ياسين الكزباري - طوبى / السنغال

يقيم في عاصمة السنغال دكار نصف السنغاليين، أي قرابة ستة ملايين نسمة، وهذا ما جعلها إحدى أكثر عواصم غرب أفريقيا ازدحاما، خصوصا أنها شبه جزيرة يحيط بها المحيط من جل جوانبها، وهذا بالضبط ما جعلني أستغرب حين خرجت فوجدت الشوارع فارغة والمحلات مغلقة، ولم يكن اليوم أحدا، ولا عيد استقلال، ثم زاد استغرابي حين أخبرني صديق بأن اليوم ذكرى نفي الشيخ بامبا إلى الغابون، وأن دكار بزحامها قد انتقلت إلى طوبى.

وبالفعل فقد ذكرت التقديرات لاحقا أن عدد الذين حجوا إلى طوبى في ذلك اليوم (1 سبتمبر/أيلول 2015) قد وصل إلى خمسة ملايين زائر جلهم من العاصمة، وبعضهم جاء من مدن ودول بعيدة.

وعلى بعد عشرات الكيلومترات من طوبى، بدا كأن نهاية العالم أقرب من نهاية الزحام في الطريق. مئات السيارات والحافلات والشاحنات تسير ببطء شديد، تحمل آلاف المريدين المحشورين داخلها صامدين صابرين، وعزاؤهم أنهم في النهاية سيزورون ضريح الشيخ، وربما سيحالفهم الحظ بالحصول على مصافحة مباركة من يد خليفته وربما دعاء منه مستجاب تقضى به حوائجهم.

يعتبر مسجد طوبى من أكبر المساجد في غرب إفريقيا، أما مئذنته فهي الأعلى (الجزيرة)


وكانت بعض الشاحنات تحمل قطعانا من الأبقار والأغنام، لكن معظم الزوار يتخففون من الأحمال، فيحضرون معهم ما تيسر من مبالغ، ويسمونها "هدية" كما تنطق باللغة العربية، وشيوخ الطريقة لا يشترطون للهدية مبلغا محددا، لكن "ما نقص مال من صدقة"، و"يضاعف الله لمن يشاء" وفي هذا يسع المرء تأليف مجلدات من قصص أولئك المريدين الذين بدؤوا من الصفر، ثم صاروا أثرياء بفضل التصدق لطوبى.

السيارات لا تدخل المدينة، وإنما تتوقف خارجها، ويترجل الراكبون ليكملوا الطريق إلى المسجد الكبير على الأقدام. ويبدو الجميع في أحسن حللهم، وجلهم يرتدون ملابس تقليدية ويمسكون في أيديهم سبحهم، لكن قلة منهم يرتدون ملابس غريبة ويعلقون في رقابهم سبحات هائلة الأحجام، وحول أحزمتهم وأذرعهم يعلقون تمائم وصور الشيخ، وقد أخبرنا صديق أنهم "المجاذيب" مضيفا أنهم "غريبو الأطوار، ويأتون بأفعال يعجز عنها الناس الطبيعيين، فبعضهم يصعد شجرة ويسقط منها نفسه فيقع رأسه على الأرض دون أن يتأذى، وآخر يشرب الماء الشديد الحرارة، ومنهم من يأكل الزجاج، وكثير من الناس يعتقدون أنها قدرات تثبت بركة الشيخ وما ينسب له من كرامات وعجائب".

يظهر المسجد مهيبا للزائر قبل أن يصل المدينة، ويقال إنه أكبر مسجد في غرب أفريقيا، وإن صومعته هي أعلى صوامع مساجد أفريقيا جنوب الصحراء، وقد بني قبيل وفاة الشيخ بامبا بفترة قصيرة، لكنه وسع وحسن أكثر من مرة، وغطي كله بالرخام. ولم يكن ضريح الشيخ فيه أول ما توفي، وإنما نقل إليه رفات الشيخ من حيث دفن في مقر إقامته الجبرية، بعدما سمحت السلطات الفرنسية بذلك.

مئات الآلاف من المريدين يقفون في صفوف طويلة ينتظرون دورهم في التسليم على الشيخ بامبا (الجزيرة)


على مقربة من ساحة المسجد، عشرات مكبرات الصوت تنشد أورادا وقصائد الشيخ بامبا، ومئات الشباب يوجهون الجموع لينتظموا في صفوف حلزونية ستصل بهم في نهايتها إلى الضريح، لكن بعد أن يقطعوا وهم في باحة المسجد، مسافة قريبة من تلك التي قطعوها من مدخل المدينة.

يدخل الزوار من باب ويخرجون بعد أن يسلموا على الشيخ ويتبركوا بضريحه ومنهم من يسأله الدعاء لتيسير قضاء حاجة ما، كزواج أو منحة دراسية أو تجارة أو غير ذلك، ثم يسلمون على خليفته، ثم يسلمون الهدية لأمين الصندوق، وهو أحد حفدة الشيخ، ثم يغادرون مبتهجين وقد قضوا ما يكاد يكون لديهم فرضا لا يعذر المسلم بتركه.

سألت أحد الزوار عن المبلغ الذي أهداه إلى المسجد، فكان قرابة عشرين دولارا، ومعظم الزوار يقدمون ما بين عشرة إلى عشرين دولارا، لكن الأغنياء منهم والتجار وأولئك الذين ينسبون الفضل في نجاحهم إلى بركة الشيخ منهم من يقدم سنويا عشرين ألف دولار، أما المليونيرات فمنهم من يقدمون سنويا مئة ألف دولار، ومنهم من يتبرع بالسيارات ومختلف التجهيزات للمسجد وللمدينة، وبعملية حسابية بسيطة سنجد أن مجموع الهدايا التي دخلت صندوق الضريح في هذا اليوم تتجاوز مئة مليون دولار، وهو رقم خرافي بالنسبة إلى اقتصاد السنغال، إذ يشكل حوالي 0.7% من الناتج الإجمالي الخام للبلاد.

تجميع قطعان الأبقار التي وصلت هدايا لطوبى (الجزيرة)


فجأة، توقفت حركة الصف اللانهائي، ثم قيل أن مسؤولا كبيرا جاء للزيارة، ولعله وزير أو نائب الرئيس، ولم آخذ الخبر على محمل الجد، وتأكد لاحقا أن الزائر لم يكن نائب الرئيس، وإنما الرئيس نفسه. ينزل بطائرة عمودية في مطار صغير قرب المسجد، ويصل على وجه السرعة بسيارة خاصة، فيدخل من الباب المخصص لكبار المسؤولين، يسلم على ضريح الشيخ، ثم يسلم على خليفته، ويترك هو الآخر هدية، تكون عادة حقيبة سوداء. ثم يغادر مطمئنا على ملايين الأصوات. هكذا تتم الأمور منذ سنوات.

وبينما يغادر جزء من الزوار، يفضل جزء آخر البقاء ليلة أو بضع ليال، وفي هذه الحالة يبيت الزوار بالمسجد في ضيافة الطريقة، ويمكنكم البقاء شهرا دون أن يمنعهم أحد. فالمسجد مسجدهم، والطريقة طريقتهم، والمدينة كلها مدينتهم.

لكن لطوبى قوانينها الخاصة، فعلى خلاف بقية المدن، الخمر والقمار واللباس غير المحتشم والعلاقات غير الشرعية وأشياء أخرى، كلها ممنوعة، وقد نجحت الطريقة في استصدار قوانين خاصة بمدينة طوبى قبل قرابة ثلاثة عقود، وفي سنة 2013 قررت الحكومة الجديدة أن تجعل ذكرى نفي الشيخ بامبا عطلة رسمية.

في يوم الزيارة تتم التضحية بمئات الأغنام والأبقام لإطعام الزوار (الجزيرة)


وحين سألت مقدم الطريقة في دكار الشيخ شعيب كايبي عن الهدف من هذا التجمع المهيب، قال "لقد أمرنا الله عز وجل بالحج لكي يجتمع المسلمون من كل الشعوب والألوان والألسن، ويشعروا بوحدة أمتهم وعظمتها، ولكن في العهود الماضية، لم يكن يستطيع كل الناس الحج إلى المسجد الحرام، خصوصا في فترة الاستعمار، فجلهم كان فقيرا، وكان من قلة الذين تيسر لهم الحج أن الناس يعظمونهم ويلقبونهم "الحاج". وبعد وفاة ولي الله خادم الرسول بسنين، ارتأى خليفته أن يجعل من ذكرى نفيه مناسبة يجتمع فيها المسلمون في مكان واحد، فتتحقق مقاصد شرعية بإظهار قوتهم أمام الأعداء واستشعارهم عظمتهم ووحدتهم".

وفي طوبى أيضا فرصة للقاءات التجارية، فليس أفضل من أن تتعامل مع مريد مخلص من نفس طريقتك، وأي صفقة أكثر بركة من صفقة تعقد في طوبى؟

غالبنا التعب فالتفتنا عصرا مغادرين، ولم تلبث الشمس -من بطء حركتنا في الزحام- أن غادرت قبلنا وأخذت زرقة الغسق تخيم على كل شيء في السماء، والنجوم الثاقبة تلوح في الآفاق بعيدة فوق خمائل واراها الظلام. أما على الأرض، فلم يبد أن طوبى بأنوارها ومكبرات صوتها الصاخبة تنوي.. أو ينوي أحد من زوارها النوم هذه الليلة.

المصدر : الجزيرة