التطبيع واحتمالاته

التطبيع واحتمالاته

تصعب الإحاطة بتفاصيل ومراحل تدهور العلاقة بين إيران وحماس، لكن المتابعات تشير إلى أنها بدأت مطلع عام 2012 بالتزامن مع تباعد مواقف الطرفين من ثورات الربيع العربي مع وصولها إلى المحطة السورية.

وقتها ظهر تباين لا تخطئه العين بين حماس التي ابتعدت بلا ضجيج عن نظام الرئيس بشار الأسد، وإيران التي ألقت بوزنها كاملا خلفه.

وظهر خلاف الطرفين إلى العلن مع مغادرة رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل دمشق -التي أقام بها سنوات- إلى جانب وقف إيران دعم الحركة الفلسطينية وجناحها العسكري.

وتعزز خلاف إيران وحماس مع انتقال الحوثيين في اليمن نهاية عام 2014 إلى مرحلة السيطرة على مؤسسات الدولة، فوقفت إيران علنا إلى جانب الحوثيين، في حين أعلنت حماس دعمها شرعية نظام الرئيس عبد ربه منصور هادي.

الملفت أن الأزمات والحساسيات المذهبية المواكبة لأزمات العراق وسوريا، ودور حلفاء الطرفين فيهما، لم تنعكس على خلاف إيران وحماس، فلم نشهد بيانات أو تصريحات من أي نوع من قادة الحركة تجاه الموقف الإيراني الداعم لفئات بعينها في العراق أو المساند لنظام الرئيس بشار الأسد.

ما تفسير الخطاب "المتروي" لحماس تجاه الصدامات والاحتراب الأهلي في العراق وسوريا واليمن؟ وهل يعد ذلك بابا لتطبيع علاقات الطرفين؟ وما شروط هذا التطبيع واحتمالاته؟

الجزيرة نت فتحت ملف مستقبل العلاقة بين إيران وحماس ضمن تغطية خاصة، تستعرض فيها المحطات التي أدت إلى الافتراق، وقراءة إيرانية في طبيعة هذه العلاقة، إضافة إلى مصارحة من طرف الحركة بشأن مستقبل علاقتها مع إيران عبر مقابلة مع موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس.

محطات العلاقة

 محطات العلاقة
علاقة حماس بإيران اقترنت منذ البداية بحزب الله. في الصورة فلسطينيون بغزة يرفعون علم الحزب(الفرنسية-أرشيف)


عوض الرجوب-رام الله

بدأت العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإيران بعد مضي ثلاثة أعوام على تأسيس الحركة، حيث سجل أول حضور لها مع وصول القيادي خليل القوقا، المبعد من غزة عام 1988، للمشاركة في المؤتمر الأول لدعم الانتفاضة الفلسطينية بطهران عام 1990.

ثم تطورت العلاقة في العام التالي في المؤتمر الثاني لدعم الانتفاضة، حين طلب وفد حركة حماس من القيادة الإيرانية وجود تمثيل رسمي للحركة في طهران، وهو ما تم بالفعل بافتتاح مكتب وتعيين القيادي المبعد عماد العلمي ممثلا لحماس في إيران.

وتزامن هذا التطور في العلاقة بين إيران وحماس مع فتور في علاقة طهران بمنظمة التحرير الفلسطينية، خاصة بعد حرب الخليج الثانية واختيار المنظمة المفاوضات سبيلا وحيدا للحل مع إسرائيل.

مرج الزهور

حققت العلاقة الثنائية قفزة جديدة بزيارة زعيم ومؤسس حركة حماس الشهيد أحمد ياسين لإيران خلال جولة عربية وإسلامية، بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال بصفقة مع الأردن عقب محاولة فاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل عام 1998

وكانت المحطة التالية المهمة في تعزيز العلاقة إبعاد قرابة أربعمائة فلسطيني من قيادات حركتي الجهاد الإسلامي وحماس إلى مرج الزهور جنوبي لبنان عام 1992، وهناك بدأ تواصل الحركة مع حزب الله اللبناني وثيق الصلة بإيران، وتأسست العلاقة بين حماس من جهة وكل من حزب الله وإيران من جهة ثانية، وحظي القادة المبعدون بزيارات متكررة لمسؤولين إيرانيين ودعم مادي مباشر.

ويرجع باحثون سرعة تمتين العلاقة بين الطرفين المختلفين مذهبيا إلى الالتقاء في الموقف المناهض للاحتلال، وتبني حماس للمقاومة المسلحة مع رفض الاعتراف بإسرائيل، فضلا عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد.

وساهم اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل واتخاذ المفاوضات خيارا وحيدا لإنهاء الاحتلال، في زيادة وتيرة التعاون الذي شكل الدعم العسكري عمودها الفقري، سواء بالتدريب على المتفجرات التي برزت في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي وخلال انتفاضة الأقصى، أو بتزويد الفلسطينيين مباشرة بالسلاح خاصة في قطاع غزة.

وحققت العلاقة الثنائية قفزة جديدة بزيارة زعيم ومؤسس حركة حماس الشهيد أحمد ياسين لإيران خلال جولة عربية وإسلامية، بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال بصفقة مع الأردن عقب محاولة فاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل عام 1998.

وشكلت الانتخابات التشريعية الفلسطينية -التي جرت عام 2006، وحظيت فيها حماس بأغلبية تفوق 60%- محطة أخرى مهمة في مسار العلاقة، حيث باركت إيران للحركة الفوز، واستقبلت رئيس الحكومة المكلف إسماعيل هنية، وأعلنت عن دعم مالي بمئات ملايين الدولارات.

وفضلا عن الدعم السياسي، تلقت الحركة دعما عسكريا وأسلحة مختلفة يعتقد أنها وصلت بوسائل التهريب من البحر وعبر سيناء، مكّنت الحركة من تعديل موازين القوى مع الاحتلال بصواريخ وصلت عمق إسرائيل.

وشكل أداء الجناح العسكري لحركة حماس في ثلاثة حروب ضد إسرائيل نقلة نوعية، وهو ما عزاه مراقبون لنوعية الأسلحة والتدريب الذي تلقاه الجناح من إيران، وهذا ما يعززه إطراء الجمهورية الإسلامية من قبل قادة سياسيين وعسكريين بعد كل حرب.

لقاء لاريجاني بمشعل في الدوحة كسر الجليد بين الطرفين (أسوشيتد برس)

لكن منحنى العلاقة بدأ يتأرجح ويشهد حالات مد وجزر بعد انحياز إيران للنظام السوري، وحماس لخيار الشعب خلال ثورته التي بدأت عام 2011، لكنها بدأت تعود على استحياء بعد نصر حماس في عدوان صيف 2014 على قطاع غزة، حيث زارت قيادات من الحركة طهران، والتقى رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في العاصمة القطرية الدوحة أواسط مارس/آذار 2015.


فوائد مشتركة
وفضلا عن التقاء حركة حماس مع إيران عند اعتبار إسرائيل عدوا مشتركا يحتل فلسطين والقدس، يقول الخبير في شؤون الحركات الإسلامية والمحاضر في جامعة بيرزيت الدكتور سميح حمودة، إن حماس والقيادة الإيرانية لا تقبلان بوجود إسرائيل.

وأضاف أن هذا الموقف جزء من العقيدة التي تتبناها القيادة الإيرانية، وتعتبر أنه من الواجب عليها أن تدعم تحرير فلسطين والقدس وحماس، "فهما تقعان في نفس الخندق وتعملان على نفس الهدف".

أما عن فائدة هذه العلاقة على مدى نحو ربع قرن، فقال إن حماس استفادت من الدعم العسكري والمالي، فضلا عن الدعم السياسي والدبلوماسي والتدريب وعلى مستوى الخبرات، موضحا أنه لم يكن لقطاع غزة أن يصمد طوال سنوات الحصار لولا الدعم الإيراني.

أما إيران، فيوضح الأكاديمي الفلسطيني في حديثه للجزيرة نت أن دفاعها -كدولة ترفع شعار الإسلام- عن قضية إسلامية أكسبها شرعية وقوة، مقابل دول عربية لا تفعل شيئا للقضية الفلسطينية.

" المشير" وحماس والتأويلات

 " المشير" وحماس والتأويلات
المتحدث باسم حماس اتهم وزير العمل الفلسطيني السابق أحمد مجدلاني ( يسار الصورة) بالافتراء بخصوص علاقتها بأكناف بيت المقدس(الفرنسية-أرشيف)

عوض الرجوب-الخليل 


        
ظلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تتخذ من دمشق مقراً لقيادتها إلى حين مغادرتها نتيجة لما يعتقد أنه انحياز لثورة الشعب السوري التي انطلقت عام 2011 مما ترتب عليه عمليا قطيعة بين الحركة من جهة والنظام السوري وإيران من جهة ثانية.

ورغم تأكيد حماس والفصائل الفلسطينية حياديتهم في الصراع، فإنه زج بها -بإرادتها أو رغما عنها- فيه. فوقفت بعض الفصائل إلى جانب النظام، والبعض الآخر إلى جانب الثورة.

وبعد معارك أبريل/نيسان 2015 بين الفصائل الفلسطينية وتنظيم الدولة في مخيم اليرموك، التي تلت اغتيال القيادي في حركة حماس يحيى حوراني أواخر مارس/آذار في مخيم اليرموك، برزت كتائب أكناف بيت المقدس بشكل لافت، وبدأ يتردد أن هنالك صلة لحماس بهذا الجناح العسكري.

لكن موقف الحركة المعلن كان الدعوة إلى تحييد المخيمات الفلسطينية في الصراع الدائر في سوريا، ونفي أي وجود عسكري لها بسوريا إلى جانب النأي عن تقديم أي دعم وتمويل لأي جهة في سوريا.

كما نفى سامي أبو زهري في 13 أبريل/نيسان 2015 أي صلة لحركته بكتائب أكناف بيت المقدس أو أي تنظيم مسلح آخر في المخيم وأي مدد لأي تنظيم بالمال أو السلاح. ونفى كذلك تدخلها لإنقاذ "أكناف بيت المقدس" واصفا ما قاله أحمد مجدلاني -مبعوث منظمة التحرير الفلسطينية إلى سوريا- في هذا الصدد بأنه "افترءات".

دوافع الاتهام
وفي وقت سابق ذكرت صحيفة القدس المقدسية أن كتائب أكناف بيت المقدس تشكلت من عناصر غالبيتها فلسطينية كانت تنتمي لفصائل مختلفة، أكثرهم كانوا من حركة حماس الذين دعموا الثورة السورية. لكنها تنسب إلى مصادر خاصة بها أن تلك العناصر تركت فصائلها وعملت تحت قيادة جديدة باسم جديد.

 بروز أكناف بيت المقدس أتى بعد اغتيال ييحى حوراتي في اليرموك (الجزيرة)

ووفق الصحيفة فإن قائد الكتائب هو محمد زغموت، ويشتهر بـأبي أحمد المشير، وترجح أن الجبهة الإسلامية المعارضة في سوريا تدعمهم، فيما يتزودون بالسلاح والذخيرة من المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها الجبهة وجيش الإسلام وجبهة النصرة.

وتضيف أن المشير عمل مرافقا لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، فيما عمل زميله نضال أبو العلا الشهير بـ"أبو همام" مرافقا لنائب رئيس المكتب السياسي السابق موسى أبو مرزوق أثناء وجودهما في سوريا. وهو ما دفع للربط بين الكتائب وحركة حماس.

وحسبما ذكرته في موقعها الإلكتروني في الخامس من أبريل/نيسان الجاري فإن زغموت وأبو العلا أصبحا مع بداية الأحداث في جنوبي دمشق من أكثر المطلوبين للنظام السوري بعد اتهامات بحقهما بمحاولة جلب السلاح وتقديم خدمات لتدريب مقاتلين من المعارضة بالتنسيق مع طارق حمود -صهر مشعل- لكن الصحيفة تنقل عن مصادرها الخاصة نفي الاتهامات بحق صهر مشعل.

ويعمل في مخيم اليرموك -الذي تراجع عدد سكانه من قرابة نصف مليون نسمة قبل الثورة إلى أقل من عشرين ألف نسمة- اثنا عشر تشكيلا مسلحا فلسطينيا وسوريا مواليا ومعارضا للنظام السوري.
ولا يرى محللون رابطا تنظيميا أو ميدانيا بين حماس وأي من التشكيلات المسلحة في سوريا، وإن رأوا تقاربا أيديولوجيا بينهما. مؤكدين أنه تم الزج بالفصائل في الصراع بسوريا.

خليل شاهين: لا رابط بين حماس وأكناف بيت المقدس (الجزيرة)

وفي وقت سابق صرح الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة لصحيفة الغد الأردنية بأن كتائب بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ذات جذور فكرية وسياسية معلنة بالإخوان المسلمين.

وهذا ما يميل إليه الخبير في شؤون الحركات الإسلامية ومدير مركز القدس للإعلام خالد العمايرة الذي أكد وجود تقارب أيديولوجي بين الأكناف وجماعة الإخوان المسلمين "مما دفع للربط بينها وبين حركة حماس رغم عدم وجود رابط عسكري أو تنظيمي بينهما".

الزج بالفلسطينيين
بدوره لا يرى مدير البحوث في المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات في رام الله خليل شاهين أي ارتباط بين حركة حماس والتشكيلات العسكرية في سوريا، رغم إشارته إلى أن بعض العناصر كانوا ينتمون لحركة حماس.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أنه مع تطورات الصراع على الأرض ظهرت تشكيلات عسكرية ربما تكون قريبة من حركة حماس، لكن دون أن تكون لها صلة بالبنية التنظيمية أو العسكرية للحركة.
وأرجع سبب التعاطي مع تنظيم أكناف بيت المقدس باعتباره تابعا لحماس إلى الاقتراب الأيديولوجي والفكري والسياسي بينهما، ولأن بعض عناصر هذه الكتائب وقياداتها كانوا ينتمون لحركة حماس "فكريا وسياسيا وتنظيميا".

ترجيح عودة الدعم الإيراني

ترجيح عودة الدعم الإيراني
إيران دعمت كتائب القسام بالسلام والمال (أسوشيتدبرس-أرشيفية)

أحمد عبد العال-غزة


مع فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، وعقب سيطرتها على قطاع غزة في صيف العام 2007 بعد اشتباكات مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، كانت إيران أحد أكبر الداعمين للجناح العسكري للحركة كتائب القسام، ولميزانية الحكومة في القطاع التي واجهت حصارا إسرائيلية خانقا. وصرّح عدد من قيادات "حماس" في أكثر من مرة، بقبول الحركة بأي دعم "غير مشروط" يقدم لها أو لجناحها العسكري كتائب عز الدين القسام.

وتجاوزت فاتورة الدعم الإيراني المادي لحركة "حماس" 250 مليون دولار سنويا، بحسب تصريحات أدلى بها دبلوماسيون إيرانيون لصحيفة الديلي تلغراف البريطانية، وهذا الدعم غير الدعم العسكري المقدم للجناح المسلح كتائب القسام، ولا تتوفر أرقام حقيقية لقيمة الدعم المالي الذي كانت توفره إيران للجناح العسكري لحماس.

عسكرياً وفرت إيران دعما ماديا وعسكريا لكتائب القسام، فاستخدمت الكتائب في مواجهتها مع إسرائيل نهاية عام 2012 صواريخ "فجر5" الإيرانية الصنع، والتي نجحت بواسطتها في قصف مدينة "تل أبيب" وسط إسرائيل.

وقدمت إيران صواريخ نوعية مضادة للدبابات "الكورنيت"،استخدمت خلال العدوان على قطاع غزة عام 2012، ويرجح أن تكون هناك أسلحة أخرى قدمتها إيران ولم يعلن عنها، وشكر الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة -في خطاب له- إيران لتقديمها الأسلحة التي كان لها دور في جولات سابقة مع الاحتلال الإسرائيلي، في إشارة لحربي 2008 و2012.

أسلحة وتدريب
الدعم لم يقتصر على الأسلحة والأموال، بل شهدت الأراضي الإيرانية والسورية تدريبات عسكرية خاصة لعناصر من المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها كتائب القسام.

نصر الله: دعونا نضع الخلاف جانبا ونتفق على خيار المقاومة  (الفرنسية)

ويصل الدعم العسكري والأسلحة عبر الأنفاق التي كانت منتشرة على الحدود بين قطاع غزة ومصر، والتي كانت أحد أهم المنافذ لدخول السلاح والمال إلى القطاع، ويرجح أن تهريبها يتم عبر البحر الأحمر وصولاً للسودان ثم مصر.

وفترت العلاقة بشكل كبير بعد موقف الحركة الرافض لمساندة نظام بشار الأسد في سوريا، في مواجهة الثورة الشعبية السورية التي اندلعت في مارس/آذار 2011. وتوترت العلاقة بين حماس وإيران بعد مغادرة خالد مشعل للعاصمة السورية دمشق، وأوقفت طهران كافة أشكال الدعم لـ"حماس" وجناحها العسكري.

وحاولت إيران وحزب الله خطب وُد حماس بعد أن قاطعتهما حماس على إثر الموقف من الثورة السورية، وقال أمين عام حزب الله حسن نصر الله في خطابه خلال العدوان: دعونا نضع الخلاف جانبا ونتفق في خيار المقاومة، ونحن في هذا الإطار مستعدون لكافة أشكال التعاون.

وسبق ذلك قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، ومساعد وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان اللذان حاولا كسب ود حماس والمقاومة بعد استبسالها وصمودها خلال الهجوم الإسرائيلي صيف عام 2014.

مستقبل العلاقة
من جانبه، يستبعد الكاتب السياسي حازم قاسم عودة الدعم الإيراني كاملاً لحماس نتيجة لأزمات إيران في المنطقة والوضع الاقتصادي الصعب الذي تواجهه، وتوجهاتها الداخلية التي لا ترغب في علاقة قوية مع الحركة.

 عدنان أبو عامر: موقف حماس من عاصفة الحزم يعيد رسم تحالفاتها (الجزيرة)

واستدرك قاسم بأن إيران ستبقي على علاقتها مع حماس كونها لاعب مركزي في القضية الفلسطينية وأحد أهم الفصائل القادرة على مواجهة إسرائيل.

ويشير إلى أن حماس ترغب بعلاقة جيدة مع إيران مع الحفاظ على التوازن في علاقتها الإقليمية في ظل التوجهات الجديدة في المنطقة بعد التغير السعودي الحاصل.

وفي السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي عدنان أبو عامر إن "موقف حركة حماس من عملية عاصفة الحزم في اليمن يعيد رسم خارطة تحالفاتها السياسية في المنطقة، بإعادة التموضع نحو المحور الذي تترأسه السعودية ويضم دول الخليج ومصر وتركيا، رغم أنّ بيان حماس أبقى الباب مفتوحا أمام التقارب مع إيران، وعدم قطع الخيوط معها".

ويضيف أبو عامر للجزيرة نت، "لكن اصطفاف حماس الجديد بجانب السعودية، يعود لأنّ خطواتها الإيجابية الأخيرة قبل أشهر تجاه إيران، لم تترجم لتطبيع كامل لعلاقاتهما، أو ضمان عودة الدعمين المالي والعسكري، فإيران ما زالت تضع شروطا تعجيزية على حماس، ولم تنجح بالتقاط رسائل الغزل منها".

وكانت حماس، قد قالت في تعقيبها على عملية "عاصفة الحزم" العسكرية في اليمن، إنها تقف مع "الشرعية السياسية"، وهو ما اعتبره سياسيون تأييدا ضمنيا للعملية العسكرية التي تقودها السعودية في مواجهة "الحوثيين" المدعومين من إيران.

سوريا واليمن تفككان التحالف

 سوريا واليمن تفككان التحالف
تأييد حماس الضمني لعملية عاصفة الحزم شكل مفترقا جديدا لعلاقتها بطهران(الفرنسية-أرشيف)

عوض الرجوب-رام الله

لولا الأزمات المتتالية ودخول العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وجمهورية إيران الإسلامية محطات مدّ وجزر وربما افتراق، لاحتفل الطرفان هذا العام باليوبيل الفضي لعلاقة بدأت عام 1990، وتوطدت بعد اختيار منظمة التحرير الفلسطينية المفاوضات سبيلا لإنهاء الاحتلال.

لكن العلاقة مرت بما يشبه مفترقات طرق، وإن عادت في بعدها للالتقاء. فلم يمس الاحتلال الأميركي للعراق عام 2004 ودعم إيران لحكومة أنشأها الاحتلال جوهر العلاقة بين الجانبين، وظل الدعم الإيراني متواصلا على المستويات المادية والعسكرية والسياسية، إلا أن إرهاصات الخلاف بدأت هناك.

رغم العلاقات القوية التي ربطت الجانبين بعد ذلك -وخاصة بعد فوز حركة حماس في انتخابات 2006، وظهور ثورات الربيع العربي في تونس ومصر- فإن حالة أشبه بالفراق نشأت بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، بسبب انحياز إيران للنظام وحماس للثورة السورية

ورغم العلاقات القوية التي ربطت الجانبين بعد ذلك -وخاصة بعد فوز حركة حماس في انتخابات 2006، وظهور ثورات الربيع العربي في تونس ومصر- فإن حالة أشبه بالفراق نشأت بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، بسبب انحياز إيران للنظام وحماس للثورة السورية.

موقف متناقض
وقفت إيران -التي باركت الثورة التونسية ومن ثم المصرية ونعتتهما بالثورات الإسلامية- إلى جانب النظام السوري، ووصفت ثورة الشعب السوري بالمؤامرة على ما كان يطلق عليه محور الممانعة الداعم لمقاومة الفلسطينيين ضد الاحتلال.

أما حماس فأخذت موقفا حياديا في بدايات الثورة السورية، وحاولت التوسط بين الثوار والنظام، إلا أن مطالبة الرئيس السوري بشار الأسد لرئيس مكتب حماس السياسي خالد مشعل بموقف علني داعم له، دفع الحركة إلى انسحاب هادئ من دمشق ومن ثم الإعلان عن حق الشعب السوري في الحرية والديمقراطية.

وتولدت عن هذه المحطة شبه قطيعة بين النظام الإيراني الذي دعم الرئيس السوري بشار الأسد بالمال والجند والعتاد، وبين حركة حماس، لدرجة وقف مخصصات مالية كانت تدفع للحركة وتقدر بنحو 250 مليون دولار سنويا، بحسب مصادر صحفية.

وشكل الوضع في اليمن، مفترقا آخر في العلاقة بين إيران وحماس، حيث أعربت الأخيرة "ضمنيا" عن تأييدها لعملية "عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية مع حلفاء عرب ضد الحوثيين في اليمن، الذين تساندهم إيران بالعتاد والتدريب، بحسب عدة مصادر.

وأعلنت حماس أنها مع " الشرعية السياسية وخيار الشعب اليمني وثورته ومخرجات الحوار اليمني"، بينما دعمت إيران استيلاء الحوثيين على مفاصل الدولة في اليمن والعاصمة صنعاء.

وخلصت دراسة سابقة حول علاقة حماس بإيران للباحث طارق أحمد حمود، بمركز الزيتونة للدراسات، إلى أن العلاقة التي ظهرت معالم لإعادة ترميميها بين حماس وإيران أواخر 2014، باتت تأخذ ضوابط تختلف عن تلك التي كانت قبل أربع سنوات.

وتوضح  الدراسة أن حاجة إيران لحماس تتلخص في إثبات مصداقيتها الإسلامية والمقاومة، وفي إعادة بناء السمعة في منطقة تعد بحرا سنيا أخذ ينظر بسلبية إلى شعارات "الثورة الإسلامية الإيرانية"، وذلك بسبب الحرب التي اتخذت طابعا مذهبيا في سوريا والعراق، والاصطفاف المذهبي في البحرين واليمن.

 
خلاف إستراتيجي

قالت دراية لمركز الزيتونة إن حاجة إيران لحماس تتلخص في إثبات مصداقيتها الإسلامية والمقاومة، وفي إعادة بناء السمعة في منطقة تعد بحرا سنيا أخذ ينظر بسلبية إلى شعارات "الثورة الإسلامية الإيرانية"، وذلك بسبب الحرب التي اتخذت طابعا مذهبيا في سوريا والعراق، والاصطفاف المذهبي في البحرين واليمن

ويصف الكاتب الصحفي والخبير في شؤون الحركات الإسلامية خالد العمايرة الفجوة بين حماس وإيران بالإستراتيجية، مضيفا أن ما يجري في اليمن كشف "اختلافا إستراتيجيا ثابتا بين حماس وإيران"، في إشارة للاختلاف الطائفي.

وأوضح أن حركة حماس حركة سنية، ولا يمكن أن تبيع العرب والمسلمين السنة مقابل الدعم الإيراني حتى لو كان هذا الدعم بالمال والسلاح، معتبرا موقف الحركة من أحداث اليمن استمرارا لموقفها من أحداث سوريا.

وفي تفسيره للموقف المعلن إزاء ما يجري في اليمن، أشار المحلل الفلسطيني إلى العامل السعودي بالدرجة الأولى ثم العامل الفلسطيني المحلي وخاصة أوساط الحركة الذين لا يرغبون في موقف مغاير أو حتى محايد.

وأشار العمايرة إلى أن حماس أوضحت للإيرانيين منذ بداية العلاقة بينهما أنها حركة سنية وستبقى سنية، ولن تكون أداة في يد إيران ولن تستخدم لنشر الفكر الإيراني، موضحا أن حركة حماس من أكثر المحاربين للأفكار الشيعية ومحاولة إيران إقامة موطئ قدم شيعي في غزة، في إشارة لما تردد قبل سنوات عن رفض حركة حماس إقامة مستشفى إيراني في غزة مقابل إقامة حسينية أيضا.

تجربة المحاور والملاذات

تجربة المحاور والملاذات
حركة حماس حاولت الاستفادة من تجربة عرفات ومنظمة التحرير في تعاملها مع الأنظمة(الفرنسية-أرشيف)

عوض الرجوب-رام الله


بتأثير لعبة المحاور والتحالفات تشكلت علاقة غير ثابتة للقوى والفصائل الفلسطينية مع أغلب الدول العربية، فالجغرافيا التي كافح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من أجل الحصول عليها كانت مقلقة ومخيفة وغير مضمونة، كما يذكر القيادي نبيل عمرو في كتابه "عرفات وجنون الجغرافيا". وهكذا الحال بالنسبة لباقي الفصائل وتحديدا حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تنقلت بين عدة عواصم عربية، راغبة أو مكرهة.

فمنذ انطلاقتها قبل أقل من ثلاثة عقود، تعيش حركة حماس ذات التجربة التي عاشتها منظمة التحرير وتنقلت بفعل الضغوط العربية والإسرائيلية بين عواصم عربية وغير عربية دون أن تكون إيران -حتى الآن- ملاذا رئيسيا، مع أوجه اختلاف واتفاق مع تجربة منظمة التحرير قبل إقامة السلطة الفلسطينية وحماس.

أبو مرزوق: عدم تدخل حماس في سوريا هو سبب مغادرة قادتها (وكالة الأناضول)

الجغرافيا القريبة
كانت الكويت أول من احتضن قيادة الثورة الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، وكذلك حركة حماس، قبل أن تنتقل الحركتان إلى الأردن، حيث أُخرجت المنظمة والفصائل في أعقاب أحداث أيلول/سبتمبر 1970بينما أُبعد قادة حماس منها إلى قطر عام 1999، بعد توقيع اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل.

وبينما كانت بيروت وجهة منظمة التحرير قبل إخراج رئيسها ياسر عرفات إثر اجتياح لبنان عام 1982، استضافت دولة قطر قادة حماس الذين أبعدوا من الأردن، وعلى رأسهم رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، بينما كانت تلك القيادات مرحبا بها في طهران ودمشق التي أقامت فيها لسنوات قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011.

وأكدت حماس مرارا أنها تنأى بنفسها عن لعبة المحاور، وقالت إن علاقاتها مع الدول العربية قائمة على عدم التدخل وحرصها على استقرارها والبعد عن لعبة المحاور والانفتاح والتواصل والشراكة في المسؤولية عن تحرير فلسطين.

لكن كما ساهم تدخل منظمة التحرير في الشأن الداخلي الأردني في أحداث أيلول سببا في إخراج ياسر عرفات ومنظمة التحرير من الأردن، كان عدم تدخل حركة حماس في الأحداث الجارية في سوريا سببا في مغادرة قادتها، كما جاء في مقال سابق لعضو مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق نشرته جريدة "الرسالة" في غزة.

وأضاف أبو مرزوق أن حركته وضعت نصب عينيها التجارب الفلسطينية مع الدول العربية؛ وانعكاسات هذا التدخل الوخيمة على الشعب الفلسطيني، مستشهدا بعدة مناسبات دفع الفلسطينيون فيها ثمن السياسات الخاطئة للمنظمات الفلسطينية.

ورغم  العلاقة الوثيقة التي ظلت تربط إيران بحماس حتى الفراق مع نظام دمشق، فإن الحركة اكتفت منذ تأسست العلاقة بمكتب تمثيل لها افتتح أوائل التسعينيات، ولم تتخذ من طهران مأوى لقياداتها أو منطلقا لعملياتها، وهو ما فسره محللون بالاختلاف الطائفي، فضلا عن درء اتهامات قد تقع فيها.

يرجح أستاذ الإعلام والمحاضر في جامعة القدس الدكتور أحمد رفيق عوض أن تستمر العلاقة، بل أن تنمو في المراحل القادمة، مستبعدا أن تكون طهران مستقبلا ساحة عمل رئيسة بالنسبة لحماس.

ومع تراجع حدة علاقة حماس بإيران، تتهم أوساط إسرائيلية باستمرار قطر وتركيا بإيواء قيادات حماس، وأن هذه القيادات تخطط من البلدين لتنفيذ عمليات في إسرائيل.

نمو وتوسع
لكن رغم الضغوطات التي تتعرض لها قطر وتركيا، يرجح أستاذ الإعلام والمحاضر في جامعة القدس الدكتور أحمد رفيق عوض أن تستمر العلاقة، بل أن تنمو في المراحل القادمة، مستبعدا أن تكون طهران مستقبلا ساحة عمل رئيسة بالنسبة لحماس.

وقال في حديثه للجزيرة نت إن التنافس الخفي والعلني بين إيران وتركيا في عدة ملفات، يدفع الأخيرة إلى التمسك بعلاقتها مع حماس التي لا ترغب من جهتها بعلاقة قوية مع إيران تفسد علاقتها بالسلطة الفلسطينية ومصر والدول العربية.

وأضاف أن المصالح المشتركة كفيلة بالحفاظ على علاقة الطرفين بل تعزيزها، "فتركيا تريد نفوذها وتأثيرها في المنطقة العربية في ظل التوترات المذهبية، وهذا يجعل من حماس ورقة بيد تركيا، وفي المقابل تكون تركيا نافذة حماس إلى أوروبا وربما الولايات المتحدة".

وفي ظل علاقة متوجسة وحذرة مع إيران، لا يستعبد الأكاديمي الفلسطيني تحولا في علاقة حماس بالسعودية التي طالما خطب الفلسطينيون ودّها دون أن تتحول إلى حاضنة للفصائل، مرجحا أن تصبح "جيدة جدا" في ظل الاصطفاف الذي تشهده المنطقة، "وبالتالي لن تترك السعودية حماس لإيران، وستمد معها جسورا تمنحها أفضيلة في المستقبل القريب على مستوى الإقليم، بما في ذلك مصر".

أبو مرزوق: نسعى للجم التدافع الطائفي

أبو مرزوق: نسعى للجم التدافع الطائفي
أبو مرزوق:حماس ليست ليست مع الشرعية بشكل مطلق(الجزيرة)

حاوره محمد العلي

مساعدات إيران لحماس وغزة ما زالت متوقفة، والعلاقة بين طهران والحركة ما زالت على جمودها. هذا أبرز استنتاج يخرج به محاور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في هذا الموضوع الشائك والحساس، الذي تختلط فيه المبادئ بالإستراتيجيات الوطنية والإقليمية، دون أن تغيب المصالح عن نظر الطرفين.

يؤكد أبو مرزوق في الحوار الذي أجرته معه الجزيرة نت في الدوحة سعي حماس "لأن تكون هذه العلاقة قوية ومتينة"، وأن الحركة تعمل "لعدم تحول المنطقة إلى تدافع طائفي أو إقليمي بين دولها". لكنه يشدد -في المقابل- على أن "العلاقات تقوم عادة بين طرفين، ولا بد أن تكون وجهة العلاقة مشتركة حتى تتحسن".

وفي موضوع ثورات الربيع العربي -الذي أظهر الفروق والاختلافات العميقة بين الطرفين- يشدد أبو مرزوق على عدم وجود مبرر "للتراجع عن موقفنا كي تعود العلاقات مع إيران، أو أن يتراجعوا هم عن مواقفهم"، ويقترح حلا للقضية: تحييد هذه المواقف، والتركيز على شيء آخر هو العلاقة الثنائية المتعلقة بفلسطين والقدس.

أما عن الرأي الإيراني القائل إن حماس أخطأت التقدير وبنت حساباتها على الاستعاضة بدعم عربي قد يأتيها من مصر عن دعم طهران السخي فأبو مرزوق لديه رد عليه.

تطورات الأزمة بين إيران وحماس ومحطاتها الرئيسية، إلى جانب نتائج الاتصالات المتواصلة بين الطرفين، كانت محور هذا الحوار. وتاليا نصه:

في 18 ديسمبر/كانون الأول 2014 قلت في تصريح لوكالة رويترز "أعتقد أنه في الفترة الأخيرة وضع القطار على السكة في العلاقات الثنائية بيننا وبين جمهورية إيران الإسلامية"، وأن كثيرا من الدلائل تقول إن "الأمور عادت إلى مجاريها". أين هي تلك الدلائل؟ لماذا لم يظهر منها شيء باستثناء اللقاء اليتيم الذي عقد في الدوحة في مارس/آذار الماضي بين علي لا ريجاني ومشعل؟

قد تكون حصلت لقاءات غير معلنة، لكنها أيضا قد لا تكون دليلا واضحا على تحسن العلاقة، بل مجرد لقاءات لحل مشاكل لحقت بالعلاقة نفسها. وبالتالي زيارات تدل على صعود أو هبوط العلاقات السياسية بين حماس وإيران. وإن كان هنالك لقاءات أخرى ومعلنة كثيرة عقدت بين الطرفين منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة. لكن العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران لم تتحسن في الحقيقة التحسن المتوقع منذ ذلك التاريخ، فالحركة في علاقاتها مع الجميع تريد فعلا علاقات حسنة ومتطورة ووثيقة لصالح القضية الفلسطينية. وهي لا تنظر كثيرا إلى العلاقات البينية بين الدول، حتى لا تؤثر على مستقبل علاقة تلك الدول تنافرا أو تقاربا مع القضية الفلسطينية. نحن نرغب بأن تكون بوصلة كل دول العالم العربي والإسلامي متجهة نحو فلسطين. وسياستنا ستبقى وتترسخ حتما باتجاه تعزيز هذه العلاقات لصالح القضية الفلسطينية، لذلك أقول إن هذا هو الهدف الذي نسعى إليه مع كل الدول وبينها الجمهورية الإسلامية في إيران، ونسعى إلى تحسين العلاقات معها إلى أقصى قدر ممكن.

لكن كما تعرف العلاقات تقوم عادة بين طرفين ، ولا بد أن تكون وجهة العلاقة مشتركة حتى تتحسن إلى الدرجة التي كانت عليها سابقا. ونحن نسعى لأن تكون هذه العلاقة قوية ومتينة. حتى لو كان هنالك معوقات وأهمها وضع المنطقة هذا بمختلف تلاوينه وانعكاسه على الرؤى والعلاقات والمخزون الثقافي عند الأمة، بصور مختلفة. ورغم ذلك نحن نحاول جهدنا ألا تتحول المنطقة إلى تدافع طائفي أو إقليمي بين دولها، ونحاول قدر جهدنا -خدمة للقضية الفلسطينية-  دفع الجميع لتركيز بوصلتهم باتجاه فلسطين والفلسطينيين.

أرى أنك تلمح إلى تحسن وإن كان غير ملموس بعلاقتكم في إيران، هل تقدم لنا دليلا غير لقاء مشعل لاريجاني؟

قلت إن كان المقياس هو اللقاءات فهنالك لقاءات متعددة، أما إذا كان مقياس التحسن هو الموقف السياسي، فموقف إيران تجاه القضية الفلسطينية لم يتغير، أما إذا كان التحسن هو في مساعدة الشعب الفلسطيني وحماس، فالمساعدات المختلفة التي كان تؤديها إيران في السابق توقفت إلى حد كبير. والمساعدات كانت في الحقيقة كبيرة وقيمة وذات أثر فعال في أعمال المقاومة في داخل فلسطين.
أفهم أن المساعدات ما زالت متوقفة، علما بأن الصحف الأجنبية تشير إلى حجمها الكبير سواء تلك التي تقدم إلى قطاع غزة أو إلى الجناح العسكري لحركة حماس؟

المساعدات ما زالت متوقفة نعم, سواء كانت مساعدات عسكرية، لصعوبة التعامل معها, أو مساعدة الأهل في قطاع غزة وتحديدا الحكومة الفلسطينية أو السكان في قطاع غزة. وهذه مسألة ملموسة طبعا. ونحن شهود على وجه الخصوص بعد الحرب (الإسرائيلية) الثانية (على  قطاع غزة) قامت كثير من الدول بتقديم مساعدات ظاهرة وبينة، ولا سيما قطر، لضحايا العدوان الإسرائيلي (ولإصلاح) الأضرار الكبيرة في قطاع غزة. في حرب 2008-2009 شاهدنا العكس ، كانت إيران أبرز الدول.

أبو مرزوق :

نحن اختلفنا مع الحكومة (السورية) في الإجراء الأمني. لم نكن راضين باعتماد إجراء أمني بمواجهة الناس حينما تحركوا. وفي الوقت نفسه لم نكن نرضى بقيام أحد بمعالجة المشاكل الداخلية بأيٍّ من أشكال العنف

الظرف الذي يعيشه أهلنا في قطاع غزة يحتاج إلى تقديم المساعدة، وهذا ما نرجوه من كل الدول، تقديم المساعدات إلى القطاع الذي يقارب عدد سكانه مليوني نسمة في شريط صغير وخاض منذ العام 2006 أربع حروب، وهي حروب صهيونية لا أخلاقية موجهة للمدنيين في بيوتهم وللبنى التحتية. ونحن نعلم أن كل معاناة قطاع غزة سببها تلك الحروب. شركة الكهرباء تضررت جراء القصف وكذلك الطرق، أما البيوت فحدث ولا حرج، تضررت عشرات الآلاف منها في هذه الحرب. وهذا كله يقتضي الوقوف إلى جوار هؤلاء الناس الذين صمدوا في تلك الحروب وقاوموا الاحتلال. لذلك أقول إن هذا الظرف يشعر به سكان قطاع غزة وهم يشعرون بالامتنان إلى من ساعدهم سابقا ولاحقا.
ما يحصل في العلاقة بين إيران وحماس ليس معزولا عن أحداث المنطقة، أخذ على حركة حماس ما يمكن اعتباره ازدواجية في المواقف تجاه دول بعينها فسرت بأن جذورها مذهبية، فقد أعلنت حماس وقوفها مع الشرعية السياسية في اليمن أي إلى جانب الرئيس عبد ربه منصور هادي، لماذا لم تقف مع الشرعية عندما تعلق الأمر بالرئيس السوري بشار الأسد مثلا؟
الفارق واضح، هي ليست مع الشرعية بشكل مطلق، حماس حركة شعبية، ولا يمكن أن تقف بمواجهة الشعوب، فهي تلتصق بالشعوب حيث هي وجهة الشعوب. الواقع أن الشعب اليمني هو الذي اختار هذه الحكومة، بانتخابات شارك فيها الحوثيون أنفسهم وكل القوى السياسية، وكان هنالك توافق عام شمل الرئيس السابق علي عبد الله صالح والقوى الأخرى، قبل أن تنقلب الأوضاع، هذا هو ما أنتج هذه الشرعية. لذلك فهي شرعية شعبية معترف بها ولا يستطيع أحد إنكارها. وحتى على المستوى الرسمي لا يوجد أي نظام أنكر هذه الشرعية. أما سوريا  فلا شك أن النظام قدم للحركة خدمات كثيرة، ونحن وقفنا (بعد الثورة عليه عام 2011) على الحياد. لكن واضح جدا أن هذا الحياد هو بين الشعب ورغباته وطلباته، وبين الحكومة وأعمالها المختلفة. نحن اختلفنا مع الحكومة في الإجراء الأمني. لم نكن راضين باعتماد إجراء أمني بمواجهة الناس حينما تحركوا. وفي الوقت نفسه لم نكن نرضى بقيام أحد بمعالجة المشاكل الداخلية بأيٍّ من أشكال العنف. هذا ضد سياسة الحركة (حماس) بالمطلق، لذلك فالبيان الذي أصدرته الحركة حول سوريا ذكرت فيه الطرفين، واعترفت بالنظام كما اعترفت بحقوق الناس، كان بيانا متوازنا بشأن الخلاف بين الطرفين. هذا هو لب موقف الحركة في سوريا كما هو لب موقفها من اليمن.
كان لإيران موقف مختلف من الثورات العربية منذ بدايتها، فوصفت ثورة مصر وتونس بأنها إسلامية رغم أن الإسلاميين أنفسهم حتى لم يشاطروها هذا التصنيف. أما في سوريا فاعتبرت ومنذ البداية أن ما يحدث هناك هو مؤامرة. والفرق واضح، حيث لإيران في سوريا مصالح مباشرة وحيوية، تلزمها بالوقوف مع نظام الرئيس بشار الأسد، أما في مصر وتونس فلا. هل تعتقد أن عودة العلاقة مع إيران تقتضي مراعاة مصالح إيران في سوريا أو مجاملتها هناك إذا جاز التعبير؟

- قطعا لا. نحن موقفنا في سوريا كان واضحا، وموقفهم أيضا (الإيرانيين) كان واضحا، موقفهم هو الحفاظ على النظام في سوريا ودعمه بكل الإمكانيات، واعتبار أن كل من خرج على النظام فعلها في ظل مؤامرة أميركية-صهيونية-إمبريالية. أما موقفنا فكان موقفا متوازنا حياديا. لم نتدخل بالشأن السوري في أي حال من الأحوال. وكان رأينا ألا يكون الحل أمنيا, وأن يكون سياسيا، تلبى فيه مطالب الناس وحقوقهم سلميا. هذا هو موقفنا في سوريا الذي اختلفنا بشأنه مع الإيرانيين، وهو ما نتج عنه في النهاية ضعف في العلاقة وتراجعها.
ليس لدينا أي دافع أو سبب لتغيير أي من مواقفنا السياسية النابعة من تقديراتنا لما يجري في المنطقة ومستقبلها، سواء تعلق الأمر بالمبادئ أو المصالح. وهذا ما اختلفنا عليه (مع الإيرانيين). لانرى مبررا للتراجع عن موقفنا كي تعود العلاقات ( مع إيران) أو أن يتراجعوا هم عن مواقفهم. الأفضل هو تحييد هذه المواقف، والتركيز على شيء آخر هو العلاقة الثنائية المتعلقة بفلسطين والقدس، فإذا حيدنا المواقع الخلافية، وركزنا على العلاقات الثنائية المتعلقة بفلسطين، أعتقد أنه سيكون هناك مجال واسع للتعاون، ولصياغة علاقة مختلفة عما كانت عليه في السابق.

أبو مرزوق للجزيرة نت : من يرد أن يحمل قضية القدس يجب أن يكون لديه فائض من الكرامة(الجزيرة)


في موضوع الثورات العربية وتبعاتها، حشرت حماس في مواقف لم يكن هي تسعى إليها، فعلى سبيل المثال يرى كاتب في صحيفة "الأخبار" اللبنانية أن عودة العلاقة بين حماس وإيران غير ممكن بدون موافقة الرئيس السوري بشار الأسد. هل تعتقدون بصحة هذا التقدير؟ ألا يشكل هذا الشرط نوعا من الإذلال للحركة  بشكل أو آخر؟


لم أقرأ ولم أسمع بمثل هذا الرأي. وأعتقد جازما أن الإيرانيين لا يمكن أن يقعوا تحت تأثير أطراف خارجية عند رسم علاقاتهم. الأرجح أن يكونوا هم أصحاب التأثير بحكم قوة التأثير والمصالح الإيرانية في الوقت الحاضر. على العكس منذ ذلك بات شرط البروز السياسي في مناطق أخرى هو الحصول على موافقة إيران.

ليس نحن من تعامل تعاملا سلبيا مع إيران، العكس هو الصحيح. إيران تعرف تماما أننا تحادثنا معها بكثرة حول ثورات الربيع العربي, وهي كانت تعتقد أن إلهامات ثورتها هي التي دفعت كل الشعوب للثورة في وجه حكامها الظلمة

بالمناسبة، نحن لم نقبل شروطا من (اللجنة) الرباعية الدولية، وهي التي كانت ملء السمع والبصر في حجم تأثيرها السياسي والاقتصادي وغيره، فهي تضم الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الروسي، كلها اتحادات، ومع ذلك رفضنا مبدأ أن يملي أحد شروطه على الحركة بأي حال. وأريد أن أقول لك: من يرد أن يحمل قضية القدس يجب أن يكون لديه فائض من الكرامة حتى لا يقبل شرطا واحدا مرتبطا بمسيرته نحو تحرير القدس وعودتها.


أريد أن أعرض لك وجهة نظر إيرانية، يعيد كاتب إيراني التبدل في موقف حماس من إيران إلى خطأ في حساباتها بعد ثورات الربيع العربي ومراهنتها مع صعود الإخوان في مصر قبل الانقلاب على الاستعاضة عن إيران بداعمين جدد، خصوصا بعد فوز محمد مرسي بالرئاسة. ويقول أيضا إن خلطا في الأولويات وقعت فيه الحركة حيث لم تعد المقاومة تتخذ أولوية لديها. كيف تردون على هذا الكلام؟

فيما يتعلق بحساباتنا تجاه موضوع الدعم وثورات الربيع العربي في حينها، أريد أن أوضح أن الدعم لم يكن يأتينا من إيران وحدها، فكل البلدان التي شهدت ربيعا عربيا كان يأتينا منها دعم باستثناء مصر. كما أن وضع مصر الاقتصادي لا يحتمل إعطاء دعم لأحد. وفي الملف الفلسطيني عموما لا تتعامل مصر بقصة الدعم المالي، مصر تعطي قوة دفع سياسية لقضية فلسطين، وفي الملفات الفلسطينية كلها تشكل مصر رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، وكذلك موقعها الجغرافي وأثرها على القضية الفلسطينية، وكذلك التاريخ وقيمته في القضية الفلسطينية. لذلك نحن لم نكن نراهن بأن دعما سيأتينا من بلاد الربيع العربي، لأننا على اطلاع على أحوالها الاقتصادية.

وهذه البلاد كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي أحد أهم عوامل الثورة، سواء كان ذلك في تونس أو مصر أو اليمن أو ليبيا. كانت الأوضاع سيئة فيها عموما. لذلك لم تكن تلك هي الحسابات. ولم يكن هذا هو السبب، وليس نحن من تعامل تعاملا سلبيا مع إيران، العكس هو الصحيح. إيران تعرف تماما أننا تحادثنا معها بكثرة حول ثورات الربيع العربي, وهي كانت تعتقد أن إلهامات ثورتها هي التي دفعت كل الشعوب للثورة في وجه حكامها الظلمة. وهي بالتالي كانت مرتاحة للشعوب وثوراتها. الانقلاب حصل عندما تحرك الشعب السوري. وقد كان ذلك ضد رغبة إيران ومصالحها وضد المستقبل الذي رسمته إيران للمنطقة. وبالتالي أصبحت إيران بالضرورة ضد هذه الثورة، وتوقفت عن تأييد تلك الثورات. لو تتذكر موقفها من الوضع في مصر صعودا وهبوطا.

وهذا دليل واضح بأن تقدير المصالح كان تقديرا مختلفا. وليس نحن من تنكب بسبب الحسابات المرتبطة بثورات الربيع العربي، وإن كنا نحن دائما من يراهن دائما على الشعوب وهي التي ثارت. وبالمناسبة نحن وقفنا إلى جانب الشعوب بدون أن يكون هنالك انحياز إلى أي طرف من الأطراف، لأن الأمور لم تكن قد رسمت. وكنا نعرف تماما أن شعارا واحدا حول القضية الفلسطينية لم يرفع بكل ثورات الربيع العربي إذا لاحظت, ومع ذلك كنا نعتقد جازمين بأن خيارات الشعوب دائما في النهاية هي نحو فلسطين.

أما في قصة المقاومة فأنا لا أريد أن أتكلم بهذا الموضوع كثيرا، لأنه لا أحد يستطيع أن يزايد على حركة حماس بالمقاومة، لا بعدد الشهداء، ولا بعدد القادة الذين قدمتهم، ولا بعدد الحروب التي خيضت. آخر حرب خاضتها حماس استمرت 51 يوما، لا يوجد حرب من الحروب العربية (مع إسرائيل) است

جمهور المعارضة السورية هو أكثر فئة تترقب تطور العلاقة بين حماس وإيران، فهل تضعون هذه الفئة في حسابكم في حال تحسنت العلاقة مع إيران؟

 موقف حماس من أي قضية هو مهم لكل الأطراف نظرا لما تمثله  حماس، ولاعتبارات أخرى متعلقة بالقضية الفلسطينية ، بالإضافة إلى أن حركة حماس هي في الوقت الحاضر ضمير الأمة في ما يتعلق بأهم قضية موجودة ، والبوصلة التي تحددها حركة حماس لا يستطيع الآخرون أن يتجاوزونها بسبب قدسية القضية ولأهميتها لانعكاسها على كافة القضايا الأخرى.

إيران الآن بلا شك على مفترق طرق، والاتفاق يتضمن اعترافا بأنها دولة إقليمية كبيرة ودولة مؤثرة ودولة لا يستطيع أحد أن يتجاوز القرار فيها، وهو اعتراف كبير من المجتمع الدولي والدول الست بالمكانة السياسية لإيران في المنطقة

قوة موقفنا وسببه وأهم نقاط القوة فيه هو حرصنا على ألا يتفرق الناس من حوله، وهو أن يبقى الجميع واقفا إلى جوار الحق الفلسطيني دعما للحركة، وفي اليوم الذي ننحاز فيه إلى أي فئة أو نلقي بأنفسنا في الخلافات الداخلية فسنُحرم من هذا التأييد والدعم. منيريد أن يعمل في القضية الفلسطينية يجب ألا يتحرك في أي شكل من الأشكال في القضايا الداخلية للدول العربية، وألا يحسب على تيار أو حلف، لأن سياستنا أن يكون كل هؤلاء إلى جوارنا، ونحن -سياسيا- منفتحون على كل الأطراف حتى نستطيع أن نقدم الخير إن كان هناك من خير نستطيع تقديمه، لكن في النهاية نحن نريد أن نعزل أنفسنا عن أي تدافعات داخل أي قُطر من الأقطار أو في العلاقات البينية بين الدول العربية أو الإسلامية أو في خلافاتها. هذه وجهتنا وهذه سياستنا.

 ما قراءة حماس لمرحلة ما بعد توقيع اتفاق إيران مع الغرب بشأن برنامجها النووي؟

توقيع الاتفاق جاء لصالح إيران من أوجه عدة: فالنسبة المسموح بها للتخصيب كافية لكل ما تريد فعله في مجال الأبحاث أو الطاقة أو غير ذلك، كما أن النوايا لم تكن في الأصل معقودة على صناعة القنبلة الذرية. لذا، فإيران في هذا الجانب لم تخسر شيئا على الأطلاق، كما أن الحصار المفروض عليها كان في الأصل حصارا ظالما، ولا يتمتع بشرعية قانونية بأي حال من الأحوال، فهي إجراءات كانت الولايات المتحدة وأوروبا تدفعان العالم نحوها دون أن تتمتع بأي شرعية، وكانت ظالمة بحق الشعب الإيراني وحق إيران. رفع العقوبات الآن سيساعد إيران كثيرا في مجالات عديدة.

ما أرجوه هو أن تكون وجهة إيران في المنطقة تتجه نحو استقرار المنطقة وعدم زيادة حدة الخلافات الداخلية بين الدول العربية. إيران الآن بلا شك على مفترق طرق، والاتفاق يتضمن اعترافا بأنها دولة إقليمية كبيرة ودولة مؤثرة ودولة لا يستطيع أحد أن يتجاوز القرار فيها، وهو اعتراف كبير من المجتمع الدولي والدول الست بالمكانة السياسية لإيران في المنطقة. وبلا شك هي تمتلك من القدرات الإضافية ما يتيح لها الحفاظ على "المومينتوم" أي توجهاتها في سياساتها ومشروعها، لكن يجب أن تراعي ألا تغريها حالة الفراغ الموجودة في المنطقة بأي حال من الأحوال بمزيد من المغامرات الموجودة، فالمنطقة بحاجة إلى كثير من الاستقرار والكثير من السياسات التي تخرجها من أزماتها الداخلية في الوقت الحاضر وتستطيع إيران أن يكون لها دور إيجابي في هذا السياق.

وجهة نظر إيرانية

 وجهة نظر إيرانية

حسن أحمديان

فترة التقارب
فترة التباعد
احتمالات المستقبل

التغيير في علاقات حماس مع طهران وحلفائها الإقليميين كان من أهم تبعات الربيع العربي على القضية الفلسطينية.

فقد تغيّرت أولويات حماس وتغيّرت معها بوصلة سياستها الخارجية تجاه إيران ودول المنطقة بشكل عام. لم يكن هذا التغيير واضح المعالم في بداياته. وكان صعود الإخوان المسلمين في مصر النقطة الفاصلة التي يمكن تأريخ تحوّل سياسات حماس بعد الربيع العربي بناء عليها.

فقد بدأت حماس تأخذ في حساباتها الإقليمية الأولويات الإخوانية، وظهر ذلك بداية في سوريا. كانت سوريا -الحليفة الشرق أوسطية الأكبر لإيران- من أكبر الداعمين للمقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس، ورغم ذلك أحست حماس المتفائلة بالتغيير في مصر أنه بإمكانها استبدال داعميها السابقين بإخوان مصر ومن تحالف معهم.

ووفقا لهذه الرؤية، بدأت حماس تنأى بنفسها عن الأزمة السورية قبل أن تبدأ بتأييد المعارضة السورية بعد خروج قادتها من دمشق. ورغم أن طهران كانت قد تفهمت نأي حماس بنفسها عن الأزمة السورية، فإنها لم تعد ترى مناصرة حماس للمعارضة السورية كذلك، فقد رأت طهران أن خروج حماس وبعدها عن النظام السوري لا يتماشى مع خطابها وعملها المقاوم.

غيّر الربيع العربي أولويات حماس وتغيّرت معها بوصلة سياستها الخارجية تجاه إيران ودول المنطقة. ولم يكن هذا التغيير واضح المعالم في بداياته. وكان صعود الإخوان المسلمين في مصر النقطة الفاصلة التي يمكن تأريخ تحول سياسات حماس بعد الربيع العربي بناء عليها

وبالفعل لم يعد بمقدور حماس المضي في المقاومة كمبدأ للتحرير من جهة والتماشي مع أولويات الإخوان المسلمين الإقليمية والفلسطينية من جهة أخرى دون إحداث تغيير جوهري وهوياتي بداخلها.

ولإيضاح هذا الموضوع سنحاول طرح أسباب تحالف إيران وحماس أولا ثم أسباب افتراقهما بعد الربيع العربي والتطورات الجديدة المنبثقة من واقع تراجع التيار الإخواني على المستوى الإقليمي.

فترة التقارب
كان واضحا أن إيران الثورية بخطابها المعادي لإسرائيل ستكون من أبرز الحلفاء للمقاومة الفلسطينية، وكان ياسر عرفات أول زعيم زار طهران الثائرة. وأصبح الخطاب الداعي للمقاومة والتحرير بعد الثورة الإيرانية جزءا من الهوية المؤسساتية للجمهورية الإسلامية.

لهذا السبب -إن وضعنا الحرب العراقية الإيرانية جانبا- أبعد كل من إعلان الدولة في 1988 ثم مؤتمري مدريد وأوسلو، إيران عن فتح وأدى لتقاربها من حركات المقاومة كحماس. هكذا وضعت الانتفاضة الأولى اللبنة الأولى للعلاقة القوية بين إيران وحماس. وأدى معارضة حركات المقاومة لمسيرة أوسلو وما تبعها من اتفاقيات، إلى تقارب غير مسبوق بين إيران وحماس.

ومع تزايد شعبية حماس وأخواتها إثر الانتفاضة الثانية وتبنيها للمقاومة أداة للتحرير، توطدت علاقاتها مع إيران التي صارت تدعمها دون أن تطلب أي مقابل حسب تعبير محمود الزهار.

وبعد انتخابات 2006 وظهور التململ العربي والدولي إزاء صعود قوة حماس الشعبية، أصبحت إيران من أكبر الدول الداعمة للحكومة المنتخبة في الأراضي الفلسطينية في وقت كانت غالبية الدول العربية قد وقفت إلى جانب فتح في الصراع الذي فصل الضفة عن القطاع بعد 2007. وقد أظهرت الحروب الإسرائيلية على غزة حجم الدعم الإيراني لهذه الحركة.

ويمكن تعليل هذا التقارب بناء على ثلاثة أسباب:
السبب الأول يتمثل في البُعد الأيديولوجي لسياسة إيران الإقليمية المتبنية للمقاومة طريقا أمثل للتحرير. وغني عن القول أن هذا الجانب الأيديولوجي كان جليا في الخطاب والعمل المقاوم لحماس في فترة تقاربها مع إيران. إذ يمكن القول بأن تبني إيران وحماس لنفس الخطاب الأيديولوجي المقاوم جعل منهما حليفين طبيعيين.

السبب الثاني يكمن في معارضة الطرفين للخطاب المتحول لمنظمة التحرير باتجاه الاعتراف بإسرائيل وعدولها عن الخطاب الهادف لتحرير كامل الأراضي المحتلة. هكذا وضع الموقف الإيراني تجاه تحول منظمة التحرير والدعم العربي لهذا التحول من جهة وخطاب حماس وأخواتها الرافض للتنازل عن الأرض المحتلة عام 1948 من جهة أخرى الطرفين في خانة الحلفاء.

وتمثل السبب الثالث في دعم إيران للمقاومة أمام الاعتداءات الإسرائيلية في الانتفاضتين وفي الحروب التي فُرضت على غزة وأيضا مناصرتها أثناء محاولة الدول العربية والغربية انتزاع النصر الديمقراطي لحماس في انتخابات 2006، بإخراجها من الساحة السياسية الرسمية لعدم تماشيها مع المطلوب عربيا ودوليا من اعتراف بإسرائيل والمضي قدما بما بدأته منظمة التحرير منذ إعلان الدولة.

هكذا وضع الدعم الإيراني حماس في موقع يمكنها من مقاومة الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية وجعلها تنظر لإيران كحليف يمكن التعويل عليه.

فترة التباعد
عند بداية الربيع العربي كانت حماس تحت ضغوط اقتصادية وسياسية جمة نتجت عن الحرب الإسرائيلية (2008-2009) والحصار المفروض على غزة منذ 2007. وبالرغم من مساعدات إيران وحلفائها للمقاومة، كان للغليان السياسي في الأراضي الفلسطينية أثر بالغ في توجه المقاومة والسلطة الفلسطينية إلى المصالحة الوطنية.

وبالرغم من تذبذب موقف حماس من التغيير في الدول العربية في بداياته، فقد احتفل الغزيون بسقوط حسني مبارك. ويمكن القول بأن الفترة الانتقالية في مصر والأشهر الأولى للأزمة السورية كانت فترة انتقالية في تطور موقف حماس من تطورات الربيع العربي. فقد عاد موقف حماس في هذه الفترة إلى خانة التذبذب.

ولكن صعود الإخوان المتدرّج إلى السلطة في مصر أتى بشيء من الطمأنينة لحماس. ومع اشتداد الأزمة السورية أصبح واضحا أن خيارات حماس تتقلص بسرعة غير مسبوقة، فصار لزاما على قيادتها أن تحدد خياراتها. ولأن مصر مرسي بدت لهذه القيادة كالبديل الأمثل لإيران وحلفائها في زمن الربيع، بدأ الخروج من سوريا ثم مناصرة معارضي الحكومة السورية تماشيا مع الخيار الإخواني وابتعادا عن حلفائها وأكبر مناصريها في الشرق الأوسط.

لم يدر في مخيلة قيادة حماس آنذاك أن سقوط نظام مرسي قادم بشكل سريع. ومع ذلك السقوط المدوي، بدأت الفترة الانتقالية الثانية في الخيارات الحمساوية وهي مستمرة حتى اليوم.

كان لاصطفاف حماس إلى جانب الخطاب الطائفي المبني على استعداء إيران وحلفائها بدعاوى مذهبية، أثر بالغ أدى إلى إضافة هذا البُعد لخطاب بعض فصائل المقاومة من جهة وإلى الخلاف البادي للعلنِ بينها وبين إيران من جهة أخرى

يمكن تلخيص أسباب التباعد الإيراني الحمساوي في الأسباب الثلاثة التالية:

أولا: كان لتغيير فحوى أيديولوجيا المقاومة لدى حماس أثر واضح في ابتعادها عن إيران. فلم يكن لخطاب المقاومة -في تاريخها المديد- بُعد طائفي يماشي الخطاب الطائفي الذي سيطر على المشهد العربي في السنوات الأخيرة. وكان لاصطفاف حماس إلى جانب الخطاب الطائفي المبني على استعداء إيران وحلفائها بدعاوى مذهبية أثر بالغ أدى إلى إضافة هذا البُعد لخطاب بعض فصائل المقاومة من جهة وإلى الخلاف البادي للعلنِ بينها وبين إيران من جهة أخرى.

ثانيا كان اتجاه حماس صوب الخيار الإخواني في سوريا سببا رئيسيا في برودة علاقتها مع إيران. كانت طهران ستتفهم نأي حماس بنفسها عن الأزمة السورية، لكن معاداة المحور الداعم لحماس كان خيارا متسرّعا بُني على حتمية استبدال محور المقاومة بالإخوان المسلمين في دعم حماس ونصرتها، أدى لتعميق الفجوة بين إيران وحماس.

يكمن السبب الثالث في انحدار الخطاب المقاوم لحماس. فقد أصبحت قيادات الحركة تتكلم بصراحة عن قبولها بهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، أي إن بإمكانها أن تدخل مع إسرائيل في هدنة تمتد لعقد أو عقدين. والواضح أن هدنة كهذه كانت ستحول المقاومة إلى شعار. وكان هذا التوجه قد بدأ قبل الربيع العربي واشتدّ خاصة بعد وصول مرسي لرئاسة مصر.

بشكل عام يمكن القول إن الخطاب والسياسة الإيرانية تجاه المقاومة الفلسطينية لم تتغيّر كما يرى بعض المتابعين للشأن الإيراني، بل يمكن القول إن التغيير في خطاب وسياسات حماس قد أتى على علاقاتها بإيران وحلفائها الإقليميين بنتائج سلبية.

وقد أدى رهان حماس على المحور الإخواني -الذي بدا قاب قوسين أو أدنى من ابتلاع المنطقة- إلى زيادة الضغوط عليها بعد سقوط مرسي داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها. هكذا فقد أدى عدم التركيز على كافة البدائل المحتملة للتحول الإستراتيجي باتجاه الإخوان واستعداء سوريا إلى ما وصلت إليه حماس اليوم.

احتمالات المستقبل
دخلت حركة المقاومة الإسلامية حماس، بمعاداة امتدادات هذه المقاومة على المستوى الإقليمي، في طريق قادها إلى العزلة شبه الكاملة والضغوط غير المسبوقة. وكان للقيادة السياسية بشكل خاص الدور المحوري في ترجيح كفة هذا الخيار. وبعد الضغوط والمشاكل الجمة التي واجهت حماس، وبدل القبول بالأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبتها قيادة الحركة، وجدت بعض القيادات في التغيير السعودي على مستوى القيادة، طريقا آخر للخروج من العزلة.

ومن الواضح أن خيارات حماس ما زالت محدودة جدا. تعلم قيادة الحركة أن خطاب المقاومة وفلسفتها لا يتماشيان مع أولويات دول خليجية في المنطقة. وتعلم أيضا أنه إن كتِب لحماس الاستمرار في قيادة خطاب وسياسة المقاومة الفلسطينية، فلا بديل للالتصاق بامتدادات هذه المقاومة على المستوى الإقليمي.

والواضح أن إيران مستمرة في خطابها وسياساتها الداعمة للحركات المتبنية للمقاومة ما دامت تحمل اسما ذا مسمى. ومن هنا تتجلى السيناريوهات المستقبلية أمام حماس وخيارات إيران في علاقاتها مع هذه الحركة في كل من هذه السيناريوهات.

السيناريو الأول: هو عودة حماس لحاضنة المقاومة الإقليمية، وهناك مؤشرات تدل على ترجيح هذا الخيار من قبل بعض قيادات حماس. فقد تراجع خطاب حماس المعادي للنظام السوري والمناصر لمعارضته، كما رفضت حماس التدخل العسكري للولايات المتحدة ضد النظام السوري. كما أن وفدا من حماس بقيادة محمد نصر قد زار طهران وكان الهدف الواضح يتمثل بتجسير الهوة بين الجانبين.

إن رجّحت حماس هذا الخيار في التعاطي مع المتغيّرات الإقليمية، سيكون لزاما عليها طرح البُعد الطائفي الذي دخل خطابها بعد الربيع العربي والعودة للتأكيد على الخطاب المبدئي في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

والواضح أن سيناريو كهذا سيُبعد بعض القيادات التي ارتكبت الخطأ الإستراتيجي الكبير الذي أدخل حماس طرفا في المعادلات الإقليمية كانت في غنى عنه وهو الخطأ الذي قلل من شأن حماس السياسي في الداخل والخارج. ستتقبل طهران هذه العودة وستتفهم باعتقادي نأي حماس بنفسها عن الأزمة السورية وحيادها تجاه اللاعبين فيها وستستمر بدعمها لحماس.

إن استمرت حماس في التذبذب بين خياري العودة لإيران أو التوجه للخليج ستزداد في هذه الحالة الضغوط الإقليمية والداخلية على حماس وستزداد النغمة الشعبية المتذمرة من افتقار حماس للمقومات التي تمكنها من إدارة القطاع

السيناريو الثاني: هو استمرار حماس في المراهنة على استبدال إيران وحلفائها بلاعبين آخرين في الخليج. والواضح أن هذه الدول لا تتبنى فلسفة المقاومة خطابا أو سياسة تجاه القضية الفلسطينية. وسيكون على حماس- في حال ترجيح هذا الخيار- الابتعاد المتدرج عن المقاومة والدخول في دوامة المفاوضات التي دخلتها فتح من قبل وأنهت سيطرتها على القرار الفلسطيني.

وستكون حماس أمام زيادة قوة وصوت حركات المقاومة الأخرى التي ستنمو على حساب حماس وستسلب الموقع القيادي لحماس في المقاومة الفلسطينية، تماما كما حصل لفتح بعد طرحها لخيار المقاومة.

ومن المتوقع أن تحصل انقسامات عمودية في حماس بين جناحيها العسكري والسياسي. في هذه الحالة ستزداد الهوة بين إيران وحلفائها من جهة وحماس من جهة أخرى. وسوف تخسر حماس الدعم الإيراني -غير المشروط، حسب محمود الزهار- لتتلقى دعما مشروطا يفقدها استقلالها ويجرها لتسير على خطى فتح.

السيناريو الأخير: هو استمرار التذبذب الحمساوي بين الخيارين السالفين. ستزداد في هذه الحالة الضغوط الإقليمية والداخلية على حماس وستزداد النغمة الشعبية المتذمرة من افتقار حماس للمقومات التي تمكنها من إدارة القطاع.

تعلم قيادات الحركة أنه لا يمكن الاستمرار بهذا الوضع. فالمقاومة المحاصرة تحتاج إلى دعم لتستمر في حملها لبوصلة المقاومة من جهة، ولتتمكن من إدارة القطاع المحاصر دون أن تواجه انتفاضة داخلية بفعل الضغوط الداخلية والمؤامرات الخارجية من جهة أخرى. لن يحدث أي تغيير كبير في العلاقات الإيرانية الحمساوية في هذه الحالة وستستمر حالة عدم الاطمئنان لدى الجانبين إزاء بعضهم البعض.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك