مقدمة

 

منذ تدخل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الحاسم نهاية أغسطس/آب الماضي وإتاحتها هجرة آلاف اللاجئين الفارين إلى بلادها شهدت القارة الأوروبية إجراءات ومواقف غير متوقعة في إطار ردود أفعال بعض حكوماتها على تدفق اللاجئين إلى أراضيها.

فقبل أيام قامت النمسا وألمانيا والمجر وسلوفينيا والسويد بخطوات لإعادة فرض رقابة على الحدود، أو نصب سياجات لضبط تدفق المهاجرين، وهي خطوات أثارت هلع رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك ودفعته للتحذير في 12 نوفمبر/تشرين الأول الجاري من انهيار معاهدة شنغن.

وقبلها ببضعة أسابيع احتج رئيس حكومة المجر فيكتور أوربان على نظام الحصص الإجباري لتوزيع طالبي اللجوء على دول الاتحاد الأوروبي، معتبرا أنه قد "يسبب أزمة ديمقراطية في القارة لأن القرار بشأنه اتخذ "دون أن يأخذ في الاعتبار الرأي العام".

أتى ذلك بعد أن تصدت حكومة أوربان ذاتها وجيش بلاده قبل شهرين لموجة اللاجئين الراغبين في عبور أراضيها باتجاه ألمانيا، معيدة الاعتبار -لأول مرة منذ انهيار المعسكر الاشتراكي عام 1989- إلى عهد الأسلاك الشائكة التي تفصل دول أوروبا عن بعضها، وسبق ذلك اعتبار أوربان ذاته قضية اللاجئين "مشكلة ألمانية" لا أوروبية وهو ما ردت عليه ميركل بالقول إن بلادها تفعل في تصديها للمشكلة "ما هو أخلاقي وقانوني".

وتكريسا لهذه السياسية التي بدأت باضطهاد المجر للاجئين وقمعهم ثم الحيلولة دون دخولهم، لم تقبل سلطات المجر المختصة في 12 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري منح حق اللجوء إلا لاثنين من أصل 4848 لاجئا شاءت أقدارهم أن يتواجدوا على أراضيها.

ورغم تفاوت الدول الأوروبية في إنفاقها وحسن استقبالها للاجئين وسياساتها المتضاربة حيالهم فإنها تحركت جماعيا نحو دول القارة السمراء وتركيا بحثا عن حلول للأزمة المتوالية فصولا، فتعهدت في قمة مالطا الأوروبية الأفريقية بإنشاء صندوق بـ1,8 مليار يورو هدفه مكافحة "الأسباب العميقة للهجرة"، ثم واصلت تحركها باتجاه تركيا سعيا للحد من تدفق اللاجئين من سواحلها،رغم الجدل الأوروبي الذي أثارته بشأنهم ،هجمات باريس الدموية.

التغطية التالية تلقي الضوء على المسالك المعقدة وغير المتوقعة التي دخلتها دول الاتحاد الأوروبي في تعاملها مع قضية اللاجئين، وهي تتابع تطورات الأزمة بالأنفوغراف والتقرير والمعلومة والتحليل.

مسار الأزمة

video

 

منذ مطلع العام الجاري شهدت دول الاتحاد الأوروبي تدفقا غير مسبوق للاجئين إلى أراضيها، حيث وصل عددهم بحلول 12 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري إلى ما يزيد عن 849 ألفا، حسب أحدث تقرير للمنظمة الدولية للهجرة.

وكانت طرق العبور بحرا من سواحل تركيا المطلة على بحر إيجة، إلى شواطئ الجزر اليونانية القريبة، هي أكثر طرق العبور تفضيلا من قبل اللاجئين، الذين كانت غالبيتهم العظمى تخوض مغامرة السفر الخاصة بها على متن قوارب مطاطية خفيفة أو قوارب متهالكة.

وبما أن دول أوروبا الغنية كألمانيا والسويد وهولندا هي الجهة المفضلة لطلب اللجوء، فقد بدأ الساعون إليها من اللاجئين يحاولون -ولأول مرة- الوصول إليها برا من اليونان. وهو ما يعني رحلة طويلة تتطلب عبور أراضي مقدونيا وصربيا ثم المجر ومنها باتجاه النمسا وصولا إلى جنوب ألمانيا.

وتسلطت الأضواء على أزمة اللجوء مع امتناع مقدونيا في مطلع أغسطس/آب عن تسهيل عبور اللاجئين عبر أراضيها، في خطوة ما لبثت أن تراجعت عنها. وأخذت القضية بعدها العالمي مع انتشار صور الطفل السوري الكردي على سواحل تركيا.

بعدها تواصل تدفق اللاجئين عبر أراضي صربيا إلى المجر التي كانت قد بدأت ببناء جدار من الأسلاك الشائكة بطول 170 كيلومترا للحيلولة دون مرورهم.

جانب من جدار الأسلاك الشائكة الذي أقامته المجر على حدودها مع كرواتيا (الأوروبية)

وكان الجدار المجري هو ثاني جدار يبنى بعد البلغاري الذي أقيم قبل ذلك بعامين على الحدود مع تركيا بطول 130 كيلومترا، إلا أن اللاجئين لم يكونوا بصدد استخدامه نظرا لأن بلغاريا على خلاف المجر، ما زالت خارج فضاء شينغن.

جدار المجر
وبعد استكمال المجر بناء جدارها في 15 سبتمبر/أيلول 2015 وإقرارها قوانين تجرم اللاجئ الذي يجتاز الحدود من دون إذن، تحولت موجة اللجوء بالتدريج من الحدود الصربية المجرية شمالا إلى الحدود الصربية الكرواتية غربا. حيث كان اللاجئون يواصلون رحلتهم إما إلى المجر أو كرواتيا للوصول إلى سلوفينيا فالنمسا ومنها إلى ألمانيا.

في 4 سبتمبر/أيلول أعلنت مجموعة فيسغراد -التي تضم تشيكيا والمجر وسلوفاكيا وبولندا- رفضها لمبدأ إلزامية الحصص في توزيع اللاجئين على دول الاتحاد، وهو ما يتناقض مع موقف ألمانيا وفرنسا وبلجيكا التي دفعت باتجاه استيعاب 160 ألف لاجئا جديدا.

وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول أغلقت المجر حدودها مع كرواتيا، وأقامت جدارا أمنيا عليها لمنع دخول اللاجئين، بعد أن كان 170 ألفا منهم قد عبروا إليها عبر هذا الطريق حتى أواسط سبتمبر/أيلول.

وفي مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري قامت النمسا وألمانيا والمجر وسلوفينيا والسويد بخطوات لإعادة فرض رقابة على الحدود، أو نصب سياجات لضبط تدفق المهاجرين، وهي خطوات أثارت هلع رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك ودفعته للتحذير في 12 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري من انهيار معاهدة شنغن.

جاء ذلك بعد أن أعلن وزير الداخلية الألماني توماس دي مدزير نهاية أكتوبر/تشرين الأول إعادة العمل باتفاقية دبلن 3 التي كان العمل بها قد علق قبل ذلك بشهرين لإتاحة وصول اللاجئين إلى أراضي ألمانيا.

بالتوازي مع تدفق اللاجئين سعى قادة الاتحاد الأوروبي لإيجاد حلول للأزمة التي تتوالى فصولها في ظل انقسام في الموقف الأوروبي تجاه سبل العلاج.

ففي 4 سبتمبر/أيلول أعلنت مجموعة فيسغراد -التي تضم تشيكيا والمجر وسلوفاكيا وبولندا- رفضها لمبدأ إلزامية الحصص في توزيع اللاجئين على دول الاتحاد، وهو ما يتناقض مع موقف ألمانيا وفرنسا وبلجيكا التي دفعت باتجاه استيعاب 160 ألف لاجئا جديدا.

صندوق
وتضمنت الحلول التي طرحتها المفوضية الأوروبية على هذا الصعيد مقترحات بينها إنشاء صندوق لمساعدة الدول المحيطة بأوروبا على استيعاب اللاجئين والتخفيف عن كاهل الدول المضيفة عبر إتاحة فرصة العمل لطالب اللجوء أثناء النظر في طلبه.

وفي إطار تنفيذ المقترح الأول عقد زعماء الاتحاد الأوروبي والبلقان قمة طارئة ببروكسل يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول، أضيفت إلى اتفاق على خطة من 17 نقطة لمواجهة تدفق اللاجئين أسميت "الإعلان المشترك". ومن أبرز الإجراءات والبنود التي تضمنها الإعلان، تبادل المعلومات يوميا، وتقارير عن حركة التنقل على طريق البلقان الغربية، ومنع انتقال اللاجئين من بلد الى آخر من دون إطلاع البلد الثاني.

 وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 عرض الاتحاد الأوروبي على الدول الأفريقية، في قمة مشتركة بالعاصمة المالطية فاليتا، القبول بعودة مواطنيها -الذين يسلكون طرق الهجرة غير النظامية- مقابل زيادة الاستثمارات فيها.

"دبلن" وآلية التوزيع الجديدة

video

 

معاهدة دبلن هي اتفاقية دولية تتمحور حول فحص طلبات اللجوء داخل دول الاتحاد الأوروبي، وأهم قاعدة فيها هي اختصاص الدولة الأولى التي وصل إليها طالب اللجوء في معالجة طلبه، لكن تدفق اللاجئين خلال الشهور الماضية دفع البرلمان والمفوضية إلى إقرار إجراءات عاجلة وغير ملزمة بخصوص توزيع اللاجئين بين دول الاتحاد.

وقعت اتفاقية دبلن في 15 يونيو/حزيران 1990 من قبل الدول الـ12 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي آنذاك، ودخلت حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر/أيلول 1997.

ثم اعتمدت اتفاقية دبلن2 ثم تبعتها -بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي- اتفاقية دبلن3 المعتمدة منذ الأول من يناير/كانون الثاني 2014، وتعد هذه الاتفاقية سارية المفعول أيضا داخل دول لا تتمتع بعضوية الاتحاد الأوروبي هي سويسرا وآيسلاندا وليشتنشتاين.

بموازاة فحص طلبات اللجوء تضمن الاتفاقية تبادل موظفي الإدارات المتخصصة في قضايا اللجوء بين الدول الأعضاء للتعرف على الوسائل التنظيمية وإمكانيات الدعم المتبادل ولتسهيل التعاون

وتضمن معاهدة دبلن لكل أجنبي وطأت قدماه أرض دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي فحص طلب اللجوء الذي يتقدم به، وهي تتيح تفادي قيام طالب اللجوء بتقديم طلبات متعددة في دول مختلفة بفضل نظام بصمات الأصابع المخزنة في قاعدة معلومات أوروبية.

تبادل الموظفين
وبموازاة فحص طلبات اللجوء تضمن الاتفاقية تبادل موظفي الإدارات المتخصصة في قضايا اللجوء بين الدول الأعضاء للتعرف على الوسائل التنظيمية وإمكانيات الدعم المتبادل ولتسهيل التعاون.

 وأقر البرلمان الأوروبي مؤخرا الإجراءات العاجلة التي اقترحها رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر لتحسين توزيع أعداد اللاجئين على الدول الأعضاء واقتراحه إنشاء آلية توزيع دائمة.

وصوت نواب البرلمان لصالح اقتراحات يونكر باستقبال 160 ألف طالب لجوء سيتم نقلهم من اليونان والمجر وإيطاليا، بالإضافة إلى آلية توزيع دائمة وملزمة للتعامل مع حالات الطوارئ في المستقبل، وتمت الموافقة على القرار غير الملزم بأغلبية 432 صوتا مقابل 142، فيما امتنع 57 برلمانيا عن التصويت.

وقال البرلمان الأوروبي في بيان إن "أعضاء البرلمان رحبوا بالاقتراح الجديد للنقل الطارئ للمزيد من طالبي اللجوء من ايطاليا واليونان والمجر، بالإضافة إلى آلية التوزيع الدائمة".

ودعا البرلمان إلى عقد مؤتمر دولي يجمع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة ودولا عربية في محاولة لإنهاء أخطر أزمة تواجهها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

الممرات الثمانية

الخلاف ومواضيعه

video

 

محمد عيادي

تسبب تدفق آلاف اللاجئين على أوروبا، خلال العام الجاري، في خلافات بين دولها حول كيفية التعامل معهم، ومعالجة التحديات التي يطرحها استقبال أمواج بشرية في غالبيتها هاربة من بلدان تفتقد الأمن والاستقرار مثل سوريا والعراق.

ألمانيا بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل، تزعمت التوجه الذي دافع عن استقبالهم وتقسيمهم بين الدول الأوروبية بنظام الحصص، وأيدها رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر وقال "هي مسألة إنسانية تتعلق بكرامة الإنسان أولا، وبالنسبة لأوروبا هي أيضا مسألة العدالة" وطالب دول الاتحاد الأوروبي بتقاسم استقبال 160 ألف لاجئ، وتعزيز سياسة عودة المهاجرين واللاجئين إلى بلدانهم.

وبينما أبدت السويد مرونة كبيرة في التعامل مع اللاجئين في المرتبة الثانية بعد ألمانيا، بقي موقف فرنسا وبريطانيا ضبابيا مترددا من نظام الحصص، لكن اكتشاف شاحنة الموت أو العار بالنمسا نهاية أغسطس/آب 2015 والتي كانت محملة بقرابة سبعين جثة للاجئين من بينهم أطفال، وصورة الطفل السوري إيلان وهو غريق قبالة سواحل تركيا، صدما العالم وجعلا باريس ولندن توافقان على استقبال عشرين ألفا من اللاجئين لكل منهما.

لم يفلح لقاء براغ الثاني في نفس الشهر (22 سبتمبر/أيلول) في تبديد تلك الخلافات أو التقليل منها، حيث أعلن وزير خارجية بولندا غريغورز شيتينا أن دول التشيك ولاتفيا والمجر وبولندا وسلوفاكيا ورومانيا ما يزال ترفض نظام الحصص لتوزيع اللاجئين الذي أقره البرلمان الأوروبي

وتزعمت المجر التوجه المتشدد في استقبال اللاجئين، والدانمارك بدرجة أقل. وتفجر الخلاف الأوروبي بوضوح في اجتماع براغ بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بالأسبوع الثاني من سبتمبر/أيلول 2015، حيث رفضت كل من المجر (هنغاريا) وبولندا وسلوفاكيا والتشيك والدانمارك ورومانيا خطة المفوضية الأوربية بتقاسم دول الاتحاد 160 ألف لاجئ، وهو ما رحبت به المفوضية السامية للاجئين بالأمم المتحدة.

مراقبة العدد
وطالبوا بأن تراقب كل دولة العدد الذي تقدر على استقباله من اللاجئين. وترجمت المجر الرفض لقرارات أعلنها رئيس وزرائها  فيكتور أوربان، كتجريم الدخول للبلاد بطرق غير قانونية، واعتقال جميع المهاجرين الذين يعبرون الحدود بشكل غير نظامي، ونشر سياج شائك إضافي (بعد الشريط مع الصرب)على طول 41 كيلومترا من الحدود البرية مع كرواتيا خاصة بعد الاختلاف معها ومع سلوفينيا حول كيفية استيعاب موجة اللاجئين.

ولم يفلح لقاء براغ الثاني في نفس الشهر (22 سبتمبر/أيلول) في تبديد تلك الخلافات أو التقليل منها، حيث أعلن وزير خارجية بولندا غريغورز شيتينا أن دول التشيك ولاتفيا والمجر وبولندا وسلوفاكيا ورومانيا ما يزال ترفض نظام الحصص لتوزيع اللاجئين الذي أقره البرلمان الأوروبي. لكن القمة المصغرة والطارئة  في بروكسل، يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2015، نجحت في التخفيف من أثر تلك الخلافات باتفاق زعماء الاتحاد الأوروبي والبلقان على إعلان مشترك تضمن خطة من 17 نقطة لمواجهة تدفق اللاجئين.

بين ميركل وأوربان

الخلاف ومواضيعه
أوربان: اللاجئون من ثقافة مختلفة(رويترز-أرشيف)
 

 تبرر ألمانيا دفاعها عن استقبال اللاجئين، باعتقادها أنها مشكلة كبيرة وتحدٍ لأوروبا وأزمة لا تقل عن أزمة الديون اليونانية، وأن اللاجئين يشكلون قيمة مضافة اقتصادية للبلدان التي تستقبلهم ومنها ألمانيا، خاصة في ظل تقدم أعمار مواطنيها وقلة الفئة الشابة، كما أشار إلى ذلك زيغمار غابرييل نائب ميركل مشيرا إلى محاذير تغير البلد في المستقبل، لكنه تمنى أن يكونا تغيرا إيجابيا.

واستماتت ميركل في الدفاع عن خيار بلدها، في مقابلة مع القناة الثانية بالتلفزيون الألماني ضمن برنامج بشأن الهجرة بعنوان "وماذا الآن، يا سيدة ميركل؟" يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2015. وردا على سؤال بشأن ما إذا كان قد طرح موضوع سياستها المرحبة باللاجئين لاختبار ثقة في مؤتمر حزبها (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) بداية ديسمبر/ كانون الأول 2015، فقالت "الأمر لا يتعلق بمسألة ثقة، وإنما بأنني أقاتل بالفعل من أجل السير في الطريق الذي أتصوره صحيحا". وأضافت "أود أن تظهر ألمانيا بصورة جيدة، وأعتقد أن  بإمكاننا فعل ذلك" مشيرة لأهمية حماية كرامة كل شخص يواجه خطرا.

وجاء دفاع ميركل عن سياستها وسط مخاوف يروجها اليمين المتطرف، من خلال صحافته، من اجتياح اللاجئين لألمانيا وأوروبا، وتساؤلهم عن عدم لجوئهم عند أبناء دينهم المسلمين ولغتهم، وهو التساؤل المبني على جهل وتجاهل لاستقبال دول إسلامية كتركيا لعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، واستقبال دول عربية كذلك للاجئين سورين من قبيل لبنان والأردن.

الهوية

دفاع ميركل عن سياستها جاء وسط مخاوف يروجها اليمين المتطرف، من خلال صحافته، من اجتياح اللاجئين لألمانيا وأوروبا، وتساؤلهم عن عدم لجوئهم عند أبناء دينهم المسلمين ولغتهم

وعلى عكس ميركل ومن أيدها، برر رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، رفض بلاده تدفق اللاجئين على أوروبا وتبنيها سياسة إغلاق الحدود في وجههم أو ضبطها بتهديدهم الجذور المسيحية والهوية الثقافية للقارة العجوز لأن أغلبهم من المسلمين.

وفي مقال له بصحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ، قال أوربان "أليس الموضوع برمته مثيرا للقلق" مطالبا بعدم نسيان أن اللاجئين "ممثلو ثقافة مختلفة في العمق". وتساءل "أليس من المقلق أن الثقافة المسيحية بذاتها في أوروبا لم تعد قادرة على إبقاء أوروبا في نظام القيم المسيحية أصلا؟".

وذهب رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو في نفس الاتجاه بقوله إن بلاده لن تخضع لسياسة برلين، لأنها لا تريد الاستيقاظ لتجد خمسين ألف شخص على أرضها لا تعرف عنهم شيئا. ويروج اليمين المتطرف أن سياسة استقبال اللاجئين قد تحول الأوروبيين لأقلية في قارتهم، وأن تتسبب في اختراق إسلاميين "متطرفين و"خلايا إرهابية" وسط اللاجئين، وبالتالي الوصول لأوروبا.

وجاءت هاجمت باريس مساء الجمعة 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، التي خلفت مقتل 132 وإصابة أكثر من 350 شخصا، لتطرح تحديات على مناصري سياسة استقبال اللاجئين، مقابل استغلال اليمين المتطرف لها لدعم رأيه الرافض لتلك السياسة، مع أن الهجمات المذكورة قد تؤثر على واقع الأوروبيين المسلمين والجالية المسلمة بالقارة العجوز، فكيف باللاجئين؟ وفق رأي بعض المراقبين.

درجات الاستجابة

تركيا مفتاح نجاح المعالجات

 تركيا مفتاح نجاح المعالجات
ميركل قالت إن الأوروبيين لن يتمكنوا من حل مشكلة اللجوء بدون مساعدة تركيا(الفرنسية)

 محمد عيادي

في قمة مصغرة طارئة لم تستغرق أكثر من ثماني ساعات في بروكسل يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2015، اتفق زعماء الاتحاد الأوروبي والبلقان على خطة من 17 نقطة لمواجهة تدفق اللاجئين. وسمي الاتفاق بالإعلان المشترك، أقره رؤساء دول وحكومات كل من ألمانيا والنمسا وبلغاريا وكرواتيا واليونان والمجر وهولندا ورومانيا وسلوفينيا والسويد وألبانيا ومقدونيا وصربيا.

 ومن أبرز الإجراءات والبنود التي تضمنها الإعلان تبادل المعلومات يوميا، وتقارير عن حركة التنقل على طريق البلقان الغربية، ومنع انتقال اللاجئين من بلد إلى آخر من دون إطلاع البلد الثاني.

 كما أقر الإعلان عن تحسين ظروف استقبال المهاجرين، واستقبال 100 ألف مهاجر حتى نهاية العام 2015، تستقبل منها اليونان 30 ألفا بمساعدة من مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين، ويستقبل 20 ألفا لدى عائلات أو في مساكن مؤجرة بتمويل من المفوضية. فيما يستقبل الـ50 ألفا الآخرون بالتنسيق مع الأمم المتحدة على طول طريق البلقان، وبتعاون ودعم من المؤسسات المالية الدولية كالبنك الأوروبي للاستثمار والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.

 ونص الإعلان المشترك على مواجهة تدفق المهاجرين، والحرص على تسجيل أكبر قدر ممكن من بياناتهم بالتعاون مع الوكالات الأوروبية لتبادل المعلومات، ومضاعفة جهود ترحيل المهاجرين الذين لا يحتاجون لحماية بالتعاون مع الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود (فرونتكس)، وتحسين إدارة ضبط الحدود من خلال خطة عمل بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. ولأجل ضمان حسن تنفيذ بنود الإعلان، نص الأخير على مراقبة تطبيق التزامات أطرافه مرة أسبوعيا بالتنسيق مع المفوضية الأوروبية.

 ورهنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نجاح الإجراءات المذكورة بحرص أوروبا على إظهار أنها قارة تضامن وقيم، ومساعدة تركيا، وقالت إن "زعماء الاتحاد الأوروبي لن يقدروا على حل أزمة اللاجئين دون مساعدة تركيا"، وأضافت "لن نحل مشكلة اللاجئين تماما، نحتاج إلى أشياء أخرى منها إجراء المزيد من المحادثات مع تركيا في هذا الشأن".

 

 قمة مالطا أثمرت اتفاقا على تأسيس الصندوق الائتماني لقضايا الاستقرار والهجرة في إفريقيا (الأوروبية)

واعتبر عدد من المراقبين ومنظمات تعنى باللاجئين أن هذه الإجراءات لا تحد من المشكلة، وأن الاتحاد الأوروبي مطالب بالسعي لإيجاد حل للأزمة الإنسانية في سوريا وغيرها من الدول المصدرة للاجئين كإريتريا والصومال وغيرها.

وفي هذا السياق عقد الأوربيون بفاليتا عاصمة مالطا يوم الأربعاء 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، قمة مع ممثلي أكثر من 35 دولة أفريقية وممثلي منظمات إقليمية ودولية معنية بقضية المهاجرين لمعالجة أسباب الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، بعدما قرروا إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية. وسعوا لإقناع القادة الأفارقة باستعادة مواطنيهم مقابل حصولهم على مساعدات، ومشاريع تخلق فرص عمل تغنيهم عن التفكير في الهجرة. لكن سعيهم قوبل بالتردد، لمراهنة تلك الدول الأفريقية على التحويلات المالية، ومطالبتها بتطوير قنوات الهجرة القانونية، الأمر الذي باتت القارة العجوز لا تتحمله.

 وبعد يوم من المحادثات توصلت قمة مالطا لاتفاق على تأسيس الصندوق الائتماني للاتحاد الأوروبي من أجل قضايا الاستقرار في أفريقيا والهجرة غير المنظمة والمهجّرين من مناطقهم بمبلغ قيمته 1.8 مليار يورو، ستموله دول الاتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا. وأكد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك على ذلك، ودعا لتقديم مساعدات مالية لمن سماهم بالشركاء الأفريقيين للحد من حركة الهجرة إلى أوروبا.

 ويضاف الصندوق المذكور لصندوق آخر سمي بـ"صندوق الاتحاد الأوروبي لدعم السوريين"، حيث يراهن الأوربيون على استغلال عائدات الغرامات والرسوم الجمركية غير المتوقعة للاتحاد الأوروبي المقدرة بـ2.3 مليار يورو لتمويلهما دون أي جهد مالي إضافي.

 وقد جاءت قمة مالطا بعد إعلان المفوضية الأوروبية عن عدد اللاجئين المحتمل وصولهم إلى أوروبا حتى نهاية العام 2017، ويقدر بثلاثة ملايين شخص. وتبقى كل إجراءات ومساعي الاتحاد الأوروبي المذكورة بدون أي فاعلية أو تأثير إذا لم تنخرط فيها تركيا، لأنها باتت مفتاحا مهمها للأوروبيين في معالجة أزمة اللاجئين، ولذلك يدرسون عقد قمة طارئة بشأن الهجرة في بروكسل مع المسؤولين الأتراك يوم 22 من الشهر الجاري، ولتشجيع أنقرة أعلنت ألمانيا في قمة مالطا اعتزامها تقديم 534 مليون يورو معونات لتركيا ضمن حزمة المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لإعانتها على مواجهة أزمة اللاجئين السوريين. وتقترح المفوضية الأوروبية تقديم معونات مالية إلى أنقرة تصل قيمتها الكلية إلى ثلاثة مليارات يورو بين العامين 2016 و2017.

صندوق مالطا.. بميزان صومالي

 تركيا مفتاح نجاح المعالجات
وزير داخلية الصومال: صندوق مالطا لا يحل المشكلة من جذورها(الجزير نت)

 قاسم سهل- مقديشو


للحد من موجات هجرة الأفارقة من بلدانهم إلى الشمال، وإلى دول الاتحاد الأوروبي بالتحديد، ومكافحة الأسباب الجذرية للهجرة، تبنت قمة مالطا الأوروبية الأفريقية يوم 12 نوفمبر/تشرين الأول 2015 فكرة إنشاء صندوق بقيمة 1.8 مليار يورو لمعالجة الظاهرة، وهو إجراء يشك مسؤولون صوماليون ومراقبون في نجاعته.

واعتبر وزير الداخلية الصومالي عبد الرحمن محمد حسين المبادرة الأوروبية بإنشاء صندوق لمعالجة مشكلة الهجرة في أفريقيا بحد ذاتها خطوة في الاتجاه الصحيح "غير أنها غير كافية" نظرا لضخامة الظروف المحيطة بـ 23 دولة أفريقية تعاني من مشكلة هجرة مواطنيها إلى أوروبا.

وقال حسين للجزيرة نت إن تبرعا بهذه القيمة لا يحل جذور المشكلة ولا يوقف الهجرة. ودعا إلى الاستثمار المباشر في البلدان الأفريقية وإنشاء مشاريع ضخمة وتنموية تخلق فرصا أكثر للعمل على غرار ما تفعله الصين في أكثر من بلد أفريقي، مضيفا أن ذلك يصب في صالح تحسين الظروف المعيشية للمواطنين الأفارقة، الأمر الذي يجبرهم نهاية المطاف على البقاء في بلدانهم.

 عمر طلحة:يجب معالجة كل حالة إفريقية على حدة (الجزيرة نت)

ووصف الوزير النهج الصيني بأنه أكثر نجاعة من الإجراءات الأوروبية التي ترتكز على تبرعات مالية محدودة لا يعرف المدى الزمني الذي تصل من خلاله إلى المستهدفين، وما تغيره من وضعهم المعيشي ما يساعد في تفاقم مشكلة الهجرة وتدفق مزيد من الأفارقة إلى أوروبا.

ترحيب مبدئي
من جانب آخر، وصف النائب محمد عمر طلحة مبادرة إنشاء صندوق للحد من مشكلة الهجرة في أفريقيا بـ "الأمر المرحب به مبدئيا" مشددا على وجوب أن تسبقه دراسة عميقة وتشخيص أسباب وجذور المشكلة التي تتفاوت من بلد إلى آخر.

وأوضح  طلحة أن هناك من لجأ إلى الهجرة بدافع من الصراعات وعدم استقرار والحرب المشتعلة في وطنه، بينما هناك من يهجر بلده لغياب العدالة واستشراء الفساد ودكتاتورية الحكم، بينما يعاني بعض السكان في أفريقيا من فقر مدقع وندرة بالموارد وغياب التنمية وغيرها.

واعتبر أنه من غير المنطق فرض حل واحد على كل هؤلاء لعلاج مشكلة الهجرة، بل تجب معالجة كل حالة على حدة.
 
الأمر الآخر -وفق رأي النائب- أن هناك اعتقادا سائدا بأن بعض الدول الأوروبية تساهم في خلق ذرائع لهجرة أفارقة كثر من أوطانهم بسبب تدخلها في بعض الصراعات السياسية بأفريقيا. واعتبر أن عدم الكف عن تلك التدخلات "سوف يساهم في تفاقم أزمة الهجرة".

مختار هارون عثمان: أوروبا لم تساعد بإقامة نظام بديل في ليبيا(الجزيرة نت)

وفي وجهة نظر مماثلة لرأي طلحة،  يرى الباحث بمركز مودرن للدراسات مختار هارون عثمان أن الغرب هو الذي يشجع الأفارقة على الهجرة إلى أوروبا وأميركا من خلال دعمه للأنظمة الدكتاتورية بأفريقيا وخلق أزمات سياسية تجبر جيل الشباب الأفارقة على التوجه إلى الشمال بحثا عن معيشة أفضل. وأضاف أن هدف الغرب من تشجيع هجرة الشباب هو "استغلال الموارد المتنوعة التي تتمتع بها الدول الأفريقية ".

استعمار جديد
ورأى عثمان في هذه السياسة "استعمارا جديدا أكثر فتكا من الاستعمار الذي قاد إلى احتلال معظم الأراضي الأفريقية أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن العشرين". وقال إنه "استعمار يجعل المواطن الأفريقي يتكل على المساعدات التي تأتيه من الغرب وليس بعرق جبينه".

وأشار إلى أن ليبيا على سبيل المثال تشكل البوابة الرئيسية لعبور الأفارقة إلى أوروبا، وأن نظامها أُسقط بمساعدة من الغرب، لكنه -أي الغرب- "لم يساعد حتى الآن في إقامة نظام بديل يدير البلاد بل تركها تخضع لمليشيات متناحرة حولت البلد إلى وكر لشبكات تهريب البشر".

وختم الباحث "هذا ما يجعلنا نعتقد أن إنشاء صندوق بقيمة 1.8 مليار يورو لا يوقف مشكلة الهجرة" وإنه إذا كانت أوروبا جادة فيجب أن تساهم في تحقيق استقرار سياسي وأمني، وإنشاء مشاريع تنموية في البلدان الأفريقية التي تعاني من مشكلة الهجرة.

تسريع إجراءات الترحيل

 تركيا مفتاح نجاح المعالجات
لاجئو دول البلقان وأفغانستان وباكستان سيكون لهم الأولية بالترحيل(الجزيرة نت -أرشيف)

 خالد شمت

مثل تسريع ترحيل طالبي اللجوء الذين ترفض طلبات لجوئهم في الدول الأوروبية قاسما مشتركا ومحددا رئيسيا في إستراتيجيتين تم التوافق عليهما بشكل متواز داخل الاتحاد الأوروبي وبين طرفي الائتلاف المكون لحكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لمواجهة استمرار تدفق الأعداد الكبيرة للاجئين الوافدين إلى أوروبا والذين تستقبل ألمانيا معظمهم.
 
وضمن الإستراتيجية الأوروبية للتعامل مع أزمة اللجوء الحالية، رحبت المفوضية الأوروبية بمسودة مشروع لوزراء داخلية الاتحاد يدعو الدول الأعضاء إلى زيادة القدرة الاستيعابية لسجونها، لاحتجاز طالبي اللجوء المرفضوين كإجراء يهدف إلى ترحيلهم بسرعة قبل أن يتمكنوا من الاختفاء أو الانتقال إلى دول أوروبية غير الدول التي تم رفض طلبات لجوئهم فيها.
 
وتتضمن هذه الإستراتيجية إنشاء بنك بيانات إلكتروني مركزي لدول فضاء شنغن بحلول العام 2016، يشمل كل بيانات الأشخاص الذين يحظر دخولهم أوروبا، وطالبي اللجوء الذين صدرت بحقهم قرارات ترحيل، والاستفادة من البنك الأوروبي لبصمات أصابع طالبي اللجوء (يورو داك) بترحيل من ترفض طلباتهم، وجعل عمليات ترحيل هؤلاء الأشخاص مركزية بدلا من قيام كل دولة أوروبية بها بشكل مستقل، وتأسيس قسم خاص بالترحيلات في وكالة حماية الحدود الأوروبية(فرونتيكس) التي سيوكل إليها تنظيم وتمويل عمليات الترحيل.
 
إجراءات مشددة
وفي ألمانيا المتوقع أن تستقبل نحو مليون لاجئ نهاية العام الجاري، دخل تشديد إجراءات اللجوء حيز التنفيذ مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري بعد تصديق الحكومة والبرلمان عليها. وتهدف هذه الإجراءات إلى البت في طلبات اللجوء وطلبات استئناف من ترفض طلباتهم خلال أسابيع قليلة يتم بعدها ترحيل المرفوضين.
 
ألمانيا تتوقع استقبال مليون لاجئ هذا العام  (الجزيرة)

وتلزم الإجراءات الجديدة طالبي اللجوء بالبقاء خلال فترة فحص طلباتهم في مراكز الاستقبال الأولية، حتى تتمكن السلطات بسهولة وسرعة من ترحيل الأشخاص المرفوضين بعد رفض استئنافهم.
 
واعتبرت منظمة "برو أزيل" لمساعدة اللاجئين أن الترحيل من خلال هذه الإجراءات يستهدف من لا يستطيعون الهروب من الملاحقة أو المغادرة إلى دولة أوروبية ثانية.
 
وأوضح الأمين العام للمنظمة غونتر بوركهارت أن إجراءات اللجوء الجديدة تسهل إجراءات الترحيل بسرعة ودون إعلان مسبق، وتمكن الشرطة من مفاجأة طالبي اللجوء المرفوضين وإمهالهم وقتا محدودا لجمع أغراضهم والتوجه إلى المطار.
 
وقال بوركهارت في حديثه للجزيرة نت إن تحديد الشرطة في السابق لطالبي اللجوء المرفوضين فترة زمنية معينة لترحيلهم، كان يؤدي إلى اختفاء عدد كبير من هؤلاء الأشخاص.
 
لاجئو البلقان
ويمثل مواطنو دول البلقان أكثرية من لا ترى السلطات الألمانية فرصة لحصولهم على حق اللجوء، وتسعى -وفقا لإجراءاتها الجديدة- إلى ترحيلهم بسرعة من بين 40 ألف شخص توقع الجهاز الألماني المركزي للجوء والهجرة ترحيلهم مع نهاية هذا العام. ويشمل هذا الرقم 11 ألفا تم ترحيلهم منذ بداية السنة الحالية، ونحو 29 ألفا تم رفض طلبات لجوئهم واستئنافهم على الرفض ويتم تمديد إقامتهم لفترات بسيطة، ويتوقع ترحيلهم بسرعة بعد الإجراءات الجديدة لإعطاء مكانهم لباحثين عن حماية قادمين من مناطق الحروب والأزمات.
 
وإلى جانب مواطني البلقان الذين صنفت برلين بلادهم كدول آمنة، ضمت الحكومة الألمانية الأفغان والباكستانيين إلى قائمة من تستهدف ترحيلهم على وجه السرعة، وأعلنت عزمها توقيع اتفاقيتين مع أفغانستان وباكستان لاستعادة البلدين مواطنيهم من ألمانيا. وواجه المسعى المتعلق بترحيل اللاجئين الأفغان انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وحزب الخضر المعارض الذين اعتبروا أن تردي الحالة الأمنية بأفغانستان وعودة حركة طالبان إلى المشهد هناك، يجعل إعادة هؤلاء اللاجئين  إلى بلدهم عملية محفوفة بالمخاطر.
 
عوائق الترحيل
وتواجه عملية ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين بألمانيا بعد تشديد إجراءات اللجوء، عوائق كانت موجودة في السابق، ومنها عدم وجود جوازات سفر لهؤلاء الأشخاص، أو تقدمهم بشهادات مرضية تدلل على احتمال تهديد الترحيل لحياتهم. وأظهرت دراسة أصدرتها الداخلية الألمانية أن 73% من طالبي اللجوء لم يقدموا مع طلبات لجوئهم أي جوازات سفر أو أوراق ثبوتية تحوطا لرفض طلباتهم وخوفا من ترحيلهم.
 
ولمواجهة هذه المشكلة طورت وزارة الداخلية الألمانية نظاما جديدا لتحديد هويات طالبي اللجوء والبلاد التي سيرحلون إليها عند رفض طلبات لجوئهم.

شعبويو السويد إلى الواجهة

 شعبويو السويد إلى الواجهة
اللاجئون الجدد بلغوا 250 ألفا خلال عامين(الجزيرة نت)

جورج حوراني-ستوكهولم

يدفع خطاب حزبي "الديمقراطي السويدي" اليميني المتطرف و"السويدي" المرتبط بالحركات النازية الجديدة، جمهورهما دفعا، باتجاه مزيد من العنصرية تجاه الأقليات المهاجرة حديثا إلى هذا البلد الأوروبي الذي اشتهر عقودا بسياسة الانفتاح والمرونة في استقبال اللاجئين الهاربين من ويلات الحروب والمضطهدين سياسيا.

 وتواجه السويد -بحسب رئيس وزرائها ستيفان لوفين- واحدا من أصعب التحديات في تاريخها المعاصر، ويشهد المجتمع السويدي حالة استقطاب حادة بين مؤيد ومعارض للاجئين. وفي حين آثرت أحزاب اليسار الوسط -وعلى رأسها "الديمقراطي الاشتراكي" الحاكم- وأحزاب يمين الوسط المعارض، عدم الخوض في نقاشات خلافية بشأن الهجرة داخل أروقة البرلمان، تجنبا لأزمة سياسية قد تطيح بالحكومة الحالية، مما يعني الذهاب إلى انتخابات مبكرة تأتي بحزب الديمقراطي السويدي إلى سدة الحكم.

 ومن نافلة القول إن أزمة المهاجرين الأخيرة دفعت الشعبويين إلى الواجهة، فقفز حزب الديمقراطي السويدي -الذي وصف رئيس الوزراء لوفين أنصاره "بالنازيون الجدد"- إلى أعلى هرم الأحزاب القوية اليوم، وبحسب آخر استطلاعات الرأي يستأثر هذا الحزب بأكثر من25 % من أصوات الناخبين.

جمال منيمة : الاشتراكي الديمقراطي يدعم حق اللجوء (الجزيرة)

ويسعى أنصار أحزاب اليمين المتطرف لإيقاف تدفق اللاجئين عبر إطلاق العنان يوميا لتصريحاتهم العنصرية في وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف إثارة المخاوف لدى فئة من الرأي العام من خطر الإرهاب، ولتغيير وجه السويد العرقي من جهة ثانية.

 ضبط الحدود
يشار إلى أن عدد اللاجئين إلى السويد تجاوز خلال العامين الماضيين250  ألفا، وهو ما دفع أحزابا -بينها "المحافظون" و "المعاصرون"- إلى الارتداد عن سياسة الانفتاح المعهودة، بعدما أعلنت الحكومة قرار فرض إجراءات ضبط وتشديد الرقابة على الحدود.

ويؤكد النائب في البرلمان السويدي عن الاشتراكي الديمقراطي جمال منيمنة أن حزبه يقف دوما إلى جانب التضامن الإنساني ومع الحق في طلب اللجوء".

 ودعا في حديث للجزيرة نت دول الاتحاد الأوروبي إلى تقاسم المسؤولية في ما بينها لمواجهة أكبر تحد تواجهه القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، مشددا على ضرورة اعتماد خطط اندماج سريعة وفعالة للقادمين حديثاً. 

 وأبدى منيمنة قلقه من تزايد الهجمات العنصرية، واصفا إياها بالأعمال العنصرية الشنيعة التي لا يمكن للمجتمع السويدي تقبلها أو التسامح معها.

 يشار إلى أن مراكز إيواء اللاجئين في أنحاء مختلفة من البلاد تعرضت خلال العام الجاري لعشرات الهجمات العنصرية ومحاولات الإحراق، مما أشاع أجواء من القلق والخوف لدى الجاليات المسلمة خاصة. وبدأت هذه الجرائم تأخذ شكل الظاهرة السياسية، التي تستوجب بحسب مراقبين مقاربة سياسية أولاً ، قبل فرض سلطة القانون.

يوناس هينفورس: النقاش يتمحور حول التحديات التي تواجه الحكومة (الجزيرة)

الحق باللجوء
ويعزو المحللون أسباب الاحتقان السياسي إلى عدم قيام القوى السياسية بمناقشات عامة شفافة حول سلّم القيم، وعلى رأسها قيم التضامن الإنساني التي تتغنى بها السويد، كما يربطونه بحجم الإمكانات اللوجستية والاقتصادية المتاحة، في ظل مناخ من عدم الاستقرار الاقتصادي، فضلا عن نسب بطالة تجاوزت 10%.

 ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة غوتنبرغ يوناس هينفورس في هذا الصدد إن النقاش يتمحور حاليا حول التحديات التي تواجه الأجهزة الحكومية في توفير مساكن للاجئين وفرص عمل، إذ تجمع كل الأطياف السياسية على أن قدرة استيعاب البلاد لاستقبال اللاجئين وصلت إلى حدودها القصوى.

 وقلل هينفورس -وهو باحث في قضايا سياسات الهجرة والأحزاب- في حديث للجزيرة نت من فرص إحداث تغييرات جذرية على قوانين اللجوء المعمول بها حاليا، والتي تتلاءم مع بنود اتفاقية اللاجئين للأمم المتحدة وعلى القواعد المشتركة للاتحاد الأوروبي؛ فأغلب الأحزاب متفقة على ضرورة الحفاظ على حق الأفراد في طلب اللجوء داخل الأراضي السويدية في مقابل دعم  سياسة أوروبية مشتركة لتعزير الرقابة على الحدود بين دول الاتحاد

 وعن دعوة "الديمقراطي السويدي" إلى إجراء استفتاء شعبي حول الهجرة، رأى أنه من غير المحتمل أن يحدث ذلك في الوقت الراهن، لأن الاستفتاء يستوجب موافقة البرلمان، وهو مما يتطلب إجماعا حزبيا داخله. 

هجمات باريس والجدل حول اللاجئين

هجمات باريس والجدل حول اللاجئين
فرنسيون يقفون أمام مسرح باتكلان الذي شهد الهجوم الدامي قبل أيام(الفرنسية)

شاهر الأحمد

رغم أن موقف الأوروبيين كان متباينا إزاء تدفق اللاجئين إلى القارة العجوز، فإن الهجمات الأخيرة على باريس وتبني تنظيم الدولة الإسلامية لها يعزز موقف التشدد تجاه فتح الأبواب، معتبرين أن مخاوفهم صارت مبررة أكثر من أي وقت سبق.
 
ففي بولندا التي تصنف بأنها معادية لاستقبال اللاجئين، لم ينتظر وزير الشؤون الأوروبية المحافظ كونراد زيمانسكي تسلم مهامه ليعلن أن بلاده لن "تكون قادرة سياسيا" على احترام الاتفاقات الأوروبية بشأن خطة توزيع اللاجئين.
 
من جهته، قال وزير الخارجية فيتولد فاشيكوفسكي إن مئات آلاف اللاجئين السوريين الذين وصلوا أوروبا يمكنهم أن يشكلوا بمساعدة من الأوروبيين جيشا ليعودوا لبلدهم ويقاتلوا في سبيل تحريره.وأكد فاشيكوفسكي أن من شأن هذا أن يوفر على الأوروبيين سيناريو إرسال جنود للقتال في سوريا.

بيغيدا مجددا
 أما في ألمانيا -التي تعد المقصد الرئيسي للاجئين وأكثرها ترحيبا بهم- فقد اعتبرت حركة بغيدا المعادية للإسلام أن تفادي وقوع اعتداءات في البلاد لن يكون ممكنا "ما لم يوضع حد لتدفق طالبي اللجوء وتأمين الحدود كما يجب".
 

مجهولون أشعلوا النار في مخيم كالايه للاجئين شمالي فرنسا (أسوشيتد برس-أرشيف)

كما شهدت البلاد نفسها اعتداءات ضد طالبي اللجوء، مرتكبوها في الغالب من النازيين الجدد واليمينيين المتطرفين.
 
وغيّر ماركوس سودر من الحزب الكاثوليكي المحافظ في بافاريا موقفه إزاء اللاجئين، فقال "من السذاجة القول بعدم وجود مقاتلين يتبعون تنظيم الدولة ضمن اللاجئين".
 
وشدد على أن هجمات باريس غيرت كل شيء، ولم يعد من الممكن السماح بعدم "فرض رقابة" على هذا الموضوع.
 
يأتي هذا في ألمانيا، رغم وجود جهات هناك تبدي تضامنا قويا مع اللاجئين، وأطلقت مبادرات في أنحاء البلاد لمساعدة طالبي اللجوء.
 
وفي سلوفاكيا، ركز رئيس الوزراء روبرت فيكو على "المخاطر الأمنية الهائلة المرتبطة بموجة الهجرة".
 
وفي هولندا، كتب في موقع تويتر النائب غيرت فيلدرز -الذي يتصدر حزبه استطلاعات الرأي في بلاده ويعرف عنه أنه ذو توجهات عنصرية معادية للأجانب خاصة تجاه المسلمين- "أطلب من رئيس الحكومة إغلاق حدودنا فورا".
 
وفي فرنسا وبعد ساعات على هجمات باريس، قام محتجون بحرق مخيم كاليه للاجئين شمالي البلاد. ولم تحدد السلطات بعد السبب الرئيسي للحريق، لكن وسائل إعلام أشارت إلى أنه كان متعمدا وجاء انتقاميا. ويقطن نحو ستة آلاف لاجئ هذا المخيم أغلبهم من سوريا وبلدان شرق أوسطية وأفريقية.
 
وقالت زعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبن إن فرنسا أصبحت معرضة للخطر، ويجب أن تستعيد السيطرة على حدودها الوطنية بشكل نهائي.

حذر وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزيار من "ربط متسرع" بين تلك الهجمات وبين اللاجئين. كما دعت وزيرة الدفاع أورسولا فون دير ليين إلى "ضبط النفس والامتناع عن الخلط بين الإرهاب واللاجئين".


استمرار التعاطف
ورغم تصاعد النبرة ضد اللاجئين، فإن المتعاطفين الأوروبيين معهم لم يتوقفوا عن نشاطهم بمن فيهم مسؤولون في البلاد، وفي هذا الإطار قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود إن دول الاتحاد الأوروبي يجب ألا تنقاد لردود الفعل "الذميمة" الداعية إلى رفض دخول اللاجئين في أعقاب هجمات باريس، مشدداً على أن مطلقي النار مجرمون وليسوا طالبي لجوء.

بالعودة إلى ألمانيا، حذر وزير الداخلية توماس دي ميزيار من "ربط متسرع" بين تلك الهجمات وبين اللاجئين. كما دعت وزيرة الدفاع أورسولا فون دير ليين إلى "ضبط النفس والامتناع عن الخلط بين الإرهاب واللاجئين".
 
أما وزير الخارجية الهولندي بيرت كوندرز، فقد اعتبر أن إغلاق الحدود في وجه اللاجئين "سيخلق وهما بأننا في مأمن، لكن ذلك مجرد خرافة لا تفيد أحدا". وتابع: هذا لا ينفي توخي الحرص ومراقبة اللاجئين للتأكد من انتماءاتهم، مضيفا أن أوروبا واجهت إرهابا قبل موجة اللجوء الكبرى وبعدها.
 
وفي كرواتيا التي أصبحت نقطة العبور الرئيسية للمهاجرين إلى دول البلقان، أعرب رئيس الوزراء زوران ميلانوفيتش عن رفضه الربط بين أزمة اللاجئين وبين الهجمات، وأضاف أن إغلاق الحدود ومد السياج الشائك لن يحولا دون وقوع مآسٍ مشابهة.
 
تجدر الإشارة إلى أنه قد وصل أوروبا أكثر من ثمانمئة ألف لاجئ عبر البحر منذ مطلع العام الجاري، معظمهم سوريون، وتتوقع ألمانيا أن يبلغ عدد اللاجئين الذين ستستقبلهم هذا العام مليون شخص.

أزمة اللاجئين الأفارقة

 

لقراءة المقال اضغط الصورة

من الجزيرة

video


أخبار


أوروبا تنوي عقد قمة مع تركيا بشأن اللاجئين

انتقاد عرض أوروبي بمساعدة إفريقيا مقابل وقف الهجرة

صندوق لمكافحة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا

انتقادات لاعتزام ألمانيا إعادة اللاجئين السوريين

تراجع ترحيب ألمانيا باللاجئين السوريين

مظاهرات معارضة لسياسة اللجوء إلى ألمانيا

ألمانيا تؤكد أنها لم تغير شروط اللجوء للسوريين

أزمة اللاجئين بدأت تضغط على بلدان وسط أوروبا

المجر: توزيع اللاجئين يهدد ديمقراطية أوروبا

انتقاد حقوقي لعزم ألمانيا ترحيل آلاف اللاجئين الآفغان

اليونان تستهدن الانتقاء العرقي للاجئين

ابن رعد: خطاب عنصري قاتل للاجئين


مقالات


 

استقبال اللاجئين بألمانيا دافع إنساني أم مصلحة قومية

ترويض العاصفة الكاملة في أوروبا

أوروبا ومراجعة الحقائق

جذور الانفتاح الألماني

 

تقارير

"اللاجئون" كلمة سر تركيا للبوابة الأوروبية

دعوة ألمانية لإحضار اللاجئين مباشرة من أماكن تواجدهم

برلين تستبعد "لم شمل" اللاجئين السوريين

لاجئون بألمانيا .. خرجوا ولم يعودوا

اللاجئون وجزر اليونان .. "الفائدة" متبادلة

كثافة لاجئين إلى السويد والعنصرية بانتظارهم

في سلوفينيا .. نذر زوال طريق البلقان

برلين .. ساحة مظاهرات لمؤيدي اللاجئين ومعارضيهم

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك