أزمة غير مسبوقة

أزمة غير مسبوقة

 

سببت دولة مقدونيا الصغيرة الواقعة وسط البلقان، أزمة غير مسبوقة لجيرانها ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى، بعدما استنفرت جيشها وأعلنت الطوارئ أواخر أغسطس/آب 2015، لمنع عبور موجة من اللاجئين غير النظاميين القادمين من اليونان، أراضيها.

وباستثناء صربيا -التي تمثل قناة العبور التالية للاجئين باتجاه الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي- اتخذت دول مجاورة لمقدونيا إجراءات مماثلة، لمنع تدفق هؤلاء إلى أراضيها، مما مثل تصعيدا إضافيا للأزمة.

وبعد سقوط جرحى بين اللاجئين -وغالبيتهم فارّون من حربي سوريا والعراق- جراء قمع شرطة مقدونيا، تراجعت هذه الأخيرة، وأتاحت مرور نحو 3500 منهم، بينهم نساء وأطفال، باتجاه نقطة لتجميع اللاجئين جنوب صربيا.

وواصل غالبيتهم طريقهم إلى هنغاريا المجاورة، التي تكمل خلال أيام إغلاق حدودها بوجههم، مما يمثل عقدة جديدة في هذه الأزمة المفتوحة.

التغطية الحالية تعرّف بحركة اللاجئين الفارين من الصراع السوري وصراعات الشرق الأوسط إلى أوروبا عبر مختلف الطرق، كما تعرّف باتفاقية دبلن التي تحدد حصص اللجوء بين دول الاتحاد، وتقدم صورة عن السياسات المتناقضة لدول شرق أوروبا تجاه اللاجئين.

وتعالج التغطية أيضا، عوامل تشكل هذه الموجة المتجهة نحو الشمال الأوروبي الغني، وفي مقدمتها "بورصة التهريب"، كما تقدم شهادة لأحد اللاجئين عن مراحل انتقاله بين الدول ،إلى جانب تقارير أعدها مراسلو الجزيرة والجزيرة نت من اليونان وحدود اليونان ومقدونيا حول القضية ذاتها.

ثمانية ممرات

قصة دروب التهريب يرويها لاجئ سوري

ثمانية ممرات
لقطة بكاميرا الهاتف النقال لمجموعة الاجئين الذين تركوا لثلاثة أيام في جزيرة يونانية مهجورة(الجزيرة)

عبد الله مكسور

تعدّدت الطرق والمنافذ، وتعدّدت معها طرق الوصول بين الجو والبر والبحر، لكلّ من الواصلين قصّة اختزن فيها كل ما يمكن تخيّله.

سأحكي قصة وصولي إلى بلجيكا في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2014.

البداية من إسطنبول، ففيها لا يحتاج السائل أكثر من نظرة واحدة ليعرف أماكن تواجد المهرّبين: ساحة أكسراي، مقهى وطن، شارع الاستقلال، الفاتح.

الفنادق الرخيصة ستكون المحطّة الأولى ومعها سأبدأ بالاعتياد على أساليب جديدة في الحياة، لن تشبهني مهما حاول التأقلم معها. أبو خالد، أبو ناصر، أبو موسى، ثائر، أحمد، كلّها أسماء وهمية لأشخاص امتهنوا ما بات يعرف بالتهريب.

المساومة
بسؤال المهرب عن المبلغ الذي يريده، يبدأ بعرض الأساليب المتاحة والطرق الممكنة: أوّلا من مطار أتاتورك بأوراق مزوّرة "مضروبة" أو جواز شبيه. لخدمتك فقط عشرة آلاف يورو. سيفاجئني الرقم وتبدأ المساومة لخفضه. تسعة آلاف يورو، ثمانية آلاف.

كانت ليلة 12 أغسطس/آب، في تمام الثانية والنصف فجرا، تحرك القارب. جلس الجميع متوثّبين فوق بعضهم. ينفد الوقود، لحظات أخرى عصيبة وينقلب القارب، يغوص في الماء، يغيب تماما، ويبقى الراحلون، يصيحون، يستغيثون، قارب إنجليزي يقلّ عائلة في ظهر اليوم التالي مدّ حبلا لينجد الغارقين قبل أن يعيد تسليمهم للسلطات التركية

سيوافق في نهاية المطاف على 7500 يورو ليطلب مني فورا الذهاب إلى طاشكان في أكسراي لوضع المبلغ هناك، وتسلم ما يعرف هناك بالشيفرة السريّة التي ستسلّمها للمهرّب بمجرّد الوصول إلى البلاد التي تريد.

ركبنا الحافلة من إسطنبول بعد أن وضعنا الوديعة المالية في مكتب السعيد بأكسراي في الطابق الثاني من سوق طاشكان الأثري، الرحلة من إسطنبول إلى بودروم تتجاوز 15 ساعة.

كانت ليلة 12 أغسطس/آب، في تمام الثانية والنصف فجرا، تحرك القارب. جلس الجميع متوثّبين فوق بعضهم. ينفد الوقود، لحظات أخرى عصيبة وينقلب القارب، يغوص في الماء، يغيب تماما، ويبقى الراحلون، يصيحون، يستغيثون، قارب إنجليزي يقلّ عائلة في ظهر اليوم التالي مدّ حبلا لينجد الغارقين قبل أن يعيد تسليمهم للسلطات التركية.

في مركز بودروم للخارجين بطريقة غير نظامية، تحقيقات سريعة للناجين من الموت، يوم عصيب آخر يمتدّ حتى مطلع الصباح، دون طعام ولا لباس بعد أن التهم البحر كلّ شيء مرّة واحدة.

ما إن أخرج من باب المركز حتى أعاود الاتصال من هاتف عموميّ بصديق في إسطنبول كي ينجدني ببعض المال وأرقام مهرّبين.

محاولة أخرى بالطريقة ذاتها، هذه المرة لن تمسّهم الماء، بل سيضعهم قائد المركب الكبير أمام كتلة صخريّة قبل أن يخبرهم أنّها اليونان وليغيب في ظلام الليل والبحر، مع الصباح سيكتشف الراحلون أنّهم في تركيا، في جزيرة صخريّة صغيرة تقع في مواجهة بودروم مباشرة، يلعنون الحظ ولكن لا مفرّ من العودة إلى مركز بودروم بعد يوم طويل سيأتي في نهايته خفر السواحل التركي ليقلّ الجميع إلى مركز الاحتجاز، إجراءات سريعة تماثل ما سبقها بأيّام قليلة، وتليها محاولة ثالثة بعد أيام أخرى مع مهرب جديد.

اللاجئون السوريون أثناء انتظارهم على الصخرة اليونانية المهجورة (الجزيرة)

الرحلة الأخيرة
من فندق طومان باي في بودروم، 20 أغسطس/آب، يتحرّك الجميع، عائلات وشباب وأطفال ونساء، نحو المرسى أمام الشاطئ السياحي حيث توقّف يخت كبير، هبط في قلبه 52 نفرا، كان بينهم راوي القصّة الذي شهد تسع ساعات كاملة مختبئا بين أرجل آخرين، حتى وصل اليخت إلى ساحل رمليّ ترتفع في نهايته سلسلة جبلية.

قال لهم سائق اليخت إنّ القرية اليونانية تنام خلف الجبل الأوّل، وبعد أن مضى صعد الجميع إلى قمة الجبل ليجدوا جبالا أخرى ممتدة ولا بشر ولا تغطيّة للهاتف الجوّال في المكان، كانت كتلة صخرية في قلب البحر لا أكثر، بعيدا عن أعين خفر السواحل رماهم اليخت وهرب محمّلا بنقود المعدمين.

ثلاثة أيّام كاملة قضاها الجميع بين السماء والأرض، قبل أن تكتشفهم سفينة بعيدة لاحظت لهيب النار التي أضرمها الناجون على الرمل. في صباح اليوم التالي جاء خفر السواحل اليوناني.

لحظات لا ينساها راوي القصّة الذي وصل إلى أثينا في 25 أغسطس/آب بعد يومين من الاحتجاز في جزيرة تيلوس.

في أثينا حاول العبور بأوراق مزوّرة من المطار الرئيسي ومن مطارات الجزر البعيدة والقريبة، قبل أن يهتدي مع آخرين إلى رحلة شاحنة بلغارية، أخفاهم سائقها فوق صندوق العدّة بحاجز مصطنع يفصل نهاية القاطرة عنه بـ55 سنتيمترا ليمتدّ على عرض الشاحنة.

في تلك المسافة جلس 15 رجلا، بعضهم أصابه الإغماء خلال الرحلة وكاد أن يفقد حياته. 19 ساعة في الشاحنة المغلقة تماما من أثينا إلى كورفو الإيطالية عبر كومينيتسا اليونانية، حيث أقلّت باخرة الشاحنة التي اختبأ فيها الهاربون إلى الشاطئ الآخر، كان ذلك في السادس من أكتوبر/تشرين الأول.

عبر مقدونيا.. صربيا فالمجر(هنغاريا)

مقدونيا

عبر مقدونيا.. صربيا فالمجر(هنغاريا)
سكوبيا عاصمة جمهورية مقدونيا(الفرنسية)

 

اسمها الدستوري "جمهورية مقدونيا"، عاصمتها سكوبيا ونظامها السياسي جمهوري. أعلنت استقلالها عن يوغسلافيا سابقا يوم 8 سبتمبر/أيلول 1991.

تقع مقدونيا في جنوب شرق القارة الأوروبية في منطقة البلقان، وتحدها شمالا صربيا والجبل الأسود وشرقا بلغاريا وجنوبا اليونان وغربا ألبانيا. وتبلغ مساحتها 25 ألفا و713 كيلومترا مربعا. مناخها بارد شتاء، معتدل صيفا.

يصل عدد سكانها إلى ملونين و91 ألفا و719 نسمة، بنسبة نمو 0.21% (تقديرات يوليو/تموز 2014). وتعرف تنوعا عرقيا، إذ يشكل المقدونيون 64.2% والألبان 25.2%، والأتراك 3.9%، والغجر 2.7%، والصرب 1.8%.

ثلثا سكان مقدونيا مسيحيون أرثوذوكس (64.7%) بينما تبلغ نسبة المسلمين 33.3%، والباقي من طوائف مسيحية مختلفة وأديان أخرى. وتعتبر اللغة لمقدونية، اللغة الأولى وفق الدستور، تليها الألبانية لكونها اللغة الأم لحوالي 40% من السكان، ثم اللغة الصربية.

ينبني اقتصاد مقدونيا على أهم ما تنتجه، من: المنسوجات والمواد الكيميائية والصلب والحديد والعنب والتبغ والخضراوات والفواكه، بالإضافة إلى قطاع السياحة لما تمتلكه البلاد من مؤهلات طبيعية (جبال وأنهار وبحيرات) ومآثر تاريخية وحضارية كالقلعة البيزنطية السلافية ودير القس بانتليمو ومسجد مصطفى باشا وغيرها.

ومن الموارد الطبيعية في البلاد: النحاس والحديد والرصاص واليورانيوم. ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 10.65 مليارات دولار، بينما يبلغ الناتج الفردي السنوي 10800 دولار. وتعاني من البطالة بنسبة 28.6%، ومن دين خارجي يقدر بـ7.451 مليارات دولار.

 التخلص من أسر يوغسلافيا
لمقدونيا تاريخ عريق يعود لما قبل القرن الرابع قبل الميلاد، إذ عرفت بمملكة مقدون، وغزاها فيليب الثاني المقدوني نجل الإسكندر الأكبر المقدوني، كما تعرضت للغزو البيزنطي والبلغاري والصربي، ثم دخلها العثمانيون باعتبارها واحدة من دول البلقان.

ما تزال مقدونيا تنتظر العضوية في الاتحاد الأوروبي، رغم أنها قدمت لأجل ذلك طلبا عام 2004، وحصلت على وضع الدولة المرشحة في ديسمبر/ كانون الأول 2005

أصبحت -بعد تفكك ولايات الإمبراطورية العثمانية في أوروبا- جزءا من مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين، وخضعت للحكم الشيوعي في إطار الدولة اليوغسلافية. وعقب تفكك الأخيرة عام 1991، تخلصت منها واستقلت بنفسها كجمهورية مقدونيا، لكنها دخلت في نزاع مع اليونان، لأن الأخيرة ترفض استخدام اسم "مقدونيا" من قبلها لأنه يشبه اسم منطقة شمال اليونان. وهو موضوع نزاع مطروح على محكمة العدل الدولية.

باتت مقدونيا عضوا في الأمم المتحدة في 8 أبريل/نيسان 1993 باسم "جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة"، وحصلت على العضوية في عدد من الهيئات والمؤسسات الدولية، منها: صندوق النقد الدولي ومنظمة الصحة العالمية ومجلس أوروبا ومنظمة الأمن والتعاون ومنظمة التجارة العالمية.

 على باب الاتحاد
انضمت غريمتها ألبانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2009، لكن مقدونيا لم تنضم له بعد بشكل رسمي، بسبب النزاع مع اليونان. وهي تلقى من تركيا دعما كبيرا للالتحاق بالحلف العسكري المذكور.

وما تزال مقدونيا تنتظر كذلك العضوية في الاتحاد الأوروبي، رغم أنها قدمت لأجل ذلك طلبا عام 2004، وحصلت على وضع الدولة المرشحة في ديسمبر/ كانون الأول 2005، كما أوصت المفوضية الأوروبية بفتح مفاوضات انضمام مقدونيا في أكتوبر/تشرين الأول 2009، ويعود سبب التأخير إلى الرفض اليوناني للسبب السالف الذكر.

لاجئ سوري بين مقدونيا واليونان

video

اللجوء عبر حدود أربع دول(ألبوم)

ارتياح بالوصول إلى النمسا(ألبوم)

 

لمشاهدة الألبوم إضغط الصورة

قلق وإجراءات أحادية بأنحاء أوروبا

video

انفجرت آخر حلقة من أزمة اللاجئين الهاربين من الحرب السورية وصراعات الشرق الأوسط، عندما أغلقت جمهورية مقدونيا في 20 أغسطس/آب 2015 حدودها مع اليونان، لوقف تدفقهم إلى أراضيها، في مسيرة هدفها العبور إلى صربيا والوصول إلى المجر، ومنها إلى دول الاتحاد الأوروبيالغنية.

وأتى قرار الإغلاق -الذي ما لبثت مقدونيا أن تراجعت عنه- بعد أن سبقتها المجر -العضو في الاتحاد الأوروبي وفي اتفاقية شنغن- قبل نحو شهر، إلى البدء بإقامة سياج بارتفاع أربعة أمتار على امتداد حدودها مع صربيا (175 كيلومترا) للحيلولة دون دخول اللاجئين إلى أراضيها.

ولم يخفف من الاحتقان -الذي أثارته ما وصفت بأنها أسوأ أزمة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية- إلا قرارا ألمانيا صدر في 25 أغسطس/آب يقضي بتجميد العمل باتفاقية دبلن. مما يعني ضمنا، إمكانية استيعاب مزيد من اللاجئين -وخصوصا السوريين منهم- بغض النظر عن البلد الذي دخلوه أولا، في إطار بحثهم عن حياة جديدة.

خلافات
لكن الإجراءات والتصريحات التي صدرت خلال الأزمة من طرف الحكومات الأوروبية المعنية بها، عكست خلافات دول الاتحاد وتلك المرشحة لدخوله وقلقها من تدفق اللاجئين.

رئيس وزراء صربيا فوتشيتش انتقد سلبية الاتحاد الأوروبي (غيتي إيميجز)

ففي 19 أغسطس/آب انتقد رئيس الوزراء الصربي ألكسندر فوتشيتش الاتحاد الأوروبي بسبب عدم الرد على بناء المجر للسياج الحدودي، وقال إن بلغراد سوف تشيد مأوى لآلاف المهاجرين العابرين إلى أوروبا الغربية.

وفي اليوم التالي وصف الرئيس المجري، يانوش أدير، في خطاب أمام مجندين جدد تدفق مئات اللاجئين إلى حدود بلاده بـ"الحصار"، وسط توقع أن يمرر برلمان بودابست في سبتمبر/أيلول المقبل تشريعا يتضمن إجراءات صارمة، من بينها السجن لمدة قد تصل إلى أربع سنوات لمن يعبرون الحدود بصورة غير قانونية.

من جهتها، استنفرت بلغاريا -المجاورة لمقدونيا- قواتها على الحدود تحسبا لتدفق اللاجئين إلى أراضيها. وعقد رئيس الحكومة بويكو بوريسوف ووزراء الداخلية وقادة الأجهزة الأمنية والمخابرات اجتماعا طارئا، ناقشوا خلاله تحذير وزير الخارجية الصربي إيفيتسا داشيتش من اتجاه اللاجئين إلى بلغاريا وكرواتيا عند إغلاق الحدود المجرية في وجههم. ونقلت صحيفة "دوما" عن مصدر في الاجتماع أن الجيش ووزارة الداخلية ستعزز تعاونها على الحدود مع كل من مقدونيا واليونان.

أما رئيس الحكومة التشيكي بوهوسلاف سوبوتكا، فقد حذر بعد ذلك بيومين من اتخاذ دول الاتحاد الأوروبي إجراءات أحادية الجانب في مواجهة أزمة  اللاجئين.

وأشار إلى أن واحدة من الدعائم الأساسية للاندماج الأوروبي المتمثلة في حرية التنقل داخل منطقة شنغن  تواجه خطرا حاليا بسبب أزمة اللاجئين.

وقد أثار هذا المناخ حفيظة باولو جينتيلوني وزير خارجية إيطاليا التي تتحمل عبئا لا يستهان به من أزمة اللاجئين. وقال في مقابلة مع صحيفة "إيل ميساجيرو" إن أوروبا مهددة بكشف أسوأ ما لديها: الأنانية واتخاذ القرارات العشوائية والخلافات بين الدول الأعضاء. وعبر عن قلقه الشديد، مؤكدا أن هذه القضية ستجعل أوروبا "تعيد اكتشاف روحها أو ستخسرها إلى الأبد".

اتفاقية دبلن لاستيعاب اللاجئين

 

السوريون شرق أوروبا والإسلاموفوبيا

السوريون شرق أوروبا والإسلاموفوبيا
طابور من اللاجئين السوريين أمام محطة قطار في اليونان في طريقهم لعبور مقدونيا إلى دول اللجوء الأوروبي(أسوشيتدبرس)

 

رغم اتساع الجروح، ووقع الأزمة على الضمير الإنساني الجمعي، وأوروبا بشكل خاص حيث ينهمر شلال من السوريين الفارين من ويلات الحرب المستعرة في بلادهم؛ لم تجد دول مثل بولندا وسلوفاكيا والتشيك أي غضاضة في رفض استقبال مسلميهم، والإعلان عن قبولها استضافة مسيحييهم، في خطوة انتقدها ضمنا الاتحاد الأوروبي، ويقول مراقبون إنها نتيجة لأجواء معاداة الإسلام المنتشرة في القارة العجوز.

وتتعلل تلك الدول -الواقعة جغرافيا في مناطق قريبة أو كانت على تماس مع الخلافة العثمانية- بصعوبة اندماج هؤلاء في محيط مسيحي صرف.

1- بولندا:

تورد صحيفة فايننشال تايمز -الصادرة في 23 أغسطس/آب- قصة السوري عدنان سعد وزوجته وطفله الرضيع الذين لم يضطروا -مثل آلاف من مواطنيهم السوريين الفارين من جحيم الحرب في بلادهم- إلى السير في رحلة محفوفة بالمخاطر برا وبحرا للوصول إلى أوروبا.

وتقول الصحيفة إن سعد مُنح هو وأسرته تذاكر طيران إلى وارسو قبل شهر، فضلا عن منزل يؤويه، ورعاية صحية، ودورات مجانية لتعلم اللغة، ومبلغ من المال.

كوباتش تربط استضافة مسيحيي سوريا بتعرضهم للاضطهاد(الأوروبية)

وبحسب الصحيفة فإن "الحظ" ليس وحده السبب في ذلك، ولكن ببساطة لأن سعد وعائلته من المسيحيين. وتشير الصحيفة إلى أن ذلك يندرج ضمن إستراتيجية لبعض دول أوروبا الشرقية "مثيرة للجدل".

وأضافت أن الاختيار يعتمد على معايير تضعها الكنائس التي تتولى اختيار الأسر، بشرط أن تقدم شهادات التعميد وخطاب توصية من كاهن إضافة إلى شهادة صحية.

وتلفت الصحيفة إلى أن الحكومة البولندية وافقت فعلا على قبول خمسين عائلة مسيحية سورية من مائتي شخص، في إطار مبادرة تقودها منظمة خاصة تدعى "إستيرا".

رئيسة  وزراء بولندا إيفا كوباتش عللت ذلك بالقول "إن المسيحيين الذين يتعرضون اليوم للاضطهاد بطريقة همجية في سوريا يستحقون من البلدان المسيحية مثل بولندا التحرك بسرعة لمساعدتهم".

وحين سئلت رئيسة منظمة إستيرا ميريام شاديد -المشرفة على المبادرة- عن سبب رفض المسلمين، قالت إن اللاجئين المسلمين "يشكلون تهديدا أمنيا لبولندا، فاللجوء العشوائي طريقة سهلة لتنظيم الدولة الإسلامية لتوزيع جماعاته في مجتمعاتنا". وزعمت أن "الكثير ممن يعتنقون الديانة الإسلامية مجرمون"!

وتخطط المؤسسة البولندية لجلب 250 عائلة مسيحية أخرى ابتداء من سبتمبر/أيلول، بشرط أن تتوفر الأموال اللازمة لنقلهم جوا إلى بولندا وإسكانهم، وتوفير راتب شهري لهم في حدود 440 يورو.

وأظهرت دراسة حديثة أن 70% من البولنديين يعارضون خطة أوروبية لدمج أربعين ألف لاجئ سوري، من ضمنهم 36% عبروا عن معارضتهم لذلك "بقوة".

2- سلوفاكيا

قال إيفان نيتيك المتحدث باسم وزارة الداخلية السلوفاكية في تصريحات صحفية إن بلاده تريد مساعدة أوروبا في حل مشكلة اللاجئين، "وكان بودنا أن نستقبل ثمانمئة مسلم، لكن لا توجد مساجد في سلوفاكيا.. كيف للمسلمين أن يندمجوا؟".

ورغم شلال الدم المتدفق في سوريا، ربطت سلوفاكيا أيضا موافقتها على استقبال السوريين بأن يكونوا من الديانة المسيحية وأن يكونوا "ملتزمين بالذهاب إلى الكنيسة".

وبحسب صحيفة "دوما" البلغارية -الصادرة في 21 أغسطس/آب- قررت سلوفاكيا أن تستضيف ثلاثمئة سوري موجودين حاليا في معسكرات على أراضي إيطاليا وتركيا واليونان.

وقال إيفان نيتيك المتحدث باسم وزارة الداخلية السلوفاكية في تصريحات صحفية إن بلاده تريد مساعدة أوروبا في حل مشكلة اللاجئين، "وكان بودنا أن نستقبل ثمانمئة مسلم، لكن لا توجد مساجد في سلوفاكيا.. كيف للمسلمين أن يندمجوا؟". 
وأضاف إنه عند إجراء المقابلات مع المعنيين سيتم السؤال عن التصورات الدينية لطالب اللجوء.

ورفضت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية أنيكا بريثارد التعليق على الموقف السلوفاكي، ولكنها قالت إن التفرقة على أساس ديني محظورة في كل دول الاتحاد الأوروبي.
وكانت مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة قد حثت من جهتها دول الاتحاد الأوروبي على عدم ممارسة أية تفرقة عند تطبيق برنامج إعادة التوطين.

لكن نيتيك يشدد على أن حكومته ترفض اتهامها بالتمييز، وإن هدف قرارها هو الحفاظ على "وحدة المجتمع".

 3- التشيك:

نحت جمهورية التشيك من جهتها المنحى نفسه، بإعلانها قبول استقبال سبعين عائلة سورية، ولكن بشرط أن تكون مسيحية.

بورصة التهريب تستنزف اللاجئين

بورصة التهريب تستنزف اللاجئين
قوارب مطاطية استخدمها اللاجئون للوصول إلى جزيرة كوس اليونانية(الجزيرة)

 


شادي الأيوبي-جزيرة كوس اليونانية

 يفترش محمود (47 عاما) الرصيف البحري في جزيرة كوس اليونانية مع مجموعة من أقربائه وجيرانه. بالقرب منهم تناثرت القوارب المطاطية الممزقة وسترات النجاة التي تركها آلاف اللاجئين عند وصولهم إلى الجزيرة.

انتظرت هذه المجموعة حوالي أسبوع في الجزيرة للحصول على وثيقة لجوء، والعثور على مكان في السفن التي تنقل الركاب إلى أثينا.

لم يستطع هؤلاء تحمل تكلفة الإقامة في الفنادق، ففضلوا توفير ما بقي معهم من مال لإتمام رحلة اللجوء إلى بلدان أوروبا.

محمود القادم من درعا، قال إن رحلته مع ابنه من درعا إلى الحدود التركية كلفته حوالي ألف دولار أميركي، ثم كلفه عبور الأراضي التركية والوصول إلى اليونان مبلغ 2200 دولار.

ويوضح محمود للجزيرة نت أنه إضافة للمهربين، هناك سماسرة يتوسطون بين اللاجئ والمهرب، وهؤلاء يتقاضون ما بين 100 و150 دولارا لقاء التوسط لإنجاز العملية، حيث إن المهربين لا يكشفون عن هوياتهم أمام اللاجئين.

رجل أمن يدقق أوراق أسرة سورية قبل ركوبها في الباخرة باتجاه أثينا (الجزيرة)

ويقول أحمد، جار محمود في الوطن واللجوء، إن المهربين لا يهمهم غير الربح المادي، فالمبلغ الذي يتقاضونه على الشخص الواحد يبدأ من 1200 دولار ويصل إلى 1500 في بعض الأحوال، وهم لا يرضون بأقل من هذه المبالغ بأي حال من الأحوال. وقد كلفته رحلته إلى اليونان مع زوجته وثلاثة أطفال مبلغ ستة آلاف دولار، بحسب قوله.

وتتدخل إحدى النساء في المجموعة لتصف المهربين بأنهم لا يعرفون الرحمة، حيث وضعوهم على شاطئ مدينة بودروم التركية في قارب مطاطي، قضوا فيه ساعات طويلة مع الخطر. وتقول إن الأطفال الذين كانوا في المركب كادوا يختنقون بسبب جلوسهم بين البالغين، بينما عانت امرأة حامل ساعات طويلة من الألم.

ربان مبتدئ
أما النقطة الأسوأ -بحسب محمود ورفاقه- فهي أن المهربين يقومون بتسليم قيادة القارب لأحد الركاب مقابل نقله مجانا، مما يعني تعريض المجموعة للمزيد من الخطر بسبب انعدام خبرة هذا الرجل وقلة حيلته أمام الأخطار المحتملة.

عن تدبير تلك الأموال، يقول أحمد إنه باع سيارة النقل التي كان يعمل عليها خلال الحرب إضافة إلى منزله بجميع محتوياته. وخلال السنوات الماضية أسكن أسرته في مدينة السويداء الآمنة، بينما ظل هو يعمل في مجال النقل في ظروف بالغة الخطورة.

أما محمود فقد كان يملك مطعما متوسط الحجم، وقد نجح في ادخار بعض المال خلال السنوات الماضية حيث استمر في العمل بينما كانت البراميل المتفجرة تنهمر على المنطقة.

المؤلم في قصة اللجوء -كما يعتقد محمود ورفاقه- أن الذين لا يملكون المال يضطرون للبقاء في أماكن الخطر مما يعرضهم للكثير من الأخطار.

لاجئون سوريون في احدى ساحات جزيرة كوس اليونانية (الجزيرة)

ويشير الرجلان إلى أن أكثر ما دفعهما للخروج من سوريا هو وضع أطفالهما الذين تركوا المدارس منذ أربع سنوات، وبعضهم يعاني مشاكل نفسية وأخرى في النطق، وهم يحتاجون إلى علاج لا يتوفر بطبيعة الحال في البلد.

يتواصلون
وتقول المجموعة إنها ترغب في التوجه إلى ألمانيا، حيث هناك أخبار عن استعدادها مؤخرا لقبول المزيد من اللاجئين. ويقولون إنهم يتواصلون مع أقرانهم الذين سبقوهم إلى بلاد أوروبا لأخذ المعلومات الصحيحة منهم بسبب انتشار الشائعات الكثيرة حول موضوع اللجوء.

ويقدر هؤلاء أن رحلتهم من اليونان إلى ألمانيا ستكلف كل شخص منهم حوالي ثمانمئة يورو، وفي حال احتاجوا إلى المال فسيطلبون المساعدة من أقربائهم الذين سبقوهم.

وتعتقد المجموعة أنها ضحية استغلال للكثيرين ابتداء من المهربين ومرورا بشركات النقل وأصحاب الفنادق الذين يتعاملون معهم بفظاظة. وقد حاولوا استئجار غرف في فندق قريب لكن التكلفة المرتفعة حالت دون ذلك، إذ وصلت إلى مئة دولار لليلة الواحدة. ويستغرب اللاجئون أن تكلفة الغرفة نفسها للسائح تنخفض إلى ثلاثين دولارا لليلة الواحدة.

كما يجري محمود ورفاقه مقارنة ساخرة بين رحلتهم من بودروم إلى كوس وبين الرحلات السياحية التي تقوم بها عشرات السفن المحلية بين الوجهتين، "دفعنا 1200 دولار لعبور هذه المسافة الصغيرة بواسطة قارب مطاطي متهالك، بينما يدفع السائح 25 يوروا لعبور المسافة نفسها بسفينة آمنة".

وصلوا إلى كوس.. ماذا بعد؟

بورصة التهريب تستنزف اللاجئين
في باحة القسم المختص بكوس ينتظرون ورقة التعريف بالهوية للسفر إلى أثينا(الجزيرة نت)

شادي الأيوبي- جزيرة كوس اليونانية

تعد جزيرة كوس اليونانية نقطة التقاط أنفاس لآلاف المهاجرين وطالبي اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، فهذه الجزيرة الوادعة -التي تعيش على موسم السياحة - هي أول أرض أوروبية يدخلها المهاجرون في طريقهم المحفوف بالمخاطر والاستغلال والمضايقات.

ينتظر اللاجئون في الجزيرة أمرا وحيدا، وهو الحصول على وثيقة مبدئية لإثبات الشخصية، وهذه الوثيقة تخول المهاجرين البقاء فترة أقصاها ستة أشهر داخل اليونان، وهي مدة كافية لمغادرتهم البلاد نحو دول أوروبا الغنية.

الحكومة اليونانية اكتفت -من ناحيتها- بالإجراءات الإدارية، أي عملية البت في طلبات اللجوء، أما الناحية الإغاثية فقد وكلت بها الجمعيات الإنسانية والمتطوعين الذين فرغوا أنفسهم لخدمة المهاجرين والعناية بهم.

ويعتقد المراقبون في البلد أن أي تحسن لن يطرأ على ملف اللجوء كون البلاد تمر بفترة انتخابات مبكرة، حيث تنشغل الأحزاب ببرامجها الانتخابية وكسب الناخبين، فيما تتعطل الكثير من مشروعات الدولة، ولا سيما القضايا المثيرة للجدل مثل الهجرة واللجوء.

خصوصية للسوريين

سبيروس ذانييل: اسكندافيا وبريطانيا وألمانيا هي مقصد اللاجئين (الجزيرة)

السلطات اليونانية قامت مؤخرا بتسريع عملية التحقق من الشخصية بالنسبة للاجئين السوريين نظرا لأنهم يشكلون 80% تقريبا من مجموع المهاجرين، وللاعتراف الدولي الذي حازه هؤلاء كأبناء بلد منكوب بالحرب،وبعد احتجاجات قاموا بها قوبلت بتدخل الشرطة اليونانية، مما أثار ردود أفعال أوروبية ودولية.

ويوضح المحامي الناشط في مجال اللجوء سبيروس دانييل أن المشكلة الكبرى في جزيرة كوس هي العثور على مكان يؤوي هذا العدد الكبير من اللاجئين.

ويقول دانييل للجزيرة نت إن 80% من اللاجئين يصرحون برغبتهم في السفر إلى ألمانيا، فيما يرغب الباقون في الذهاب إلى الدول الإسكندنافية وبريطانيا، ويضيف أن أحدا منهم لا يرغب في البقاء في اليونان، حتى أن بعضهم يسألون عند وصولهم إلى جزر اليونان: أين نحن؟ هل وصلنا إلى إيطاليا؟

ويؤكد حيدر -الشاب العراقي القادم من بغداد- أن وجهته مع زملائه هي فنلندا، حيث إن معظم البلاد الأوروبية أصبحت مشبعة باللاجئين. ويضيف حيدر وزملاؤه للجزيرة نت أنهم يعلمون أن فنلندا بلد فيه الكثير من الرتابة والملل، لكنهم سيصبرون حتى الحصول على اللجوء فيها بانتظار لحاق أسرهم بهم.

وتقول معظم العائلات السورية التي قابلتها الجزيرة نت في كوس إن الشيء الوحيد الذي تريده هو الحصول على تلك الوثيقة التي لا يمكنها من دونها ركوب الباخرة باتجاه أثينا ومتابعة مسيرتها إلى بلدان شمال أوروبا.

اللاجئون في جزيرة كوس ينقسمون إلى قسمين، قسم ساعدته ظروفه المادية في استئجار غرفة في فندق متواضع، وآخر أقل قدرة افترش الحدائق والشوارع والساحات العامة.

 مهاجرون بانتظار أوراقهم، يراقبون من على شاطئ الجزيرة(الجزيرة)

وتعاني الأسر المقيمة في الشارع من ظروف حياتية صعبة للغاية، فالحر الشديد يضربها طوال النهار، فيما تنعدم المرافق الصحية الضرورية، وتزداد هذه الظروف قسوة على النساء المحجبات في تلك الأجواء الحارة.

استغلال الحاجة
التمييز الإيجابي الذي قامت به السلطات اليونانية لصالح اللاجئين السوريين تسبب بمرارة لدى غيرهم من طلاب اللجوء، حيث يشكو الآخرون من تأخير كبير لطلباتهم رغم قدومهم من بلاد تعاني ويلات الحروب مثل العراق.

في المقابل، يشتكي السوريون من استغلال المهاجرين الآخرين مأساتهم وانتحال صفة اللاجئ السوري لتسريع عملية الحصول على اللجوء.

يقول أحمد -وهو عراقي من بغداد في الخمسينيات من عمره- إنه دفع حوالي 2500 يورو للعبور إلى جزيرة كوس، ولا يزال ينتظر منذ أيام الحصول على ورقة التثبت من الهوية. ويضيف -وهو الذي ترك أسرته في العراق بانتظار استدعائها لاحقا- أن السيئ في الموضوع هو أنه ليس هناك أي تاريخ لإنجاز الأوراق المطلوبة.

 وبسبب التشديد في مطارات اليونان من قبل مراقبي جهاز فرونتاكس، والتكلفة المرتفعة أصبح الطريق البري الذي يمر من شمال اليونان عبر دول البلقان هو الطريق الأوحد للاجئين، خاصة أن دول أوروبا الغنية أظهرت في الفترة الأخيرة استعدادا لقبول أعداد أكبر منهم، وأوعزت إلى دول البلقان بالتساهل مع مرورهم عبر أراضيها.

تشرد وانتظار في بدروم التركية

بورصة التهريب تستنزف اللاجئين
في إحدى حدائق بدروم سوريون ينتظرون ترتيبات المهربين ويترقبون بورصتهم(الجزيرة نت)

شادي الأيوبي - بدروم التركية


 شأن أقرانهم في المدن البلقانية الأخرى، يفترش مئات اللاجئين ساحات وشوارع مدينة بدروم التركية المقابلة لجزيرة كوس اليونانية، وذلك استعداداً ليوم المخاطرة بحياتهم نحو الجزيرة المقابلة.

الجزيرة نت زارت المدينة حيث يعيش أعداد من هؤلاء في محيط منطقة الميناء، موزعين بين ساحة البلدية وباحات المساجد الصغيرة المحيطة بها وساحات مواقف النقل العام.

ويقول أحمد القادم من العراق، نحن هنا نتنقل بين ساحة البلدية وباحات المساجد القريبة، فكلما أخرجتنا الشرطة من مكان، انتقلنا لمكان آخر، مضيفاً أن الشرطة لا تتعامل دوماً بلطف مع اللاجئين.

 وأوضح أحمد للجزيرة نت أن مواطنين من المدينة يقدّمون المساعدات للاجئين، ما يهون عليهم صعوبة التشرد، فيما يعاملهم آخرون معاملة عنصرية.

 

لاجئون سوريون في ساحة بلدية مدينة بدروم التركية (الجزيرة)

ويقول إن عمليات الخروج السري تنشط في مناطق مثل بدروم ومرمريس وإزمير، وحين تضغط السلطات على المهربين في منطقة من المناطق المذكورة، ينقلون نشاطاتهم إلى منطقة أخرى، وهكذا دواليك.

 أحاديث اللجوء
ويستطيع الزائر سماع مئات الأشخاص العرب وهم يتحدثون أو يتهامسون في شوارع وأزقة المدينة عن عمليات الخروج ومخاطرها، وعن المهرب الفلاني وكم يتقاضى على كل شخص، أو المهرب الآخر الذي أخذ مبلغاً من المال من إحدى الأسر ثم اختفى دون أن يقوم بالعمل المطلوب.

 المسافة البحرية التي يقطعها مئات السياح يومياً مقابل 15 يورو، يدفع اللاجئون لاجتيازها بقارب مطاطي(بلم) ألف وأربعمائة دولار للشخص الواحد ، فيما يصل السعر إلى ألفين وخمسمائة دولار عند الخروج في يخت سياحي. أما مدة الانتظار فتتراوح ما بين أسبوعين إلى عدة أشهر.

 وفي باحة مسجد مصطفى باشا القريب من المرفأ، التقت الجزيرة نت بالمهاجر السوري هاشم ملاّ وهو يجلس مع زوجته وابنتهما ذات الست سنوات.

 شرحت الأسرة للجزيرة نت كيف وقعت ضحية عملية نصب على يديْ أحد المهربين العرب. " كنا طعماً سهلاً للرجل. لم نسأل ولم نطلب ضمانات. وثقنا بكلامه المعسول وأعطيناه ألفي دولار لم يكن في حوزتنا غيرها. اليوم اختفى ولم يعد يجيب على الهاتف، مع أنه أكد لنا أنه سيرجع لنا المبلغ".

 ورغم إدراك هاشم أن المهرب قد سرق ماله، لا يزال يتصل به عشرات المرات يومياً، آملاً في صحوة ضميرٍ للأخير تعيد له المبلغ أو جزءً منه. ويشير هاشم إلى جاره أحمد، الشاب العراقي الذي كان أكثر حذراً، حيث اشترط دفع المبلغ للمهربين بعد وصوله إلى جزيرة كوس.

 كانت الأسرة تقيم في إحدى العواصم الخليجية، لكن الظروف كانت صعبة هناك لقلة العائد المادي وارتفاع تكلفة المعيشة، لذلك فضل الزوج ترك عمله والقدوم إلى اسطنبول لسلوك طريق الهجرة نحو أوروبا. كما قررت الزوجة مرافقته واصطحبت طفلتها معها.

وفيما تطلب الزوجة العودة إلى العاصمة الخليجية، يصرّ هاشم على مواصلة الطريق، موضحاً أنه بلغ سن الثامنة والخمسين من عمره، ولا أمل له في أي عمل براتب جيد في أي دولة عربية. في المقابل يبدو موضوع اللجوء أكثر إغراءً وأضمن لمستقبل ابنته.

كل تفصيل في حياة أسرة هاشم متعب، ابتداءً من المبيت والطعام والشراب، وليس انتهاء بشحن الهاتف النقال. يقول هاشم إن شحن الهاتف مشكلة يومية، حيث يستعمله بكثرة للتواصل مع أقربائه وأقرباء زوجته.

 لاجئون سوريون في شارع قرب محطة للنقل العام (الجزيرة)

ويضيف" حتى في المسجد لم يعودوا يسمحون لي بشحن الهاتف، وصرت أعطيه لزوجتي لتشحنه في مصلى النساء".

 لا للصور
معظم اللاجئين، خاصة الأسر، يتخوفون من الحديث إلى الصحافة، ويندر أن يقبل شخص أو أسرة بالتقاط صورة لها، وعادة ما يتلقى الصحفي جواباً متوقعاً " لو سمحت لا تلتقط أي صورة لنا. هذا سيؤذي أهلنا في اليرموك، أو في منطقة أخرى".

 طبعاً لا يخفى على المراقب أن الأسر لا ترغب بالتقاط صور لها وهي تفترش الساحات العامة، خاصة أن الكثيرين منهم كان سابقاً من الموسرين مادياً.

المجر.. المحطة الأصعب(ألبوم)

ضحايا اللجوء

 


يعتبر اللاجئون العالقون على الحدود البرية لدول شرق أوروبا من المحظوظين، نظرا لوصولهم سالمين إلى دول اللجوء الأوروبي الأولى المطلة على المتوسط وأبرزها اليونان وإيطاليا. لكن آلافا غيرهم لم يصلوا إلى برّ الأمان، وقضوا غرقا خلال الرحلات المحفوفة بالمخاطر عبر مياه البحر الأبيض المتوسط.

في ما يأتي أحدث أرقام المنظمة الدولية للهجرة عن عدد ضحايا اللجوء خلال العام الجاري


المصدر : الجزيرة

شارك برأيك