فاطمة سلام - إسطنبول


في تركيا آلاف المساجد، بل إنه بين كل حي وآخر هناك مسجد. لبعضها شهرة عالمية، ولأخرى مكانة مهمة في التاريخ الإسلامي، ولها جميعها عمارتها المميزة التي تجعل من السمة الإسلامية التركية علامة محفوظة ومميزة.

ولعدد من مساجد تركيا قصص تروى، فالتاريخ له ذاكرته التي لا تنسى أو تهمل، بعض هذه القصص ملهم ومشوق والآخر غريب، لكن أشدها غرابة وإلهاما هي قصة جامع "كأني أكلت" أو "Sanki Yedim Cami" في اللغة التركية.

بداية من الاسم الغريب "كأني أكلت" تبدأ قصة الجامع العريق الذي بني في القرن الـ17 الميلادي في العهد العثماني، على يد رجل يدعى "خير الدين كتشيجي أفندي".

يحكى أن هذا الأخير كان يمشي بأسواق إسطنبول في ذلك العهد، ويرى الأطايب معروضة أمامه، وكان يشعر بالرغبة فيها والضعف اتجاهها كما يشعر أي بشر آخر أمام ما يشتهيه، لكن خير الدين لم يكن كغيره.

يبدو المسجد من مظهره الخارجي كبناء سكني إلا أن قصة بنائه جعلته من أشهر مساجد إسطنبول (الجزيرة)



تقول الحكاية إن خير الدين كان يمتنع عن إرضاء نفسه، ويضع ثمن ما اشتهاه من طعام وشراب في صندوق يحتفظ به في بيته، ويربت على بطنه كلما فعل ذلك ويقول في رضا "كأني أكلت" محاولا إقناع نفسه بأنه حصل على ما اشتهى.

يوما بعد آخر وسنة بعد أخرى، تراكمت الأموال في الصندوق، وأصبح بإمكان خير الدين تحقيق الأمنية التي جمع كل ذلك المال لأجلها. لقد كان يريد بناء جامع في منطقة سكنه، وهو ما تم، لكن بمساعدة احتاجها من صديقه محمد شوقي أفندي، وكان من امتنان خير الدين وصديقه وجيرانه أن أطلقوا على المسجد تسمية "كأني أكلت".

ظل المسجد صامدا لعهود بعد ذلك إلى أن أتت عليه الحرب العالمية الأولى، التي نشبت نيرانها سنة 1914م، لكن الأتراك لم يسمحوا بأن يمحى أثره، فأعادوا بناء ما هدم منه وترميمه سنة 1960.

ونحن نتحدث عن جامع "Sanki Yedim Cami" تفد إلى بالك صورة عن جامع كبير بأربع مآذن شامخة، كما هي الحال في معظم مساجد تركيا، لكن المسجد الذي زارته "مجلة الجزيرة" كان جامعا بسيطا جدا في حي "زيريك" بمنطقة الفاتح في إسطنبول، المنطقة التي تحمل اسم السلطان العثماني محمد الفاتح فاتح القسطنطينية (إسطنبول) حيث يوجد الجامع الكبير الشهير بالاسم نفسه (الفاتح).

لافتة وضعت عند باب المسجد تعرف بقصته (الجزيرة)


عمارة جامع "كأني أكلت" لا تجمعها علاقة بالعمارة الإسلامية التركية المعروفة في بناء المساجد، باستثناء مئذنته الوحيدة العالية.

يستوعب الجامع مئتي مصل فقط، وبه جناح لصلاة النساء، وإلى جانب الصلوات المفروضة، تقام فيه خلال شهر رمضان الفضيل صلاة التراويح، لكن المميز فيه أنه يقدم دروسا في القرآن والشريعة والفقه، وضعت إعلاناتها باللغتين العربية والتركية.

يقول عبد الصمد آيدن نائب مفتي منطقة الفاتح في إسطنبول إن "خير الدين كتشيجي لجم اشتهاءات النفس البشرية، ووجهها لفعل الخير، وفي هذا عظة كبيرة".

لقد توفي خير الدين وهدم الجامع بعده، لكن القيم المتينة في الحياة التي بناه لأجلها لم تمت، وما زالت حية صامدة، تقول إن للنفس اشتهاءاتها التي تستعبدها، وقد تحول دون بلوغ الطموحات، لكن النيات الطيبة وقوة الإرادة وشدة العزم تجعل ضبط النفس وتذليل الصعاب لوصول الهدف أمرا ممكن الحدوث، وتقول أيضا إن الفكر الذي ينضح بالشهوات ويسير في سبيلها، يمكنه أيضا أن يمتلئ بالخير ويعمر طريقه.

المصدر : الجزيرة