مقدمة

مقدمة

 

منذ ما يزيد عن عام لم تعد جماعة بوكو حرام مجرد منظمة جهادية نيجيرية تنتهج العنف لفرض تصورها للشريعة داخل ولايات شمالي شرقي نيجيريا ذات الغالبية الإسلامية.

فهذه الحركة كانت قد خرجت عمليا من هذه العباءة منذ تسببها في أبريل/نيسان 2014 في استنفار الغرب وأجهزة إعلامه على خلفية إقدام مقاتليها على اختطاف مئات طالبات الثانوية والتلويح بتزويجهن قسرا في إطار الضغط على الحكومة المركزية.

وتبع ذلك أول قمة تعقد في باريس يوم 17 مايو/أيار 2014 لدراسة سبل التصدي لها، برعاية الرئيس فرانسوا هولاند ومشاركة رؤساء نيجيريا والنيجر وبنين والكاميرون وتشاد.

ورغم ذلك، قامت بوكو حرام بما يعزز من قلق الدول المذكورة والغرب الخارج من تجربة استعادة السيطرة على مالي القريبة من يد قوى جهادية مشابهة لبوكو حرام. فوسعت مطلع العام الجاري من نطاق هجماتها لتشمل أراضي النيجر والكاميرون وتشاد، مما دفع تلك الدول للاستنفار وقيادة حملة عسكرية بهدف تحجيم الحركة الجهادية وهزيمتها.

وفي مارس/آذار الماضي أعلن زعيم بوكو حرام مبايعته تنظيم الدولة الإسلامية وزعيمه أبو بكر البغدادي، مما وضع مناطق عمل بوكو حرام في الدول المحيطة ببحيرة تشاد في بؤرة الاهتمام العالمي ومتابعته القلقة لتمدد تنظيم الدولة إلى خارج حدود الوطن العربي.

كما خلقت هجمات بوكو حرام في المنطقة ذاتها حركة نزوح سكاني، إلى جانب استعانة الكاميرون بجيش تشاد لطرد بوكو حرام التي تمددت في أراضيها وأراضي النيجر. ومع حلول صيف عام 2015 كان جيش تشاد وعاصمتها محور الهجمات الانتحارية وغير الانتحارية لهذه الحركة التي ولدت شمال شرق نيجيريا.

ولم يكن بلا دلالة أن تختار بوكو حرام اسم "ولاية غرب أفريقيا التابعة للدولة الإسلامية" لتمهر به  عمليتين انتحاريتين نفذتا أواسط يوليو/ تموز 2015 في قلب العاصمة التشادية. وهو ما دفع هذه الدولة الأفريقية النفطية لاتخاذ إجراءات أمنية غير مسبوقة على أراضيها، في إطار محاصرة امتداد عنف بوكو حرام.

التغطية التالية تعرف ببوكو حرام، وتتابع توسعها في نيجيريا ودول الجوار. كما تعرض متابعة المحللين لموقعها ضمن إستراتيجية التوسع والتمدد التي ينتهجها تنظيم الدولة بزعامة أبو بكر البغدادي.

نيجريا وبوكو حرام .. خارطة الهجمات

حصيلة الهجمات

حصاد بوكو حرام

التسمية.. المقاتلون.. التمويل

video

 

تشكّلت جماعة بوكو حرام في مدينة مايدوغوري شمالي شرقي نيجيريا في العام 2002 بوصفها حركة تغيير اجتماعي. ومن بين مؤسسيها مجموعة من علماء الدين والقادة المحليين الذين ناهضوا الفساد والبطالة وكانوا يتحدثون عن تغيير حياة الناس العاديين في شمال نيجيريا.

وفي توضيح متأخر للالتباس المرتبط باسم الحركة، أصدر معلم سانس عمار نائب زعيم "بوكو حرام" بيانا في أغسطس/آب 2009 رفض خلاله التفسير الرائج لاسم الجماعة قائلا "إن اسم جماعة بوكو حرام لا يعني بأي حال (التعليم الغربي خطيئة)، كما يستمر الإعلام الكافر في تصويرنا، بل يعني أن (الحضارة الغربية محرمة)".

وقال إن "الفارق يكمن في الانطباع الذي يخلفه المعنى الأول الذي يعطي الانطباع بأننا كجماعة نعارض التعليم الرسمي الآتي من الغرب وهو أمر غير صحيح، بل يعني الاسم الحقيقي للجماعة اعتقادها في سمو الثقافة الإسلامية (وليس تعليمها). لأن مفهوم الثقافة شامل يشمل التعليم، ولكن لا يحدده التعليم الغربي".

مناطق الجاذبية
لا يعرف بالتحديد عدد أعضاء الجماعة، لكن الباحث النيجيري فريدون أونوها يقول إنها تجتذب أتباعا في الولايات التسع عشرة المكونة لشمال نيجيريا، إضافة إلى وجود بعض عناصرها في جمهورية النيجر والتشاد والسودان. ويؤكد أن أتباعها هم من الشباب الممتعضين من الحالة العامة للبلد، إضافة للخريجين العاطلين عن العمل، وأطفال الشوارع.

أعمال قتل تورطت فيها الشرطة والجيش في نيجيريا ضد جماعة بوكو حرام (الجزيرة)

ويقود بوكو حرام مجلس شورى من 30 شخصا، أما بالنسبة لمقاتليها فيقول الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير في دراسة نشرت في مارس/آذار الماضي إن أغلبهم من إثنية "الكانوري"، وهي قبيلة كبيرة تشكل أغلبية سكان ولاية بورنو بشمال نيجيريا، ولها امتدادات وفروع بالنيجر والتشاد والكاميرون، ويُقَدَّر عدد الكانوري بـ2.5 مليون نسمة.

وتتفاوت تقديرات المراكز البحثية بشأن عدد مقاتلي بوكو حرام. فمراكز البحث النيجيرية تذكر 30 ألفا، وباحثون من جنوب أفريقيا يُقَدِّرون مسلحي بوكو حرام بـ15 ألفا، ومراكز فرنسية تذكر 13 ألفا، ويذهب مركز شاتام هاوس البريطاني إلى أنهم 8 آلاف، أما بعض التقارير الأميركية فتقدرهم بـ6 آلاف.

تجار وسياسيون
أما بالنسبة للتمويل فيشير ولد الأمير في الدراسة التي نشرها مركز الجزيرة للدراسات إلى أن مصدره سياسيون وتجار بمادغوري عاصمة ولاية بورنو، حيث تأسست الحركة، كما أن سياسيين نيجيريين يتعاطفون معها وكذلك العديد من عناصر الشرطة في العاصمة أبوجا، وفي بعض ولايات الشمال.

وتشير الدراسة إلى أن الحركة بدأت منذ مواجهتها الشاملة مع الجيش عام 2013 تفرض ضرائب على المواطنين القاطنين بالمناطق التي صارت تحت سيطرتها في الشمال النيجيري، وأن الحركة تلقت فدى مالية كبيرة مقابل إطلاق سراح بعض المختطفين الغربيين، وأنها إلى جانب ذلك تدير -حسب تقارير متعددة- شبكة لتهريب البضائع في المنطقة.

أبو بكر شيكاو..غامض وعنيف

 أبو بكر شيكاو..غامض وعنيف
شيكاو تعلم العربية في مدرسة دينية محلية في نيجيريا(أسوشيتدبرس)

 

أحمد سباعي- فضل عبد الرزاق

عاد أبو بكر محمد شيكاو زعيم "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد" المعروفة إعلاميا باسم بوكو حرام، من الموت أكثر من مرة بعدما أعلنت السلطات النيجيرية مقتله في مناسبات مختلفة.

ودخل أيضا رئيس تشاد إدريس ديبي على خط هذه القضية ليعلن في 12 أغسطس/آب الماضي أن الحركة اختارت خليفة لشيكاو, وذكر أن هناك شخصا يدعى "محمد داود" حل محل شيكاو ويريد التفاوض مع الحكومة النيجيرية. إلا أن شيكاو خرج بعد أيام من تصريح ديبي في تسجيل صوتي منسوب له ينفي مقتله أو تنحيه.

على خلاف الزعيم الأول للجماعة محمد يوسف الذي عمل في العلن وأمام مرأي ومسمع السلطات كانت فترة زعامة أبو بكر شيكاو لجماعة بوكو حرام كلها عملا سريا خالصا، وتمكن أثناءها من نقل الجماعة من جماعة محلية لا تملك قدرات يعتد بها في العمل المسلح إلى جماعة يملك أفرادها خبرة في القتال واستخدام التكنولوجيا الحديثة،

ولكن من هو هذا الرجل الذي تصفه الإدارة الأميركية بأنه من "أخطر الإرهابيين العالميين" ورصدت سبعة ملايين دولار مقابل معلومات تدل على مكانه؟

ولد أبو بكر في قرية "شيكاو" بولاية "يوبي" الواقعة قرب الحدود مع النيجر والمصنفة أفقر ولايات نيجيريا.
تعلم في المدارس الدينية المحلية في نيجيريا، وأجاد اللغة العربية وكان يلقي بها خطاباته إلى جانب بلغة الهوسا، وهي اللغة التي يتحدث بها أغلب المسلمين في نيجيريا الذين يتحدر معظمهم من هذه القبيلة. كما يتحدث الرجل لغة الكانوري أيضا، وهي قبيلته التي ينتشر أفرادها في ولاية يوبي وأجزاء من ولاية برنو .

استلم أبو بكر شيكاو قيادة الحركة عام 2009 بعد مقتل زعيم الحركة محمد يوسف وسبعمئة من أتباعه في حملة أمنية شنتها الحكومة النيجيرية بعد أربعة أيام من خوض الجماعة أولى هجماتها المسلحة على المقار الأمنية في مايدوغوري.

على خلاف الزعيم الأول للجماعة محمد يوسف الذي عمل في العلن وأمام مرأي ومسمع السلطات كانت فترة زعامة أبو بكر شيكاو لجماعة بوكو حرام كلها عملا سريا خالصا، وتمكن أثناءها من نقل الجماعة من جماعة محلية لا تملك قدرات يعتد بها في العمل المسلح إلى جماعة يملك أفرادها خبرة في القتال واستخدام التكنولوجيا الحديثة، إلى أن أصبحت الجماعة جزءا من تنظيم الدولة الإسلامية وتقوم بعمليات في أربع دول هي نيجيريا والنيجر والكاميرون وتشاد.

درس شيكاو الفقه لدى رجال الدين المحليين في مايدوغوري عاصمة ولاية بورنو (محاذية لولاية يوبي)، ثم التحق بكلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية.

شيكاو بايع البغدادي على السمع والطاعة مطلع العام 2015 (الأوروبية)

وسطع نجمه في أبريل/نيسان 2014 عندما ظهر بفيديو يقر فيه باختطاف نحو 300 فتاة من إحدى مدارس البنات.

وقال شيكاو -ضاحكا بصوت مرتفع- إنهم سيعاملون الفتيات "على أنهن سبايا، وسيتم بيعهن وتزويجهن بالقوة". وشغلت هذه القضية العالم الغربي كله الذي تضامن مع مأساة الفتيات.

ويرفض شيكاو التعليم والعادات والتقاليد الغربية، ويتهم القيم الغربية بأنها مسؤولة عن المشاكل في نيجيريا، مثل الفساد المتفشي والفقر المدقع في صفوف السكان.

ويعرف شيكاو بعنفه المفرط، وبأنه زعيم لا يرحم، يتبنى أفكارا متشددة جدا، وبأنه رجل منعزل ومتناقض، ولا يعرف الخوف، ومستعد للتضحية بحياته من أجل معتقداته.

ويشير مراقبون إلى أن بوكو حرام تحت قيادة شيكاو جنحت أكثر نحو التطرف والعنف، وصعدت من وتيرة عملياتها التي خلفت مئات القتلى.

وفي أحد الفيديوهات -التي نشرتها الحركة عقب شنها هجمات في يناير/كانون الثاني عام 2012 وخلفت مئات القتلى والجرحى في مدينة كانو النيجيرية- قال شيكاو "أستمتع بقتل أي شخص يأمرني الله بقتله تماما كما أستمتع بقتل الدجاج والأغنام".

ويستخدم شيكاو -الذي قدرت الخارجية الأميركية عمره بين أواخر الثلاثينيات ومنتصف الأربعينيات- عدة أسماء، بينها الإمام أبو بكر الشيخ، وأبو محمد بكر بن محمد الشيكاوي.

وفي مارس/آذار من العام الجاري بايع شيكاو زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي. وأعلن في تسجيل صوتي منسوب له "مبايعة الخليفة على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر".

خبير: ست فوائد حققتها بيعة البغدادي

خبير: ست فوائد حققتها بيعة البغدادي
أبو المعالي:بوكو حرام يبحث عن ظهير قوي(الجزيرة)

حاوره أحمد الأمين- نواكشوط

ربط الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية محمد محمود أبو المعالي بين مبايعة جماعة بوكو حرام لتنظيم الدولة الإسلامية وبين رغبتها في البحث عن ظهير قوي. وقال إن هجمات الجماعة في تشاد والكاميرون سببها مشاركة البلدين في الحرب على بوكو حرام. وتوقع أبو المعالي في مقابلة مع الجزيرة نت حصول انشقاقات بالجماعة جراء بيعتها لتنظيم الدولة وزعيمه أبو بكر البغدادي.

 تاليا نص الحوار:

: ما الذي يمكن لبوكو حرام أن تستفيده من مبايعة أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين؟ وهل يمكن لهذا التنظيم النيجيري أن يشكل طليعة لتوسع تنظيم الدولة في القارة الأفريقية؟

عموما يمكن القول إن الحركة بإعلان بيعتها وولائها لأبو بكر البغدادي تبحث عن ظهير قوي مثل تنظيم الدولة الإسلامية الذي أثبت قوته وهيمنته في المشرق العربي وبدأ يزحف نحو الغرب بسرعة.

إمكانية توسع تنظيم الدولة في أفريقيا عن طريق هذه البيعة، فمن المؤكد أن خطاب تنظيم الدولة سيكون أقدر على التوغل في أفريقيا مع بوكو حرام، من قدرته على التوغل دونها

وهذه البيعة تحقق لبوكو حرام عدة غايات، فهي تضمن لها الاستفادة من موجة التعاطف العارمة التي يحظى بها تنظيم الدولة في أوساط الشباب الجهادي والشباب المتدين عموما، وتوفر لها الرفع من وتيرة خطابها السابق المبشر والمُمَنِّي بالخلافة الإسلامية، وتنقله من مستوى أمان (تبشير) إلى خطاب يحمل الحالمين بالخلافة إليها كواقع قائم يرفل الناس فيه ويعيشون تحت ظله. كما أنها تمكن الحركة من الانتقال بالشباب الجهادي إلى مرحلة جديدة من الصراع تذكي فيهم من جديد جذوة الحماس للعمل، بعد أن تعبوا من منهج القاعدة وفروعها في الإعداد والتهيئة.

وهذه البيعة أيضا تأتي متسقة مع حالة الانفصام بين القاعدة في مرحلة ما بعد بن لادن، أي القاعدة بقيادة الظواهري، وبين من يمكن أن نسميهم "البن لادنيين" إن صح التعبير، أي الذين يرون في بن لادن رمزا انتهت القاعدة بموته، ولا يرون في الظواهري امتدادا له.

ومن خلال بيعتها لتنظيم الدولة تلتحق بوكو حرام بقائمة نظيراتها في المنطقة التي أعلنت الولاء والبيعة للدولة الإسلامية: (جيش الإسلام في ليبيا، وجناح جماعة التوحيد والجهاد في تنظيم المرابطون بشمال مالي، وجماعة أجناد الخلافة بالجزائر المنشقة عن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي).

ويمكن القول إن بوكو حرام تحولت بهذه البيعة من تنظيم يدين بالولاء لتنظيم آخر (التنظيم الأم القاعدة في بلاد خراسان) إلى ولاية أو جزء من خلافة إسلامية شاملة.

أما بخصوص إمكانية توسع تنظيم الدولة في أفريقيا عن طريق هذه البيعة، فمن المؤكد أن خطاب تنظيم الدولة سيكون أقدر على التوغل في أفريقيا مع بوكو حرام، من قدرته على التوغل دونها، فهي التنظيم الأكثر شهرة في المنطقة والأكبر في القارة مع تنظيم الشباب المجاهدين في الصومال، والأكثر تمرسا والأقدم تجربة.

: توسعت دائرة هجمات بوكو حرام في الشهور الماضية فشملت تشاد والكاميرون، هل من رابط بين هذا التوسع ومبايعة شيكاو للبغدادي؟

أعتقد أن توسع دائرة هجمات بوكو حرام نحو تشاد والكاميرون مردّه الأول هو مشاركة قوات هذين البلدين في الحرب على الجماعة، فضلا عن قربهما جغرافيا من معاقلها، والتداخل الديمغرافي والاجتماعي بين سكان شمال نيجيريا وسكان المناطق الحدودية في البلدين.

ففي تشاد يوجد عشرات من طلاب المدارس الدينية أعضاء في بوكو حرام، وفي الكاميرون والنيجر توجد امتدادات للقبائل المسلمة التي تأسست فيها بوكو حرام، مثل قبائل الهوسا، لذلك ليس عسيرا أن تخترقها الجماعة وأن تتخذ منها شبه حاضنة شعبية هنالك.

ويتسق هذا التوسع مع تحول الجماعة من تنظيم إقليمي يسعى لتثبيت أركانه وفرض نفسه في بقعة معينة إلى جزء من خلافة شاملة غايتها الفتح والتوسع، وهو ما ينقل أنشطة الجماعة من مرحلة الإعداد والتربص والتهيئة إلى مرحلة الشروع في تنفيذ مشروع الخلافة الشاملة، مع ما يقتضيه ذلك من سعي للتوسع والانتشار والهيمنة.

: العمليات الانتحارية والهجمات بالمفخخات التي تقوم بها بوكو حرام داخل نيجيريا تشير إلى أن هناك من ينقل الخبرة والتدريب لهذه الحركة من الخارج، من هي تلك الجهات بتقديركم؟

الهجمات الانتحارية ليست بالجديدة على بوكو حرام فمنذ ميلادها الثاني سنة 2009 بعد المذبحة التي ارتكبها الجيش النيجيري ضدها وضد المتهمين بالتعاطف معها من مسلمي الشمال، ومقتل مؤسسها وإمامها محمد يوسف، انبعثت الجماعة من تحت رماد تلك المذبحة التي زعم الجيش النيجيري أنه قضى عليها فيها، وهو زعم تبين عدم صحته لاحقا. ومع انبعاثها مع إمامها الجديد أبو بكر شيكاو -وهو نائب إمامها المقتول محمد يوسف- ظهرت كقوة ضاربة تشن هجمات عنيفة ومدمرة في مختلف مناطق نيجيريا.

حالة الاحتكاك الشديد التي يشهدها شمال نيجيريا وجنوب النيجر وتشاد بين مؤيدي الفكر السلفي وأتباع الطرق الصوفية خصوصا الطريقة التيجانية في نسختها الإبراهيمية هو احتكاك ولّد تطرفا لدى الطرفين، وإن كان أخذ بعده المسلح لدى السلفيين الجهاديين فقط

وهذا في الحقيقة ليس بالمستغرب، فقد ارتبطت الحركة في وقت مبكر ببعض الجماعات الجهادية في المنطقة ذات الخبرة في مجال العمل المسلح والتفجير والتفخيخ، خصوصا الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية التي تحولت نهاية عام 2006 إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.

وكانت معسكرات المنطقة التاسعة في الجماعة السلفية للدعوة والقتال، أو ما تعرف بمنطقة الصحراء الكبرى، مكانا لتدريب عشرات النيجيريين من أعضاء بوكو حرام، الذين شاركوا في عمليات قتالية ضد جيوش المنطقة خصوصا الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر، وخرّج معسكر الصحراء -الذي أشرف عليه القائد العسكري السابق للجماعة السلفية وأمير الصحراء لاحقا يحيى جوادي- دفعات من المقاتلين النيجيريين ذوي الخبرة في مجال حرب العصابات والتفخيخ والتفجير، فشكلوا وقود الحرب التي تشنها الجماعة في نيجيريا ونقلوا إليها خبراتهم في تلك المجالات.

وهنا ينبغي أن نذكر أن اهتمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال ببوكو حرام -وإن كان بدأ مبكرا- تعزز أكثر بعد توصيات وصلتهم من قيادة القاعدة في بلاد خراسان، أي القاعدة الأم في أفغانستان، إبان المفاوضات بينهم وبينها منتصف العقد الماضي، حيث كان الاهتمام بجماعة بوكو حرام وتأطيرها والتقارب معها في أولوية التوصيات التي حملها موفد القاعدة إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال، في إطار شروط وممهدات الانضمام الذي حصل نهاية عام 2006.

: ركزت بوكو حرام هجماتها على الولايات الشمالية من نيجيريا (كانو، وبورنو، ويوبي) والدول التي تجاور تلك الولايات كتشاد والنيجر، فما دلالة هذا التركيز؟ وما تفسير ندرة الهجمات في الجنوب؟

 أعتقد أن تركيز بوكو حرام هجماتها في شمال نيجيريا وجنوب النيجر وكذلك في تشاد، مرده أولا سهولة العمل في تلك المنطقة باعتبارها حاضنة اجتماعية، فعناصر بوكو حرام -كما أسلفنا- هم في الغالب الأعم من أبناء تلك المنطقة، وولايات كانو وبورني وغيرهما من ولايات الشمال هي التي شهدت ميلاد الجماعة منذ سنوات عديدة. وقد أهلت لهذا الميلاد ظروف كثيرة منها حالة الظلم التي يعاني منها شمال نيجيريا المسلم من طرف الجنوب المسيحي، وهيمنة الجنوب على مقدرات البلاد ومشاريع التنمية في الغالب الأعم.

كما أن حالة الاحتكاك الشديد التي يشهدها شمال نيجيريا وجنوب النيجر وتشاد بين مؤيدي الفكر السلفي وأتباع الطرق الصوفية خصوصا الطريقة التيجانية في نسختها الإبراهيمية هو احتكاك ولّد تطرفا لدى الطرفين، وإن كان أخذ بعده المسلح لدى السلفيين الجهاديين فقط.

أما جنوب نيجيريا فلم يكن بمأمن من هجمات بوكو حرام فقد نفذت فيه هجمات انتحارية، لكنها كانت قليلة العدد نظرا لعدم وجود قاعدة شعبية أو حاضنة، فضلا عن صعوبة التسلل إليه وكذلك صعوبة التخطيط والتنفيذ والانسحاب بخلاف الشمال، أي أنه بالنسبة لهم منطقة مكشوفة.

 تفيد التقارير الإعلامية بوجود منظمات منشقة عن بوكو حرام بينها "الأنصار" المتخصصة بخطف الأجانب، هل يعني ذلك انعداما للأجنحة داخل بوكو حرام؟

 بيعة الجماعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وانشقاقها عن القاعدة سترافقه بالتأكيد انشقاقات لمؤيدي القاعدة وأتباعها داخل الجماعة، خصوصا أولئك المرتبطين بالولاء لتنظيم قاعدة المغرب الإسلامي، والتي لها اليد الطولى في تدريب الجماعة ومساعدتها على التسليح والتأسيس العسكري.

البنية الهيكلية للجماعة لا يعرف عنها الكثير سوى أن هناك مركزية مفرطة في القرار لدى إمامها أبو بكر شيكاو تجعل فروعها وأجنحتها -إن وجدت- لا تتمتع باستقلال القرار كما ينبغي.

لذلك ليس بمستغرب أن يسعى قادة القاعدة في المنطقة لسحب من يدين لهم بالولاء من الجماعة بعد بيعتها تنظيم الدولة، وتأسيس تنظيمات جديدة تدين لهم بالولاء وتحمل أسماء مستقلة كما هو شأن معظم الفروع والجماعات التابعة للقاعدة في شتى أنحاء العالم.

وأعتقد أن هؤلاء المنشقين سيتفادون الاحتكاك والصدام مع جماعة بوكو حرام لبعض الوقت، لكن احتمال الاقتتال في مرحلة من المراحل يبقى واردا، خصوصا إذا حاولت بوكو حرام أن تبقى منفردة بالساحة النيجيرية والمنطقة بأسرها.

أما ما يخص انعدام الأجنحة داخل جماعة بوكو حرام، فالواقع أن البنية الهيكلية للجماعة لا يعرف عنها الكثير سوى أن هناك مركزية مفرطة في القرار لدى إمامها أبو بكر شيكاو تجعل فروعها وأجنحتها -إن وجدت- لا تتمتع باستقلال القرار كما ينبغي.

غير أن التوسع المحتمل للجماعة بعد بيعتها تنظيم الدولة سيفرض عليها مراجعة هيكلتها وتعزيز اللامركزية في القرارات غير الكبيرة وغير المصيرية، فربما على سبيل المثال ستكون للساحة التشادية قيادتها وللساحة الكاميرونية قيادتها وكذلك الساحة في النيجر، تتخذ كل قيادة قراراتها بعد المستطاع من التشاور مع القيادة المركزية، لأن طبيعة البنية التنظيمية لمثل هذه الجماعات وحجم الضغط الممارس عليها دوليا وإقليميا، بفعل الحرب العالمية على ما يسمى الإرهاب، يفرضان عليها تخفيف القبضة على الفروع والخلايا لتمكينها من العمل، ومراعاة صعوبة التنسيق المحكم والتشاور الدائم والمتواصل بين القيادة المركزية وتلك الفروع المفترضة أو المحتملة.

دبلوماسية تشادية خالطها العنف

video

فضل عبد الرزاق-إنجمينا

عندما لجأت جماعة بوكو حرام عام 2009 إلى العنف ردا على مقتل مؤسسها محمد يوسف، لم يكن هنالك ما يؤشر على أن هذا الخيار سيفيض لينتقل بعد سنوات قليلة إلى الدول المجاورة لنيجيريا، وضمنها تشاد.

وقد تحقق ذلك ابتداء من عام 2014 عندما نقلت بوكو حرام هجماتها إلى دولتي النيجر والكاميرون، اللتين تعتبران امتدادا طبيعيا وديمغرافيا لولايات شمال شرق نيجيريا الثلاث التي نشأت الحركة فيها وترعرت.

ورغم مشاركتها بفعالية في الحملة الفرنسية على الجماعات الجهادية في مالي منذ مطلع عام 2013، فقد أظهرت تشاد موقفا مركبا من بوكو حرام. فقد كانت من جهة جزءا من التحالف الدولي ضد الحركة عبر مشاركة زعيمها إدريس ديبي في مؤتمر باريس الذي عقد في مايو/أيار 2014، وأعلنت من جهة ثانية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن وساطة بين بوكو حرام وحكومة نيجيريا، وهو ما نفاه زعيم الحركة أبو بكر شيكاو.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي تبنى البرلمان التشادي قرارا يتيح إرسال جنود إلى الكاميرون ونيجيريا لقتال الحركة، وتم خوض أول مواجهة بين الطرفين يوم 29 يناير/كانون الثاني في بلدة فوتوكول الكاميرونية.

وفي مطلع فبراير/شباط 2015 سيطر الجيش التشادي على بلدة كنبارو شمال نيجيريا بعد تعرضها لغارات عدة من الطيران التشادي ومقتل نحو 30 عسكريا تشاديا. وهي حرب رآها بعض المراقبين وقائية للحؤول دون عبور عنف بوكو حرام إلى الضفة الأخرى من بحيرة تشاد.

محكمة تشادية تقضي بإعدام متهمين بالانتماء لبوكو حرام (الجزيرة)

ولم تمض سوى أيام حتى أتى رد فعل بوكو حرام. ففي 12 فبراير/شباط السابق شنت الحركة أولى هجماتها في منطقة نكبوا على الضفة الشمالية للبحيرة. وأدى الهجوم الذي استهدف معسكرا للجيش ومنزل سلطان المنطقة إلى مقتل عشرة أشخاص.

وفي يونيو/حزيران الماضي نقلت بوكو حرام هجماتها إلى العمق التشادي حيث استهدفت تفجيرات انتحارية متزامنة المديرية الوطنية للشرطة ومقر القيادة العامة للشرطة، مما أدى إلى مقتل 38 شخصا وجرح أكثر من مئة، غالبيتهم من رجال الشرطة.

وفي 29 يونيو/حزيران وقع انفجار في منزل بالعاصمة إنجمينا إثر مداهمة قوات الأمن منزلا يعتقد أن أعضاء بجماعة بوكو حرام كانوا بداخله، وأدى إلى مقتل أحد عشر شخصا بينهم ستة من أفراد الشرطة.
واتخذت السلطات التشادية بعد هذه الهجمات إجراءات أمنية وقائية غير مسبوقة تمثلت في منع ارتداء النقاب وحصر المخالفين لقوانين الإقامة وتبديل نسخ البطاقات الشخصية.

وكثفت السلطات التشادية الحملات التوعوية التي تحض السكان على الإبلاغ عن أي أجنبي قدم حديثا إلى البلاد، لترجيح المسؤولين التشاديين أن عناصر الجماعة الذين ينفذون الهجمات في تشاد هم أجانب قادمون من الدول المجاورة.

وفي رد يعبر عن منتهى الشدة حيال المتهمين بالتورط في الهجمات، أصدرت محكمة تشادية نهاية أغسطس/آب الماضي أحكاما بالإعدام على عشرة أشخاص متهمين بالتورط في هجمات بوكو حرام، ونفذت الأحكام بعيد صدورها.

تحالف البغدادي..بوكو حرام

 

لقراءة المقال اضغط الصورة

مساعي بخاري لاجتثاث بوكو حرام

 

 

لقراءة المقال اضغط الصورة

من الجزيرة

تقارير

بوكو حرام .. الدولة الإسلامية السمراء

 قمة إفريقية على وقع التحديات

الصراعات الدموية .. فجوة بين الواقع وتعاليم الإسلام

محللون بنيجيريا يحذرون من خطر بوكو حرام

برامج


عشاء البيت الأبيض السنوي والتحشيد ضد بوكو حرام

الانتهاكات المرتكبة ضد جماعة بوكو حرام النيجيرية

ابراهيم الحسيني .. قتل  أتباع بوكو حرام

أبعاد المواجهات بين السلطات النيجيرية وبوكو حرام

كتب

بوكو حرام في الحرب غير المقدسة بنيجيريا

مقالات

عولمة بوكو حرام .. رؤية مغايرة

طالبان نيجيريا.. وإشكالية الديني والسياسي

صعود القاعدة في أفريقيا

داعش وأخواتها في أفريقيا

عن دامس.. فرع داعش بالمغرب العربي


أخبار

إعلان الطوارئ بإقليم تشادي لمواجهة بوكو حرام

تشاد تسحب قواتها من الكاميرون

النيجر تقصف مواقع بوكو حرام للمرة الأولى
بوكو حرام تتبنى هجومي تشاد ونيجيريا

تفجيرات بنيجيريا والكاميرون توقع ضحايا

هولاند يبدي استعداده لمواجهة بوكو حرام

رئيس نيجيريا يؤدي اليمين ويتعهد بمحاربة بوكو حرام

بوكو حرام تستولي على جزيرة ببحيرة تشاد

استعادة منطقة من بوكو حرام بشمالي نيجيريا

هجوم مشترك للنيجر وتشاد على بوكو حرام

بنين عازمة على قتال بوكو حرام ومسيرة بالكاميرون ضدها

حشد لقتال بوكو حرام والحركة تتوعد

زعيم بوكو حرام: أنا حي وأدير دولة الخلافة

حصيلة هجوم بوكو حرام بلغت 60 قتيلا

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك