كابوس أوروبي ومصدر قلق للعالم

كابوس أوروبي ومصدر قلق للعالم

 

إنقاذ اليونان قضية مطروحة بقوة في الاتحاد الأوروبي منذ بدأ خطته الأولى في 2010، بينما يمثل هاجس إفلاسها أو خروجها من منطقة اليورو كابوسا لأوروبا وقلقا شديدا وتوترا في مناطق أخرى من العالم.

وستمثل الطريقة التي ستتعامل بها أوروبا مع أزمة اليونان نموذجا قائما لدول أخرى طرفية ضعيفة في منطقة اليورو. علما بأن تعثر سداد اليونان لديونها واحتمال خروجها من منطقة اليورو يمثل ضربة لمشروع الوحدة الأوروبية الذي يعمل عليه قادة القارة العجوز منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد ترك انتصار المعسكر الرافض لشروط الدائنين في استفتاء 5 يوليو/تموز 2015 أوروبا في وضع لم تعتده من قبل، وأطلق يد حكومة أليكسس تسيبراس اليسارية لتتصدى بقوة لشروط الدائنين في مفاوضات محتملة قادمة.

وجاءت نتيجة الاستفتاء مفاجئة لأكثر سياسيي منطقة اليورو حصافة، وقد رأوا فيه استفتاء على رغبة الشعب اليوناني في البقاء في منطقة اليورو أو الانسحاب منها.

وإذا كان الاستفتاء قد كشف عما يشعر به اليونانيون إزاء شروط المقرضين الأوروبيين وصندوق النقد الدولي، فإن الأيام القادمة ستكون حبلى باحتمالات عدة، بينها انسحاب بعض أطراف المفاوضات لتواجه أثينا مصيرها بنفسها.

وسيترتب على ذلك أيضا احتمالات تتراوح بين الانهيار المالي والانسحاب من منطقة اليورو، وكلاهما مر، أو التوصل إلى حل لم يطرح من قبل، وهو مستبعد.

أزمة ديون اليونان المستحقة لأوروبا وصندوق النقد الدولي والمفاوضات الدائرة لحلها هي محور هذه التغطية. وفيها تعريف بجذورها وانعكاساتها الحالية والمستقبلية على كل من أوروبا والاقتصاد العالمي ومنه الاقتصاد العربي. وكذلك تجاذبات المفاوضين والسيناريوهات التي يطرحها الخبراء لحلها.

قروض اليونان وخطط إنقاذها

 قروض اليونان وخطط إنقاذها
الجهات المانحة وبينها الاتحاد الأوروبي منحت أثينا 240 مليار يورو(رويترز-أرشيف)

 

شجع ارتفاع النمو الاقتصادي بين العامين 2000 و 2008 حكومة اليونان على زيادة الإنفاق. وتضاعف دخل الفرد من 12 ألف دولار في العام 2000 إلى 31 ألفا عام 2008، وارتفع إنفاق الحكومة على قطاعات الدفاع والمعاشات، وزادت مرتبات القطاع الحكومي إلى الضعف في نحو عشر سنوات. لكن تمويل الإنفاق كان قد تم بقروض بفوائد منخفضة من الحكومات الأوروبية والبنوك.

أول حزمة
وبعد أن زادت ضغوط القروض وفوائدها، وتأزم الوضع المالي(بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية 2007-2008)، وقعت حكومة جورج باباندريو الحزمة الأولى للإنقاذ في مايو/أيار 2010، ووافقت على خفض كبير في الإنفاق وزيادة الضرائب، مقابل الحصول على 110 مليارات يورو.

وبعد عامين ومع استمرار هبوط الناتج المحلي الإجمالي اضطرت  ترويكا المقرضين -المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي- إلى تقديم حزمة إنقاذ ثانية بقيمة 130 مليار يورو.

وقد استفحلت الأزمة وقفز الدين العام للبلاد من 107% من الناتج المحلي الإجمالي في 2007 إلى 177% في 2014، أي إلى 317 مليار يورو (351.7 مليار دولار)، حسب أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي يوروستات للعام 2014، وهو مستوى اعتبر صندوق النقد الدولي أنه يصعب سداده، في الوقت الذي يطالب فيه بتسديد كامل ديونه التي تصل إلى 32.5 مليار يورو (36 مليار دولار) على مدى عشر سنوات، منها 1.5 مليار يورو استحقت في نهاية يونيو/حزيران الماضي.

وأمام تدهور الوضع المالي والاقتصادي باتت خطة إنقاذ ثانية أمرا ضروريا في 2012، تقضي بمنح قروض إضافية بقيمة 130 مليار يورو وشطب كثيف للدين الخاص الذي وصل إلى 107 مليارات يورو (118.7 مليار دولار)، مقابل تدابير جديدة لتصحيح مالية البلاد.

وكانت آخر دفعة لتسديد هذا القرض -وهي 7.2 مليارات يورو (7.988 مليارات دولار)- قد استحقت في 30 يونيو/حزيران 2015، بعد إرجائها لمرات عدة، فيما اشترط الدائنون تبني تدابير جديدة للتوفير. ومن المفترض أن تسدد 3.9 مليارات دولار في يوليو/تموز الجاري.

محطات الأزمة

 

انضمت اليونان إلى السوق الأوروبية المشتركة، وهو ما عرف فيما بعد بالاتحاد الأوروبي في أول يناير/كانون الثاني 1981, مما ساعدها على بدء فترة من النمو الاقتصادي.

وقد شجع النمو المتواصل في ضخ الاستثمارات في مشروعات صناعية وفي البنية التحتية، وفي استقبال المزيد من الأموال من الاتحاد الأوروبي وازدهار النشاط السياحي وصناعة السفن وقطاع الخدمات ودفع بمستوى المعيشة في البلاد إلى أرقام لم تصلها من قبل.

وبدأت اليونان في استخدام العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" في العام 2001، وفي السنوات السبع اللاحقة تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات من 12.400 دولار في العام 2001 إلى 31.700 دولار عام 2008.

وقامت الحكومة اليونانية والبنوك والشركات الخاصة بتشجيع من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي، بالحصول على قروض لتمويل مشروعات البنية التحتية التي تنفذها الشركات الأجنبية واليونانية، مثل تلك التي نفذت عام 2004 لتنظيم الألعاب الأولمبية الصيفية في أثينا.

كان ذلك قبل أن تتأثر البلاد بالأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة في العام 2007-2008، ليهبط الناتج المحلي الإجمالي بنحو 20% بين 2008 و2010، ويؤدي إلى شل قدرة الحكومة على سداد القروض.

بالأرقام

 محطات الأزمة
متقاعدون يتهافتون للسحب من صراف آلي أمام أحد بنوك أثينا(أسوشيتدبرس)

 

اعتمدت اليونان منذ 2010 على المساعدات الأوروبية للتغلب على عبء القروض التي أثقلت كاهل الحكومة، ووصل حجم المساعدات إلى نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي منذ حزمة الإنقاذ الأولى في 2010.

وبين العامين 2003 و2007، عندما ضربت الأزمة المالية العالمية الولايات المتحدة وامتدت لأوروبا، حققت اليونان نموا اقتصاديا بمعدل سنوي 4%، لكن اقتصادها أخذ منحنى نزوليا وشهدت البلاد ركودا في 2009 بسبب صعوبة الائتمان وإخفاق الحكومة اليونانية في كبح تعاظم عجز الموازنة.

تدهور مالية الحكومة وتقديم إحصاءات حكومية خاطئة لمنطقة اليورو حول الوضع المالي للدولة إضافة إلى تعثر الإصلاحات دفعت وكالات التصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف الديون الحكومية في نهاية 2009 مما فاقم الأزمة المالية للبلاد.

وبعد أن حققت اليونان نموا بنسبة 5.9% في 2003 و5.5% في 2006 شهدت هبوطا، لينكمش اقتصادها بمعدل سالب 3.1% في 2009 وسالب 4.9% في 2010 وسالب 7.1% في 2011 وسالب 7.0% في 2012 وسالب 3.9% في 2013.وبعد هبوط في النمو لست سنوات عاد اقتصاد اليونان للنمو في 2014، لكنه ارتد للركود في 2015.

دين
في العام 2011 وصل الدين العام للدولة إلى 355 مليار يورو (170% من الناتج المحلي الإجمالي). وبعد مفاوضات حول أكبر عملية إعادة هيكلة للديون في التاريخ مع القطاع الخاص استطاعت الحكومة خفض ديونها إلى 280 مليار يورو (137% من الناتج المحلي الإجمالي)، وذلك في الربع الأول من 2012.

في الوقت نفسه ارتفع الدين نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 112.9% في 2008 إلى 148.3% في 2010 وإلى 175.1% في 2013، حسب أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي.

عجز الموازنة
استطاعت اليونان كبح عجز موازنتها في العام 2007-2008 للمستوى المطلوب في منطقة اليورو، وهو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن في العام 2009 زاد العجز ليصل إلى 15.7%، قبل أن ينخفض إلى 10.9% في 2010 ويرتفع مجددا إلى 12.7% في 2013.

بطالة
وبين العامين 2008 و2015 بلغ معدل البطالة 14.94% سنويا من مجموع اليد العاملة، ووصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في سبتمبر/أيلول 2013 ليسجل 28%، بينما سجل أدنى مستوى له وهو 7.30% في مايو/أيار 2008، حسب أرقام إدارة الإحصاء الوطني اليونانية.

وفي مارس/آذار الماضي, أحدث إحصاءات متوفرة، بلغ معدل البطالة 26.60% من مجموع اليد العاملة.

أواسط 2015

أسئلة وخلفيات

أسئلة وخلفيات
تسيبراس قدم مشروع للدائنين مقابل شروطهم قبل فشل المفاوضات مع الترويكا(رويترز-أرشيف)

 

تبدو خلفيات أزمة اليونان مع دائنيها غامضة نظرا للطبيعة الاقتصادية الصرفة للمشكلة ولاختلاطها بالمواقف السياسية المباشرة لحكومة أليكسس تسيبراس والمضمرة في مطالبات المفوضية الأوروبية وصندوق النقد والمصرف المركزي الأوروبي.

وغالبا ما أهملت التغطيات الإخبارية للأزمة تلك الخلفيات، لتركيزها على جزئيات ومواقف متشعبة من الأزمة الأم.

وفيما يلي إجابات توضيحية لأبرز المصطلحات التي تداولتها وسائل الإعلام بخصوص أزمة اليونان ودائنيها إلى حين انفجار الأزمة وإعلان اليونان عجزها عن السداد نهاية يونيو/حزيران 2015:

ما هي شروط الدائنين لتمديد برنامج القروض؟

تتضمن شروط الدائنين النهائية رفعَ أعمار التقاعد حتى 67 عاما، وخفض الرواتب في القطاع العام، ورفع ضريبة القيمة المضافة، وإلغاء الامتيازات التي تتمتع بها الجزر وإرغامها على دفع الضرائب لصالح خزينة الدولة، كي تتمكن حكومة تسيبراس من تحقيق فائض مالي قادر على تحقيق النمو المطلوب في البلاد.

ما رد تسيبراس على الدائنين قبل انهيار المفاوضات؟

قدمت حكومة تسيبراس للترويكا مشروعا إصلاحيا قبل أسبوع من انتهاء مهلة الدائنين في نهاية يونيو/حزيران الماضي تضمن اقتراحا برفع قيمة الضرائب على الأثرياء، حتى المعدّل الوسطي المعمول به في الدول الأوروبية، ورفع قيمة ضريبة الدخل للمعدّلات الوسطية في دول الاتحاد، وفرض رسوم جديدة على قطاع القمار والرهان وصالات الكازينو والرهان عبر الإنترنت.

وشمل المشروع كذلك رفع قيمة الامتيازات الممنوحة لشركات الاتصالات، وأهمها شركة "دويتشي تيليكوم" الألمانية. ورفع التزامات أرباب العمل لصالح صندوق الضمانات، لتتمكن الحكومة من تحقيق فائض في خزينة الدولة بنسبة 1% من قيمة الدخل القومي للعام الحالي 2015، و2% للعام المقبل 2016، و3% للعام 2017، وعدم مس استحقاقات التقاعد ورواتب محدودي الدخل.

ما الذي أوصل الأمور إلى هنا؟
اضُطرت اليونان في السابق إلى مواءمة سياساتها المالية مع سياسات التقشف التي فرضتها الجهات الدائنة في إطار برنامج الإنقاذ، لكن الخبراء الاقتصاديين لاحظوا أن الاقتصاد اليوناني لا يزال يعاني مما أسموه "ضعفا هيكليا". ورأوا أن "أي نمو مستدام لن يحدث إلا بعد نزع فتيل قنبلة معاشات التقاعد، ومكافحة التهرب الضريبي بتقوية الأنظمة الضريبية، واستقطاب الاستثمارات الخارجية عبر تبسيط نظامها الإداري الخانق، وتنويع الاقتصاد خصوصاً أن في اليونان قطاعات تنافسية، مثل السياحة والزراعة وتشغيل الموانئ"، إلا أن الواقع يشير إلى أن شركات كثيرة عاملة في هذه القطاعات أفلست.

المفاوضات و"صراع الديكة"

video

 

الانتصار الكاسح الذي حققه معسكر "لا" في اليونان، الرافض للشروط الأوروبية لاستمرار خطة الإنقاذ، قطع حلقة شاقة من المفاوضات بين الحكومة اليونانية اليسارية بزعامة أليكسس تسيبراس وترويكا المقرضين (صندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي).

ورغم أن تصريحات الجانبين تشير إلى احتمال استئناف المفاوضات بعد انتصار معسكر "لا" في الاستفتاء، فإن احتمالات خروج اليونان من منطقة اليورو لا تزال قائمة، مما سيمثل بلا شك ضربة موجعة للطرفين.

وقد تزعمت ألمانيا المفاوضات بشأن القروض اليونانية للبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية منذ وصول تسيبراس إلى السلطة في يناير/كانون الثاني الماضي. ولم تتزحزح برلين خلال المفاوضات عن موقفها الصريح المعارض لتمديد خطة الإنقاذ الحالية التي انتهت يوم 30 يونيو/حزيران الماضي، بما ينطوي عليه من نفاد خزائن الدولة اليونانية من الأموال، وعدم قدرتها على تسديد قروضها، وزيادة احتمالات خروجها من منطقة اليورو.

الاستعداد الألماني
وقد وصفت أسابيع المفاوضات بين اليونان والمقرضين بـ"صراع الديكة"، حيث تفيد التقارير بأن ألمانيا مستعدة لترك اليونان تخرج من منطقة اليورو، بما يحمله ذلك من اضطرابات لمنطقة اليورو وآثار كارثية على الاقتصاد اليوناني.

وعلى الجانب الآخر جعل تسيبراس -الذي جاء به للسلطة انتصار حزب سيريزا المعارض للتقشف في يناير/كانون الثاني 2015 على أساس بطاقة انتخابية تطالب بإعادة التفاوض حول شروط الإنقاذ الأوروبية- جعل إنهاء سياسات التقشف في بلاده المفروضة من قبل المقرضين في صدر أولوياته.

وقد أدى طول مدة الأزمة واستمرار المفاوضات إلى تآكل الثقة بين الجانبين المتفاوضين وتمسك الاثنين بموقفيهما، في حين يقتضي المنطق تنازل كل طرف بما يوازي حجم القوة التي يمتلكها لاستمرار العمل داخل الاتحاد.

ولم تترك الشروط القاسية للمقرضين للحكومة اليونانية خيارا غير الرفض. ويرى كثيرون صعوبة تمرير السياسات اليسارية لحكومة اليونان في ظل سيطرة الرأسمالية الأوروبية.

فلم تعط الحكومة اليونانية أية فرصة لتطبيق سياساتها الخاصة بالخصخصة وزيادة الضرائب وتعزيز دور القطاع العام في ظل الشروط المفروضة من المقرضين.

ومن الطبيعي أن نرى المزيد من الشروط الأوروبية وزيادة الصعوبة التي تواجهها الحكومة اليونانية الحالية وقدرتها على الازدهار في ظل الأزمة الحالية، وهو واقع قد يفضي إلى نتيجتين، إما أن يدفع الشعب اليوناني ثمن تأييد الحكومة اليسارية، وإما أن يتم إقصاؤها بعد أن رفض زعماؤها ارتداء "البزة وربطة العنق" أسوة بالزعماء الأوروبيين.

وعندما وصف تسيبراس  شروط الترويكا بـ"المهينة"، كان يعني أن المقرضين أرادوا أن يلقنوا سيريزا درسا بأنه لا يستطيع الجمع بين تبني اليسار والاستمرار في منطقة اليورو.

مواقف الدول الكبرى

المفاوضات و"صراع الديكة"
رئيس الوزراء الفرنسي فالس رجح وجود أسس للاتفاق مع أثينا(الفرنسية-أرشيف)

 

بعد انعقاد القمة الطارئة لزعماء الاتحاد الأوروبي لبحث تداعيات الاستفتاء اليوناني على منطقة اليورو، كان لمسؤولين ينتمون لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى مواقف معلنة من الأزمة. وتنبع أهمية مواقف تلك الدول، من مكانتها في الاقتصاد العالمي وقدرتها على التأثير على طرفي الأزمة، تاليا المواقف:

رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس:

"لا يمكن المجازفة بخروج اليونان من اليورو لأسباب اقتصادية بالتأكيد، ولأسباب سياسية أيضا". وأضاف أن "الأسس موجودة لاتفاق" حول إنقاذ اليونان.

 وزير الخزانة الأميركي جاك ليو:

نأمل الوصول إلى نتيجة "تسمح لليونان بإجراء إصلاحات هيكلية ومالية صعبة لكنها ضرورية والعودة إلى النمو وتحقيق القدرة على الوفاء بالديون ضمن منطقة اليورو".

بوتين دعا لحل يحفظ مصالح كل الأطراف (الأوروبية)

وزير الاقتصاد الياباني أكيرا أماري:

"أتفهم أسباب تعبير الشعب اليوناني عن شعوره بالإحباط.. العالم يتوقع أن تتعاون اليونان والاتحاد الأوروبي بشأن خطة نهائية للإنقاذ المالي".

 وزير المالية البريطاني جورج أوزبون:

"ينبغي أن نكون واقعيين، ففرصة التوصل إلى نهاية سعيدة للأزمة تنحسر للأسف".

المتحدث باسم الكرملين دميتري بسكوف:

قال إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تباحث بشأن استفتاء اليونان في اتصال هاتفي مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد. وأبلغ المتحدث الصحفيين "البحث عن الحل الأمثل لأزمة ديون اليونان سيتواصل آخذين في الحسبان مصالح كل الأطراف".

استراتيجية تسيبراس إلى أين؟

المفاوضات و"صراع الديكة"
تسيبراس يريد أن يسجل اسمه بتاريخ اليونان كرءيس وزراء مختلف(الأوروبية)

 شادي الأيوبي

تمثل استراتيجية رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس في مفاوضاته مع الدائنين حجر الزاوية في أعمال حكومته ذات الأشهر الخمسة، حيث إن أهم ملف تعالجه الحكومة هو مسألة التوصل إلى اتفاقية مع دائني بلده، حتى إن أي ملف آخر تعالجه الحكومة يكاد لا يذكر في هذه الفترة.

 وقد ظهر بوضوح أن تسيبراس يريد أن يسجل اسمه رئيس وزراء مختلفا في التاريخ اليوناني الحديث، حيث تبنى منذ البداية خطابا راديكاليا يدعو إلى تسوية جذرية لمشكلة الدين اليوناني العام بشطب جزء منه وجدولة الباقي زمنيا بشكل أفضل للبلد. في المقابل، حافظ في خطابه على الأدبيات المعروفة لزعماء الاتحاد الأوروبي من أن مشكلة اليونان أوروبية وأن حلها يجب أن يكون أوروبيا كذلك.

 ترك تسيبراس العنان لكوادر من حزبه تعرف بـ"الجناح اليساري"، مثل بانايوتيس لافازانيس وزير البنى التحتية، إطلاق تصريحات حادة تتحدى الأوروبيين والدائنين عموما، وتلمح أحيانا أو تصرح أحيانا أخرى، بأن لليونان خيارات أخرى لا تقل أهمية وأمانا عن البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، قاصدين بذلك التوجه نحو بلاد مثل روسيا والصين، أو اتحادات وتكتلات دولية وإقليمية أخرى مثل اتحاد دول البريكس.

استفزاز الأوروبيين

المحلل السياسي يانيس كوتوسماتيس قال إنه أصبح من الواضح أن سياسة تسيبراس في المفاوضات مع الدائنين تعتمد على جعل الأمور تسير نحو أقصى حد لها، وتحقيق حل جيد مع الاتحاد الأوروبي في اللحظة الأخيرة، يظهره أمام الشعب اليوناني انتصارا على التقشف

هذه التصريحات، التي استفزت الأوروبيين، كانت تتعزز مع الزيارات التي قام بها تسيبراس إلى موسكو، أو تلك التي قام بها وزراؤه الى الصين. لكن الزيارات، على ما يبدو، لم تأت بالنتيجة المرجوة لحكومة تسيبراس، إذ أحجمت تلك الدول عن وضع أيديها في النار اليونانية الملتهبة، وفضلت أن يبقى الحل في إطار أوروبي.

وقد أكد المحللان اللذان تحدثا للجزيرة نت أن تسيبراس، رغم الأوضاع الصعبة التي تمر بها حكومته، والضغوط الداخلية والخارجية التي يتعرض لها، لا يزال مسيطرا على اللعبة السياسية في اليونان، وأن اليونانيين لا يزالون راغبين في أن يتولى هو وحزبه عملية التفاوض مع الدائنين، رغم إدراكهم أن أي اتفاقية مع الدائنين ستكون قاسية عليهم.

 المحلل السياسي يانيس كوتوسماتيس قال إنه أصبح من الواضح أن سياسة تسيبراس في المفاوضات مع الدائنين تعتمد على جعل الأمور تسير نحو أقصى حد لها، وتحقيق حل جيد مع الاتحاد الأوروبي في اللحظة الأخيرة، يظهره أمام الشعب اليوناني انتصارا على التقشف، لأنه لا يحتوي على تخفيضات في الرواتب والمعاشات التقاعدية.

 وأوضح كوتسوماتيس للجزيرة نت أن هذه الاستراتيجية لم تفلح بشكل جيد، مما أدى إلى إغلاق البنوك، وتقليص فرصة التوصل لاتفاقية جيدة بشكل كبير.

 وأضاف أنه رغم الظروف الصعبة، لا يزال تسيبراس مسيطرا في الميدان السياسي، حيث لا تزال له شعبية، فيما تعجز المعارضة عن إقناع الشعب بأنها تشكل بديلا جادا عنه.

عارف العبيد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بانديون قال إن تسيبراس يمثل اليوم الأغلبية الساحقة للمجتمع اليوناني، فقد انتصر على خصومه قبل خمسة أشهر بالانتخابات، ثم عزز انتصاره قبل يومين بالاستفتاء، وشكل ذلك تأكيدا ثانيا لرغبة الشعب اليوناني ببرنامجه السياسي والرغبة بالتغيير، وذلك بعد خيبة أمل اليونانيين من السياسيين الآخرين.

 عارف العبيد: إرهاب المعارضة خلال الاستفتاء أفقدها شعبيتها  (الجزيرة)

حل الأزمة
وقال العبيد إن حكومة اليسار تؤكد أن حل الأزمة الاقتصادية يكمن في جدولة الديون غير القابلة للسداد مع البقاء ضمن منطقة اليورو، فبعد مفاوضات استمرت خمسة أشهر جاء تقرير لصندوق النقد الدولي ليؤكد ما كان يزعمه تسيبراس حول ضرورة شطب جزء من هذه الديون.

 وأضاف أن ما حدث من عملية إرهاب نفسي أثناء الاستفتاء أفقد الأحزاب المعارضة التي أيدت سياسات التقشف الكثير من شعبيتها، وأعطى تسيبراس دعما وشرعية من الشعب اليوناني يجعلانه الزعيم الأقوى دون منازع، وذلك رغم أن أي اتفاقية مع الأوروبيين لن تكون مفروشة بالورود، بل بإجراءات تقشفية حادة.

 وقال إن الشعب يثق هذه المرة بأن تضحياته لن تذهب هدرا كما ضاعت طيلة السنوات الخمس الماضية، حيث استطاعت الحكومة اليسارية الصمود أمام الأمواج السياسية الجامحة، وهي لا شك ستترك بصماتها في التاريخ اليوناني كأول حكومة يسارية.

الأوروبيون يبحثون الحلول

المفاوضات و"صراع الديكة"
نتيجة استفتاء اليونان مثلت هزيمة لسياسة ميركل(الجزيرة)

 خالد شمت - برلين

اعتبر إعلان مفوض اليورو والحوار الاجتماعي بالمفوضية الأوروبية فالديس دومبروفيسكيس أن المفوضية أصبحت بعد نتيجة الاستفتاء اليوناني مغلولة اليدين، وعاجزة عن بدء مفاوضات جديدة مع أثينا دون تفويض من مجموعة اليورو.

وكشف تصريح دومبروفيسكيس  -المحسوب على تيار الصقور المتشددين بالمفوضية الأوروبية- عن نقل الاتحاد الأوروبي دوره القيادي بإدارة أزمة الديون اليونانية مباشرة إلى المصرف المركزي الأوروبي وبرلين وباريس.

طيبي السعداوي: الكرة في ملعب الأوروبيين (الجزيرة)

وبات منتظرا من البنك المركزي الأوروبي بعد  استفتاء اليونان إصدار إشارات حاسمة للنظام المصرفي اليوناني المهدد بالانهيار نتيجة نقص السيولة المالية.

تحول استراتيجي
وفرض تصويت اليونانيين ضد برنامج منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي للتقشف، على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، إحداث تحول استراتيجي بسياستهما تجاه  الأزمة اليونانية، وتقديم إجابة فاصلة في "قمة الحسم" لقادة ورؤساء دول وحكومات منطقة اليورو التسع عشرة الأحد القادم، على السؤال المثير للقلق هل ستخرج اليونان من المنطقة أم ستبقى فيها؟

وجعلت نتيجة الاستفتاء اليوناني وحدة المواقف التي تغنى بها رئيس مجموعة اليورو يروين ديسلبلوم ضربا من الماضي، ففي حين تتمسك فرنسا وإيطاليا ببقاء اليونان بأي ثمن بمنطقة اليورو، اتخذت بولندا وسلوفينيا ودول البلطيق موقفا معاندا يطالب بعدم التراجع أمام حكومة رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس حتى لو استدعى الأمر خروج أثينا من منطقة العملة الأوروبية الموحدة.

ورغم توافق مواقف ترويكا الدائنين على اعتبار الفاصل بين أثينا والإفلاس أصبح قاب قوسين أو أدنى، يصمت الجميع -خاصة بالاتحاد الأوروبي- عن الإشارة إلى اتفاق خبراء كثيرين على أن إعفاء اليونان من جزء كبير من ديونها أو إعادة جدولة هذه الديون يعد الطريق الوحيد أمام هذه الدولة  للتعافي والبقاء باليورو.

وبهذا الاتجاه ذهبت دراسة أصدرها قبل أيام صندوق النقد الدولي -أحد أطراف الترويكا- حيث شددت على حاجة أثينا لإعفائها من قسط كبير من ديونها ومنحها فترة سماح عشرين عاما تتوقف فيها عن خدمة دينها العام.

ورأى المحلل المالي ببورصة فرانكفورت للأوراق المالية الطيبي السعداوي أن الكرة أصبحت الأن بملعب الأوروبيين لتقديم تنازلات أو مواجهة تداعيات لن تكون لصالحهم إن خرج اليونان من منطقة اليورو.

كريتكوس توقع اتفاقا يبعد شبح الإفلاس (الجزيرة)

وأوضح للجزيرة نت أن عدم اتفاق البنك المركزي الأوروبي ورؤساء دول وحكومات منطقة اليورو بقمة الحسم الأحد القادم، على حزمة إنقاذ ثالثة لليونان، سيدفع حكومة أليكسس تسيبراس لإصدار سندات ديون كعملة موازية لتسديد رواتب موظفيها ومعاشات المتقاعدين ومستحقات الديون، وهو ما سيعني عمليا الخروج من اليورو.

مؤشرات
وقال سعداوي إن كل المؤشرات توحي برضوخ قادة دول منطقة اليورو، خاصة المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي هولاند، لواقع ما بعد الاستفتاء اليوناني، وقبولهم بالتفاوض مع تسيبراس بمنتصف الطريق، ولفت إلى أن تركيز مستشاري ألمانيا السابقين الذين عمروا طويلا بالحكم، مثل كونراد أديناور وهيلموت كول علي إنجازاتهم الأوروبية يمثل عاملا ضاغطا على المستشارة الحالية ميركل لتقديم تنازلات لإبقاء اليونان بمنطقة اليورو حتى لا تتهم تاريخيا بأنها من فككت هذه المنطقة.

وبهذا السياق اعتبرت المحللة الاقتصادية الألمانية أولريكا هيرمان أن تحول اليونان نظريا لدولة مفلسة نتيجة إضاعة الكثير من الوقت بمواجهة أزمتها يفتح المجال أمام دول منطقة اليورو لتقديم ما يمكن تسميته عرضا حقيقيا لأثينا، ورأت أن رئيس الحكومة اليونانية أليكسس تسيبراس يمثل أفضل شريك تتفاوض معه مجموعة اليورو، بعد تعامله بعد الاستفتاء كرجل دولة مدرك لاحتياجات بلده وشعبه.

من جانب آخر توقع ألكسندر كريتكوس الأستاذ بمعهد الاقتصاد الألماني أن تشهد الأيام القليلة القادمة اتفاقا بين منطقة اليورو واليونان يبعد شبح الإفلاس عن الثانية، واعتبر -في تصريح للجزيرة نت- أن سعي الجانب الأوروبي باستمرار لإبقاء الباب مفتوحا للمفاوضات مع حكومة تسيبراس عكس اهتمام منطقة اليورو بإبقاء اليونان بعضويتها.

الوحدة الأوروبية على محك اليونان

 الوحدة الأوروبية على محك اليونان
مشكلة اليونان بين مشاكل كبرى يواجهها حاليا قادة الاتحاد الأوروبي(أسوشيتدبرس-أرشيف)

 

تهدد أربع أزمات كبرى -في صدارتها اليونان- باجتياح الاتحاد الأوروبي وتراجع غير مسبوق لمشروع الوحدة الأوروبية الطَموح بعد الحرب العالمية الثانية.

وبحسب تحليل خبراء فإن المخاطر تحدق بوحدة الاتحاد الأوروبي وتضامنه ومكانته الدولية نتيجة أزمة الديون اليونانية، والدور الروسي في أوكرانيا، ومواصلة بريطانيا محاولاتها لتعديل علاقاتها مع أوروبا، والهجرة غير الشرعية عبر المتوسط. وسيؤدي الفشل في التصدي لأي من هذه الأزمات على نحو كاف، إلى تدهور الأزمات الأخرى بما يضخم المخاطر التي يجابهها المشروع الأوروبي.

اليونان بالصدارة
وأكثر هذه التحديات إلحاحا هو تخلف اليونان عن سداد ديونها وخطر خروج أثينا من نظام العملة الأوروبية الموحدة. وكتب فابيان زوليج وجانيس إيمانويليديس في تحليل لمركز السياسات الأوروبية "ما سيتمخض عنه خروج اليونان (من العملة الموحدة) على المدى الأبعد سيكون له أثره على المشروع الأوروبي ككل، وسيمثل سابقة، وسيؤدي إلى إضعاف مبررات وجود الاتحاد الأوروبي ذاته".

مدرعة روسية تشارك في مناورة على حدود أوكرانيا (رويترز-أرشيف)

ورغم أن اليونان لا تمثل سوى 2% من الناتج الاقتصادي لمنطقة اليورو وسكان الاتحاد الأوروبي، فإن إفلاس الدولة -بعد خطتين للإنقاذ أقرضها فيهما شركاؤها في الاتحاد الأوروبي ما يقرب من مئتي مليار يورو (220 مليار دولار)- يمثل لطمة هائلة لمكانة الاتحاد.

وحتى قبل معرفة نتيجة الاستفتاء في اليونان، فإن الجو السائد في بروكسل يتسم بتبادل الاتهامات. فاليونانيون يشيرون بإصبع الاتهام للألمان، ومعظم الآخرين يلقون اللوم على اليونانيين، ويلقي بعض الاقتصاديين اللوم على التشبث بالتقشف، بينما يركز مسؤولون بالاتحاد الأوروبي على نجاح خطط الإنقاذ الأخرى.

الرابطة المالية
ورغم أن مصير أثينا غير مؤكد، فقد أظهرت المشكلة اليونانية أن مؤسسي اليورو كانوا مخدوعين عندما أعلنوا أن العملة الموحدة تمثل رابطة لا تنفصم عراها.

والآن ربما يحاول شركاء اليونان صفق الباب وراءها، وأخذ خطوات سريعة لتوثيق الصلات بين الأعضاء الباقين، وربما إصلاح بعض الأخطاء الأولية في الوحدة النقدية، وذلك رغم أن المعارضة الألمانية ستحول -على الأرجح- دون أي تحركات صوب الإصدار المشترك للسندات الحكومية. ففي المرة التالية التي يحدث فيها ركود، أو يهز فيها ارتفاع عوائد السندات السيادية منطقة اليورو، ستتذكر الأسواق السابقة اليونانية.

وبخلاف المعاناة التي سيتسبب فيها الانهيار الاقتصادي لليونان، وضياع المليارات من أموال دافعي الضرائب في أوروبا، من الممكن أن يؤدي هذا الانهيار إلى تفاقم الأزمات الثلاث الأخرى التي تواجهها أوروبا، ويزعزع استقرار منطقة جنوب البلقان الهشة.

ونظرا لزيادة التوترات في شرق البحر المتوسط بسبب الحرب في سوريا والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واستمرار انقسام قبرص والنزاعات على حقول الغاز البحرية، فمن المحتمل أن تلجأ اليونان إلى روسيا طلبا للعون.

مشاكسة متوقعة

 القادة الأوروبيون يخشون من ظهور ضعف أوروبا أمام قادة الصين(أسوشيتد برس)

وفي المقابل قد تستخدم أثينا حق النقض (الفيتو) داخل الاتحاد الأوروبي للاعتراض على تمديد العقوبات على موسكو، بل إنها ربما تعرض على روسيا تسهيلات بحرية كانت ذات يوم للولايات المتحدة.

ومن شأن الفشل في تسوية أزمة ديون اليونان بعد خمس سنوات من المشاحنات أن يجعل الاتحاد الأوروبي يبدو ضعيفا في عيون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ، وآخرين يتطلعون لتوسيع نطاق نفوذهم. ويسلم مسؤولو الاتحاد الأوروبي بأن أزمة منطقة اليورو تسببت في إعادة اتخاذ القرار على المستوى المحلي في بعض السياسات وأضعفت "القوة الناعمة" للنموذج الأوروبي. وأوهن ذلك نفوذ الاتحاد الأوروبي في مفاوضات التجارة العالمية والتغير المناخي، ومن المحتمل أن يكون الأسوأ لم يحدث بعد.

فمطلب بريطانيا إعادة التفاوض على شروط العضوية في الاتحاد الأوروبي، وطرح المسألة في استفتاء لا تعرف نتائجه بحلول عام 2017، يثيران خطر فقد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر اقتصاد فيه ومركزه المالي الرئيسي وأقوى قواه العسكرية.

والتوتر قائم حاليا في بروكسل رغم أن استطلاعات الرأي التي تظهر أن البريطانيين المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي يتقدمون بعشر نقاط تقريبا، وكذلك بعض الارتياح لأن رئيس الوزراء ديفد كاميرون لم يدرج أي مطالب مستحيلة في برنامجه لإعادة التفاوض.(دويتشه فيله)

سيناريوهات الحل

  سيناريوهات الحل
سنوار دعا البنك المركزي الأورووبي إلى تقييم افتقار اليونان للقدرة على الوفاء بديونها(الأوروبية)

 

تتعدد تصورات الخبراء للمخارج من أزمة اليونان ودائنيها، ويمكن إيجازها على النحو التالي :

رئيس معهد كيل للاقتصاد العالمي دنيس سنوار يقول:

إجبار اليونان العاجزة عن سداد ديونها على الخروج من منطقة اليورو -رغم إرادتها- ليس بالخيار المطروح، فهذا من شأنه أن يدفع بالبلاد إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وسوف تنشأ دون أدنى شك انعكاسات خطيرة تتجاوز حدود البلاد.

في اعتقادي أن هناك خيارين متاحين فقط، الأول -والأكثر جاذبية- هو أن يجري البنك المركزي الأوروبي تقييما واقعيا لافتقار اليونان إلى القدرة على الوفاء بديونها، وبالتالي التوقف عن تزويد نظامها المصرفي بأموال مساعدات السيولة الطارئة. وهذا من شأنه أن يعجل بأزمة السداد بالنسبة لليونان.

وإذا لم يتخذ هذا الخيار الأول -وهي النتيجة المرجحة نظرا للعبة حافة الهاوية السياسية الحالية- فسوف تتخلف اليونان عن سداد ديونها. ولكن هذا من شأنه أن يمهد الساحة للخيار الثاني، الذي قد أسمّيه "برنامج البداية الجديدة".

بموجب هذا البرنامج، تشطب الدول الدائنة ديون اليونان، شريطة أن تترك أثينا منطقة اليورو طواعية. وهذا من شأنه أن يعطي اليونان الفرصة للبدء من جديد خارج الاتحاد النقدي، فيصبح بوسعها أن تعيد هيكلة اقتصادها دون تدخل خارجي، ومن الممكن أن تصبح مستعدة للعودة إلى منطقة اليورو في وقت لاحق في ظل شروط جديدة، هذه المرة من دون ادعاءات إحصائية خاطئة أو توقعات غير واقعية.

وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر:
إن خروج اليونان من منطقة اليورو بشكل غير منضبط -وهو الخطر الأعظم حاليا- لا يمكن تفاديه إلا إذا تصرف الجانبان استناداً إلى افتراض مفاده أن المفاوضات المرتقبة لن تكون حول من يفوز ومن يخسر، ولن يكون هذا سهلا، فكل الأطراف تواجه ضغوطا داخلية كبيرة، وأي تسوية يتم التوصل إليها تستلزم الكثير من التفسير والشرح بعد العودة إلى الديار.

لكن حتى لو لم يكن هناك ترويكا ولا اتحاد نقدي، فإن اليونان ستحتاج بشكل عاجل إلى إصلاحات بعيدة المدى قبل أن تتمكن من العودة إلى الوقوف على قدميها. وهناك احتياج أيضاً للوقت والمال، وهو ما يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يوفره، إذا قررت السلطات اليونانية مواجهة الواقع.

وزير المالية اليوناني المستقيل يانيس فاروفاكيس :
لإعادة الاستثمار والائتمان إلى مستويات تتماشى مع الحاجة لتمكين الاقتصاد اليوناني، فإن اليونان سوف تحتاج إلى اثنتين من المؤسسات العامة الجديدة تعملان جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص والمؤسسات الأوروبية: بنك للتنمية يسخر الأصول العامة، و"بنك للقروض الرديئة" يعمل على تمكين النظام المصرفي من الخروج من تحت أنقاض أصوله المتعثرة واستعادة تدفق الائتمان إلى الشركات المربحة الموجهة للتصدير.

ولنتخيل معاً بنك التنمية الذي يعزز ضمانات أسهم ما بعد الخصخصة التي تحتفظ بها الدولة وغير ذلك من الأصول (على سبيل المثال العقارات) التي يمكن بسهولة جعلها أكثر قيمة (وضمانا) من خلال إصلاح حقوق ملكيتها.

ولنتخيل أيضاً أن هذا البنك يربط خطة الاستثمار التي أعلن عنها بنك الاستثمار الأوروبي ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر بقيمة 315 مليار يورو (350 مليار دولار أميركي) بالقطاع الخاص في اليونان. فبدلاً من النظر إليها باعتبارها عملية بيع بأبخس الأثمان لسد الثغرات المالية، من الممكن أن تشكل الخصخصة جزءاً من شراكة كبرى بين القطاعين العام والخاص لأغراض التنمية.

دلائل وأبعاد الاستقالات

 دلائل وأبعاد الاستقالات
هزيمة ساماراس وخيار النعم تتصدر الصحف اليونانية(الجزيرة)

 


شادي الأيوبي

يبدو أن المرحلة المقبلة في اليونان تتطلب غياب وجوه قديمة أعطت بصمتها في الساحة السياسية اليونانية في السنوات الخمس الأخيرة، فقد أطاح الاستفتاء الأخير الذي جرى الأحد الماضي بأدونيس ساماراس، زعيم حزب الديمقراطية الجديدة، أكبر حزب معارض في البلاد، على خلفية هزيمة خياره المؤيد للتصويت بـ(نعم) بشكل كبير.

كما كان إيفانغيلوس فينيزيلوس زعيم الحزب الاشتراكي باسوك قد اضطر للاستقالة قبل فترة بضغط من أعضاء حزب، على خلفية التراجع الكبير الذي يشهده الحزب.

وقد خاطبت إحدى الصحافيات اليونانيات ساماراس عبر موقعها على فيسبوك، معتبرة أنه سياسي فاشل وانتهازي منذ بداية حياته السياسية، إذ أسقط الحكومة التي اشترك فيها عام 1993، ثم أنشأ حزبا جديدا لم ينجح، ليعود لاحقا زعيما لحزب الديمقراطية الجديدة وينهي ما كان بدأ به من قبل.

وأضافت "لقد قمت بأخطاء كثيرة، روعت شعبا متعبا، وخوفت البسطاء والفقراء، وجلبت اليأس، لكنك فعلت أمرا جيدا، وهو أنك ببقائك بالقوة في القيادة السياسية نبهت جيلنا لأن نضع نهاية لك ولكل الذين يلعبون على حسابنا. حظا سعيدا وبعيدا عنا.

صحفية خاطبت ساماراس واتهمته بالفشل والانتهازية (الأوروبية)

أما ميخاليس سبورذالاكيس، عميد كلية العلوم السياسية في جامعة أثينا، فقد اعتبر، في تصريحات للجزيرة نت، أن ساماراس خسر انتخابات يناير/كانون الثاني الماضي، بشكل كبير، لأنه كان يحظى بتأييد جارف من الإعلام المحلي، لذا كان عليه الاستقالة منذ تلك الفترة.

وقال إن ساماراس غامر لاحقا بدخول لعبة سياسية عنوانها "القوس اليساري"، وكانت تقضي بإدخال سيريزا في السلطة وإغراقه  بالصعوبات والعوائق حتى يفشل وتسقط حكومته. وقد عمل حزب الديمقراطية الجديدة على إعاقة حكومة سيريزا بكل الطرق وبمساعدة حزب الشعب الأوروبي اليميني الذي ينتمي إليه.

نصر نادر
وأوضح سبورذالاكيس أن تسيبراس وحكومته خرجا بانتصار كبير في الاستفتاء رغم إقفال البنوك وتجمع المودعين أمامها، وتهويل الإعلام للأوضاع، وتصويره أن البلد يسير للخراب، وهذا النصر نادر الحصول في اليونان.

وقال إنه بما أن حزب الديمقراطية الجديدة كان يقف خلف الحركة المؤيدة لـ"نعم" وينسق تحركاتها، فقد طلب أعضاء الحزب بعد هزيمتهم الأخيرة استقالة ساماراس، وذلك للحفاظ على الحزب نفسه، منهين بذلك سياسة "القوس اليساري" ودعم الأجانب ضد سيريزا.

كما قدم وزير المالية يانيس فاروفاكيس استقالته، معللا ذلك بتسهيل مهمة الحكومة اليونانية في مفاوضاتها مع الدائنين، بعدما أصبح غير مرغوب به في تلك المفاوضات والأروقة.

حول هذه الاستقالة، قال سوتيريس روسوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كورينثوس إن رئيس الوزراء تسيبراس أراد إيصال رسالة إلى الدائنين، مفادها أنه رغم حصوله على دعم كبير في الاستفتاء، فهو يتفهم أن لديهم هم كذلك مشكلات وأن عليهم تمرير أي اتفاقية مع اليونان عبر برلمانات بلادهم، وتحتاجون إلى نصر سياسي كذلك، وهكذا فنحن -اليونانيين- نضحّي بفاروفاكيس لكل هذا.

فاروفاكيس استقال وسط ترحيب الفئات الشعبية بأدائه ( الفرنسية)

وأضاف أنه يبدو أن ما نشره الإعلام عن توتر بين فاروفاكيس وأعضاء آخرين في الحكومة اليونانية صحيح، لكن الأهم هو أن تسيبراس رأى أن هذه هي اللحظة المناسبة لتقديم مبادرة نحو الدائنين.

باسوك
واعتبر أنه لا جدوى من مناقشة دواعي استقالة إيفانغيلوس فينيزيلوس، رئيس الحزب الاشتراكي باسوك، لأن الحزب عمليا تراجع حتى لم يعد موجودا.

وفاروفاكيس كان أكثر الشخصيات محورية في حكومة تسيبراس بعد الأخير، فشخصيته المتحدية للدائنين بلا حدود جلبت له كراهية هؤلاء الشديدة التي وصلت الى أمور شخصية. وقد طلب الدائنون أكثر من مرة عدم حضوره لبعض جلسات النقاش. كما كان فاروفاكيس شخصية مكروهة جدا من خصوم الحكومة اليونانية حيث اتهموه بعدم الإدراك وعدم المبالاة واعتبروا أنه شخصية غير متوازنة.

في المقابل، حظي فاروفاكيس بمحبة كبيرة من مناصري الحكومة ومن الطبقات الشعبية التي كانت تتمنى ألا تقبل الحكومة بمزيد من التقشف. وكانت بساطته وتجوله بين الناس بدراجته النارية دون حراسة من أسباب تلك المودة.

اليونان ومصير الرأسمالية

للقراءة إضغط الصورة


أبعاد الأزمة وتحدياتها

لقراءة المقال إضغط

اليونان والعرب ودرس المشاركة

للقراءة إضغط الصورة

 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك