دعاء عبد اللطيف - القاهرة


توديع ثقل الشتاء لا يمرره المصريون بـ"كلاسيكية" تخفيف الملابس وتخزين المعاطف الثقيلة، بل باحتفال شعبي يستقبلون به خفة نسائم فصل الربيع.

ويسمي المصريون احتفالهم ببداية شهور الربيع بـ"عيد شمّ النسيم"، وهو احتفال ترجع جذوره إلى آلاف السنين -وفق متخصصين- ولهم فيه طقوس خاصة في الأكل وكيفية قضاء اليوم.

ويأتي عيد شمّ النسيم يوم الاثنين بعد يوم واحد من احتفال المسيحيين بعيد يوم القيامة، وهذا العام سيتم الاحتفال به في الثاني من شهر مايو/أيار الجاري.

وفي هذا اليوم -الذي هو عطلة رسمية- تستقبل الحدائق ملايين الأسر المصرية،فينبسط العشب لآباء يرقدون عليه في انتظار مجيء الأبناء، كما تشق صفحة النيل مئات المراكب الممتلئة بضحكات المحتفلين بطقس الربيع المعتدل.

أما الطعام فله قصة أخرى، إذ تزين سلة البيض الملون مائدة إفطار المصريين، إلى جانب العديد من أنواع الفطائر. وعلى الغداء تحضر أنواع مختلفة من الأسماك المملحة، وأشهرها "الفسيخ" الذي يؤكل مع الخس والبصل الأخضر والحمص والطماطم.

بسام الشماع يؤكد أن الفراعنة اخترعوا الفسيخ وأقاموا احتفالات الربيع (الجزيرة)

احتفال قديم
وعن الأصول التاريخية لعيد شم النسيم، يقول عالم المصريات الدكتور بسام الشماع،إن المصريين القدماء عرفوا بشغفهم بإقامة الاحتفالات، فكانوا يحتفلون بستين مناسبة سنويا.

وأوضح -في حديثه لمجلة الجزيرة- أن الفراعنة كانوا يحتفلون في اليوم الأول من كل فصل في السنة، موضحا أن العام كان ينقسم إلى ثلاثة فصول في العصر الفرعوني، وهي: فصل الفيضان ويسمى في الهيروغليفية القديمة "آخت"، وفصل الصيف ويسمى "شيمو"، وفصل الشتاء ويسمى "برت".

وبعض العلماء يؤكدون أن أصل كلمة شمّ النسيم هو كلمة "شيمو" التي كان الفراعنة يطلقونها على فصل الصيف. موضحا أنهم كانوا يتناولون كل الأطعمة التي تعتبر من طقوس الأكل في عيد شم النسيم المعاصر من سمك مملح وغيره، أما البيض الملون فلم يكن له أصل فرعوني، إذ لم يُكتب في البرديات ولم ينقش على المعابد، وفق قول الشماع.

ولفت إلى حضور النيل بشكل دائم خلال احتفالات المصري القديم، موضحا أن الفراعنة كانوا يستقلون المراكب النيلية المزينة بأكاليل الزهور، وهو ما امتد إلى المصري المعاصر حيث يخرج للمتنزهات والحدائق ويستقل المراكب النيلية خلال عيد الربيع.

وعن الأسماك المملحة وهي أشهر ما يميز الاحتفال بشم النسيم، أكد عالم المصريات أن المصري القديم كان لديه فائض كبير من الأسماك، ومنها البلطي والبوري وقشر البياض والرعاد والقرموط، مما دفعه لاختراع طريقة تضمن حفظها من التعفن، فجاءت فكرة تمليحه لضمان صلاحية أكله، وهو ما توارثته الأجيال عن الأجداد.

وفي بحث له عن احتفال قدماء المصريين بشم النسيم، ذكر الخبير الأثري المدير العام لجمعية علوم وأبحاث الأهرام الدكتور عبد الرحيم ريحان، أن الإعلان عن بدء الاحتفال في مصر القديمة كان يتم عبر تجمع أمام الواجهة الشمالية للهرم الأكبر "خوفو" وقت الغروب، فإذا مابدا قرص الشمس قبل غروب ذلك اليوم وكأنه يجلس فوق قمة الهرم، ويشطر ضوء الشمس وظلالها واجهة الهرم إلى شطرين، كان ذلك مؤشر انطلاق الاحتفالات في اليوم التالي.

ولفت إلى اختلاف ترجيحات العلماء بشأن بداية الاحتفال بهذا العيد، فمنهم من أرجعه إلىعام 2700 قبل الميلاد، في أواخرالأسرة الثالثة، ونسبه آخرون إلى عصرما قبل الأسر.

الفسيخ والبيض الملون والبصل الأخضر عادة ما تتزين بهم مائدة المصريين في شم النسيم (الجزيرة)

لقاء العائلة
أما الاحتفال بالربيع، فله أوجه استمتاع أخرى غير اعتدال الطقس عند الكاتبة المتخصصة في شؤون الأسرة فاطمة عبد الرؤوف، التي قالت إن عيد شم النسيم يعد فرصة للعائلات المصرية للقاء لطيف،بعيدا عن صخب زمن العولمة الذي باعد بين أفراد الأسرة الواحدة وجعل لقاء الجميع على مائدة واحدة أمرا نادر الحدوث.

ورغم أن كثيرا من الأسر المصرية تحرص على تناول الأسماك المملحة والبيض الملون يوم شم النسيم، فإن فاطمة أوضحت -في حديثها لمجلة الجزيرة- أن طقوس الأكلفي ذلك اليوم ليست ثابتة في كل أنحاء مصر.

وأضافت أن كثيرا من أبناء الريف المصري يطهون أطعمة أخرى كالبط والحمام والمحاشي وأنواع من الخضروات يتوافق حصادها مع الاعتدال الربيعي.

ولأنه يوم عطلة رسمية، يفضل كثيرمن أهل المدن قضاء شم النسيم في الحدائق والمتنزهات، أما أهل الريف فيخرجون إلى الحقول للاستمتاع باعتدال الطقس بعد فصل الشتاء البارد، كما أوضحت الكاتبة.

وأشارت إلى عدم اعتياد المصريين  على شراء ملابس جديدة في هذه المناسبة كما يفعلون في الأعيادالدينية، أو كما يفعل الإيرانيون مثلا في عيد النوروز، فهم يكتفون فقط بطقوس الأكل والتنزه.

المصدر : الجزيرة