جورج كدر- تورن/ بولندا


ما يميز دولة كبولندا ليس في نضالها اليوم للحفاظ على إرثها الديمقراطي وهي تصارع جموح اليمين المتطرف العنصري والمتعصب الذي كان أول حزب متطرف في أوروبا ينجح في اعتلاء مقاليد الحكم في البلاد، ولا في علاقتها المتوترة مع عدوها التاريخي روسيا لكونها تشكل فوهة المدفع الأوروبي أمامه، بل يضاف لذلك أنها بلد اعتاد أجواء المآسي والحروب التي لا تفتأ تضرب بسبب موقعه الإستراتيجي وسط أوروبا، ولأنه جسر للصدام بين عدوين لدودين وهما ألمانيا وروسيا، وليس آخرها خسارة بولندا حوالي ستة ملايين قتيل في الحرب العالمية الأولى، وإجهاز الحرب العالمية الثانية على أكثر من 80% من عمارة بعض مدنها، لذلك تلقب بولندا بالعنقاء وهو الطائر الأسطوري الذي يبعث كالنار من تحت الرماد دائما.

بولندا اليوم ورغم إرادة الحياة فيها، لا تزال حزينة يأكلها تطرف حزب اليمين وعنصريته وشبح الفقر أيضا، رغم كونها بلدا جميلا غنيا بموارده وثرواته الحيوانية والزراعية وتراثه وثقافته، وبالأساطير والحكايات الشعبية أيضا.

تحتض بولندا مدينة تورن التي كانت مسقط رأس مؤسس علم الفلك الحديث نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543) الذي ينسب إليه الفضل في أحد الاكتشافات الشهيرة بالتاريخ، وهو نظرية دوران "الأرض حول الشمس" التي زعزعت سلطة الكنيسة واعتمدت مقولة مركزية الأرض في الكون، وكانت تحكم بالإعدام على كل من يخالفها.

اليوم تعتبر تورن شمال البلاد صاحبة مكانة تاريخية كبيرة بالنسبة لأوروبا ليس فقط لكونها مسقط رأس كوبرنيكوس، بل بسبب إرثها "الصليبي" أيضا الذي ما زالت تحتفظ به، كونها كانت إحدى المدن القليلة التي حط بها الصليبيون رحالهم بعد هزيمتهم في الشرق، هذه المدينة يقسمها نهر فيستولا العظيم إلى قسمين، فعلى ضفته اليمنى بنيت المدينة الحديثة، وعلى اليسرى تقوم مدينتها القديمة محاطة بسور على الطراز الصليبي الذي يحتضنها بمعالمها الأثرية.

مطبخ في متحف كوبرنيكوس وتركت فيها الأدوات التي كانت مستخدمة قديما (الجزيرة)


متحف كوبرنيكوس
يتوسط تمثال للعالم كوبرنيكوس وسط تورن شاهدا على إبداعه، نراه واقفا مرتديا زيه الأكاديمي وبيده مجسم للشمس والأفلاك تدور حولها، وفي اليد الأخرى يشير بإصبعه للسماء وعليها عبارة باللاتينية " Terrea motor solis caelique stator" تقول إن الشمس وليس الأرض هي مركز هذا الكون، وهو ما يناقض المعتقدات التي كانت تفرضها الكنيسة حينها.

ويبقى الشاهد الأبرز على إبداعات هذا العالم -الذي يعد أحد المساهمين البارزين في تغيير مسار الفكر البشري- منزله الذي أصبح متحفا تحوي غرفه كل الأدوات الفلكية التي اعتمدها كوبرنيكوس في أبحاثه العلمية وكتبه التي ألفها في علم الفلك. هذا المتحف أصبح أيقونة تورن وبذات الوقت أحد معالم بولندا.

لا يلفت نظر السياح في تورن شيء كما الأكشاك التي تنتشر في طرقات مركز المدينة، فيها تباع الهدايا التذكارية لأزياء الصليبيين: سيوفهم، لباسهم العسكري، معداتهم الحربية، حتى أن طلاب المدارس يقومون نهاية العام الدراسي بجولات سياحية في أرجاء المدينة، نرى كثيرا منهم يرتدون زي الفرسان الصليبيين وهم يتجولون مع أساتذتهم الذين يشرحون لهم تاريخ تورن، ويمكن رؤية بعض النسوة ترتدين الألبسة الفلكلورية البولندية من تلك الفترة أيضا.

سألت صاحبة كشك يتربع وسط المدينة عن سبب انتشار هذه الأكشاك فأجابتني بأن تورن تحافظ على إرثها التاريخي الذي اشتهرت به، فالصليبيون هم الذين أسسوا هذه المدينة وفيها عاشوا، إلى أن تم القضاء على وجودهم، ويمكن مشاهدة آثارهم قائمة إلى اليوم في الأبنية التراثية التي تنتشر في المدينة القديمة.

الحمار النحاسي في ساحة المدينة القديمة وعليه القضيب الحديدي المسطح لعقاب المجرمين (الجزيرة)


الحمار النحاسي
يجاور تمثال كوبرنيكوس وأكشاك بيع التذكارات الصليبية نصب تذكاري أيضا لـ "حمار صب من النحاس" كاستذكار لكل حمير المدينة التي كان لها الدور الأبرز في رصف طرقات المدينة.

تمثال الحمار يتميز بقضيب حديدي مسطح غريب وضع على ظهره يبدو أن مهمته كانت عقاب كل الخارجين عن القانون بالجلوس عليه ونقل الصخور الثقيلة حملا على ظهورهم ثم رصفها في الطرقات.
بحيرة الحظ

تجتذب تورن عددا كبيرا من السياح من كافة أنحاء العالم، ولعل بحيرة الضفادع التي تحيط بعازف كمان تعتبر من أهم المحطات التي تجتذب السياح والأطفال، وتقول الأسطورة إن الضفادع غزت المدينة لدرجة جعلت حياة أهلها صعبة ما أدى لتعطل الحياة في أرجاء تورن نتيجة كثرة الضفادع، فعرض الملك بأن يزوج ابنته الأميرة إلى الشاب الذي سيخلص تورن من الضفادع. وبعد أن عجز أقوى الشباب وأغناهم عن طرد الضفادع والقضاء عليها، تقدم شاب فقير يجيد العزف على الكمان لهذه المهمة، وبفضله فقط تم التخلص منها بعد أن نجح في قيادتها على أنغام كمانه العذبة الشجية إلى نهر فيستولا العظيم حيث سقطت به إلى غير رجعة، ووفى الملك بوعده فتزوج الشاب ابنته وانتقل من بؤسه وفقره ليعيش معززا مع الأميرة الجميلة.

تقول الأسطورة كذلك إن من يمسك بإحدى الضفادع الذهبية التي تحيط بالشاب في بحرة الحظ سيناله الحظ ويحقق كل ما يتمناه.

بحرة الحظ يتوسطها عازف الكمان في تورن لا تظهر لتزاحم الناس حولها (الجزيرة)



جدار كشف الكذب
ليس بعيدا عن بحيرة الحظ، نرى بناء مائلا ينتصب على سور المدينة يقال إن لهذا الجدار مفعول السحر في كشف الكذب، حيث يقوم من سيخضع لاختبار كشف الكذب بإسناد ظهره على الحائط شرط أن يلصق كعبيه أيضا على الحائط المائل، وبعد محاولات متعددة سينجح الأمر، لكن الاختبار لن يبدأ إلا عندما يرفع الخاضع للاختبار يديه للأمام عموديتين مع جسده، وهنا تتعالى موجات الضحك بين الأصدقاء الذي يبدؤون بالتساقط الواحد تلو الآخر، وإذا نجح الشاب بالمحافظة على توازنه فهذا يعني أنه صادق، وإن وقع فهو كاذب. راقبت عشرات الأطفال والسياح ممن حاولوا مرارا أن يتجاوزوا الاختبار ولكن باءت كل محاولاتهم بالفشل.

خلال زيارتي لتورن حرصت على زيارة نهر فيستولا العظيم ومتحف كوبرنيكوس وشاهدت إرث الصليبيين الواضح في عمارتها وسورها الدفاعي وبحيرة الحظ والضفادع، إلا أني رغم ذلك فشلت في اجتياز حائط الكذب، رغم أنني قبل أن أتوجه إليه تأكدت من أني لمست كل الضفادع النحاسية اللامعة في بحيرة الحظ.

صحيح أن تورن نسبت الفضل لحميرها في رصف طرقاتها، وللصليبيين في بنائها، ولكوبرنيكوس في شهرتها، فإنها أيضا تبقى مدينة الأساطير والحكايات الشعبية التي جسدتها في عمارتها وبحيراتها.

المصدر : الجزيرة