قبل أربعة أعوام خرج السوريون من الأرياف المهمشة والمدن الصغرى إلى الشوارع طلبا للحرية والكرامة. ووجهوا في البداية بآلة القمع المتمرسة التي رعاها النظام على مدى ما يقارب نصف قرن من حكم الحزب الواحد.

وبعد أقل من عام على انطلاقتها نجح نظام الرئيس بشار الأسد في حرف الثورة عن مسارها السلمي وعسكرتها. وتدحرجت المواجهة بين جنود انشقوا عن الجيش النظامي وآلة القمع الرسمية لتصل بعد أربعة أعوام إلى ما نراه من تنازع للسيطرة في كل الجغرافيا السورية بين جيش النظام وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية والأكراد المدعومين عسكريا ولوجستيا من الغرب وما تبقى من الجيش السوري الحر.

الجزيرة تلقي الضوء على ثورة سوريا التي باتت " يتيمة" بعد أن تركت وحدها لتواجه مصيرها، في ظل تشظي حلفائها القدامى والانقسام العربي والإقليمي والدولي بشأنها.

 البداية مع رموز الثورة اليتيمة وإيقوناتها

من الثورة إلى الحرب

 

تغيرت طبيعة الصراع في سوريا والمجموعات المنخرطة فيه منذ العام الأول للثورة، فالاحتجاج العفوي الذي بدأه في مارس/آذار 2011 تلامذة درعا عند كتابتهم شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" على جدران مدينتهم، تطوّر إلى دوامة عنف أطلقتها اليد الطولى لأجهزة النظام. ولم ينقض العام 2011, حتى تحولت ثورة مارس/آذار السلمية إلى حرب داخلية وصراع إقليمي، فضلا عن تحولها إلى أزمة دولية.

وسرعان ما أدى تداخل هذه العوامل إلى اجتذاب جهاديين من لبنان والعراق، بالتزامن مع تدخل إيران وحزب الله بالمال والخبرات والمتطوعين لصالح نظام الرئيس بشار الأسد. وتطورت الأحداث في الجبهة المقابلة، دافعة الثوار إلى التحالف في مواجهة النظام حينا، والاقتتال فيما بينهم أحيانا. وأدى ذلك إلى اختفاء تنظيمات ونشوء أخرى، لتستقر صورة القوى المتحاربة في العام الرابع للثورة على أربع.

تضم أولى هذه القوى القوات النظامية وغير النظامية الموالية للرئيس الأسد، وتتمتع بمساندة حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني. ويشرف هذا الأخير على إدارة وتمويل وتوجيه مجموعات من المتطوعين الأفغان والباكستانيين، إلى جانب المليشيات العراقية مثل: عصائب أهل الحق، ولواء أبو الفضل العباس، وجميعها أتت إلى سوريا بدعوى الدفاع عن المراقد الدينية.

في المقابل تتصدر جبهة النصرة المجموعات التي تقاتل النظام بعد تنحي الجيش السوري الحر وتشرذم تشكيلاته، وهي تسيطر عمليا بعد تصفيتها حركة حزم -المدعومة من الغرب- على مناطق واسعة في 11 محافظة. وتقف إلى جانب النصرة مجموعات جهادية أخرى فاعلة في محافظات بعينها، كجيش الإسلام الناشط في غوطة دمشق، وحركة أحرار الشام التي تتركز قوتها في محافظات إدلب وحلب، وجيش المجاهدين الذي ينشط في ريف حلب.

وينفرد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق بمكانة مستقلة بين المتحاربين، نظرا للتغيير الذي أحدثه على مسار الحرب السورية، ولعقيدته الرافضة لمفهوم الوطنية السورية, وتطبيقه لمفهومه الخاص للدولة الإسلامية، وهدمه الحدود بين سوريا والعراق.

أما القوة الرابعة فتشمل المقاتلين الأكراد، سواء السوريين منهم والوافدين من الخارج للقتال إلى جانبهم.

وفي ما يلي تعريف موجز بأبرز المجموعات المتحاربة في سوريا.

الجيش السوري النظامي

 

جنود من الجيش السوري وسط ركام قاعدة الضبعة الجوية قرب القصير(الفرنسية-أرشيف)

 

رغم تأثره بانشقاقات الجنود والضباط واضطراره للقتال على كامل الجغرافيا السورية, يحاول الجيش النظامي استخدام تكتيك القصف بالبراميل المتفجرة وحصار المدن والقرى المناهضة له لتعويض النقص في التسلح والجنود.

ويقول خبير الشؤون العسكرية بمعهد واشنطن للدراسات جيفري وايت إن وحدات من جيش النظام السوري "تشن انطلاقا من دمشق وحولها، هجمات لاستعادة بعض الضواحي".

ويسيطر الجيش على "طرطوس والسويداء واللاذقية"، ووفق وايت "يتعثر الجيش في قتاله الثوار في محور القلمون-يبرود، وأيضا في حلب بعدما نجح في فتح الطرق المؤدية إليها".

ويضيف وايت أن وحدات الجيش "تخوض الآن أيضاً عمليات استنزاف في دير الزور والرقة وإدلب والقنيطرة ودرعا وحماة، بينما تزداد صعوبة تصنيف الوضع في بعض المحافظات مثل حمص والحسكة".

وقالت وكالة "أكي" الإيطالية للأنباء يوم 18 فبراير/شباط الماضي إن "قادة في الحرس الثوري الإيراني استدعوا نحو 300 راجمة صواريخ إلى درعا والقنيطرة تحت غطاء نيراني من 40 دبابة تي72".

القوى الحليفة للنظام

قائد لواء فاطميون الأفغاني علي رضا توسلي قتل في درعا نهاية فبراير وشيع في مدينة مشهد الإيرانية ( ناشطون)

حزب الله اللبناني

أقر حزب الله اللبناني  بتدخله في الأزمة السورية في نوفمبر/ تشرين الأول 2012 عندما اعترف أمينه العام حسن نصر الله بوجود مقاتلين له بالمنطقة الحدودية المتداخلة بين البلدين، زاعما أنه يقومون بحماية أسر لبنانية تقيم في سوريا. لكن معركة القصير في مايو/أيار 2013 أثبتت تورطه في القتال لمنع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.

تشير مصادر مختلفة إلى وجود عشرة آلاف مقاتل لحزب الله في سوريا , لكن جيفري وايت -هو زميل للشؤون الدفاعية بمعهد واشنطن ومتخصص بالشؤون العسكرية والأمنية لدول المشرق العربي وإيران-  يفيد بأن ذلك يمثل عدد الذين تناوبوا على القتال هناك. ويؤكد أن العدد التقريبي هو أربعة  آلاف ينتمون إلى "قوات النخبة" و"القوات الخاصة" و"القوات الاحتياطية".

تشييع قتيلين من حزب قضيا خلال قتال جبهة النصرة شرقي لبنان(رويترز)

وتتوزع مهام هذه القوة بين القتال المباشر -كما حصل في القصير- وتدريب القوات النظامية وغير النظامية، والدور الاستشاري، إلى جانب تأمين التعزيزات للمليشيات العراقية التي تعمل في ضواحي دمشق. ولا يعرف عدد قتلى الحزب بسوريا بدقة، لكن العدد التقريبي -وفق وايت- لا يقل عن ألف بين قتيل وجريح.

 الحرس الثوري الإيراني

نقلت وكالة رويترز عن قائد في الحرس الثوري الإيراني يوم 21 فبراير/شباط 2014 قوله إن عدد القادة الكبار من فيلق القدس الإيراني بسوريا بين ستين وسبعين، وإن مهمتهم  تتلخص في تقديم المشورة والتدريب، وإن الحرس الثوري يتولى توجيه القتال بناء على تعليمات من قادة فيلق القدس. وأقر المصدر كذلك بوجود "آلاف من المتطوعين" المنتمين إلى الحرس الثوري ذاته.

واعترف الإعلام الإيراني بمقتل قادة بالحرس، أبرزهم العميد محمد جمالي وحسن شاطري وعبد الله إسكندري والجنرال إسماعيل حيدري والعقيد محمد صاحب كرم أردكاني .

ويتوزع مقاتلو الحرس الثوري ومتطوعوهم بريف دمشق في مناطق متباعدة ضمن الجغرافيا السورية، تمتد من مقام السيدة زينب بريف دمشق، وصولا إلى قريتي نبل والزهراء بريف حلب.

غير أن نطاق الوجود اتسع ليشمل محافظة درعا، حيث أعلنت وكالات إيرانية  يوم  6 مارس/آذار عن تشييع 16 شخصاً قتلوا هناك خلال مواجهات مع جبهة النصرة . وقبلها بأيام، شيع في مدينة مشهد الإيرانية سبعة متطوعين أفغان من المقيمين أصلا لاجئين في إيران بعد مقتلهم بدورهم في درعا. وعلى رأس هؤلاء قائد لواء فاطميون  الأفغاني علي رضا توسلي الذي سقط في معركة مع جبهة النصرة يوم 28 فبراير/شباط 2015.

 "عصائب أهل الحق"

تنتشر شبكة مقاتلي "عصائب أهل  الحق" في ريف دمشق بسوريا، وخصوصاً بالمناطق المحيطة بمقام السيدة زينب، حيث يبررون وجودهم في سوريا لحماية المقام. وقال المتحدث باسمهم أحمد الكناني إن جماعته تستند في وجودها بسوريا إلى فتاوى صدرت عن  كل من المرجع أحمد الحائري والمرجع محمود الهاشمي والمرشد علي خامنئي، وتدعو العراقيين للقتال في سوريا دفاعا عن المقدسات، وفق تصريح أدلى به لصحيفة الزمان يوم 14 أبريل/نيسان 2014.

تشييع قتلى من عصائب أهل الحق في النجف (رويترز-أرشيف)

ويقول مهدي الأسدي، وهو صاحب مكتب للدفن بالنجف "من يقتلون بسوريا على الرغم من أن عائلاتهم تفضل دفنهم في مقابرها وفق التقاليد العراقية، فإن 15 شهيدا أسبوعيا ترد جثامينهم إلى مقبرة السلام سقطوا في سوريا".

لواء أبو الفضل العباس

تم تأسيس لواء أبو الفضل العباس من شيعة عراقيين يقيمون بسوريا  "دفاعاً عن النفس وحماية لمرقد السيدة زينب، وليس لمقاتلة الثورة" وفق أمينه العام الشيخ أوس الخفاجي. إلا أنه في أعقاب فتاوى لمراجع الشيعة، انضم لواء أبو الفضل لصفوف قوات النظام السوري في القتال ضد الثوار، في الغوطة الشرقية وفي حران العواميد والعتيبة وغيرها من القرى.

ويقول المحلل العسكري هشام خريسات إن لواء أبو الفضل العباس "أعلن أنه يخوض حرباً طائفية ضد السنة". وفي هذا السياق، يقول أبو عمر -الناشط من ريف الشام الجنوبي- إن لواء أبو الفضل العباس "يرتكب الفظائع بالمناطق التي يدخلها حيث يقوم بذبح الأطفال والنساء وحرق الجثث، أو ودفنها في مقابر جماعية، وهو داعش الشيعة".

حزب الله العراقي

يقول ما يكل نيست، بمركز دراسات واشنطن "حزب الله العراقي نخبة قوامها أربعمائة رجل من المقاتلين الشيعة العراقيين المتمرسين، يقدمون تقاريرهم مباشرة إلى قيادة (قوة القدس) التابعة لـ (الحرس الثوري الإيراني"(.

وأعلن الحزب عام 2013 أنه سيتصدى لمن يحاول إضعاف نظام بشار الأسد، ثم أرسل مقاتلين له إلى سوريا للدفاع عن المقدسات والتصدي لما أسماه المشروع السعودي الأميركي.

القوى المناهضة للنظام

مقاتلو النصرة تميزوا بالتدريب علي المستوى ( نشطاء)


جبهة النصرة
 بعد ثلاث سنوات من صدور بيانها الأول الذي يدعو "السوريين للجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري" في يناير/كانون الثاني 2012، باتت جبهة النصرة لأهل الشام المنتمية إلى التيار السلفي الجهادي، أبرز قوة عسكرية بين فصائل المعارضة الساعية لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

ينشط مقاتلو جبهة النصرة -التي بايع زعيمها أبو محمد الجولاني زعيم القاعدة أيمن الظواهري-  في 11 من أصل 14 محافظة سورية، خاصة في إدلب، وحلب، ودير الزور. كما يحتفظون بحضور قوي في جنوب دمشق وريف القلمون غربا، وجزء من مدينة درعا وريفها جنوبا، بالإضافة إلى مدينة القنيطرة وريفها في هضبة الجولان.

حُملت الجبهة مسؤولية العشرات من التفجيرات التي تسببت في قتل كثير من المدنيين. ويتميز مقاتلوها بأنهم على درجة عالية من التدريب والتسليح، ويقومون بعمليات هجومية عادية وهجمات كبرى. ويقدر خبراء غربيون عدد أفراد الجبهة بستة آلاف، إلا أن صحيفة "فايننشال تايمز" ترى أنهم أكبر من ذلك بكثير.

حركة أحرار الشام

 عبود وقادة آخرون قتلوا في هجوم
استهدف اجتماعهم بإدلب (الجزيرة)

هي إحدى الفصائل العسكرية الإسلامية التي نشأت مع دخول الثورة السورية مرحلة القتال المسلح، وتم إعلان ظهورها في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، ويقدر عدد مقاتليها بنحو 25 ألف مقاتل.

ينشط مقاتلو أحرار الشام في مختلف المحافظات السورية، إلا أن قوتهم تتركز في محافظتي إدلب وحلب شمالي البلاد، حيث برزت قوتهم في مواجهة جيش النظام في مواقع عدة، مثل: طعوم وتفتناز وجبل الزاوية وسراقب وأريحا وبنش وغيرها من قرى إدلب.

قتل مؤسس الحركة حسان عبود -ولقبه أبو عبد الله الحموي- وشقيقاه مع أكثر من 45 قياديا آخرين في سبتمبر/أيلول 2014، إثر انفجار استهدف اجتماعا لمجلس شورى الحركة في بلدة رام حمدان بريف إدلب. وعّين هاشم الشيخ (أبو جابر) أميرا وقائدا عاما للحركة خلفا لعبود.

جيش المجاهدين
ظهر جيش المجاهدين في حلب وريفها مطلع العام 2014 في إطار ردود بعض كتائب المعارضة في ريف حلب الغربي على توسع تنظيم الدولة الإسلامية، وسخطهم من ممارساته، خصوصا قتاله المعارضين السوريين بدلا من النظام، حسبما قال أحد مؤسسيه.

وقال قائد الجيش المقدم محمد جمعة بكور للجزيرة إن الهدف الأول لجيش المجاهدين هو إسقاط نظام الأسد، وإقامة دولة العدل والمؤسسات التي قام من أجلها الشعب السوري منذ اللحظة الأولى للثورة مطالبا بالحرية.

 جمعة بكور: جيش المجاهدين
يضم خمسة آلاف عنصر 
(الجزيرة)

وأضاف بكور أن الجيش يضم قرابة خمسة آلاف مقاتل، وينشط بشكل أساسي في ريف حلب الغربي وقسم من الريف الشمالي وريف حلب الجنوبي ومدينة حلب بشكل رئيسي.

الجيش السوري الحر
لم يعد اسم الجيش السوري الحر بعد أربع سنوات من انشقاق ضباطه وجنوده تباعا عن النظام اعتبارا من يوليو/ تموز 2011، يشير إلى مجموعة عسكرية مؤثرة في سير القتال ضد قوات النظام.

وتجمع التقارير الصحفية على أن قوة الجيش الحر ضعفت جراء الخلافات بين كبار ضباطه وضعف تسليحه، ودخول وحداته في صراعات مع الجماعات الجهادية التي انتشرت في المحافظات السورية مع اتساع رقعة الصراع المسلح.

تواصل وحدات من هذا الجيش العمل بتعليماتها من هيئة الأركان المشتركة- المتمركزة بتركيا- في مناطق انتشارها في أرياف حلب وإدلب شمالا وريف اللاذقية في الشمال الغربي، وفي درعا وريف القنيطرة في الجنوب والجنوب الغربي.

مقاتلون من الجيش الحر يتدربون
في الغوطة الشرقية (رويترز-أرشيف)

ويقول المحلل العسكري اللواء فايز الدويري لدوتشه فيله إن " الجيش السوري الحر دمر فعليا، ولم يعد له وجود فعلي باستثناء الجنوب وبعض الجيوب في محافظة حلب".

جيش الإسلام
مثل لواء الإسلام النواة الرئيسية لجيش الإسلام الذي تشكل في سبتمبر/أيلول 2013 من نحو خمسين فصيلا عسكريا تعمل في دمشق وضواحيها.

يشار إلى أن أهمية لواء الإسلام تصاعدت بعد تبنيه تفجير مقر مكتب الأمن القومي بدمشق في يوليو/تموز 2012، حيث قُتل العديد من كبار مسؤولي الأمن بمن فيهم وزير الدفاع صهر الرئيس الأسد، في حين يزعم البعض أن عناصر داخلية هي من نفذت الهجوم.

ويعتبر لواء الإسلام الذي أسسه زهران علوش الجماعة الأكبر والأفضل تسليحاً في الحزام الزراعي المحيط بدمشق في الغوطة الشرقية. أما بخصوص جيش الإسلام فقال علوش إنه تحالف تشكل "لتوحيد المجاهدين وتجنب الانشقاقات التي حدثت في الائتلاف الوطني".

وخطف علوش الأضواء مطلع العام الجاري بعد إعلانه دمشق منطقة عسكرية، وقصفه أحياء سكنية تضم مواقع أمنية، في رد على الغارات الجوية للنظام على مدن الغوطة المحاصرة.

المقاتلون الأكراد

مقاتلون من وحدة حماية الشعب يستعرضون أسلحة اغتنموها من تنظيم الدولة بعين العرب(رويترز-أرشيف)

 

تتشكل النواة الأساسية للقوات التي تقاتل في المناطق الكردية في شمال وشمال شرق سوريا من "وحدات حماية الشعب الكردي". والأخيرة مليشيا كردية سورية منتشرة في مناطق الأكراد بسوريا، ينظر إليها على أنها الفرع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وموالية لحزب العمال الكردستاني، وقد قاتلت في عين العرب (كوباني) ضد قوات تنظيم الدولة الإسلامية.

تلقت وحدات حماية الشعب دعما تسليحيا وبشريا في أكتوبر/تشرين الأول 2014 عندما أتاحت الحكومة التركية لوحدات من قوات البشمركة الانتقال من كردستان العراق لقتال تنظيم الدولة في مدينة عين العرب.

يقول عناصر وحدات حماية الشعب في عين العرب إنهم يملكون أسلحة خفيفة فقط، ويقاتلون بشراسة في مواجهة الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها تنظيم الدولة بعدما غنمها من القواعد العسكرية التي اقتحمها في العراق وسوريا. ويعتقد أن هذه الوحدات تمتلك بعض الأسلحة الثقيلة والدبابات التي غنمتها من مجموعات مسلحة أخرى أو من قوات النظام في سوريا.

تنظيم الدولة الإسلامية

تنظيم الدولة سيطر على ثلث مساحة العراق ومثلها بسوريا( الجزيرة -أرشيف)

 

منذ انخراط التيارات الجهادية في القتال بسوريا مطلع عام 2013 انغمس تنظيم الدولة الإسلامية في جولات اقتتال مع الفصائل الأخرى في محافظات شمال وشمال شرق سوريا.

واتهمت الجماعات المعارضة بما فيها  جبهة النصرة تنظيم الدولة بمحاولة الانفراد بالسيطرة والنفوذ والتشدد في تطبيق الشريعة وتنفيذ إعدامات عشوائية فضلا عن قتل المخالفين في الانتماء الديني حسب الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عبد الرحمن الحاج.

وأدى الاقتتال إلى انكفاء تنظيم الدولة إلى معقله في الرقة الذي سيطر عليه بالكامل مطلع عام 2014 إلى جانب أجزاء من ريفي حلب ودير الزور، وهو ما يمثل حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان 35% من مساحة سوريا.

وتتميز هذه المساحة بأنها متصلة جغرافياً، وممتدة من بادية حمص للرقة و الهول إضافة لمحافظة دير الزور وهي تضم  مناطق الشمال الشرقي الغنية بالنفط .

ويضاف إلى تلك المساحة من الأرض السورية سيطرة تنظيم الدولة اعتبارا من يونيو / حزيران عام 2014 على نحو ثلث مساحة العراق في الجزء المحاذي لسوريا وإزالته الحدود بين البلدين.

وقدر خبراء غربيون عدد مقاتلي تنظيم الدولة عند تمدده داخل العراق ب13 ألف(7آلاف في العراق و6 في سوريا) لكن التقديرات الحالية تشير إلى عدد أكبر بكثير.وقال رامي عبد الرحمن- مؤسس المرصد السوري  في هذا الصدد إن "الدولة جندت ما لا يقل عن 6300 رجل في يوليو /تموز الماضي فقط".

ويشكل تنظيم الدولة الإسلامية مصدر قلق للغرب نظرا للثروة التي يمتلكها والتي قدَّرتها ديلي تلغراف بنحو 800 مليون جنيه إسترليني. إلى جانب تمدده تجاه عين العرب -كوبا ني المدينة ذات الغالبية الكردية على حدود سوريا مع تركيا

عين العرب بعد استعادتها

يتحركون فوق أنقاض عين العرب- كوباني بعد استعادتها من تنظيم الدولة ( الفرنسية-أرشيف)

كمال شيخو-الحدود السورية التركية

 

بعد أربعة أشهر من المعارك بين القوات الكردية وتنظيم الدولة الإسلامية، تمكنت وحدات حماية الشعب الكردية، بالتحالف مع تشكيلات من الجيش الحر ومساندة قوات البشمركة العراقية، وبتغطية جوية من طيران التحالف الدولي؛ من استعادة السيطرة على مدينة عين العرب (كوباني) وغالبية الريف المحيط بها.

وتحرز القوات المتحالفة مزيدا من التقدم، وباتت على مشارف مدينة جرابلس (نحو 125 كلم) شمال شرق مدينة حلب المطلة على نهر الفرات، إضافة إلى بلدة منبج (جنوبا) المجاورة لها، وهما تعدان أكبر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في ريف حلب الشمالي.

 مسارات المعركة
مدينة عين العرب لفتت الأنظار لصمود المقاتلين الأكراد في المعركة، رغم تفوق تنظيم الدولة بعدد مقاتليه وسلاحه الثقيل، فالأخير حاصر المدينة من جهاتها الثلاث -شرقا وجنوبا وغربا- لمدة عام ونيِّف، بينما بقيت الجهة الشمالية تحت رحمة الدولة التركية التي طالبت المجتمع الدولي بفرض منطقة عازلة ضمن الأراضي السورية لوقف تدفق المزيد من النازحين الوافدين إليها.

محي الدين شيخ آلي: تركيا لا تستطيع التدخل منفردة  (الجزيرة)

واستبعد محي الدين شيخ آلي رئيس حزب الوحدة الكردي (يكيتي) قدرة الجيش التركي منفرداً على التدخل براً في الأراضي السورية وإقامة مناطق عازلة، وقال للجزيرة نت إن "تركيا لا تستطيع التدخل وحدها بمعزل عن حلف الناتو ومجلس الأمن الدولي، وبخلاف السياسة الأميركية الخاصة بالنسبة لسوريا"، ويشير الشيخ آلي العضو في الائتلاف الوطني السوري إلى "وجود معارضة متنامية وقوية داخل تركيا الرافضة لسياسة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان تجاه الأزمة السورية".

إلا أن الكاتب الكردي فاروق حجي مصطفى يربط مصير كوباني وتحريرها بتحرير سوريا من الفوضى الأمنية والسياسية، ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن بقاء أوضاع البلاد على ما هي عليه، يعني أن كوباني ستبقى مهددة، وأعرب عن قلقه حيال "الأهالي الذين لا يزالون خارج مدينتهم، يعيشون حالة من القلق والحيرة وينتظرون العودة"، في وقت لا تزال فيه المدن والمناطق المجاورة لمدينة كوباني تخضع لسيطرة التنظيم، مضيفاً "من يدري ربما نتعرض لهجمة عسكرية في المستقبل! من يعلم".

إعادة الإعمار
وقد بدأت أعمال إعادة إعمار المدينة بالفعل، لكن عين العرب (كوباني) التي كان يسكنها قرابة مائة ألف نسمة قبل اندلاع المعارك فيها، قد لا تعود إلى حالتها السابقة إلا بعد مرور عدة شهور أو ربما عدة سنوات.

وخلص الكاتب الكردي فاروق حجي مصطفى إلى وجود إرادتين للحفاظ على الوضع القائم بعد تحرير المدينة، الأولى وجود اتفاق داخلي وإن "كان هناك اتفاق مبدئي ولكن الحلول الداخلية مسلوبة لصالح تفوق المصلحة الحزبية"، بينما الإرادة الثانية "مرهونة بالتوافقات السورية وهي أيضاً مسلوبة من قبل أجندات غير وطنية وسط تجاذبات إقليمية ودولية بعيدة كل البعد عن مصلحة الشعب السوري"، ولعل هاتين الإرادتين تشكلان تحدياً حقيقياً أمام تقدم المشهد السياسي والاجتماعي، بحسب حجي مصطفى.

الدمار الشامل لكوباني يعيق العودة السريعة لنازحيها (رويترز)

فالمدينة المحررة تعاني من دمار شامل لكل مرافقها. ولم يتبقَ في الجزء الشرقي منها -والذي بات تحت السيطرة التامة للمقاتلين الأكراد- سوى الركام والمباني المتداعية بسبب عنف المعارك والمواجهات العسكرية والضربات الجوية التي شنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

عودة النازحين
وأشار برنامج الأمم المتحدة لتطبيقات الأقمار الصناعية (أونوسات) إلى أن 1206 مبان طالها الدمار، بينما أُصيب 1169 مبنى آخر بأضرار جسيمة في البلدة من خلال تحليل أولي لصور الأقمار. كما تم التعرف من خلال الصور على حوالي ألف حفرة كبيرة سببها سقوط القذائف والصواريخ في وسط البلدة ومحيطها المباشر.

من جهتها، ذكرت فايزة عبدي رئيسة مجلس الشعب -بمثابة برلمان محلي- في مقاطعة كوباني أنّ "التحدي الأكبر بعد طرد داعش هو إعادة النازحين إلى منازلهم"، وأضافت أن "المدينة شبه مدمرة بما في ذلك البنى التحتية. أكوام الأنقاض منتشرة في كل مكان، فالحرب خلفت خراباً هائلاً".

وطالبت فايزة عبدي المجتمع الدولي بفتح ممر إنساني عاجل والضغط على الحكومة التركية لفتح المعبر الوحيد (مرشد بينار) بين كوباني والجانب التركي، ونبهت إلى أنه "بدون بوابة حدودية ستبقى المدينة تعيش تحت وطأة الحصار"، وشددت على ضرورة ضمان سلامة الراغبين في العودة وأن تشرف الأمم المتحدة على عملية إعادة النازحين.

تدريب الثوار وجدواه

ثوار يتصدون لقوات النظام في ريف حلب الشمالي ( الجزيرة)

  صلاح بديوي

من المفترض أن يكون برنامج تدريب وتجهيز أفراد من المعارضة السورية على أراضي تركيا قد بدأ مطلع مارس/آذار الجاري، حسبما نقل عن المتحدث باسم الخارجية التركية تانجو بيلغيتش يوم 27 فبراير/شباط الماضي.

جاء هذا التطور بعد توقيع مساعد وزير الخارجية التركي فريدون سينيرلي أوغلو والسفير الأميركي في أنقرة جون باس في 19 فبراير/شباط الماضي، اتفاقا "لتدريب مجموعات معارضة سورية معتدلة في قاعدة تركية وتزويدها بمعدات عسكرية".

وسينتشر نحو ألف خبير أميركي في تركيا بالتزامن مع برامج مماثلة في السعودية والأردن وقطر، بهدف تدريب 15 ألف معارض سوري تصفهم المصادر الأميركية بـ"المعتدلين"، على مدى ثلاث سنوات.

عبد الشافي: واشنطن تتبنى استراتيجية التدمير الذاتي بالنسبة لسوريا (الجزيرة)

وحول ما إذا كان التدريب يؤثر على الواقع الميداني، يقول الأستاذ الدكتور عصام عبد الشافي الخبير في الدراسات الدولية والإستراتيجية: "نعتقد أن التدريب لو تم فعلياً فسيكون له تأثيراته على مسارات الأحداث، لأنه سيتم استخدامه كآلية للتفاعل وخلق نوع من التوافق بين هذه الفصائل، وبناء آلية للتنسيق بينها".

إدامة الصراع
ويضيف عبد الشافي: "لكن وجهة نظري أن الأمر يرتبط بالإرادة السياسية لواشنطن ومدى رغبتها في حسم الملف السوري، ومدى جديتها في تنفيذ هذه الفكرة، لأن كل المؤشرات تؤكد أنها تريد إطالة أمد الصراع، في إطار تبنيها لإستراتيجية التدمير الذاتي".

ومن وجهة نظر الخبير الإستراتيجي بلال المصري -السفير المصري السابق في أنغولا والنيجر- فإن "الأمر برمته مرتبط بأحداث أكثر خطورة تهتم بها الولايات المتحدة في العالم، ولذلك هناك تطوير للموقف الأميركي خاصة". ويعتقد الخير الإستراتيجي أن "القيادة السعودية الجديدة تلح في إنهاء الملف السوري، مع انطلاق خطر الملف اليمني من نقطة خطره في نجران، واتصالها بالمنطقة الشرقية حيث الهفوف والإحساء والظهران التي يقطنها شيعة ثائرون باستمرار، وبها منابع النفط".

ويختتم بلال بالقول: "تقديري أن هناك حسما قادم للأزمة السورية، لو لاحظنا التدريب في تركيا، وقيام الأتراك بنقل رفات مؤسس الدولة العثمانية"، وهو ما "أذل النظام السوري" بحسب رأيه.

حصار الغوطتين

آلاف المحاصرين جنوبي دمشق ينتظرون المساعدات (الجزيرة نت)

سلافة جبور-دمشق

من غوطة دمشق الشرقية إلى غوطتها الغربية مروراً بجنوب العاصمة، يعيش مئات آلاف المحاصرين الذين فرض عليهم النظام السوري حياة تخلو من أدنى المقومات، انتقاماً لثورتهم ضده وخروجهم عن طاعته.

ففي شرق دمشق، تحاصر قوات النظام حوالي ستمائة ألف مدني في عشرات القرى والبلدات، أكبرها دوما عاصمة الغوطة الشرقية، كما يعيش الآلاف في أحياء جوبر والقابون وتشرين ضمن حصار لم يشفع له وجود طرق زراعية تربط تلك الأحياء بحي برزة الذي وقع هدنة مع النظام مطلع العام الفائت.

وفي الجنوب الدمشقي، يعيش حوالي 150 ألف مدني في مخيم اليرموك والتضامن المحاصرَين بشكل تام، إلى جانب بلدات ببيلا ويلدا وبيت سحم المحاصرة جزئياً، كما ترزح داريا ومعضمية الشام وكناكر وخان الشيح والمقيلبية والطيبة غرب العاصمة تحت وطأة حصار خانق، ويعيش فيها أكثر من مائتي ألف مدني.

أطفال المناطق المحاصرة هم من يدفع الثمن الأكبر للحصار والجوع (الجزيرة)

ووسط تلك الصعوبات، يجمع ناشطون ومدنيون على أن الحل الوحيد لإنقاذ مئات آلاف الأرواح هو فتح ممرات إنسانية وإدخال المواد الغذائية والطبية الضرورية للمناطق المحاصرة.

حساء البهارات
وفي حديث للجزيرة نت، يقول الناشط الإعلامي والإغاثي من مخيم اليرموك عمار القدسي إن عدد شهداء الجوع في المخيم وحده تجاوز 160 شهيدا، وهو عدد مرشح للزيادة بسبب الأوضاع المأساوية للمخيم بشكل خاص وجنوب العاصمة بشكل عام.

ويضيف القدسي: "يعتمد الأهالي على حشائش الأرض أو ما تقدمه المؤسسات الإغاثية التي يقتصر دورها على توزيع الحشائش المطبوخة وحساء البهارات، وهي أطعمة لا تسمن ولا تغني من جوع. أما المنظمات والهيئات الدولية فتدخل كميات قليلة وغير كافية من المساعدات بين الحين والآخر عن طريق حواجز النظام".

وبحسب القدسي، لا توجد وسيلة لإدخال الطعام والأدوية إلى الجنوب المحاصر سوى عقد اتفاقيات بين تجار الأزمات وعناصر الحواجز التابعة للنظام، لتهريب البضائع وبيعها للمحاصرين بأسعار خيالية، وهو ما لعب دورا كبيرا في اشتداد الحصار واستغلاله لرفع الأسعار وتحقيق أكبر قدر من المكاسب المادية.

بدوره يقول فاروق الصالح وهو ناشط إغاثي وإعلامي في جنوب دمشق، إن إغلاق المعابر المؤدية للجنوب -وأهمها معبر ببيلا- أدى لتفاقم أزمة المدنيين والذين تبلغ نسبة البطالة بينهم حوالي 80%، بينما يعمل بعضهم في مجالات لا تسد رمق عائلاتهم وسط غلاء الأسعار الفاحش، حيث يبلغ سعر كيلوغرام واحد  من الأرز ثلاثة آلاف ليرة سورية (12 دولارا) والبرغل 2500 ليرة (عشرة دولارات).

ويضيف الصالح للجزيرة نت: "مع منع إدخال أي مواد غذائية للجنوب، تندفع مئات النساء والأطفال يومياً للخروج سيراً على الأقدام من معبر ببيلا بعد انتظار قد يطول عدة ساعات بهدف شراء بعض الأطعمة وتناولها خارج المنطقة، ومع غروب الشمس تبدأ رحلة العودة والانتظار مرة أخرى، وهو أمر لا يسمح به الحاجز سوى لنساء بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم المهادنة".

وينبه الصالح إلى صعوبات أخرى يعاني منها السكان، كالحصول على مياه نظيفة للشرب لتفادي انتشار الأمراض وأهمها مرض التهاب الكبد الوبائي، وتأمين مواد للتدفئة كالحطب والوقود، والتي يستعاض عنها بمواد بلاستيكية ونفايات وملابس قديمة.

تتوفر البضائع في أسواق الغوطة الشرقية بأسعار مرتفعة للغاية (الجزيرة)

مقايضة
ولا يبدو الوضع أفضل بكثير في غوطة دمشق الشرقية، حيث يبيع السكان موجودات منازلهم من أثاث وأدوات وملابس مقابل الحصول على كميات قليلة من الطعام، وذلك بحسب أحد الناشطين الإغاثيين هناك.

ويقول أبو حاتم للجزيرة نت: "تتوفر المواد الغذائية بشكل مقبول ضمن أسواق الغوطة لكن بأسعار تفوق نظيرتها في العاصمة دمشق بأكثر من عشرة أضعاف. ويعتمد السكان على زراعة بعض المحاصيل كالملفوف والفجل واللفت، ودعم بعض الجمعيات الإغاثية التي بالكاد تسد جزءا صغيرا من حاجاتهم".

ويؤكد أبو حاتم أن السبيل الوحيد لإدخال البضائع إلى  الغوطة هو عن طريق حاجز مخيم الوافدين، وذلك بالتنسيق بين عدد من التجار وضباطٍ تابعين للنظام. ويرى أن لهؤلاء التجار الدور الأكبر في رفع الأسعار، والاستفادة من الحرب التي باتت مصدر رزق لهم، على حد تعبيره.

يذكر أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون دعا لرفع الحصار عن مئات آلاف المدنيين السوريين، وندد بعدم اكتراث الأسرة الدولية لحل الأزمة السورية، وذلك في تقرير قدمه لمجلس الأمن الشهر الفائت.

الرقة "عاصمة" للخلافة

الرقة "عاصمة" للخلافة
تنظيم الدولة عدل نظام التعليم وحصره في أربع مواد ( الجزيرة نت)

أحمد العربي-الرقة

سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الرقة وريفها شمال شرق سوريا في 13 يناير/كانون الثاني 2014، بعد معارك خاضها مع فصائل معارضة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد استمرت ثمانية أيام.

إثر ذلك بدأت موجة انضمام مقاتلي الفصائل الأخرى فرادى للتنظيم بعد إعلان "توبتهم"، إلى أن أعلن المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني في 29 يونيو/حزيران 2014 قيام الخلافة وتنصيب "أبوبكر البغدادي خليفة للمسلمين". تبعه قيام الأخير بقبول البيعة وفتح الحدود بين سوريا والعراق، وإطلاق اسم "الدولة الإسلامية" على مناطق سيطرة التنظيم في البلدين.

وجاء في بيان العدناني أنه "صار واجبا على جميع المسلمين مبايعة الخليفة، وتبطل جميع الإمارات والولايات والتنظيمات التي يتمدد إليها سلطانه ويصلها جنده".

حينها بدأ ما يعرف بـ"البيعات الجماعية" داخل سوريا، وأهمها بيعة "لواء داود" الذي كان يتبع لصقور الشام في بلدة سرمين بريف إدلب، حيث أعلن التحاقه بتنظيم الدولة بكامل عناصره وأسلحته في 7 يوليو/ تموز 2014.

بدأ التنظيم بعدها سلسلة هجمات هدفها السيطرة على المواقع العسكرية الرئيسة للنظام السوري في الرقة. فأعلن السيطرة على الفرقة 17 في 25 يوليو/تموز، وفي 7 أغسطس/آب أعلن سيطرته على اللواء 93 بريف الرقة الشمالي، وانتهى في 24 أغسطس/آب إلى السيطرة على مطار الطبقة العسكري آخر معاقل النظام بريف الرقة الغربي. بعدها أعلن التنظيم أن الرقة أول مدينة محررة بالكامل من أيدي النظام، وأنها عاصمة دولته الإسلامية.

بيانات وقوانين
بعد انفراده المطلق بالسيطرة على الرقة وريفها وإعلانها عاصمة لدولته وازدياد قوته، بدأ التنظيم بإنشاء مؤسساته ومكاتبه الخدمية الخاصة به، وإصدار البيانات والقوانين التشريعية، وتقييده للحريات وحظر النشاطات الإعلامية غير المسيطر عليها.

مكتب الحسبة مكلف بتنفيذ قوانين الدولة الإسلامية وملاحقة المخالفين  (الجزيرة)

ولإحكام سيطرته على الوضع في الرقة، قام بإنشاء أول مؤسسة رسمية تابعة له وأطلق عليها اسم كتيبة "الحسبة"، التي من أبرز مهامها متابعة تنفيذ القوانين والتشريعات التي يصدرها التنظيم، وملاحقة كل من يخالفها، واعتبارها القوة الضاربة للتنظيم في تنفيذ أحكامه وفرضها على أهالي الرقة ومراقبة كل شاردة وواردة في المحافظة.

وأعلن بعدها عن إنشاء كتيبة أخرى توازي عمل كتيبة الحسبة، وأطلق عليها اسم "كتيبة الخنساء" لضمان تنفيذ القوانين الخاصة بالنساء في الرقة، وهذا الأمر ضيق الخناق كثيرا على أهالي الرقة مما أجبر عشرات الأسر على الهجرة خارجها لعدم قدرتهم على تحمل مثل هذا النظام والمراقبة الكلية لحياتهم وتعرضهم للمحاسبة، بحسب ما يراه التنظيم.

واستمر التنظيم في بناء بنيته التحتية كدولة، وسعى لأن يكون محيطا بكل النواحي الحياتية والخدمية والتشريعية والقانونية والتربوية، حيث قام بإنشاء مكاتب تعنى بالمدنيين ومشاكلهم وشكاويهم وأطلق عليه اسم "ديوان المظالم"، وأنشأ المحاكم الشرعية في كل مدينة وقرية ووزارة للأوقاف والإعلام، وديوانا للزكاة، ومديرية لشرطة المرور والشرطة العسكرية وديوانا للصحة، وغيرها.

وقام التنظيم بإجبار التجار على إغلاق الأسواق أثناء الصلاة والذهاب للمساجد أو الصلاة جماعة في الشارع، ومنع التدخين، ومنع اختلاط النساء بالرجال، وفرض اللباس الشرعي الكامل على النساء، ومنعهن من السفر دون محرم، وأوقف التعليم في الرقة.

وافتتح في بداية هذا العام عددا من المدارس فيها بعد تغيير أسماء أغلبها، وأنشأ مناهج خاصة به، واقتصر التعليم فيها على مادة اللغة العربية والرياضيات والقرآن والعلوم الشرعية.

لافته في الرقة تذكر بدفع الزكاة  (الجزيرة)

كما أصدر التنظيم بيانا في 3 يناير/كانون الثاني 2015 ينص على إنشاء جامعة للطب في الرقة، ولكنها لم تشهد إقبالا بسبب اقتصار التدريس فيها على تعلم الإسعافات الأولية وبعض الدروس الشفهية ولمدة ثلاث سنوات فقط.

اكتظاظ السجون
وخلال سنة كاملة من سيطرة التنظيم على الرقة، اكتظت سجونه بالسجناء من المدنيين ومقاتلي الفصائل الأخرى في سوريا، وأيضا بمقاتلي التنظيم نفسه بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى سجناء من الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني والإغاثي من الأجانب والعرب.

وانتشرت ظاهرة القتل والصلب والجلد في شوارع الرقة، وأصبحت أمرا اعتياديا وبشكل شبه يومي في ساحات الرقة العامة، وأصبح دوار النعيم الشهير وسط مدينة الرقة يطلق عليه أهالي الرقة دوار الموت، لكثرة ما تعلق على أسواره رؤوس القتلى الذين يعدمهم التنظيم.

وبعدها بدأ التنظيم بإظهار قدراته الإنتاجية في تصوير الأفلام والمقاطع لحالات إعدام عدد من الرهائن الأجانب، ابتدأها تحديدا في 19 أغسطس/آب 2014 بنشر عملية إعدام الصحفي الأميركي جيمس فولي الذي اختطف في نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

تنظيم بدأ بكتائب صغيرة

تنظيم بدأ بكتائب صغيرة
الرقة مثلت نقطة ارتكاز في استراتيجية تنظيم الدولة( الجزيرة نت -أرشيف)

أحمد العربي-الرقة

يستمر تنظيم الدولة الإسلامية بالسعي إلى توسيع مناطق سيطرته ورقعة نفوذه بعد أن سيطر على محافظة الرقة شمالي شرقي سوريا وجعلها عاصمة لخلافته، فعمد لجعل الرقة نقطة انطلاق لكل إمداداته باتجاه أماكن جديدة يسيطر عليها ابتداء بإرسال التعزيزات تجاه ريف حلب الشرقي، واستطاع بسط سيطرته على كامل الريف الشرقي بحلب ليتجه إلى محافظة دير الزور شرقي سوريا، والسيطرة على كامل المناطق المحررة من النظام السوري فيها.

ويقول أحمد الأحمد -وهو ناشط ميداني وإعلامي في الرقة- إن تنظيم الدولة كان قبل مطلع العام المنصرم عبارة عن كتائب صغيرة أخذت عددا من المقرات في محافظة الرقة إضافة إلى دير الزور وريف حلب. وأضاف أن التنظيم "عمد إلى شراء السلاح والذخيرة بكل أنواعها، وتحديدا من الرقة، خلال ستة أشهر، وتجميعها في مستودعات دون المشاركة بأي عمل عسكري ضد قوات النظام السوري في ذلك الحين".

إغراء الرواتب

يقول أبو الليث -وهو قائد ميداني في الجيش الحر- إن تنظيم الدولة اعتدى على كل الفصائل المقاتلة في كل من الرقة ودير الزور وحلب، وبغى عليها وغدر بها "فأعلن تكفيرنا ورِدّتنا باسم الدين لتكون حجته أمام مقاتليه ليقاتلنا ويقتلنا".

ويمضي قائلا للجزيرة نت إن التنظيم "عمل على ضم المقاتلين من الفصائل الأخرى ومن المدنيين بعد إغرائهم بالرواتب الشهرية والتي لم تكن تتجاوز مائة دولار شهريا، إلى حين بدء مرحلة جديدة من عمل التنظيم  ظهرت جليا في قتاله مع فصائل الجيش الحر والنصرة وأحرار الشام في الرقة ليتمكن بعدها من فرض سيطرته على الرقة وريفها بشكل كامل وطرد كل الفصائل المقاتلة الأخرى ومن يعاونهم".

ويمضي الناشط قائلا إن تنظيم الدولة "لم يكتف بالسيطرة على الرقة فحسب، بل كانت مطامعه أكبر من ذلك، فشن معارك ضد الفصائل المعارضة بريف حلب الشرقي إضافة إلى محافظة دير الزور شرقي سوريا لتكون السيطرة والغلبة له".

ويخلص إلى القول إن التنظيم قاتل إلى أن باتت مناطق سيطرته تمتد من الحدود العراقية السورية من مدينة البوكمال بريف دير الزور الشرقي مرورا بالرقة شمال شرقي سوريا وصولا إلى ريف حلب الشرقي والشمالي الشرقي لها، وفق قوله.

ومن جهة أخرى، يقول أبو الليث -وهو قائد ميداني في الجيش الحر- إن تنظيم الدولة اعتدى على كل الفصائل المقاتلة في كل من الرقة ودير الزور وحلب، وبغى عليها وغدر بها "فأعلن تكفيرنا ورِدّتنا باسم الدين لتكون حجته أمام مقاتليه ليقاتلنا ويقتلنا".

أبو مغيرة :

نحن في الدولة الإسلامية أنقذنا الأمة من الجهل والضياع والظلم بعد أن كانت تلك الفصائل تعتمد تطبيق القوانين الوضعية والعلمانية، وأما نحن قمنا بإعمار الدولة وأقمناها وفرضنا فيها شرع الله وحدوده ورددنا المظالم

ويضيف للجزيرة نت "لم يكن التنظيم بتلك القوة، ولم تكن لديه الإمكانات العسكرية الكافية لينتصر ويبسط سيطرته على كل تلك المناطق في الرقة ودير الزور وريف حلب لولا خيانة بعض الفصائل التي رفضت حينها القتال في صفنا ضد تنظيم الدولة، ووقفت على الحياد".

أبو المغيرة
أما أبو المغيرة -أحد القادة في تنظيم الدولة- فيقول "انتصارنا في كل المعارك التي خضناها أمام النظام السوري والمرتدين ممن قاتلونا واعتدوا علينا من الفصائل المقاتلة في الشام كان نصرا من الله بعد أن ثبتنا وأظهرنا على الحق فكنا في بداية قتالنا معهم قلة ولم نكن بالكثيرين، ولكن بعد توفيق من الله وصدقنا معه، ورغم تفوقهم علينا بالسلاح والعتاد والمقاتلين وكل الدعم العسكري واللوجستي الذي كان يصلهم من بلاد الكفار لقتالنا، استطعنا أن ننتصر عليهم بعزيمتنا وإصرارنا لإعلاء لا إله إلا الله محمد رسول الله".

ويضيف "نحن في الدولة الإسلامية أنقذنا الأمة من الجهل والضياع والظلم بعد أن كانت تلك الفصائل تعتمد تطبيق القوانين الوضعية والعلمانية، وأما نحن قمنا بإعمار الدولة وأقمناها وفرضنا فيها شرع الله وحدوده ورددنا المظالم، وأصبح الدين هو الحكم والفصل في كل حياة المسلمين بعد أن كانوا في ضلال كبير سابقا".

شخصيات ...

 

ارتبط تاريخ الثورة السورية بأشخاص تركوا بصماتهم على مسار أحداثها مثل مسؤول فرع الأمن السياسي في محافظة درعا العميد عاطف نجيب. فقد قام المذكور باعتقال مجموعة من الفتية في 9 مارس/ آذار 2012 بجرم كتابة شعارات تمجد الربيع العربي على الجدران وعذبهم. كما قام بعد ذلك بإهانة ذوي الأطفال في ممارسة أعطت ذات المفعول الذي فعلته صفعة الشرطية التونسية لمحمد البوعزيزي.

وفي وقت لاحق تحول الطفل حمزة الخطيب (13 عاما) المنتمي إلى ذات المحافظة إلى دليل حي على وحشية النظام وآلته القمعية. حصل ذلك بعد أن اعتقل في 29 أبريل/نيسان على حاجز للأمن قرب بلدته  ثم سلمت جثته لذويه، لكن العالم صدم بعد أن شاهد آثار التعذيب والرصاص على جسم حمزة إضافة إلى التمثيل بجثته وقطع عضوه التناسلي.
في العام الرابع للثورة طغت على المشهد السوري شخصيات أخرى. حضر بعضها من خلال دوره السياسي كالمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، والوسيط الروسي فيتالي نعوميكن، وآخرون عبر دورهم الميداني كقائد جيش الإسلام زهران علوش. في حين سجل ضابط إيراني -بعد مقتله في غارة إسرائيلية على مرتفعات الجولان- الدليل المادي على حضور طهران على الجغرافيا السورية، وسعيها عبر الحرس الثوري للعب دور مباشر في الصراع مع إسرائيل انطلاقا من سوريا.
 

 

انتشار اللاجئين بدول الجوار

للتكبير إضغط على الخارطة

خريطة انتشار اللاجئين السوريين بالدول المجاورة

 

تزداد أزمة اللاجئين السوريين تعقدا مع التزايد المطرد في أعدادهم وسوء الأحوال الجوية، فمع دخول الثورة السورية عامها الخامس تقترب أعداد اللاجئين السوريين بالخارج من ستة ملايين.

وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن دول الجوار تؤوي مع بدء عام 2015 ما لا يقل عن 5.835 ملايين لاجئ، وتضيف أن نصفهم من الأطفال، بينما تبلغ نسبة النساء 35 %، والرجال 15%.

وتؤكد الشبكة أن نسبة واسعة جدا من اللاجئين غير مسجلين ضمن المفوضية العليا للاجئين لأنهم ينتقلون إلى الدول المجاورة عبر طرق وممرات غير شرعية خشية تعرضهم للمنع، كما أن نسبة كبيرة منهم يتم استقبالهم من قبل الأقارب والأصدقاء دون تسجيل بياناتهم لدى المنظمات الدولية.

يفتقر كثير من اللاجئين للرعاية الطبية المجانية، وتزداد معاناتهم إذا لم يكونوا مسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أما المسجلون لدى المفوضية فتواجههم صعوبات في حال انتهاء صلاحية الأوراق الخاصة بهم

وبحسب إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يتوزع اللاجئون السوريون على البلدان المجاورة كما يأتي:

تركيا: ما لا يقل عن 1.9 مليون لاجئ، بينهم قرابة 450 ألف طفل و270 ألف امرأة، ويفتقر نحو 62% منهم للأوراق الثبوتية.

لبنان: ما لا يقل عن 1.7 مليون لاجئ، بينهم قرابة 570 ألف طفل و190 ألف امرأة، 27% منهم بدون أوراق ثبوتية.

الأردن: ما لا يقل عن 1.4 ألف لاجئ، بينهم قرابة 350 ألف طفل و175 ألف امرأة، 36% منهم بدون أوراق ثبوتية.

العراق: ما لا يقل عن 525 ألف لاجئ، بينهم قرابة 160 ألف طفل وما لا يقل عن خمسين ألف امرأة.

مصر: ما لا يقل عن 270 ألف لاجئ، بينهم قرابة 120 ألف طفل و75 ألف امرأة.

دول المغرب العربي (ليبيا والجزائر والمغرب): ما لا يقل عن أربعين ألف لاجئ.

صعوبات
يعاني اللاجئون السوريون من صعوبات عدة، فعلى الصعيد التعليمي يبلغ عدد الأطفال اللاجئين الذين لا يتلقون أي نوع من أنواع التعليم منذ أكثر من سنة (وسطيا) نحو 1.3 مليون طفل، ويعتبر اللاجئون في لبنان الأسوأ حالا على هذا الصعيد، حيث تتجاوز نسبة عدم الملتحقين بالمدارس والجامعات 40%.

وعلى الصعيد الغذائي، تنتشر أعراض سوء التغذية بشكل واسع، وقد لا تتوفر المياه الصالحة للشرب، حيث أكد تقرير صادر عن اليونيسيف في يونيو/حزيران 2014 أن اللاجئين في لبنان هم الأكثر معاناة على هذا الصعيد.

وعلى الصعيد الطبي، يفتقر كثير من اللاجئين للرعاية الطبية المجانية، وتزداد معاناتهم إذا لم يكونوا مسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أما المسجلون لدى المفوضية فتواجههم صعوبات في حال انتهاء صلاحية الأوراق الخاصة بهم التي تصدرها المفوضية والتي يتطلب تجديد صلاحيتها فترة انتظار قد تتجاوز شهرين.

في الداخل السوري يوجد أكثر من 6.4 ملايين نازح -بحسب الشبكة السورية- ممن تبرز لديهم مشكلات وصعوبات إضافية، حيث يعانون من مخاطر الحرب والقصف على الرغم من نزوحهم هربا منهما إلى العديد من المناطق

ويعاني بعض اللاجئين من تهديدات ذات طابع عنصري أو سياسي أو طائفي، ففي لبنان يتعرض الكثيرون لمضايقات من قبل أنصار النظام السوري لأسباب طائفية، كما بدأ العمل مؤخرا باشتراط حصول السوريين على تأشيرة دخول، كما تم توثيق بعض المضايقات للاجئين السوريين في تركيا من قبل معارضي الحكومة ومؤيدي النظام السوري.
 

وفي مصر ازدادت المضايقات بعد الانقلاب العسكري وشملت حملات إعلامية ومحاكمات، كما تعرض نحو ثلاثة آلاف لاجئ سوري للطرد من مصر، فضلا عن سن قوانين تشترط حصول السوريين على تأشيرة دخول مصر، بينما يؤكد ناشطون وجود عشرات اللاجئين معتقلين داخل السجون المصرية.

مولودو اللجوء
 ويتحدث ناشطون عن أزمة متجددة بين أوساط اللاجئين مع وجود ما لا يقل عن 125 ألف طفل ولدوا في دول اللجوء دون أن يحصل نحو 45% منهم على شهادات ميلاد، إما لفقد هؤلاء الأطفال آباءهم بسبب الحرب والاعتقال، أو لأن آباءهم لا يحملون وثائق تثبت زواجهم.

وفي الداخل السوري يوجد أكثر من 6.4 ملايين نازح -بحسب الشبكة السورية- ممن تبرز لديهم مشكلات وصعوبات إضافية، حيث يعانون من مخاطر الحرب والقصف على الرغم من نزوحهم هربا منهما إلى العديد من المناطق، كما يقول ناشطون إن المساعدات التي ترسلها إليهم المنظمات الدولية تتم "سرقتها" من قبل سلطات النظام لتحويلها إلى سكان المناطق المؤيدة له.

وبحسب الأمم المتحدة، يصل عدد النازحين داخليا إلى 7,6 ملايين نازح، وتتصدر بلدات ريف دمشق، خاصة الغوطة الشرقية بأعداد النزوح لتسجل 2.2 مليون نازح، حيث يتركزون جميعا في أحياء دمشق، خاصة الجنوبية.

وتسببت العاصفة الثلجية التي ضربت سوريا والمنطقة في 7 يناير/كانون الثاني الماضي بالمزيد من الصعوبات، حيث أعدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خطة لتوفير الأغطية والملابس الشتوية والشوادر البلاستيكية، وأعلنت أنها عملت على إيصالها إلى عشرة آلاف نازح في دمشق وريفها، إضافة إلى أكثر من 31 ألفا بإدلب وطرطوس.

نازحو الداخل تشرد وحنين

نازحو الداخل لا تقل معاناتهم عن نازحي الخارج (الجزيرة)

سلافة جبور-دمشق

عروق يدها البارزة تحكي قصة تعب تراكمت آثاره خلال سنوات حياتها الستين، وزاد نزوح الأعوام الثلاثة الماضية من قساوته. تجول عيناها في أرجاء الغرفة الصغيرة وهي تذكر تفاصيل منزلها القديم التي تحفظها عن ظهر قلب.

تقول أم مسعود، وهي نازحة من غوطة دمشق الشرقية وتقيم اليوم في منزل صغير بحي الشيخ محيي الدين في العاصمة دمشق، إن أكثر ما يؤلمها هو حصولها على معونات من الجمعيات الإغاثية، التي تساعد في سد بعض حاجات العائلة المكونة من سبعة أفراد.

ولا تستطيع أم مسعود، وهي تتحدث للجزيرة نت، إخفاء حسرتها وحنينها لمنزل قديم، وعائلة استشهد عدد من أفرادها، وسافر آخرون هرباً من الحرب أو الخدمة العسكرية، لتبقى مع بناتها وأحفادها معتمدين في حياتهم على عمل ابنتها مدرّسة، وبعض المساعدات.

لا تستطيع أم مسعود، وهي تتحدث للجزيرة نت، إخفاء حسرتها وحنينها لمنزل قديم، وعائلة استشهد عدد من أفرادها، وسافر آخرون هرباً من الحرب أو الخدمة العسكرية، لتبقى مع بناتها وأحفادها معتمدين في حياتهم على عمل ابنتها مدرّسة، وبعض المساعدات

وبحنين مشابه يتحدث وليد عن منزل عائلته في حي جوبر الدمشقي، الذي نزحت عنه منذ حوالي عامين. وبسبب غلاء الأسعار استأجرت العائلة الكبيرة المكونة من عدة أبناء وبنات متزوجين منزلين متجاورين في أحد أحياء العاصمة.

يقول وليد إن النزوح يجبر العائلة على إعادة بناء حياة كاملة من جديد، انطلاقاً من أصغر وأدق التفاصيل، وهو أمر لن يعرف مرارته سوى من فقد منزله وأجبرته الحرب على التشرد والمعاناة.

النازحون بالملايين
وبعد مرور أربعة أعوام على انطلاق الثورة السورية، يبلغ عدد النازحين السوريين حوالي تسعة ملايين ونصف مليون نازح، منهم ستة ملايين ونصف يقيمون داخل البلاد، وذلك وفق أحدث إحصائيات الأمم المتحدة.

ويعاني نازحو الداخل -بحسب الناشطة الإغاثية مرح- من أوضاع لا تقل سوءاً عن لاجئي الخارج، فتكاليف تأمين السكن والعمل ومصاريف الحياة التي تزيد بسبب النزوح تفوق قدرة أغلب العائلات، وبحسب بعض التقارير الاقتصادية الصادرة داخل سوريا، تبلغ تكلفة المعيشة الشهرية للعائلة الواحدة تسعين ألف ليرة سورية (360 دولارا) كحد أدنى، بينما لا يتجاوز متوسط دخل الفرد مائة دولار.

تقول مرح إن تأمين السكن يعد أولى العقبات التي تواجه الأسرة النازحة، والتي تتجه للمناطق الآمنة نسبياً في العاصمة وريفها، ومدن أخرى كطرطوس واللاذقية والسويداء. ونتيجة الطلب المتزايد، ارتفعت الأسعار لتبلغ وسطياً 25 ألف ليرة سورية (100 دولار) في مناطق الأرياف والسكن العشوائي، أما داخل المدن وخاصة العاصمة دمشق، فالمبلغ يتضاعف عدة مرات، ودفع ذلك بالكثير من العائلات لاستئجار منازل "على العظم" (أي دون إكساء بالطلاء أو البلاط)، أو محال تجارية في بعض الأرياف بمبالغ أقل لكن ضمن شروط معيشية أسوأ، كما أقامت عائلات أخرى ضمن مراكز الإيواء.

وتضيف مرح للجزيرة نت: "لا تتوقف مشاكل السكن عند ذلك، بل تتعداها لمشكلة الحصول على الموافقة الأمنية، حيث يضطر المستأجر القادم من المناطق الساخنة -وعلى رأسها ريف دمشق- لمراجعة أحد الأفرع الأمنية، وقد يعني ذلك خضوعه لتحقيق مطول عنه وعن عائلته لا ينتهي بالضرورة بالحصول على الموافقة، مما يعني أن عليه البحث عن مكان آخر".

 تكاليف

تعتمد عائلات على الحوالات المالية من أقارب خارج البلاد، والتي تتعرض بدورها لسرقة من نوع آخر، حيث يمنع استلام الحوالة إلا بالليرة السورية، وتعتمد مكاتب الحوالات سعر الصرف الحكومي وليس سعر السوق السوداء، مما يؤدي لخسارة جزء من المبلغ.

وبعد تأمين السكن، تبرز حاجات أخرى للعائلة النازحة، فمن فقد عمله عليه البحث عن عمل جديد، وتنخفض الرواتب بشكل كبير لتجد معظم الأسر نفسها عاجزة عن تأمين المصاريف الأساسية كالطعام والشراب والمواصلات والأدوية والملابس.

ونتيجة لذلك، تقول مرح إن عدداً كبيراً من العائلات بات يعتمد على المعونات المقدمة من الجمعيات الإغاثية والخيرية، والتي تحتاج بدورها إلى "واسطة" للحصول عليها بشكل منتظم، ناهيك عن سرقة كميات كبيرة منها من قبل عناصر النظام والحواجز وحتى بعض المستفيدين ضمن الجمعيات، وهو ما يؤدي لتخفيض الكميات المخصصة لكل عائلة.

وتعتمد عائلات أخرى على الحوالات المالية من أقارب خارج البلاد، والتي تتعرض بدورها لسرقة من نوع آخر، حيث يمنع استلام الحوالة إلا بالليرة السورية، وتعتمد مكاتب الحوالات سعر الصرف الحكومي وليس سعر السوق السوداء، مما يؤدي لخسارة جزء من المبلغ.

وترى فرح أن توقف الحرب وعودة الملايين إلى مناطقهم رغم دمارها هو الحل الوحيد كي تستعيد تلك العائلات جزءا من حقوقها وكرامتها المهدورة خلال سنوات الحرب الأربع الماضية.

مولود رغدة ..بلا حقوق

مولودة رغدة مقيمة في عكار والسفارة السورية ببيروت لم تعترف بها( الجزيرة نت)

أسامة العويد-عكار

 

انتصف الليل وادلهمت الأفكار في خواطر رغدة الحولي التي شارفت على الولادة، تقطع مسافة عشرين كلم للمرة الثانية للوصول إلى مستشفى حلبا الحكومي في محافظة عكار شمال لبنان "عسى أن يخفف لنا هذا المستشفى من فاتورة الولادة, للأسف الأمم المتحدة أوقفت بطاقتي الخاصة بالاستشفاء، وعلي أن أدفع خمسمائة دولار ناهيك عن إيجار الطريق, أما الغصة الكبرى فتبقى، فأنا لم أستطع تسجيل طفلتي والحصول على ورقة تثبت أنها ابنتي، خاصة لدى السلطات السورية والسفارة التابعة لها في لبنان".

 تتابع رغدة -التي نلتقي بها في خيمة لجوئها بمخيم الرحمة في عكار(شمالي لبنان)- بعدما تضع في حضنها طفلتها الصغيرة التي لم تبلغ من العمر عشرين يوما "استأجرت لي أختي سيارة, والحمد لله يسر الله لي الولادة, استدنت بعض المال وكان زوجي قد أمن القسم الآخر حتى استطعنا الخروج من المستشفى, حصلنا على ورقة من إدارته تثبت أن هذه الطفلة ابنتي، والسفارة السورية لا تعترف بها".

يشار إلى أن أرقاما حديثة نشرتها مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تفيد بأن 70% من الأطفال السوريين الذين ولدوا في لبنان منذ اندلاع الثورة السورية قبل أربعة أعوام -وعددهم 42 ألف مولود- لا يملكون وثائق ولادة.

ويعتبر هؤلاء المواليد "غير موجودين" حسب تقدير ناشطة في هيئة حكومية، حيث يفقد غير الحاصل على أوراق ثبوتية حقه في التعليم أو دخول المستشفيات.

42 ألف طفل لاجئ بلبنان لم يعترف بوجودهم (الجزيرة)

وتقول الحولي في هذا الصدد "جارتي ذهبت منذ فترة عبر الحدود السورية بغية زيارة أهلها، فرفضوا إدخال ولدها على الرغم من ورقة المستشفى ومفوضية الأمم، وأخبروها أن عليها تسجيله في السفارة السورية ببيروت, أخشى اليوم على طفلتي فهي ربما ستكون محرومة من كل شيء، من التعليم وغير ذلك, نرجو أن يكون هناك حل لهذه المعضلة".

4500 شهريا
مسؤول الإدارة الطبية المركزية في اتحاد الجمعيات الإغاثية العاملة في شؤون اللاجئين والمشرف على عدد كبير من المخيمات بمختلف المناطق اللبنانية الدكتور إياد هدهد تحدث للجزيرة نت حول موضوع الأوراق الثبوتية للولادات الحديثة قائلا "بحسب مفوضية اللاجئين السوريين في الأمم المتحدة، قدر عدد الولادات بحوالي ٤٥٠٠ ولادة شهريا, وقد بلغ عدد الذين لا يملكون أوراقا ثبوتية حتى اليوم 42 ألف لاجئ سوري, فمن يدخل المشافي يأخذ شهادة ميلاد ويسجلها عند المختار، ثم الأمن العام اللبناني، ثم السفارة السورية وهنا بيت القصيد، ففي السفارة يصرون على حضور الوالد حصرا دون أي أحد، والتسجيل صعب جدا، والمسألة تكون حسب رضا النظام على أب هذا المولود".

 وختم هدهد "هناك مشكلة عدم ذهاب بعض اللاجئات الى المستشفيات خوفا من الضرر أو دفع المال غير المتوفر، لذلك تتم الولادة في الخيمة، وهذا يحدث كثيرا في المناطق الحدودية كوادي خالد وعرسال، وهذا يسبب مشكلة في تسجيل المولود، وهنا ندعو لتنظيم حملات واسعة لتثقيف اللاجئين من خلال توجهيهم طبيا، وحثهم على تنظيم النسل، والتسجيل في المفوضية، فهم بحاجة إلى ذلك، نحتاج إلى جهات تنفذ برامج متكاملة حول هذا الموضوع, فكما أشرت سابقا هناك الكثير من النسوة لا يأبهن بالولادة في الخيام ومنازلهن خوفا".

لا أفق

 خالد ضاهر: لا مثيل لمشكلة لاجئي سوريا  (الجزيرة)

وفي شأن هذا الموضوع، تؤكد المصادر الحكومية كلها عدم وجود أي صيغة في الأفق لحل هذا الموضوع, وهذا ما أكده النائب المستقل في البرلمان اللبناني خالد الضاهر، وقال للجزيرة نت "بداية  مشكلة النازحين السوريين والمهجرين من سوريا ليس لها مثيل في العصر الحديث، وأمام هذه الكارثة اﻹنسانية رفعنا الصوت منذ اليوم اﻷول لبداية النزوح بإيجاد مخيمات رسمية تحت رعاية اﻷمم المتحدة، إلا أن الحكومة اللبنانية آنذاك والحكومة التي تلتها أيضا تتعاملان مع السوريين معاملة غير إنسانية، هناك خضوع من الحكومات اللبنانية للنظام السوري لتعذيب النازحين السوريين وإكراههم على مغادرة لبنان والخضوع للنظام السوري، ونحن سمعنا أصواتا تنادي بطرد السوريين من لبنان- حتى النازحين- واعتبارهم إرهابيين كما فعلت أحزاب موالية للنظام السوري كالحزب القومي السوري الاجتماعي والتيار الوطني الحر".

وأردف قائلا "المسألة ليست فقط أوراقا ثبوتية تأبى السفارة السورية في لبنان إصدارها للاجئين، هناك معاملة غير إنسانية ممنهجة ومعايير مزدوجة، مؤخرا صدرت عن الحكومة اللبنانية قوانين تعرقل دخول السوريين إلى لبنان ووضع شروط تعجيزية، أما عندما يتعلق الأمر بـالآشوريين فإن قرارات تصدر عن وزير الداخلية والحكومة بإدخالهم بطريقة تطمينية، مع أن هذا اﻹنسان إنسان سواء كان مسلما سنيا أو آشوريا أو غير ذلك، لكن نرى أن المعايير مزدوجة في التعامل مع الشعب".

بلا ثبوتيات

صلاحية جوازات سفر سوريين كثيرين انتهت ولم يتمكن من تجديدها ( الجزيرة نت)

ريف اللاذقية-عمر أبو خليل

 "ذهب ليسجل مولودتنا الجديدة. سنة مرت ولم يعد، زوجي اختفى على حاجز بيت ياشوط، ربما اعتقل أو قتل".. بكت وتوقفت أم بكر عن الكلام عند هذه النقطة.

أم بكر امرأة من جبل الأكراد في ريف اللاذقية، رغبت في تسجيل مولودتها الجديدة في دائرة نفوس اللاذقية، بعدما أوقف النظام السجل المدني في ناحية كنسبا مع سيطرة الثوار على المنطقة، لكنها اليوم تلطم وجهها ندما على موافقتها على سفر زوجها إلى المدينة.

حال أم بكر يشبه حال كثير من السوريين مع الوثائق والثبوتيات وتسجيل الوقائع المستجدة، بعضهم انتهت صلاحية جوازات سفرهم، وجامعيون لم يحصلوا على شهاداتهم، وأزواج لم يثبتوا زواجهم قانونيا، وغيرها من حالات توثيق البيع والشراء والوفاة، حيث أغلق النظام سبيل ذلك في وجه السوريين الذين يسكنون المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة.

السوريون اليوم داخل سوريا ودول الجوار، وبعد مرور أربع سنوات من عمر الثورة، يفتقدون أغلب الوثائق التي تلزمهم للسفر وإثبات الشخصية، والشهادات لتسجيل الطلاب في الجامعات والمدارس.

لم يكن -والحال هذه- غريبا أن يهيموا على وجوههم في بحار الموت طلبا للهجرة إلى أوروبا ودول اللجوء التي توفر لهم الأمان، وتمنحهم وثائق لم تستطع مؤسسات المعارضة خلال السنوات الأربع من عمر الثورة إيجاد حل قانوني لها.

المواليد في الخارج والداخل الجدد دون قيود رسمية  (الجزيرة)

يؤكد "م. ن" الموظف في الحكومية السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني المعارض، أنه تعيينه في الحكومة كان على أساس الشهادة الثانوية، رغم أنه يحمل إجازة جامعية منذ عام 2012 ، وأشار إلى أنه لم يستطع استلام شهادته في الحقوق لأنه اضطر للهرب من مناطق سيطرة النظام قبل يومين من صدورها، بسبب ملاحقة أمن النظام له لمشاركته في المظاهرات السلمية.

وقال منتقدا الحكومة: هناك موظفون تم تعيينهم على أساس الشهادة الجامعية وهم لا يحملون الثانوية، اشتروا شهادات مزورة من مدينة كلس التركية.

 وثائق مزورة
لم تستطع مؤسسات المعارضة ممثلة بالحكومة السورية المؤقتة والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، إيجاد صيغ قانونية لتوفير الورقيات والثبوتيات اللازمة للسوريين، وهذا ما دفع بعضهم لتوفيرها بطريقة التزوير، أو شرائها بمبالغ كبيرة من مؤسسات النظام عبر وسطاء وسماسرة.

مكاتب كثيرة مختصة بهذه الخدمات غير القانونية انتشرت في مناطق سيطرة المعارضة في الداخل ودول الجوار، لا سيما تركيا، حيث تعمل عشرات المكاتب في مدن أنطاكية والريحانية وكلس وعنتاب وأورفة، فتوفر للسوريين الشهادات الدراسية وجوازات السفر وشهادات قيادة السيارات وغيرها.

مدير مكتب "كل ما تريد" في مدينة كلس برر ما يفعلونه بأنه "خدمة للمحتاجين بعدما حرمهم النظام حقوقهم في وثائقهم"، وأشار إلى أن بعض الثبوتيات التي يبيعونها يتم اكتشاف تزويرها.

وقال في حديث للجزيرة نت: أغلب المراجعين يشترون الشهادات الجامعية ويطلبون جوازات سفر، ونحن نؤمن لهم ما يريدون بأسعار مقبولة، إلا من أراد جواز سفر نظاميا، فهذا باهظ الثمن، لأننا ندفع مبالغ كبيرة رشى لضباط النظام لإصداره من مديرية الهجرة والجوازات، عدد كبير من مسؤولي الحكومة والائتلاف اشتروها، لا أحد غيرهم يستطيع دفع تكلفتها.

مكاتب كثيرة مختصة بالخدمات غير القانونية انتشرت في مناطق سيطرة المعارضة في الداخل ودول الجوار، لا سيما تركيا، حيث تعمل عشرات المكاتب في مدن أنطاكية والريحانية وكلس وعنتاب وأورفة.

وضحك بخبث وأضاف: نحن نستغل هؤلاء، ونطلب منهم أكثر من السعر الاعتيادي عقابا لهم على تقصيرهم في إيجاد حل لمشاكل السوريين المهجرين والمحاصرين مع الوثائق والثبوتيات.

 محاولات فاشلة
وكانت مؤسسات المعارضة قد تحدثت مرارا عن محاولات لإيجاد حل لمشاكل السوريين بتسجيل الولادات الجديدة وحالات الزواج والطلاق والبيع والشراء، من خلال إحداث مكاتب حقوقية للتوثيق في المجالس المحلية في المحافظات.

لكن لم يتحول الحديث إلى فعل ناجح إلا في حالات نادرة، بسبب عدم توفير التمويل، ووجود أغلب مجالس المحافظات في دول الجوار بعيدا عن السوريين في الداخل الذين يحتاجون هذه الخدمات، وفق إفادات نشطاء من مناطق سورية عدة.

وهذا ما أكده مدير في وزارة العدل بالحكومة السورية المؤقتة -فضل عدم الكشف عن اسمه- حيث أشار إلى وجود مخطط لافتتاح مكاتب للتوثيق، تشمل اختصاصات متعددة، لكنه لم يرَ النور بسبب نقص التمويل وعدم استقرار الحكومة.

وكان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة قد وعد السوريين بتمديد جوازات سفرهم عبر سفارته في دولة قطر، إلا أن الملصقات التي تم العمل عليها لم تكن قانونية.

تهجير منهجي

مهجرون يتجمعون لتلقي معونة من هيئة دولية في حماة( رويترز-أرشيف)

 

بعد أشهر من انطلاق الثورة السلمية على نظام الرئيس بشار الأسد، شهدت أحياء في العاصمة دمشق ومدن أخرى بينها حمص تغييرا ديمغرافيا اتخذ شكل التهجير القسري وتوطين عائلات تدين بالولاء للنظام في أحياء نزح عنها سكانها بالقوة أو جراء خشيتهم من الانتقام.

ويتداول السوريون حاليا أنباء تلك العملية التي أسماها منفذوها "استحلالا". وتاليا عينات منها في ثلاث مناطق مختلفة.

هدر دماء و"استحلال" بحمص

أغلب العائلات التي هجرت من حمص لم تحمل من أمتعتها سوى القليل( غيتي-أرشيف) 

 

علاء الدين عرنوس

مهدت حادثة مقتل طارق ممدوح الأحدب ورفيقه فاضل في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2011، خلال مظاهرة سلمية بضاحية حمص الجنوبية، لأولى عمليات "الاستحلال". لجأت لجان موالية للنظام من حي الأرمن ذي الغالبية العلوية يومها إلى تهديد أسرة طارق ومطالبتها بمغادرة الحي خلال 24 ساعة، تحت ذريعة الحؤول دون أي رد فعل انتقامي محتمل من قبل أسرة طارق.

يتذكر طلال -شقيق طارق الأكبر- خلال اتصاله بمنزل عائلته، نبرة السيدة المتهكمة التي طالبته بعدم الاتصال مجدداً، "ظننت أنني أخطأت الرقم أو أنه استبدل، قبل أن أكتشف أن أخي قتل خلال المظاهرة، وطردت أسرتي من البيت الذي قطنته أسرة من قرية كفرنان".

ويمضي طلال قائلا "لم يمضِ على ذلك التاريخ بضعة أسابيع حتى فرغت الأحياء العلوية من السكان السنّة واستحل النظام بيوتنا بعد هدر دمائنا".

كاسر العلي
وفقاً لروايات العديد من الشهود الذين تحدثت إليهم الجزيرة نت، فإن كاسر العلي -وهو من أبرز القياديين في مليشيا الدفاع الوطني المقربة من النظام بحمص- والشيخ في الطائفة العلوية حسن الحكيم، أقرا منذ أيام الثورة الأولى مبدأ "استحلال" منازل السنة في الأحياء العلوية.

تقول مصادر محلية للجزيرة نت إن عشرات الشقق في مساكن الشرطة والشماس والسكن الشبابي منحت لرجال كاسر العلي دون صفة قانونية، فضلاً عن منازل تعود لأسر مهجرة في أحياء الزهراء والأرمن.

وتقول مصادر محلية للجزيرة نت إن عشرات الشقق في مساكن الشرطة والشماس والسكن الشبابي منحت لرجال كاسر العلي دون صفة قانونية، فضلاً عن منازل تعود لأسر مهجرة في أحياء الزهراء والأرمن.

وقال شهود إن عناصر مليشيا كاسر العلي "وطّنت" أكثر من ألفين من الأسر المؤيدة لنظام الأسد من قرى وبلدات المشرفة والمخرم وتسنين وكفرنان. وأشاروا إلى أن هؤلاء استقدموا لدعم القوات النظامية خلال الأعمال الحربية في حمص.

يقول محمد ورد المتطوع في الدفاع المدني بريف حمص الشمالي: "استقبلنا في الغنطو وتير معلة عشرات العائلات المهجرة قسراً من أحياء الزهراء والأرمن وجورة العرايس، أغلب تلك العائلات لم يتسن لها أن تحمل شيئاً حتى الملابس".

ويجزم ناشطون من حمص بأن أي عودة جماعية للسكان الأصليين في أحياء حمص القديمة لم تسجل بعد انسحاب قوات المعارضة منها بتنسيق أممي. ويعتبر محمد ورد في هذا الصدد حديث إعلام النظام عن عودة المدنيين إلى أحياء حمص القديمة "ليس إلا استهلاكاً إعلامياً، ويمكنكم أن تحصوا ما يزيد على ألف عائلة مهجرة في بلدات الريف الشمالي لا تجرؤ أساساً على العودة".

عند سؤال أدهم عرنوس عمن يقيم في شقته بحي القرابيص في حمص، قال إنه "لم يعد هناك أحد من أبناء الحارة بعد دخول القوات النظامية لأحياء حمص ذات الغالبية السنية". وعما إذا كان ما زال يحتفظ بصك ملكية منزله، يجيب "لم يخطر ببال الكثيرين اصطحاب أوراق ملكيتهم وهم تحت تهديد الموت أو الاختطاف، بينما دمرت آلاف الوثائق المؤرشفة في السجل العقاري خلال المعارك

ورداً على سؤال حول الوضع الحالي للأحياء القديمة كجورة الشياح والخالدية، يجيب ورد: "تهدم ما هدّم، ووزعت العقارات السليمة والمتضررة جزئياً بين شبيحة شحادة ميهوب وكاسر العلي (من قيادات اللجان الشعبية بحمص) كما يوزع الميراث".

وعند سؤال أدهم عرنوس عمن يقيم في شقته بحي القرابيص في حمص، قال إنه "لم يعد هناك أحد من أبناء الحارة بعد دخول القوات النظامية لأحياء حمص ذات الغالبية السنية". وعما إذا كان ما زال يحتفظ بصك ملكية منزله، يجيب "لم يخطر ببال الكثيرين اصطحاب أوراق ملكيتهم وهم تحت تهديد الموت أو الاختطاف، بينما دمرت آلاف الوثائق المؤرشفة في السجل العقاري خلال المعارك".

السجل العقاري
وكان أدهم قد غادر مدينته خلال ذروة المعارك في حمص، لكنه قبل ذلك كان أحد الشهود العيان على قصف دائرة السجل العقاري بحمص المجاورة لمبنى البلدية مطلع يوليو/تموز 2013. واتهم ناشطون في المعارضة السورية وقتها القوات الحكومية  بتعمّد تغيير الطبيعة الديمغرافية للمحافظة الأكبر مساحة بين المحافظات السورية.

وأكد أدهم للجزيرة نت أن دائرة السجل العقاري وسط حمص دمرت بالكامل خلال قصف الحي، مشددا على أنه "إذا كان الطابو (وثائق الملكية) هو الوسيلة القانونية الوحيدة لإثبات الملكية، فقد صارت رمادا".

يقيم أدهم منذ أكثر من سنتين في منطقة نهر أبو علي بطرابلس متواريا عن أعين الأمن اللبناني نظرا لوضعه القانوني كلاجئ غير شرعي. ويقول للجزيرة نت حول إمكانية العودة إلى منزله في ضوء أيِّ حل عسكري أو سياسي: "أظن أن نظام الأسد لم يترك لنا كسوريون خياراً للتعايش، حمص بشكل خاص تحتاج إلى اتفاق طائف مشابه للبنان ووزارة مهجرين في أي حكومة مقبلة".

المزة 86.. لرجال مخلوف

تهجير منهجي
جمعية البستان لمؤسسها رامي مخلوف حولت أعضاءها إلى ميليشيا متخصصة بالتهجير

علاء الدين عرنوس

يعرف رامي مخلوف خارج سوريا بأنه ابن خالة الرئيس بشار الأسد، وأنه رجل أعمال واسع النفوذ لأسباب تتعلق بملكيته شبكة الهاتف النقال الرئيسية "سيرياتل".

وبينما تربط تقارير وزارة الخزانة الأميركية مخلوف بملفات الفساد، يسعى هو داخليا إلى نفي هذه الصورة، لذلك قام في نهاية 2011 بإنشاء جمعية غير ربحية تدعى "البستان الخيرية"، تتخذ من ساحة العروس بالمزة 86 مقرا رئيسيا لها، لكن أنشطة هذه الجمعية -كما اتضح فيما بعد- سارت باتجاه آخر.

فقد اهتمت الجمعية باستقطاب سكان مناطق ريف الساحل السوري القادمين إلى دمشق  وحولتهم إلى ما يشبه المليشيات الداعمة للقوى الأمنية في العاصمة، ومع الوقت تحولت هذه الجمعية إلى أداة لتنفيذ عمليات التهجير القسري و"الاستحلال".

يتحدث صهيب (اسم مستعار) عن رحلة سكان الساحل القادمين إلى دمشق وما يقومون به تجاه السوريين الآخرين تحت غطاء جمعية البستان الخيرية. يقول: "في بداية 2012 أقام المئات من عناصر الشبيحة في السكن الجامعي التابع لجامعة دمشق، قبل أن يبدأ توطينهم في أحياء المزة 86 والمزة مدرسة وعش الورور، في البيوت التي أجبر سكانها من الطائفة السنية على مغادرتها".

يضيف صهيب -وهو مدرس لغة عربية ومعتقل سابق لدى فرع الأمن العسكري 2150- إن  "بعض الأصدقاء من الأكراد وصلتهم رسائل تهديد بضرورة مغادرة منازلهم ومحالهم التجارية، بينما مارست جمعية البستان كل أشكال الترهيب للعائلات غير المرغوب بإقامتها في منطقة علويين أقحاح"، على حد تعبيره.

استنادا لشهادات العديد من المهجرين، لجأت جمعية البستان منذ مطلع عام 2012 إلى توطين نحو 250 فردا مع أسرهم من الطائفة العلوية في منازل "مستحلة" تعود ملكيتها لعائلات سنية، وتتوزع  هذه المنازل على أحياء المزة جبل.

وفي واقعة تثبت ما قاله صهيب، يقول محمد أبو الوليد -وهو من أبناء حي الميدان بدمشق- إن  أشخاصاً مسلحين أجبروه على التنازل عن حقوقه في عقد إيجار طويل الأمد لمقهى "سبورت كافيه" المعروف في المزة جبل.

وفي شهادتين مماثلتين لاثنين من سكان  حي المزة 86، لجأ أبو هارون الحسن -وهو عنصر أمن مطرود من الخدمة يعمل في جمعية البستان- إلى استقدام أسرتين من ريف حمص في 31 ديسمبر/كانون الأول 2012، تبين أنهما أسرتا أخويه اللذين التحقا خلال فترة وجيزة بالجمعية ذاتها.

وباستثناء عائلات قليلة من السنة والأكراد المحسوبين على النظام، لم تبقِ جمعية البستان على أي أسرة من الطائفة السنية داخل المزة 86، تخوفا من أي أعمال تستهدف مقارهم أو منازلهم، وفي المقابل أُحلت عائلات علوية نازحة من مناطق ذات غالبية سنية في البيوت التي هجّر أصحابها.

 

ممكنات الحل في سوريا

 
للقراءة إضغط على الصورة

دور إيران وحلفاءها

لقراءة المقال إضغط على الصورة

</

الاقتصاد بمواجهة الأزمة

من الجزيرة

 


أخبار

 سوريا تدخل عصر " الظلام" بسبب الحرب

المرصد السوري : 210 آلاف قتيل في أربعة أعوام

التدفئة تقتل ثلاثة أطفال سوريين بلبنان

 غارات النظام على الغوطة تقتل أسراه لدى المعارضة

برلمانيون فرنسيون يلتقون بالأسد وباريس تتنصل

 استخبارات أميركا : أزمة سوريا تزعزع استقرار المنطقة

مقتل قيادي بتنظيم الدولة بريف دمشق

 المعارضة السورية تقصف أحياء بالعاصمة دمشق

دمشق تبدأ تدمير منشآت أسلحتها الكيميائية

تنظيم الدولة يعلن إسقاط طائرة للتحالف بدير الزور

الأسد حذر إزاء نتائج حوار موسكو 

 

تقارير

في الرقة .. لا فرق بين سجون النظام وتنظيم الدولة

مراقب إخوان سوريا : التحالف الدولي يحارب الإرهاب بانتقائية

اتهامات للمعارضة السورية بالتقصير خلال العاصفة الثلجية

فلسطينيو سوريا محور اهتمام مؤتمر فلسطينيي أوروبا ببرلين

الانفلات الأمني يضرب أحياء حمص الموالية

رتيان السورية .. مسرح قتل واغتصاب

رستم غزاله..أقاله النظام أم صفاه؟

 في حي جوبر الدمشقي .. يموتون بالقصف والجوع

في الحسكة السورية .. لامكان للعرب

النصرة وحزم.. خصوم الأسد يتناحرون

حزب الله السوري .. ذراع إيرانية بسوريا ما بعد الأسد

حلم مغادرة سوريا مشقة وكلفة

الحصار والكيميائي يسببان ولادات مشوهة بغوطة دمشق

عائلة حلبية وهبت نفسها للثورة

هكذا أقنعت البريطانيات الثلاث بالهجرة إلى الدولة الإسلامية


برامج

 

الانتهاكات بسوريا هل تدرج بلائحة الإبادة الجماعية ؟

 المنطقة العازلة بشمال سوريا .. الدوافع والسياقات

سوريا .. لاحسم على الأرض ولا أفق للتسوية

العلويون في سوريا .. ضحايا النظام أم أنصاره؟

سوريا .. المهمة الأخيرة

أصل الإرهاب في سوريا النظام أم تنظيم الدولة ؟

عزمي بشارة : سوريا بحاجة إلى تسوية والعراق مشكلة معقدة

الخلافات بين الجماعات المسلحة في سوريا

أهداف معارك القنيطرة وانعكاسها على سوريا وإسرائيل

 الجزيرة تكشف أدلة جديدة على مجزرة الكيميائي في سوريا

 

مقالات

 ما طبيعة الحل في سوريا ؟

 ماذا يحصل في جنوب سوريا ؟

أي مستقبل للبعث في سوريا ؟

فلسطينيو سوريا وقوارب الموت

سوريا من الدكتاتورية إلى الثورة

ثورة سوريا .. استعصاء وفوضى وأسلمة

مطاردة الحل السياسي في سوريا .. أي حل ؟

سوريا .. ثلاث سنوات من الثورة

تركيا وسوريا .. حسابات الخسارة بعد أمل بالنصر

هل انتصرت إيران في سوريا ؟

نقاط الانعطاف في مسار الصراع بسوريا

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك