ثلاث حروب ومشروع حرب

 

ربطت المجموعة الدولية للأزمات -في تقرير أصدرته عام 2007- جذور العنف في سيناء بعدة عوامل، من بينها: التمايز الاجتماعي لسكان المنطقة، وتهميش النخبة المصرية الحاكمة لهم اقتصاديا، ووقوع شبه الجزيرة على تماس مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى جانب تداعيات أزمات الشرق الأوسط عليها.

وقد أنتجت هذه الأسباب مجتمعة ما أسمتها المجموعة "مسألة سيناء".

بعد ثمانية أعوام، لم تجد أيّ من تلك الأزمات حلا، بل ازادت تفاقما وأضيفت إليها أزمة أخرى ترتبت على انقلاب الجيش وحلفائه على الديمقراطية التي أتت بها ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وما تبع ذلك من حرب أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي مبكرا على "الإرهاب"، وكانت سيناء ميدانها.

نتيجة لهذه العوامل مجتمعة، تشهد سيناء منذ نحو ثلاثة أعوام، ثلاث حروب في وقت واحد: حرب الجهاديين على السياح الإسرائيليين والغربيين، والتي انتهت حربا على أنبوب الغاز المصري، ثم هجمات متفرقة على الإسرائيليين عبر الحدود في إيلات وطابا.

ثم حرب هؤلاء على الدولة المصرية بعد انقلاب 3 يونيو/حزيران 2013، والتي تطورت إلى تكفير العاملين في الجيش والشرطة.

تليها حرب الجيش المصري منذ عامين على أنفاق قطاع غزة كجزء من حربها على الإرهاب، علما بأن هذه الحرب اتخذت اسما محايدا هو" إقامة منطقة عازلة في رفح".

وأخيرا يأتي التوتر -القابل للتحول إلى حرب- الذي أشعله الجيش المصري قبل أقل من عام، بين قبائل سيناوية موالية له، وأخرى تدعم "ولاية سيناء" التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

الحروب الثلاث ومشروع الحرب الرابعة هي موضوع هذه التغطية، وهي تضم معلومات عن تطوراتها ورموزها وأبرز محطاتها، يتم ذلك عبر تقارير وبطاقات معلوماتية ومتابعة ميدانية لمراسلي الجزيرة نت في مصر ومن داخل سيناء نفسها.

جغرافيا..ديمغرافيا..سياسة

متوالية الظلم والتهميش والعنف

video


أنس زكي

بعد سنوات من الاحتلال الإسرائيلي، عادت سيناء إلى مصر وسط حفاوة كبيرة سرعان ما تبين أنها قاصرة على أغنيات موسمية ووعود لم يتحقق منها شيء، لتبقى سيناء ضحية تهميش سياسي واقتصادي ساعد لاحقا في جعلها بؤرة لعدم الاستقرار الأمني عبر سنوات مع اختلال الأسباب.

ومنذ احتلالها في حرب 1967، ظلت عودة سيناء أملا للمصريين، ثم بدأت رحلة العودة عبر انتصار 1973، ومن بعده مفاوضات السلام، ثم التحكيم الدولي، لتكتمل عودة سيناء في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، وإن مع شروط أملتها اتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل كان أبرزها فرض قيود على تحركات الجيش المصري وحجم انتشاره وتسليحه في سيناء، فضلا عما يتردد على نطاق واسع من قيود إسرائيلية غير معلنة على تعمير سيناء وزيادة سكانها.

ورغم أن مبارك كان الرئيس الذي عادت في عهده سيناء بكاملها إلى السيادة المصرية، فإنه -للمفارقة- كان الرئيس الذي أهملها وهمّشها بشكل غير مسبوق على مدى سنوات حكمه، لتبقى خالية من أي مشروعات زراعية أو صناعية حقيقية، فضلا عن التعامل الأمني معها واعتبار أهلها دائما كأنهم مشتبه بهم، مما خلق سلسلة متتالية من الشعور بالظلم والتهميش.

ساحة تفجيرات
وساعد على ذلك أن سيناء كانت ساحة لأعمال عنف وتفجيرات في العقد الأول من القرن الحالي، استهدفت في معظمها أماكن سياحية في جنوبها ونسبت المسؤولية عنها لتنظيم القاعدة أو لجماعات محسوبة عليه، قبل أن ينتقل العنف إلى شمال سيناء في السنوات الأخيرة.

محمد مرسي أظهر اهتماما مبكرا بسيناء (غيتي إيميجز)
وبعدما أطاحت ثورة يناير 2011 بمبارك وجاءت الانتخابات برئيس جديد هو محمد مرسي، أظهر الأخير اهتماما بسيناء وقام بزيارة للعريش عاصمة محافظة شمال سيناء، لكن واقع الأوضاع فيها لم يتغير، حيث عاجلتها عملية استهدفت جنودا للجيش لتتصاعد بعدها عمليات العنف بعدما أطاح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بمرسي وبالدستور وعين رئيسا مؤقتا، قبل أن يجلس بنفسه على مقعد الرئاسة بعد انتخابات جرت قبل نحو عام.

وفي زيارة سابقة للجزيرة نت إلى سيناء كان الواقع المؤلم واضحا منذ البداية، فما إن تعبر قناة السويس متجها إلى شمال سيناء حتى تكتشف بداية أن "ترعة السلام" -التي هللت لها السلطة قبل عقود وبشّرت بأنها ستنقل مياه النيل وتساعد في استصلاح ملايين الأفدنة من أرض سيناء- سرعان ما تتوقف بعد كيلومترات قليلة، تاركة مساحات واسعة بحاجة إلى المياه من أجل الاستفادة بها في الزراعة المنتظمة.

الخدمات شبه غائبة في شمال سيناء، والوضع الاقتصادي لغالبية سكانها شديد البؤس، فالزراعة المستقرة مستحيلة لفقد المياه، والنشاطات الأخرى قليلة، حيث لا يوجد إلا مصنع وحيد للإسمنت لا يستوعب من العمالة إلا قليلا، كما أن السياحة القليلة تتركز في شرم الشيخ في جنوب سيناء تاركة الشمال فريسة للفقر والعنف.

سوء معاملة
ليس هذا كل ما في الأمر، بل فيه ما هو أسوأ، وهو العلاقة المتوترة بين أهل سيناء والأمن طوال عقود، فما إن تجمعك جلسة خاصة مع سيناوي، حتى ينطلق ليحكي لك عن سوء المعاملة من الأمن الذي يفترض أن ابن سيناء مهرب أو مجرم بالضرورة.

وازداد الحال سوءا بعد الانقلاب عندما اختارت السلطة حل الحملات العسكرية لمواجهة من تصفهم بالمتشددين المسلحين، لتكون النتيجة معاناة هائلة للسكان الذين باتت حياتهم سلسلة من الخوف والمعاناة المستمرة، خصوصا بعدما وصل الأمر إلى تهجير آلاف السكان وهدم منازلهم في مدينة رفح على الشريط الحدودي.

ومع كل ذلك فلم يتوقف العنف بل ازداد، ولم تنجح الدولة في بسط هيبتها وسيطرتها، بل شهدت الساحة دخول لاعب جديد عندما أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس -التي طالما استهدفت مواقع للجيش والشرطة- مبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية، وأعلنت عما أسمته "ولاية سيناء"، لتدخل سيناء مرحلة جديدة ربما أسوأ من سابقاتها.

حرب الجيش والجهاديين

التنظيمات الجهادية

استعراض عسكري لمسلحي ولاية سيناء

 

ظهرت التنظيمات الجهادية للوجود في سيناء مطلع تسعينيات القرن الماضي، إثر اعتقال  إسلاميين من سيناء واختلاطهم ببقية المعتقلين الإسلاميين في سجون مصر.

بدأ هؤلاء بعد إطلاقهم بتشكيل باكورة تلك الجماعات في سيناء، وهي جماعة التوحيد والجهاد بزعامة خالد مساعد، التي تبنت تفجيرات المنتجعات السياحية جنوبي سيناء أعوام 2004 و2005 و2006.

لكن هذا التنظيم ما لبث أن تفتت جراء الملاحقات الأمنية ومقتل قائده، وذاب في تنظيمات أصغر حجما.
في هذه الأثناء اتسع نفوذ الفكر السلفي الجهادي من شرقي رفح (في غزة) إلى غربها (داخل سيناء)، وفتح ذلك الباب لنشوء جماعة أنصار بيت المقدس، وهي الأفضل تنظيميا والأقوى تسليحا، يليها "مجلس شورى المجاهدين-أكناف بيت المقدس".

ومع الهجوم على مقر المخابرات الحربية المصرية في رفح المصرية في 11 سبتمبر/أيلول 2013، ظهر تنظيم جديد يدعى "جند الإسلام".

وفي 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بايع أنصار بيت المقدس تنظيم الدولة الإسلامية، وأعلنوا سيناء ولاية تابعة له،‎ بعد أن قبل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي بيعتهم.
ويختفي معظم أعضاء التنظيم -بحسب وسائل الإعلام الغربية- في جبل الحلال.

هجرة العنف إلى الشمال

 حرب الجيش والجهاديين
جنازة لضابط شرطة قتل في هجوم على مركز بالاسماعيلية في 15يونيو الجاري(أسوشيتدبرس-أرشيف)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة
 

رغم ما شهدته منطقة جنوب سيناء من عمليات مسلحة استهدفت مدنيين من عام 2004 إلى 2006 فإن الأمر اختلف بعد ثورة 25 يناير 2011 فهجر العنف جنوب شبه الجزيرة ليستوطن شمالها.
 
ولم يتخذ الاستيطان بشمال سيناء فقط شكل عمليات ينفذها مسلحون كما حدث بالجنوب، لكنه تطور بدءا من عام 2012 ليصبح حربا بين عناصر مسلحة -تبلورت في شكل تنظيمات ربطت نفسها بتيارات دينية- ووحدات بالجيش المصري.
 
في عام 2004 شهدت سيناء بداية رحلة العنف بمناطقها الجنوبية التي يقطنها 177 ألف نسمة وفق إحصاءات 2013 وتحديدا في مدينة طابا الحدودية مع إسرائيل، إذ وقعت تفجيرات أسفرت عن مقتل 34 سائحا ومصريا، وأعلنت وقتها جماعة كتائب التوحيد والجهاد مسؤوليتها عن الحادث.
 
وبعد عام واحد وقعت تفجيرات في مدينة شرم الشيخ وراح ضحيتها حوالي 88 شخصا، ثم تفجيرات بمدينة دهب عام 2006 أسفرت عن مصرع وإصابة العشرات من السياح والمصريين.
إلى الشمال
بدأت هجرة العنف إلى محافظة شمال سيناء -التي يقطنها أربعمئة ألف نسمة وفق إحصاءات عام 2013- بعد ثورة يناير عندما هاجم مسلحون مركزا للشرطة المصرية بالعريش في 30 يوليو/تموز 2011، مما خلف ستة قتلى من أفراد الشرطة، وعلى إثر الهجوم نفذت حملة عسكرية بشمال سيناء تحت اسم عملية نسر، ومع تولي الرئيس محمد مرسي الحكم في يونيو/تموز 2012 استمر استهداف قوات الأمن بشمال سيناء.

أرجع مدير المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور مختار غباشي تركز عمليات العناصر المسلحة بشمال سيناء إلى سيطرتهم على كثير من أراضي الشمال، مما يزيد من قدرتهم على المناورة.

وكانت أضخم العمليات المسلحة ضد مواقع عسكرية في أغسطس/آب 2012 والتي عرفت بحادثة رفح الأولى وأسفرت عن مقتل 16 جنديا، وبالتبعية أعلن الجيش اجتياح شمال سيناء للقضاء على من سماهم العناصر المتشددة. وعقب عزل مرسي في 3 يوليو من العام نفسه استمرت الهجمات وكان أفدحها حادثة رفح الثانية التي خلفت  25 قتيلا من جنود الجيش.
 
ورغم أن الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي وصل لكرسي الرئاسة تحت راية حماية مصر من الإرهاب فإن عامه الرئاسي الأول شهد إخفاقه في وقف نزيف سيناء، وتعددت حوادث استهداف قوات الجيش بسيناء، وأبرزها حادث كمين كرم القواديس الذي أسفر عن مقتل 28 مجندا، كما هوجم مقر وحدة عسكرية، مما أدى لمصرع 25 جنديا وعشرات الجرحى.
 

في المقابل، فإن المتحدث باسم الجيش المصري أعلن على مدار العامين الماضيين عن تصفية المئات ممن سماهم العناصر الإرهابية. ووفق تقرير المركز المصري للحقوق والحريات، فمنذ سبتمبر/أيلول 2013 نفذت قوات الأمن 1347 حالة قتل خارج إطار القانون بسيناء، كما اعتقلت 9073 مواطنا.
 
تأمين الجنوب
وأرجع مدير المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور مختار غباشي تركز عمليات العناصر المسلحة بشمال سيناء إلى سيطرتهم على كثير من أراضي الشمال، مما يزيد من قدرتهم على المناورة.

وأضاف للجزيرة نت أن الأمن منتشر بشكل كثيف للغاية في جنوب سيناء، مما يحجم حركة المسلحين.

وأوضح غباشي أن الرئيس المخلوع مبارك نجح في تطويق المسلحين بعد ثلاث عمليات في جنوب سيناء، لاستخدامه سياسة الشد والجذب والتطويع على عكس السيسي الذي قرر خوض حرب.
 
وعلى نفس خطى غباشي، فسر قائد الجيش الثالث الميداني -في حوار صحفي- أسباب عدم السيطرة على شمال سيناء مقارنة بجنوبها، بكون الجيش الثالث يؤمّن جنوب سيناء بالكامل وبنسبة 60%  فقط من الشمال.
 

وأضاف أن محافظة جنوب سيناء مستقرة بنسبة 95%، وتقل هذه النسبة كلما اتجهنا إلى وسط سيناء وشمالها.
 
وأوضح أن الوضع في الجنوب مؤمّن بالجيش والشرطة، ويتمثل في كمائن ودوريات ونقاط غلق للطرق الرئيسية وغلق الممرات الجبلية.

 تفريغ الشمال
بدوره، قال الناشط السيناوي عيد المرزوقي إن التفجيرات
المرزوقي: مشكلة القبائل مع الشرطة لا الجيش (الجزيرة)

التي حدثت في جنوب سيناء بعهد الرئيس المخلوع مبارك تبعها اعتقال الآلاف من أبناء شمال سيناء واحتجاز نساء كرهائن للضغط على المطاردين من قبل جهاز أمن الدولة السابق  من الاعتقال.
 
وأردف الناشط السيناوي "على مدار عقود لم تكن هناك أي مشكلة بين القبائل والجيش المصري، فقط كان الاعتراض على ممارسات أجهزة وزارة الداخلية"، مؤكدا أن حادثة رفح الأولى فجعت لها القبائل، بل إن أبناءها هم من نقلوا مصابي الحادث إلى المستشفيات.
ودلل على عدم تورط أبناء الشمال في أي عمليات إرهابية تستلزم ما يتعرضون له من انتهاكات بعدم صدور أي حكم قضائي يثبت ضلوعهم في العنف الدائر.

وأرجع المرزوقي ما وصلت إليه سيناء للقمع الأمني وغياب الحقوق المعيشية، فضلا عن التدخل الإسرائيلي في المنطقة.

وانتقد سياسة الدولة مع العناصر المسلحة قائلا "كان يمكن أن ترشدهم الدولة بدلا من وصفهم بالتكفيريين، مما حول الصراع إلى عقائدي".

جهادي ومهرب سابق

 حرب الجيش والجهاديين
المنيعي متوسطا عددا من مقاتلي ولاية سيناء (الجزيرة)

 

ولد شادي المنيعي في مارس/آذار ١٩٨٨ بالمستشفى العسكري في عمان بالأردن من أب مصري من قبيلة السواركة وأم فلسطينية، وكان والده وقتها يعمل  في إطار منظمة التحرير الفلسطينية مع القيادي السابق في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني رشيد أبو شباك والقيادي في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) أبو علي شاهين.

انتقل بعد ذلك مع والده الى سيناء حيث التحق بمدرسة المهدية الابتدائية جنوبي رفح، ثم درس المرحلة الإعدادية في مدرسة الجورة جنوب رفح أيضا، والتحق لاحقا بمدرسة الفارابي الثانوية، إلا أنه لم يكمل تلك المرحلة جراء تأثيرات بيئة المهربين التي كان يعيش فيها.

عمل المنيعي في تهريب البضائع لقطاع غزه سنوات عديدة، وانتقل للعيش في فلسطين بجوار والدته لمدة عامين متصلين، وعاد بعدها إلى سيناء عبر الأنفاق، لكن سرعان ما طلب للتحقيق من قبل مسؤول الأمن الوطني في سيناء حينها.

التقى المنيعي لاحقا بقائد الجيش الثاني اللواء أحمد وصفي وضباط مخابرات آخرين ووقع معهم اتفاقا ينص على إسقاط أحكام الإعدام عن خمسة من أبناء سيناء كان من بينهم يونس أبو جرير ومحمد جازي ومحمد ربايعة، وبالفعل أسقطت الأحكام وأفرجت السلطات عن بعض المعتقلين مقابل إطلاق سراح الصينيين.

غادر بعدها للسكن في مدينة العريش، لكن المخابرات العامة قبضت عليه عام 2005 وتم نقله إلى القاهرة لاستكمال التحقيقات للاشتباه بمشاركته في هجمات شنتها حركة التوحيد والجهاد على إسرائيل من داخل سيناء.

جند الله
أثناء اعتقاله لمدة عام ونصف إلى جانب موقوفين بقضايا سياسية تعرف شادي المنيعي على مجموعة تنتمي لجند الله المتأثرة بفكر القاعدة، وشكل له ذلك دافعا بعد خروجه لتكوين جماعته الخاصة فشارك مع آخرين في تأسيس تنظيم "أنصار بيت المقدس".
 

أول نشاط له في تلك المرحلة تلخص في محاولة الإفراج عن المعتقلين المدانين في قضايا تفجيرات شرم الشيخ وطابا عام 2004، وقد نظم في البداية لأجل ذلك عدة اعتصامات على الحدود المصرية، لكنه غير لاحقا أسلوبه وقام في أواخر يناير/كانون الثاني 2012 باحتجاز نحو عشرين فنيا صينيا يعملون في مصنع إسمنت تشغله القوات المسلحة في مسعى للضغط على الدولة للإفراج عن المعتقلين وإسقاط الأحكام الغيابية بالإعدام التي صدرت بحق عدد من أصدقائه وأقاربه على خلفية اتهامات بتلك الهجمات.

وفي سياق عملية التفاوض لإطلاق الرهائن دار حوار هاتفي بينه وبين رئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي الذي حاول إقناعه بالإفراج عن الصينيين إلا أنه رفض.

والتقى المنيعي لاحقا بقائد الجيش الثاني اللواء أحمد وصفي وضباط مخابرات آخرين ووقع معهم اتفاقا ينص على إسقاط أحكام الإعدام عن خمسة من أبناء سيناء كان من بينهم يونس أبو جرير ومحمد جازي ومحمد ربايعة، وبالفعل أسقطت الأحكام وأفرجت السلطات عن بعض المعتقلين مقابل إطلاق سراح الصينيين.

مشارك بالعمل

محمد ابراهيم أعلن مقتل المنيعي ليظهر الأخير بعد ذلك قارئا نبأ وفاته (الجزيرة)

بعد تلك الواقعة كثفت جماعة أنصار بيت المقدس هجماتها على خط الغاز المصري الذي يزود إسرائيل والأردن، وكان المنيعي يشارك في هذه العمليات بنفسه.

وبعد تولي السيسي رئاسة مصر وشنه حملة أمنية في سيناء انخرط شادي المنيعي وأنصار بيت المقدس بمحاربة الجيش المصري، كما كان من بين مبايعي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، وأصبح أحد قياديي التنظيم الذي بات يحمل اسم ولاية سيناء.

في 27 مايو/أيار 2014 عممت السلطات المصرية نبأ مقتله خلال مواجهة مع وحدة من الشرطة، وخرج وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم لتأكيد النبأ، لكن التنظيم الذي كان وقتها يحمل اسم "أنصار بيت المقدس" نفى النبأ ونشر صورة له وهو يقرأ نبأ موته على شاشة حاسوب محمول.

تزوج شادي المنيعي بفتاة بدوية من سيناء وأنجب منها ولدا وبنتا، وتوفي والده قبل سبع سنوات فيما سافرت والدته لتعيش في فلسطين مرة أخرى بعد تردي الوضع الأمني في سيناء.

يتردد أن المنيعي يعيش ويتنقل بين قرى جنوب رفح وجنوب الشيخ زويد، وهي المناطق التي ينشط فيها الجيش للقضاء على "الإرهاب".

رجل المهمات الصعبة

 

في 31 يناير/كانون الثاني 2015، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، قرارا جمهوريا بتشكيل "قيادة موحدة لمنطقة شرق القناة ومكافحة الإرهاب"، وتعيين الفريق أسامة رشدي عسكر.
وكلف المجلس الفريق عسكر أيضا بالإشراف على العمليات العسكرية ومواجهة "الإرهاب" في شمال سيناء.

الفريق عسكر من مواليد محافظة الدقهلية في الأول من يونيو/حزيران 1957، تخرج في الكلية الحربية عام 1970 ضابطا في سلاح المشاة.

تدرج في جميع الوظائف القيادية بسلاح المشاة، حتى وصل إلى قائد فرقة، ثم رئيس لفرع العمليات بهيئة عمليات القوات المسلحة، ثم رئيس أركان الجيش الثالث الميداني، فقائد له في شهر أغسطس/آب 2012.

ويملك الفريق عسكر تاريخا طويلا من العمل في سيناء، بحكم قيادته للجيش الثالث الميداني، حيث تولى هذا المنصب خلفا لوزير الدفاع الحالي الفريق أول صدقي صبحي.

يحظى عسكر بثقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويضع السيسي -على ما يبدو- ثقة كبيرة في نجاح عسكر بهذه المهمة، وهو ما دفعه إلى مخاطبته خلال الندوة التثقيفية للجيش "أشهد الناس عليك يا أسامة أن أحداث سيناء الإرهابية لا تتكرر مرة أخرى، وأنت مسؤول أمامي وأمام المصريين، عن أن هذا الحادث لا يتكرر مرة أخرى، وأنت أيضا مسؤول بشكل كامل عن تنمية سيناء".

يصف الإعلام المصري عسكر بأنه "رجل المهمات الصعبة، ومفتاح الأزمات"، حيث إنه "حقق نجاحات غير مسبوقة أمام العناصر التكفيرية حتى يمنعها من الوصول إلى الجنوب وضرب السياحة، بالإضافة إلى تعاونه مع بدو جنوب ووسط سيناء، في بناء الصوب الزراعية الحديثة والارتقاء بالأوضاع المعيشية لسكان وسط سيناء الذين يعانون أوضاعا معيشية صعبة في ظل نقص الخدمات وقلة الموارد المتاحة".

وأطلق الفريق عسكر مبادرة منذ أكثر من عامين لجمع السلاح غير المرخص من أهالي بدو جنوب سيناء، ونجح في الحصول على مئات الأسلحة في إطار تلك المبادرة من مشايخ المنطقة.

الفريق أسامة عسكر متزوج وله ثلاثة أبناء، وحاصل على عدة شهادات في التأهيل العسكري بينها: بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية، وماجستير العلوم العسكرية من كلية القادة و الأركان، ودكتوراه العلوم العسكرية من كلية الحرب العليا بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، ودورة كبار القادة من كلية الحرب العليا.

المدنيون يدفعون الثمن

video


منى الزملوط- سيناء

حفلت الحملة الأمنية التي يشنها الجيش المصري منذ أكثر من عامين ضد سيناء بحجة "استئصال الإرهاب" من شبه الجزيرة، بجملة من الانتهاكات ضد المدنيين، من قتل واعتقال وإخفاء قسري وهدم منازل وتهجير قرى.

ويقول نشطاء برفح متخصصون بتوثيق الانتهاكات إن هناك أعدادا لم يتم حصرها من القتلى والمعتقلين، نظرا للظروف الأمنية التي تضغط على الأهالي وصعوبة الحركة والتنقل داخل القرى والمدن المنكوبة.

ويتهم جزء من أهالي سيناء الجيش بممارسة عقاب جماعي ضدهم، حيث تعيش المنطقة في شبة حصار منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام، بعد غلق "كوبري السلام" أمام أهالي سيناء وقطع شبكات الاتصال وفرض حظر التجوال على المنطقة.

يقول الناشط السياسي أبو أحمد الرفحاوي، المختص برصد أسماء القتلى والمصابين جنوب رفح، إن ما يقرب من 2541 مدنيا قتلوا حتى العامين الماضيين في العمليات العسكرية، و7056 مصابا بين رجل وامرأة وطفل.

ويضيف -في حديث للجزيرة نت- أنه عام 2015 فقط، قتل ما يقرب من 65 مدنيا وأصيب 42 فضلا عن 330 معتقلا، إضافة إلى هدم 802 منزل وتشريد نحو 1156 أسرة.

قتل ممنهج
وفي جولة للجزيرة نت في عدد من مدن شبه الجزيرة وقراها، شكا الأهالي من "عمليات قتل ممنهجة لمدنيين ومرضى عقليين بعد اتهامهم بالإرهاب".

نماذج لانتهاكات الجيش بحق أهل سيناء حسب شريط وزعته ولاية سيناء(الجزيرة)
ويروي السكان كيف قصفت قوات الجيش في أواخر عام 2014، عددا من الوحدات الصحية في قرى جنوب الشيخ زويد، من بينها الوحدات الصحية بقرى "اللفيتات" و"الاخري" و"التومة" و"الطويل" جنوبي الشيخ زويد، إضافة إلي تحطيم أدوات صحية داخل الوحدة التابعة لقرية المقاطعة جنوب رفح. ويشكو أهل القرى من عدم وجود إسعافات أولية مع فرض الحظر ومنع دخول الإسعاف إلى مناطقهم في ظل القصف المتكرر.

وتشير بعض السيدات من قرى جنوب الشيخ زويد إلى أن فرض الحظر من السابعة مساء وقصف الوحدات الصحية وإغلاق الصيدليات؛ كفيل بقتل أطفالنا في أي لحظة.

وفي مارس/آذار 2015 كانت ضحية القصف عدة مدارس تعليمية مما أدى لتوقف الدراسة فيها، بينها مدرسة "التومة الابتدائية" جنوب شرق الشيخ زويد، ومدرسة "الوفاق الابتدائية" جنوب رفح، ومعهد "ابن سيناء" الأزهري، والمدرسة الابتدائية بقرية المقاطعة جنوب رفح، وكل من مدرسة "الفاروق" والمعهد الأزهري بقرية الماسورة برفح المصرية.

وفي موضوع المنطقة العازلة مع قطاع غزة، يقول الأهالي في رفح المصرية إن قوات الجيش انتهت من تفريغ المرحلة الثانية، حيث تم تدمير ما يقرب من 1220 منزلا.

لا تعويضات
وقال شهود وأهالٍ من رفح إن أكثر من نصف الأهالي لم يأخذوا تعويضات حتى تاريخه بسبب اتهام الحكومة لهم بالعمل في الأنفاق أو تمريرها من تحت منازلهم.

وفي السياق استهدف الجيش قرية اللفيتات جنوب الشيخ زويد مرات عدة، الأمر الذي حولها إلى قرية أشباح مع نزوح أهلها، وتدمير منازلها.

ويشكو أهالي منطقة الخروبة والعبيدات التابعين لمدينة الشيخ زويد للجزيرة نت، أنهم هجروا منازلهم القريبة من أكمنة الجيش نظرا للقذائف العشوائية التي يطلقها أفراد الكمين كل ليلة.

وفي باقي الانتهاكات، يتحدث سكان بسيناء عن قصف آبار المياه وأسلاك الكهرباء وهدم أفران الخبز والوحدات الصحية الصحي.

إسرائيل وسيناء.. صدام مؤجل

الطائرات الإسرائيلية بدون طيار قد تكون وراء غارة أغسطس 2013(الفرنسية- أرشيف)


في أغسطس/آب 2013 أعلنت جماعة " أنصار بيت المقدس " مقتل أربعة من أعضائها بهجوم لطائرة إسرائيلية بدون طيار في شمال سيناء، هذا الهجوم آثار تساؤلات عن الاختراق للحدود المصرية والتنسيق الأمني بين تل أبيب والقاهرة لمهاجمة "جهاديي سيناء".

ورغم رفض متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي في القدس التعقيب على الواقعة في وقتها وتأكيد القاهرة أنها هي من نفذت الغارة نقلت وكالة رويترز عن مصادر أمنية في سيناء أن الغارة ضربت "الجهاديين المسلحين وقتلت أربعة بعد أن اكتشفت أنهم كانوا يعتزمون إطلاق صواريخ على إسرائيل".

هذه الحادثة لم تكن الأولى من نوعها في معركة "جهاديي سيناء وإسرائيل"، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2010 اغتالت إسرائيل في قطاع غزة  محمد جمال النمنم قائد "جيش الإسلام" الذي تتهمه إسرائيل بالتخطيط لـ"شن هجمات في سيناء ضد إسرائيليين, واستهدفت إحدى هذه الهجمات أهدافا أميركية".

وقفزت جماعة "أنصار بيت المقدس" إلى دائرة الضوء بعد نقل بندقيتها من مهاجمة إسرائيل إلى إعلانها حربا ضروسا على الجيش المصري، وصعّدت هجماتها ضده وقتلت المئات من جنوده، وذهبت الجماعة في المواجهة لحدها الأقصى عندما بايعت مؤخرا تنظيم الدولة الإسلامية وغيرت اسمه إلى "ولاية سيناء".

عشرات التقارير

ودفعت هذه الأحداث معاهد الدراسات الإسرائيلية إلى إعداد عشرات التقارير لقراءة هذا المستجد على الحدود، فمثلا دعا تقرير أمني صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لتكثيف التعاون المصري الإسرائيلي، حيث يقول "الحقيقة أن مصر الآن تتعامل مع التهديد الإرهابي اليومي في مختلف القطاعات، وتشمل سيناء والحدود الليبية والحدود مع غزة، مما يتطلب جهدا مركزا والتعاون مع الحلفاء الإقليميين والدوليين، وإسرائيل بالتأكيد حليف وشريك مخلص في الحملة ضد الإرهاب الجهادي السلفي، خاصة أنها مستهدفة من قبل تلك المنظمات".

وفي السياق، ترى وكالة "بلومبيرغ" الإخبارية الأميركية أن "على المصريين أن يحفظوا تعاونهم الاستخباراتي التقليدي والممتاز مع إسرائيل".

أما مركز بيغن-السادات للأبحاث الإستراتيجية فمارس التهويل وتضخيم الجماعات الجهادية، وأفاد في تقرير له  بأن "حكام مصر الجدد يواجهون مشكلة مع الإرهاب المنبثق من شبه جزيرة سيناء مع ظهور جماعات الجهاد المتطرفة، وبالتالي يتحتم على المجتمع الدولي أن يدعم الولايات المتحدة والنظام المصري لمنع الجماعات الإسلامية الراديكالية من أن تتحول مصر إلى سوريا في المستقبل القريب". 

ولفتت الدراسة الإسرائيلية أيضا إلى أن "مصدر القلق الرئيسي هو الروابط الوطنية المتنامية بين أنصار بيت المقدس والجهاديين المصريين الآخرين والقاعدة".

مصير حملة الجيش

آليات عسكرية تقوم بعمليات هدم في مدينة رفح المصرية في أكتوبر 2014(الفرنسية-أرشيف)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

مع اقتراب نهاية العام الثاني للحملة العسكرية التي يشنها الجيش المصري ضد مسلحين في شبه جزيرة سيناء بشمال شرقي البلاد لا يزال مستقبل تلك العمليات ضبابيا نتيجة استمرار السلطات المصرية في رفض أي تغطية أو متابعة إعلامية مباشرة للوضع الميداني في سيناء.

وما إن مضت أيام قلائل على بدء الجيش حملته تلك حتى أعلن من خلال بيانات متحدثه العسكري ووسائل إعلام محلية تحقيق انتصارات حاسمة، وبلوغ أهدافه بالاقتراب من القضاء على جميع المسلحين في المنطقة.

 العميد محمود قطري: القضاء على الإرهاب لا يتوقف على الحل الأمني وحده (الجزيرة)

غير أن استمرار سقوط قتلى وجرحى بين صفوفه أثناء هجمات على نقاط تابعة له، وإعلان جماعات مسلحة في سيناء من خلال مقاطع مصورة تحقيق نجاحات في المواجهات المسلحة قلل من مصداقية ما يعلنه الجيش من انتصارات.

أساس غير سليم
ضبابية الوضع الميداني ألقت بظلالها على آراء الخبراء العسكريين، حيث يرى بعضهم أن الجيش بدأ معركته مع الجماعات المسلحة بشكل خاطئ، وهو ما ينذر باستمرارها إلى أجل غير مسمى، فيما يرى آخرون أن الحرب في سيناء بدأت تضع أوزارها، وأن الجيش شارف على تحقيق جميع غايته منها.

"حرب لا تقوم على أسس سليمة، وبها الكثير من التجاوزات التي ساعدت في اتساع رقعتها لا يمكن توقع نجاحها، وتحمل في طياتها ما ينذر بفشلها وعدم تحقيق أهدافها في الأمد القريب" هكذا رأى الخبير العسكري العميد محمود قطري مستقبل الحملة العسكرية في سيناء، معتبرا في حديثه للجزيرة نت اتساع رقعة المواجهة "نتيجة طبيعية لسقوط العديد من الأبرياء، والاعتماد فقط على الحلول العسكرية والأمنية في مواجهة الأزمة بسيناء".

وتابع موضحا "التاريخ يؤكد أنه لا يمكن القضاء على الإرهاب باعتماد الملف الأمني فقط، ولا بد من فتح باب للتفاوض والحل السلمي، وإلا لا يمكن التكهن بنهاية هذه المواجهة".

يرى الخبير العسكري اللواء صادق عبد الواحد أن "ملامح نهاية المعركة باتت واضحة وجلية".

قطري انطلق في رؤيته من أن أساس الأزمة في سيناء قائم على "خلاف سياسي"، وهو ما تحاول السلطات المصرية إظهار عكسه، واعتبارها "حربا مصيرية وصفرية مع الإرهاب".

واعتبر أن تجاوز المواجهة من سيناء إلى مناطق أخرى يعكس "الأزمة التي أوقع الجيش فيها نفسه، ويدل على فشله في تحقيق أهداف حملته"، كما يؤكد صحة ما ذهب إليه من عدم جدوى اعتماد الحل العسكري فقط في المواجهة.

ملامح النهاية
ومخالفا لما رآه قطري يرى الخبير العسكري اللواء صادق عبد الواحد أن "ملامح نهاية المعركة باتت واضحة وجلية".

ودلل في حديثه للجزيرة نت على ذلك بـ"حجم خسائر الجماعات المسلحة، وزيادة المناطق التي سيطر عليها الجيش، وارتفاع وعي قبائل سيناء وتعاونها مع القوات المسلحة الذي ظهر بشكل جلي مؤخرا".

ولم يجد عبد الواحد في ما تبثه الجماعات المسلحة على منافذ إعلامية تابعة لها لما تعتبره انتصارات في مواجهاتها مع الجيش إلا "دليلا على تخبطها وفشلها ومحاولتها كسب تأييد وتعاطف جديد بعد الهزائم التي لحقت بها".

ومتابعا مخالفته رأي سابقه رأى عبد الواحد في انتقال المواجهة إلى مناطق جديدة غير سيناء "دليل خوف ورهبة للمسلحين من نجاحات الجيش في سيناء دفعهم إلى فتح جبهات أخرى في مناطق مختلفة".

المنطقة العازلة

الجيش المصري انتقل إلى المرحلة الثالثة في إنشاء المنطقة العازلة(الجزيرة-أرشيف)


عبد الرحمن أبو الغيط-القاهرة

بعد مرور قرابة عامين على انطلاق العمليات العسكرية التي تشنها قوات الجيش والشرطة المصرية ضد الجماعات المسلحة في سيناء، أعلنت مصادر عسكرية أنه تم البدء في تنفيذ المرحلة الثالثة من المنطقة العازلة على الحدود بين قطاع غزة ومدينة رفح المصرية شمال سيناء، من أجل توسيع نطاقها بإضافة خمسمئة متر، لتصل إلى 1500 متر.

وأضافت المصادر أن سلاح المهندسين بالتعاون مع حرس الحدود، تمكنا من الانتهاء من إزالة قرابة 2400 منزل وخمس مدارس وستة مساجد، وجرفت نحو خمسين ألف فدان من الزيتون والخوخ والموالح الخاصة بالمواطنين.

وتؤكد السلطات المصرية أن إقامة منطقة عازلة على الحدود المصرية جاء بدعوى الحفاظ على الأمن القومي المصري، والقضاء على الأنفاق الحدودية بين مصر وقطاع غزة، ومنع استخدام الأنفاق لنقل الأسلحة أو تسلل مسلحين من قطاع غزة إلى شمال سيناء.

عمل متدرج
وبدأت القوات المسلحة العمل في المنطقة العازلة بصورة متدرجة، حيث أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول 2014 إخلاء الشريط الحدودي بعمق نصف كيلومتر، وبعدها قررت توسعته إلى كيلومتر واحد، قبل أن يعلن محافظ شمال سيناء إزالة مدينة رفح المصرية كاملة، ثم أعلنت مصادر عسكرية أن الجيش سيمضي في توسعة المنطقة العازلة لتصل إلى عمق خمسة كيلومترات.

وبمقتضى القرار الجديد، سيتعين على سكان قرى أبو شنار والرسوم وقوز أبو رعد برفح، إخلاء منازلهم تمهيدا لتدميرها، كما يشمل القرار محيط أربع قرى أخرى في المنطقة.

 مسعد أبو فجر: الترحيل يدفع البدو للانضمام للجماعات الجهادية (الجزيرة)

وبحسب المرصد المصري للحقوق والحريات، فقد أدى تفجير المنازل و"عشش" البدو في مدينة رفح والقرى المجاورة لها إلى تهجير أكثر من 26 ألف مواطن سيناوي حتى اليوم، لكن السلطات المصرية، تؤكد أنها دفعت حتى اليوم 572 مليون جنيه تعويضات لأهالي المدينة.

انتقادات متواصلة
وقد انتقد سياسيون وخبراء عسكريون إقامة المنطقة العازلة، مشددين على أن تهجير أهالي سيناء مطلب إسرائيلي خالص، يهدف لتشديد الحصار على قطاع غزة وإفراغ سيناء من السكان ومنع أي عمليات لتنميتها.

كما اعتبر الناشط السيناوي مسعد أبو فجر، العضو السابق في لجنة الخمسين لتعديل الدستور 2014، أن ترحيل أهالي سيناء بمثابة الحرب على أكبر ثلاث قبائل في سيناء، وهي ترابين وسواركة وارميلات، كما أنه يدفع العديد من البدو للانضمام "للمجموعات الجهادية" بدافع الثأر من قوات الجيش.

كما أدانت منظمة العفو الدولية استمرار عمليات هدم مئات المنازل في شبه جزيرة سيناء بهدف إنشاء منطقة عازلة بين مصر وغزة، ووصفته بالعمل غير القانوني، مطالبة بوقف الهدم التعسفي وعمليات الإخلاء القسري الجماعي في رفح.

كتم أنفاس غزة

فلسطيني يقف داخل نفق للتهريب في رفح المصرية(الفرنسية-أرشيف)

 

لا يعرف التاريخ الدقيق لنشوء أنفاق التهريب بين قطاع غزة وسيناء، لكن الأضواء سلطت عليها بعد أن قررت السلطات الإسرائيلية إنزال عقوبة جماعية بحق أهل غزة إثر فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية عام 2006 عبر حصار بحري وجوي وبري بتواطؤ من نظام الرئيس حسني مبارك.

وأدى طول مدة الحصار واستمرار إغلاق المعابر التجارية الستة مع إسرائيل إلى اعتماد سكان القطاع على هذه الأنفاق، وكانت هذه الأخيرة -بدورها- عرضة لغارات جوية إسرائيلية متكررة، هدفها الحد من عمليات التهريب من سيناء إلى غزة أو إعاقتها.

وشهدت الأنفاق انتعاشة غير مسبوقة مع انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة 2008-2009 جراء تغاضي السلطات المصرية عنها في مسعى لتخفيف الضغوط المعيشية على سكان القطاع، وحفر وقتها مزيد من الأنفاق لدرجة باتت تمثل اقتصادا بديلا للقطاع المحاصر، قدر خبير اقتصادي حجم التجارة التي تتمحور حوله بنصف مليار دولار سنويا.

وتقول المجموعة الدولية للأزمات في تقرير صدر عام 2014 إن حماس كانت تستعمل الضرائب المفروضة على تلك البضائع لدفع رواتب أكثر من أربعين ألف موظف في الخدمة المدنية بقطاع غزة.

فوز مرسي أجل تطبيق قرار إنشاء المنطقة العازلة(الأوروبية-أرشيف)

 مرسي
خلال الفترة بعد الثورة المصرية في يناير/كانون الثاني 2011 تزايدت الأنفاق بصورة هائلة، وتصاعدت نشاطات تهريب البضائع والسلاح من الجانب المصري إلى القطاع. وفي موازاة ذلك، تصاعدت الضغوط على المجلس العسكري للتعامل مع الظاهرة، سواء من الإسرائيليين أو الأميركيين. ويرجح مراقبون أن قرارا بإنشاء منطقة عازلة بين سيناء وقطاع غزة قد اتخذ بالفعل من قبل المجلس العسكري المصري قبل الانتخابات الرئاسية المصرية في صيف 2012 لكن فوز محمد مرسي بالانتخابات أجل موعد التنفيذ.

وتشير تقديرات المحللين أيضا إلى أن الأجهزة المصرية الاستخباراتية والعسكرية تعرف بصورة لا تحتمل الشك أن الأنفاق تستخدم لإدخال البضائع والسلاح من الجانب المصري إلى غزة وليس العكس، كما تعرف أن المصريين المقيمين على الحدود -الذين يرتبطون باقتصاد الأنفاق- لا علاقة لهم بالإرهاب، وأن همهم الرئيس هو التجارة مع القطاع.

 غير أن الميل لتحميل غزة مسؤولية تدهور الوضع الأمني في سيناء تنامى مع قدوم الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بعد انقلاب يوليو/تموز 2013، وباتت الأوساط العسكرية المصرية تعتبر الأنفاق "أحد أبرز التهديدات المؤثرة في الأمن القومي المصري والتي تلقي بظلالها على استقرار الأوضاع في سيناء"، في إشارة إلى إمكانية انتقال جماعات جهادية من غزة إلى سيناء.

وأشارت المعلومات المنقولة عن الجيش المصري في أكتوبر/تشرين الأول 2014 إلى هدم 1845 نفقا خلال عام في إطار عمل سلاح الهندسة العسكرية لإنشاء المنطقة العازلة على الحدود مع غزة.

المعركة وخيارات القبائل

video

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

رغم كونها لاعبا أساسيا فيما يحدث في سيناء، سواء بوجودها في قلب المعركة بين التنظيمات المسلحة والجيش المصري، أو بتعرضها لانتهاكات يومية جراء العمليات العسكرية، أو بتورط أبناء لها في أحداث عنف؛ فإن قبائل سيناء تبقى ورقة غير محسوبة بشكل قاطع على أي أطراف الصراع، فتظهر كضحية تقتل يوميا وكمشروع قاتل.

ومنذ بدء العمليات العسكرية في سيناء بعد حادثة رفح الأولى في أغسطس/آب 2012، في ما يعرف إعلاميا بـ"الحرب على الإرهاب"، تتوجه الأنظار ناحية الدور الذي يمكن أن تلعبه قبائل سيناء في هذا الصراع، سواء بمساعدة الدولة أو التنظيمات المسلحة.

ومع الانتهاكات التي تمارس ضد بدو سيناء من قتل واعتقال وتهجير قسري -تم تهجير قرى الشريط الحدودي مع إسرائيل- كانت الكفة تميل لحيادية القبائل حيال حرب الجيش، إن لم تنضم عناصر منها للتنظيمات المسلحة.

ووفق المرصد المصري للحقوق والحريات، نفذت قوات الأمن خلال عامين من بدء الحملة في سيناء 1347 حالة قتل خارج إطار القانون، واعتقلت 9073 مواطنا، كما حرقت 1853 من عشش البدو وهدمت 2577 منزلا.

وأمام ذلك، بدت ملامح الانقسام الداخلي بين القبائل تخطو خطواتها الأولى إعلاميا قبل أشهر قليلة، بعدما صدر بيان يعلن المواجهة المسلحة ضد ولاية سيناء، مذيلا بتوقيع أبناء من قبيلة الترابين المتواجدين في القاهرة بعيدا عن البقعة الملتهبة.

وسرعان ما نفى أبناء القبيلة المتواجدين في سيناء مسؤوليتهم عن البيان، ولكن تنظيم ولاية سيناء -أحد أهم التنظيمات التي تنفذ عمليات ضد المواقع العسكرية- كان أسرع، فهدم بيت إبراهيم العرجاني أحد المتكفلين بإصدار البيان.

ولكن احتفاء الإعلام المصري الموالي للسلطة ببيان الترابين، ربما دلل وقتها على ترحيب السلطة بدخول القبائل في الصراع، حتى لو ببيان أثبت الوقت أنه لم يسمن من جوع.

وبعد بيان الترابين أُعلِن عن اجتماع لإنشاء تحالف قبلي لمساعدة الجيش في محاربة الإرهاب، لكن الاجتماع انتهى دون تحديد خطة لطبيعة مواجهة القبائل للإرهاب.

ولمزيد من التراشق القبلي، خرج الشيخ نعيم جبر، منسق منظمة القبائل العربية، ليؤكد في تصريح صحفي أن المشاركين في اجتماع القبائل يمثلون أنفسهم لا قبائلهم، محذرا من حمل السلاح لأنه سيؤدي إلى اقتتال أهلي.

علاقة السلطة والقبائل في سيناء قائمة على مبدأ العصا والجزرة (رويترز-أرشيف)

عصا وجزرة
من جهته، قال الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور يسري العزباوي، إن العلاقة بين السلطة والقبائل قائمة على سياسة العصا والجزرة.

وأوضح العزباوي للجزيرة نت، أن الطرفين يظهران علنا نيتهما في التعاون فيما بينهما لإنهاء الصراع في سيناء، لكن ما يدور في الخفاء بعيد كل البعد عما يظهرانه.

وتابع: "القبائل ليس لديها أي نية للتعاون مع السلطة طالما لديها أبناء بالسجون، كما أن عددا من أبنائها متورط في عمليات إرهابية".

وفي المقابل، فالدولة ليس لديها أي نية للإفراج عن سجناء متهمين بتنفيذ أعمال إرهابية من أجل الحصول على مساعدة قبلية للقبض على عناصر إرهابية أخرى، وفق قول الخبير الإستراتيجي.
وأكد العزباوي أهمية دور القبائل في إنهاء الأزمة عبر كشف أماكن تواجد العناصر الجهادية، ومنع وصول إمدادات الطعام والسلاح عبر دروب الصحراء.

بدوره، أكد المحلل السياسي أسامة الهتيمي أن نجاح أي عملية عسكرية أو سياسية في سيناء يستلزم تعاونا مشتركا بين جميع القبائل السيناوية لاعتبارات كثيرة.

الهتيمي: نجاح العمليات العسكرية أو الحلول السياسية يحتاج إلى تعاون قبلي (الجزيرة)

ومن الاعتبارات التي تشترط تعاونا قبليا -وفق الهتيمي- أن لكل قبيلة مناطق نفوذ بسيناء، وعليه فإن تحرك قبيلة داخل نفوذ أخرى ربما يسبب توترات تصل حد الاحتراب القبلي.

ورأى المحلل السياسي أن الدور العسكري للقبائل في محاربة الإرهاب سيزيد من تأزم الموقف. ومن ثم، فإن الدور الأكثر جدوى هو أن تبذل كل قبيلة جهدا لضبط العناصر المنخرطة بالتنظيمات المسلحة، وفق قوله.

دون جدوى
أما الناشط السيناوي عيد المرزوقي، فيقلل من دور القبائل في حل أزمة سيناء، معتبرا كل شيوخ القبائل أصابع مخابراتية في المنطقة.
وأوضح للجزيرة نت أن كل شيوخ القبائل يتم تعيينهم من قبل الجهاز الأمني؛ سعيا منه لتفكيك وحدة القبيلة. أما النخبة التي صنعها المجتمع القبلي بعيدا عن مشايخه الأمنيين -كما يقول المرزوقي- فالدولة لا تعترف بهم، مؤكدا أن كل أزمات سيناء ستحل بحكم رشيد يضمن منظومة قضائية عادلة.

الخارطة القبلية

 

 


 تعتبر قبيلتا السواركة والرميلات أهم قبيلتين مصريتين تستوطنان ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهما تقيمان في العريش والشيخ زويد ورفح. وإلى الغرب يوجد المساعيد والبياضة والدواغرة.

وتعيش في وسط سيناء قبائل التياها والأحويات والعزازمة، وتصل المناطق التي تقيم فيها حتى إسرائيل والضفة الغربية.

أما في الجنوب فالجماعة الغالبة هي الطوارة، وهي اتحاد لعشائر تضم العليقة والمزينة وأولاد سعيد، وهي تعيش بوجه خاص في منطقة شرم الشيخ ودهب والجبال الداخلية.

أما قبيلة الترابين التي تعتبر مجموعة مهمة، فتقيم في عدة مناطق غرب سيناء ووسطها، وفي نويبع وصولا إلى داخل إسرائيل والضفة الغربية.

وهنالك أيضا قبيلة الجبالية التي يعتقد أن العثمانيين أتوا بهم إلى المنطقة لضمان أمنها، وقد تحولوا إلى الإٍسلام وأصبحوا بدوا رغم تميز سحنتهم، وهم يتركزون في منطقة دير سانت كاترين جنوبي شبه الجزيرة.

يشار إلى أن من يطلق عليهم البدو في سيناء هم مستقرون ويعملون في مهن مختلفة كالصيد والتجارة والوظائف والإرشاد السياحي، في حين أن البدو الرحل الذين يواصلون امتهان الرعي والترحال فهم فئة صغيرة للغاية، ويطلق عليهم لقب "العربان".

ويفيد تقرير لوكالة رويترز أن الشرطة المصرية " تعمدت انتهاك عاداتهم وتقاليدهم، وهو ما كان بداية لصدام الدموي معهم، تطور للأخطر عقب تفجيرات شرم الشيخ واعتقال المئات منهم".
وكتب ستيف كوك، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية قائلا: "إن الولايات المتحدة وإسرائيل حذرتا حسني مبارك من أن تجاهل سيناء سيلاحقه فيما بعد".

(جغرافيا انتشار القبائل منقولة عن تقرير للمجموعة الدولية للأزمات)

فرص التحالف القبلي

ناشط يستبعد قدرة التحالفات القبلية على مواجهة التنظيمات المسلحة

 

في مقال له حمل عنوان "سيناء ما بعد غزة"، استبعد الناشط المختص بالشأن السيناوي، إسماعيل الإسكندراني، قدرة أي تحالف قبلي على مواجهة التنظيمات المسلحة.

وذكر الإسكندراني أن المتصدرين لتمثيل القبائل في التحالف المعلن عنه لا يملكون اعترافاً أهلياً بتمثيل قبائلهم، ولا الشراكة المأمولة مع الجيش تحظى بالحد الأدنى من الجدية.

وأوضح الإسكندراني أن القبيلة لم تعد الكيان الاجتماعي التقليدي المؤتمِر بأمر الشيخ، وتابع: "الدولة كانت فككت سلطة الشيوخ للسيطرة عليها عبر تاريخ ممتد من تهميش القيادات الطبيعية، وتعزيز سلطة الوكلاء المحليين بمنحهم الاعتراف الرسمي كشيوخ حكوميين، وحصر تيسير الخدمات الأساسية في الموالين للسلطة".

 

بين مرسي والسيسي

لقراءة المقال إضغط

خطة تنمية سيناء

للقراءة إضغط

إكرام مرسي وعقاب السيسي

لقراءة المقال إضغط

 

من الجزيرة

 

تقارير

تنظيم ولاية سيناء يتوعد الجيش والشرطة في مصر

ولاية سيناء تدعو لاستهداف قضاة مصر

 اتهامات حقوقية للجيش المصري بارتكاب جرائم بسيناء

  تدمير مساجد بسيناء بتهمة" الإرهاب"

هدية سيناء بعيد تحريرها.. تهجير وتصحير

 " الزنانة" والقصف العشوائي ينغصان الحياة بسيناء

 أهالي سيناء يروون لحظات انفجار العريش

 مغردون يحتجون على تمديد حظر التجول في سيناء

في سيناء .. المدارس متهمة بالإرهاب

المسلحون في سيناء .. كمائن وحواجز تفنتيش

المقاطعة قرية سيناوية تشكو قصف الليل والنهار

 في سيناء أنفاق للفقراء وأخرى للمتنفذين

الجيش المصري يخنق أنفاق غزة

برامج

سيناء مجددا.. هل الحل الأمني الخيار الوحيد؟

سيناء حديقة خلفية ومرتع لاختراقات واستخبارات إسرائيل

مخاطر زج القبائل في مواجهات سيناء

مصر .. بين التصعيد في سيناء وأحكام الإعدام

واقع سيناء بعد أكثر من ثلاث عقود من التحرير

 

مقالات


جدلية سيناء في المشهد الجهادي المصري

الحرب الإسرائيلية في سيناء

  دعوة لمراجعة مسلمات مشكلة سيناء

هل هي حرب استنزاف ثانية في سيناء ؟

عن سيناء وما يريده السيسي من حماس

تغطيات

سيناء .. الحصاد المر

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك