصدر قائمة الدول الممولة للوكالة الدولية- مساعداتها السنوية هذا العام لأونروا، حيث حولت في يناير/كانون الثاني الماضي ستين مليون دولار من أصل 125 مليونا تمثل مساهمتها السنوية في موازنة أونروا الأساسية.

وتقدم الولايات المتحدة أكثر من ضعف هذا الرقم مساعدات للبرامج والموازنات الطارئة لأونروا سنويا، وهو ما جعلها تتنبأ بأزمة جديدة تضاف لأزماتها التي تعاني منها أصلا وآخرها عجز بموازنة عام 2017 بلغ 49 مليون دولار.

وفي مرات عدة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتفكيك أونروا ونقل صلاحياتها للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

وفي رحلته الأخيرة للهند، أبدى نتنياهو سعادته إزاء الخطوة الأميركية بتقليص المساعدات لأونروا، ونقل التمويل الموجه لها للمفوضية التي قال إنها نجحت بشكل لافت في إدارة ملفات اللاجئين حول العالم.

ودائما ما يصف نتنياهو الوكالة بأنها "المشكلة في قضية اللاجئين الفلسطينيين وليس الحل" وسبق أن دعا المندوبة الأميركية بالأمم المتحدة نكي هيلي خلال زيارتها لإسرائيل العام الماضي للعمل على تفكيك أونروا، متهما إياها بأنها تساهم في نشر الكراهية ضد إسرائيل ومنع التوصل لاتفاق سلام.

دوافع الحرب
ويقدم السفير الإسرائيلي السابق بالأمم المتحدة رون فراوشر أبرز ما تضمنه الدعاية الإسرائيلية المطالبة بقتل أونروا، أوجزها بمقال نشره الشهر الماضي بصحيفة "إسرائيل اليوم" ويتلخص بما يلي:


- أونروا تمثل العقبة الرئيسية في عدم حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لأنها تعمل على تأبيده بربط وجودها بتحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين.


- أنشأت الوكالة قبل 71 عاما لرعاية شؤون سبعمئة ألف لاجئ فلسطيني، لكنها اليوم باتت مكلفة بإدارة حياة 5.3 ملايين فلسطيني تعتبرهم لاجئين.


- تعمل وكالة الغوث على تضخيم أعداد اللاجئين الفلسطينيين لأنها تستفيد من ذلك ماليا، فموازنتها تمنح اللاجئ الفلسطيني أربعة أضعاف اللاجئ الآخر من مختلف دول العالم، حيث يصل نصيب الفلسطيني من أونروا إلى 246 دولارا مقابل 58 للاجئين الآخرين.


ووسط هذه المبررات الإسرائيلية وخطوات الفعل الأميركية، يبدو الدور العربي الذي يعتبر الأضعف في تمويل الوكالة غائبا عن إيجاد إستراتيجية تبقي على أونروا باعتبارها رمزا لقضية اللاجئين الفلسطينيين حتى تحقيق عودتهم لوطنهم.

تقليصات الأونروا تخنق لاجئي غزة

أيمن الجرجاوي-غزة

حينما كان الناس يدثّرون أطفالهم من شدة البرد، كان اللاجئ الفلسطيني حسن قاعود وزوجته منهمكين في إبعاد مياه الأمطار التي أغرقت منزلهما المتواضع عن طفلتيهما النائمتين الملتحفتين بالسماء.
كان المشهد مرعبا عند الرابعة من فجر السادس من يناير/كانون الثاني الماضي، حينما استيقظ الزوجان على وقع انهيار جزء من سقف منزلهما -المسقوف بـ"الأسبست"- في مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، جراء سقوط خزان المياه عليه بفعل الريح العاتية.

في الصباح سارع اللاجئ إلى مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) القريب من منزله لطلب المساعدة في إصلاح أضراره، كما جرت العادة، لكن الرد كان مختلفا هذه المرة.
يقول قاعود للجزيرة نت "بعدما حصر باحث الوكالة الأضرار قال إن المنزل آيل للسقوط ولا يمكنك النوم فيه، لكن ليس لدينا برنامج لإصلاح الأضرار لعدم وجود تمويل، وأعطانا ثلاث فرشات وأغطية وحصيرا وقطعة نايلون -تمزقت سريعا- لتغطية السقف".

أضرار لحقت بمنزل اللاجئ حسن قاعود جراء المنخفض الجوي الأخير(الجزيرة)

يبدو الرجل محتارا بشدة، فلا هو قادر على ترميم منزله بنفسه، ولا تسديد رسوم ابنته "آمنة" التي أخرجت من رياض الأطفال، ولا توفير متطلبات رضيعته "إيمان".

ورغم أن قاعود موظف حكومي، فإنه لا يتقاضى فعليا أكثر من مئة دولار شهريا، بعد الحسوم التي أجرتها السلطة الفلسطينية على رواتب موظفيها بغزة، واقتطاع فاتورة الكهرباء وسداد قرض استفاد منه في زواجه قبل سنوات.

ويرى اللاجئ أن تقليص دعم أونروا تمهيد لإنهاء قضية اللاجئين، "فاليوم تقليص وغدا إنهاء لعمل الوكالة، وسحب كرت التموين (بطاقة لجوء)".

ودقّ التقليص ناقوس الخطر من احتمال انهيار وكالة الغوث، إذ حذّر المستشار الإعلامي للوكالة عدنان أبو حسنة من "انهيار الوكالة في حال استمرت أزمتها المالية الحالية".

أوائل
ولا يؤثر خفض الدعم على المساعدات العينية للاجئين فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تقليص التوظيف وتبديد أحلام مئات الخريجين المتفوقين في الاستقرار.

وبما بين طرفة عين وانتباهتها، قد يتحول عبد الله حجازي من مربٍ للأجيال إلى ملاحَق من القضاء وربما سجين، بفعل عدم التزام الوكالة بتثبيته في وظيفته بسبب أزمتها.

ولم يستطع حجازي (26 عاما) للشهر الثاني سداد ديون تكاليف زفافه، إذ كان يُخطط لسدادها من "وظيفته المضمونة"، فهو حاصل على الترتيب الأول من الذكور في قائمة توظيف معلمي العلوم بمحافظة رفح جنوبي القطاع، بعد ثلاث سنوات من الاجتهاد.

كان موعد تثبيته مُدرّسا في أيلول/سبتمبر 2017، لكنه لم يجنِ ثمار تعبه سوى العمل 12 يوما فقط منذ بداية الفصل الدراسي الثاني من هذا العام على بند "المياومة"، بدلا من أن يكون معلما مُجازا بسبب مرضه.

بنى اللاجئ أحلامه على الوظيفة التي لم تأت بفعل التقليصات الحادة، ولديه طفل لم يتعد عمره ثلاثة أشهر، ولا يستطيع توفير احتياجاته فضلا عن المتطلبات اليومية لأسرته.

 عبدالله حجازي خريج حاصل على الترتيب الأول في قائمة توظيف معلمي العلوم بمحافظة رفح (الجزيرة)

ويقول الشاب للجزيرة نت: "تعبنا وتحدينا الظروف ونجحنا، وحفرنا أسماءنا في أول قوائم التوظيف، لكننا لم نحصل على شيء رغم وجود ستين وظيفة شاغرة في تخصصي".

وتُشغّل الأونروا نحو أربعمئة معلم سنويا بعقود عمل ثابتة، لكنها لم تثبت هذا العام أحدا بفعل نقص التمويل، وهي تستبدل بذلك نظام العمل بـ"المياومة" لمن هم على قوائم التثبيت، وهو نظام لا يوفر الأمان الوظيفي ولا حقوق الموظفين.

قتل الأحلام
وربما يُعد حجازي محظوظا بالنسبة للخريج مصطفى جبر الحاصل على الترتيب الأول على القطاع في قائمة توظيف التربية الرياضية، إذ لم يحصل على يوم عمل واحد منذ صدور نتائج التوظيف في أيلول/سبتمبر الماضي.

إصرار جبر (30 عاما) على حصد المركز الأول كلّفه أربع سنوات من عمره قضاها في الاستعداد للامتحان والمقابلة، فهو يريد تحسين وضع أسرته بعدما عانت من ظروف قاسية 11 عاما، جراء تدمير الجيش الإسرائيلي منزلها عام 2003.

وتمثل الوظيفة أمرا مُلحا لجبر، فهو متزوج ولديه طفل عمره ثلاث سنوات، كما أنه المعيل الوحيد لوالديه وإخوته، ويسكن معهم في المنزل نفسه.

و"قتلت" التقليصات طموح جبر في الاستقرار، "فأنا ومئات الخريجين ذاهبون إلى المجهول بعدما كان التوظيف يمثل لنا استقرارا ماديا ونفسيا، ولم توظف الوكالة واحدا من تخصصي رغم وجود 13 شاغرا فيه".

" خطة ممنهجة" في مخيمات الضفة

 عاطف دغلس-نابلس

بحجة "العجز المالي" تزيد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) يوما بعد يوم معاناة نحو مليون لاجئ فلسطيني في 24 مخيما بالضفة الغربية، حيث أدى تقليص الوكالة لعملها إلى تأثيرات سلبية شديدة طالت جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية لآلاف اللاجئين.

فعلى الصعيد التعليمي، تمثلت آخر نتائج هذا العجز في فصل 158 معلما يشتغلون بمدارس الوكالة، في خطوة يرى البعض أنها "خطة ممنهجة" لإنهاء دور أونروا سياسيا أكثر منه عجزا ماليا تدعيه في ظل الإجراءات الأميركية والإسرائيلية الساعية لإلغاء حق عودة اللاجئين وطمس القضية الفلسطينية.

في العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، غادر اللاجئ جمال جبريني (52 عاما) كعادته مدرسة مخيم بلاطة شرق نابلس، ليعود في اليوم التالي فيجد أنه قد فصل من وظيفته مع 12 من زملائه المعلمين بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في وظيفته.

تراجع معدلات النظافة في المخيمات على خلفية تقليص خدمات الأونروا (الجزيرة)

يقول جبريني إن حياة القهر التي يعيشها بمخيمه بلاطة -أكبر مخيمات الضفة (30 ألف نسمة) وأعلاها بطالة وفقرا (54%)- تجعله يرفض كل ما ينتقص من كرامته ويحاربه وأطفاله الخمسة في لقمه عيشه، لكنه يضيف أن معاناته زادت بعدما منعت أونروا المساعدات العينية التموينية التي باتت مقتصرة على أناس بعينهم صنفتهم الوكالة تحت "خط الفقر".

محطة
وبدورها تحكي انتصار منصور (58 عاما) عن وقع قرار الفصل بعدما أفنت 38 عاما من عمرها في التعليم، سيما وأنه جاء قبل سنتين من إنهاء خدمتها بشكل رسمي وقانوني، وكأنها تكافأ بالفصل والعقاب على ذنب لم تقترفه.

بعد وفاة زوجها أضحت السيدة المنحدرة من مخيم الفارعة للاجئين شمال نابلس العائل الوحيد لأبنائها الستة "ثلاثة منهم بالجامعة" وتقول لـ الجزيرة نت إن أونروا فصلتهم وتساومهم على مستحقاتهم المالية.

يزيد من قلق جمال وانتصار كبر سنهما وافتقارهما لأي حرفة أو عمل غير الوظيفة، والأسوأ أن أمل الحياة "على بؤسها" صار معدما داخل المخيمات التي لم تعد "محطة انتظار" للعودة يعمل العالم بأسره على وأدها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

بؤس
يقول رئيس لجنة الخدمات بمخيم بلاطة أحمد ذوقان للجزيرة نت إن فصل المعلمين "تخريب" وإنهاء العملية التعليمية للاجئين، حيث سينجم عنه دمج الصفوف وارتفاع أعداد الطلاب فيها، وزيادة حصة المعلم التدريسية على حساب التخصص والكفاءة وحاجة التلاميذ الذين يقتربون من خمسين ألفا بمخيمات الضفة.

 بؤس الحياة في المخيمات يزداد يوما عن آخر- مخيم بلاطة (الجزيرة)

وهو الحال ذاته لبرنامج الشؤون الاجتماعية (المساعدات التموينية) التي تناقصت كما ونوعا، وتراجعت عن عموم اللاجئين لتقتصر على الحالات "الأشد فقرا" حيث يوضح ذوقان أن "نحو سبعين ألف حصة تموينية تراجعت لأقل من النصف".

وكذلك الحال للخدمات الصحية، إذ تراجعت نسبة التغطية للتحويلات الطبية لـ 50% بعد أن كانت 75% لمعظم اللاجئين، وتركزت على الفقراء والحالات الطارئة، كما تهدد أونروا بإغلاق مشفاها الوحيد بالضفة في قلقيلية.

كل ذلك "البؤس" يُرى بالعين داخل المخيمات، فضيق الأزقة وتكدس البناء وتدفق مياه الصرف الصحي للشوارع وسوء النظافة يعكس حجم المأساة وتشابهها، يضاف إلى ذلك أن "العمر الافتراضي" للمخيم قد انتهى زمنا ومكانا دونما أن يحقق أمل اللاجئين بالعودة لأرضهم أو حتى بعيش كريم في مخيماتهم.

بل صارت أبسط حقوقهم مهددة، فكل تلك المآسي باتت تتهدد السلم الأهلي، وفق ما يقول مدير عام المخيمات بالضفة ياسر أبو كشك فـ "صار اللاجئ يستجدي أي حياة بدلا من مطالبته بحقه بالعودة لأرضه والتعويض عن قهره ومعاناته" وأصبح ملزما بتحمل نتائج تملص أونروا وتقليصاتها.

ابتزاز
لكن مأساة اللجوء تجاوزت المخيم لتمس حق اللاجئ بالعودة "والمساومة" عليه سياسيا، وأن التذرع بالعجز المالي وعدم دفع أميركا التزاماتها يعد "ابتزازا سياسيا" يدفع اللاجئين للتصعيد ميدانيا، خاصة وأنه يتزامن و"صفقة القرن" الهادفة لهدم القضية الفلسطينية برمتها.

ومقارنة بمحطات الانتظار (المخيمات) يعيش المستوطنون حياة فارهة فوق أراضي اللاجئين المحتلة وتقدًم لهم كل الخدمات ويتلقون دعما خارجيا "منقطع النظير" في الوقت الذي ترفض فيه أميركا الإيفاء بالتزاماتها المالية لأونروا.

ونتيجة لـ "سرقة" المشروع الوطني الفلسطيني بأكمله، ينعم المستوطنون الآن بأراضي اللاجئين وممتلكاتهم، كما يقول وزير هيئة الجدار والاستيطان وليد عساف، بينما يُحرم اللاجئون أبسط حقوقهم في العيش الكريم.

تقشف الأونروا يخنق لاجئي الأردن

 


هديل صديق-عمّان

ضاقت الدنيا في وجه اللاجئ السبعيني أبو وائل بمخيم البقعة أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني في الأردن، وقع خبر استغناء وكالة وغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) عن خدماته كان كالصاعقة عليه.

أبو وائل واحد من مئة كانوا يعملون بنظام المياومة، استغنت الوكالة عن خدماتهم قبل أسابيع في إطار إجراءات تقشفية، لمواجهة تقليص الولايات المتحدة الدعم عنها إلى النصف.

يشكو أبو وائل الحال الذي وصل إليها هو وعائلته، وبصوت حزين يقول "كيف لي أن أوفر لأبنائي الستة وزوجتي المريضة لقمة العيش.. لم يبقَ أمامي سوى مد اليد للآخرين".

قرارات التقشف الأخيرة في الوكالة تبعاتها وخيمة، فالعشرات من عمال النظافة الذين يعملون بشكل جزئي معها في الأردن أضحوا دون عمل، ومن شأن ذلك أن يفاقم الأوضاع الصحية سوءا في مخيم يشكو سكانه من تراجع مستوى الخدمات المتعلقة بالنظافة.

مخيم البقعة أكبر مخيمات اللاجئين في الأردن(الجزيرة نت)

وتتحدث مصادر من داخل الأونروا عن قلق كبير من تداعيات القرار الأميركي تخفيض الدعم المالي للوكالة، حيث إن واشنطن تعتبر المانح الأكبر لها، وتقدر مساعداتها بزهاء 370 مليون دولار سنويا.

وتقول مديرة الإعلام في الأونروا منال سلطان معلقة على قرار إيقاف عدد من العمال: "أجبرنا على اتخاذ خطوات صعبة بسبب الأزمة المالية غير المسبوقة التي تمر بها الأونروا.. كان أحدها إلغاء بعض عقود المياومة من غير المساس بالعقود الدائمة للموظفين ولا بالخدمات الأساسية المقدمة للاجئين".

وتضيف "الوكالة مستمرة في تقديم خدماتها الرئيسية لنحو مليوني لاجئ فلسطيني في الأردن، بالرغم من الأزمة المالية التي تخنقها".

وتلفت منال إلى أن الأونروا أطلقت حملة دعم وتحصيل تمويل عالمية تحت عنوان "الكرامة لا تقدر بثمن" لسد العجز المالي.

لكن الخوف الأكبر لدى اللاجئين من تفاقم الوضع وأن تمس قرارات مستقبلية قطاعات أساسية وحياتية مثل التعليم والصحة.

وفي الأردن زهاء مليوني لاجئ فلسطيني، وتحتضن المملكة 13 مخيما تضم قرابة 350 ألف لاجئ.

ويقول عطية حمدان -وهو من سكان البقعة وكان قد تلقى تعليمه في مدارس الأونروا- "نحن قلقون وخائفون من المساس بخدمات التعليم، فالمدارس في المخيمات قليلة وأعداد المعلمين قليلة والصفوف المدرسية مكتظة بالطلاب، حيث يصل عدد طلاب الصف الواحد إلى خمسين، والخدمات متواضعة جدا، وأي مساس بخدمات التعليم سيفاقم الوضع سوءا".

تعليم الأبناء
ويضيف حمدان "كل أطفال المخيمات يتلقون تعليمهم في مدارس الأونروا، وفي حال أغلقت مدارسهم فلن يكون بمقدرة اللاجئين تعليم أبنائهم في مدارس خارج المخيم".

ويقول آخر "الخوف أيضا من أن يمس التقشف خدمات الصحة، فكل العلاج الذي نتلقاه هو من المراكز التابعة للوكالة".

منال سلطان : أجبرنا على اتخاذ خطوات صعية(الجزيرة نت)

وما من شك في أن قرار تخفيض دعم الأونروا كان وقعه صادما على كبار المسؤولين الأردنيين، إذ سيفاقم أعباء المملكة المثقلة بالديون، وهي المستضيف الأكبر للاجئين الفلسطينيين.

وبنظر متابعين فإن الأردن -الذي ينظر إليه باعتباره واحة مستقرة وسط منطقة تعاني حروبا وتشنجات- لن يكون بمقدوره الاستعاضة عن خدمات الأونروا.

كما أن العبث بملف اللاجئين الفلسطينيين تبعاته خطيرة، وليست فقط على الأردن وفلسطين، بل على الدول المضيفة والمنطقة برمتها.

وفي هذا السياق، تقول الكاتبة لميس أندوني للجزيرة إن "مسألة بقاء الأونروا أمر ضروري ومهم، فهي تحمل عبئا ماليا كبيرا عن الأردن، وقد أنشئت لتحمي حقوق اللاجئين ولتضمن استمرارية حياتهم وصمودهم، بما فيها توفير التعليم والخدمات".

وتضيف "سياسيا استمرار الأونروا ضروري جدا، فأي تغير في وضع اللاجئين سيغير الوضع في الأردن. أما اقتصاديا فهناك ضرورة ملحة لاستمرار الوكالة لأنها تعتني بجوانب كبيرة مثل التعليم والصحة والخدمات في المخيمات، وأي تراجع في عملها سيؤثر بكل النواحي على الأردن"، مشيرة إلى ضرورة أن تعمل عمّان باتجاه حث الاتحاد الأوروبي على تعويض ما خفضته الولايات المتحدة.

أزمة أردنية
وتخلص أندوني للقول إن "الأردن يمر بأزمة اقتصادية ضاغطة.. ارتفاع البطالة سيغلق الأفق أمام اللاجئين وأبنائهم".

وفي خطوة لافتة، أعلن الاتحاد الأوروبي قبل أيام التزامه بدعم الأونروا وتسريع تمويلها، حيث قدم تبرعا ماليا بقيمة ثلاثة ملايين يورو (أي ما يعادل 3.7 ملايين دولار أميركي) لدعم الوكالة.

وكان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أكد في وقت سابق ضرورة استمرار دعم الوكالة للحفاظ على خدماتها للاجئين.

وقال "نحن حريصون على عدم تهميش قضية اللاجئين، فهي قضية أساسية وحياتية وسياسية، ويجب حل قضية اللاجئين على أساس القرار 194 ومبادرة السلام العربية".

من الجزيرة