ياسين الكزباري - طوبى / السنغال



حافلات "إلى طوبى"، مطبعة "خادم الرسول"، "قهوة طوبى"، "ماء الرحمة"، عقارات "دار السلام"... كثيرة هي المنتجات والشركات التي تحمل أسماء تجارية مرتبطة بشخصيات وأماكن ومناسبات مقدسة لدى الطريقة المريدية في السنغال وما جاورها، وقد اعتقدت طويلا أنها أسماء تسويقية أو على سبيل التبرك وحسب، ثم اكتشفت أنها شركات تعود للطريقة المريدية بالفعل، وأنها تشكل إحدى أكبر المجموعات الاقتصادية المحلية في غرب أفريقيا، وتنشط في مجالات الزراعة والصناعات الغذائية والنسيج والطباعة والعقار والنقل والبنوك وغيرها.

بدأت القصة في الربع الأخير من القرن 19، وكانت فترة مني فيها المسلمون في المنطقة بهزائم عديدة على يد الفرنسيين، فقد كانت موازين القوى متفاوتة جدا، وكانت قبائل المنطقة مشتتة، فلا تكاد تجمع على كلمة حتى تختلف على أخرى، وفي هذا السياق قرر ابن شيخ الطريقة القادرية ومستشار أمير مملكة كيور، أن يؤسس مدينة جديدة ويجعلها نواة مجتمع مسلم نموذجي، وكان اسمه أحمد بامبا، وقد سمى مدينته الفاضلة "طوبى"، وطريقته "المريدية".

لم تختلف الطريقة المريدية عن باقي الطرق الصوفية كثيرا، فقد أذن الشيخ لمريديه أن يتعبدوا بأوراد التيجانية والشاذلية والقادرية، لكن الفرق الجوهري كان في مزاوجته بين العبادة والعمل.

وفي هذا يقول الدكتور مصطفى بوسو الباحث في تراث الشيخ بامبا "لقد رأى الشيخ أن ما يحتاجه المجتمع المسلم في تلك المرحلة، هو التخلص من التبعية الاقتصادية للمستعمر الفرنسي، وتطوير قدرات المسلمين الإنتاجية، وتحصيل القوة الاقتصادية الضرورية لمواجهة الاستعمار الفرنسي وحملته التنصيرية التي تستغل فقر المسلمين وتخلفهم"

صورة تاريخية لإحدى تعاونيات زراعة الفول السوداني التابعة للطريقة المريدية (الجزيرة)


ولم تكن ثقافة العمل قوية مثلما هي اليوم، وعن ذلك يقول بوسو "لقد مضت قرون اعتاد فيها الناس حياة بسيطة، وعيشا سهلا، وكانت فكرة الدولة جديدة نسبيا، ولم تكن الملكية الشخصية تعني أكثر من كوخ وآنية لطهي الطعام وفراش للنوم وملابس بسيطة من جلود الحيوان، لهذه الأسباب لم تكن لدى الناس دوافع قوية للعمل على ضمان "المستقبل"، فمستقبلهم مضمون، ويكفي الخروج للغابة للصيد والتقاط بعض الفواكه".

وكانت عادة المريدين أن يعتكفوا في الزوايا لطلب العلم والتعبد، لكن الشيخ بامبا قصر الاعتكاف على مجموعة من النجباء فقط، ووجه بقية مريديه للقيام بأعمال في نظام أشبه بالتعاونيات، قائلا لهم "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وكانت البداية مع زراعة الفول السوداني الذي كان الطلب عليه كبيرا من المصانع الفرنسية، والذي وفر للطريقة موارد مالية مكنتها من بناء مسجد طوبى الكبير، كما أتاحت لها تقديم خدمات اجتماعية لليتامى والأرامل وتمكين الفقراء من أسباب طلب الرزق من خلال قروض حسنة غير مستعجلة السداد.

ومع مرور السنين، تنوعت مجالات عمل المريدين واتسعت رقعة نشاطهم، كما تطورت خبراتهم وكبرت ثرواتهم، وقد دأب المريدون على أن يتصدقوا بما جادت به أنفسهم للطريقة، فتقوم الطريقة ببناء المساجد وتجهيز المدينة الفاضلة بما تحتاجه من مرافق، كما يعاد استثمار الأموال في مشاريع جديدة.

وقد كلف الشيخ بامبا أحد مريديه الحذقين بإدارة أعمال الطريقة، وكان اسمه آنتا مباكي وقد وصفه تقرير للحاكم العسكري الفرنسي قائلا "إنه مثل رجل أعمال، وليس مثل الشيخ أحمادو بامبا، إنه رجل يسافر كثيرا، يذهب ويجيء، ولديه بيوت في كل مكان، ولديه علاقات مع الجميع".

وخلال فترة الاستعمار، دشنت الطريقة المريدية مشروع بناء مسجد طوبى الكبير، الذي يعد أحد أكبر المساجد في أفريقيا، كما دشنت أكبر مشاريعها بربط مدينة طوبى بسكة الحديد. وحين نالت السنغال استقلالها، كانت الطريقة المريدية تضم مجموعة كبيرة من رجال الأعمال الذين شكلوا إلى جانب غيرهم النخبة الاقتصادية للبلاد.

حقول الفول السوداني، ويعتبر مادة غذائية رئيسية في غرب إفريقيا (الجزيرة)


وأخبرني الشيخ شعيب كايبي، وهو مقدم للطريقة في دكار قائلا "في الستينيات، كان أمادو مباكي، يملك مشروعا زراعيا للأرز، ونسبة من شركة ملح سينسالوم، وكان يدير شركة سيجيني للاستيراد والتصدير. أما باسيرو مباكي فكان يملك شركة فيولمار للبناء، ومودو بوسو كان يملك شركة لتصدير اللبان العربي، ومحمد مرتضى يملك مزرعة للدخن (يعد مادة غذائية أساسية في غرب القارة)".

وحين سألته عن الحجم الاقتصادي لهذه المشاريع، قال "كمثال في الستينيات كان الحاج أبابكر كيبي يملك شركة سيم كيبي للعقار التي تدر أرباحا تقدر بمليون دولار سنويا، وكذلك شركة لاستيراد النسيج برقم معاملات مشابه، وشركة كيبي وإخوانه لتصدير واستيراد المواد الغذائية ومواد البناء برقم معاملات يصل إلى مليوني دولار، وكان يملك أيضا سلسلة فنادق ومجموعة عقارية للفيلات ونسبة من البنك السنغالي الكويتي ومصحة حديثة، وفي سنة 1979 تبرع لمسجد طوبى بمناسبة إحياء ذكرى نفي الشيخ بامبا بمبلغ 160 ألف دولار، وقد كان من المريدين المقربين لشيخ الطريقة".

كما كان من مريدي الطريقة الكبار من احتلوا مناصب مهمة، كالحاج عمر سورانغ الذي كان رئيسا لغرفة التجارة، ورئيس جمعية رجال أعمال السنغال، والأمين العام لغرفة التجارة الإسلامية العالمية، وقد كان نشاطه في مجال النقل. وأسماء كثيرة غير هذه منها بعض أبناء وأحفاد الشيخ بامبا.

وحين سألت المقدم شعيب كايبي عن رأي الإسلام في اغتناء عائلة الشيخ والمقربين منهم من أموال المريدين، أجابني "إذا نظرنا إلى الطريقة على أنها مؤسسة خدمت المجتمع على كل المستويات، في الوقت الذي لم تكن فيه مؤسسات الدولة موجودة، فإنه من الطبيعي أن يكون للقائمين على الطريقة أجر لقاء ما قدموه ويقدمونه".

تسيطر استثمارات الطريقة المريدية على جزء كبير من قطاع النقل في السنغال (الجزيرة)


ثم أضاف "لقد لعبت الطريقة دور صندوق استثماري فأدارت أموال المسلمين، ووزارة التعليم فعلمت أبناءهم، ووزارة الشباب فدربتهم على المهن، ووزارة الشغل فأوجدت لهم الوظائف، ووزارة الشؤون الاجتماعية فكفلت اليتامى والأرامل والعجزة، فكانت أشبه بدولة مصغرة".

ولم تكن المريدية في السنغال الطريقة الوحيدة التي حضت على العمل والإنتاج، ففي شرق أفريقيا في بدايات القرن 16، أسس الشيخ حسن جبرو وكان شيخا للطريقة القادرية مركزا عند بلدة برديوة على ضفاف نهر جوبا، فكانت أول مركز استيطان لجماعة صوفية بغرض زراعة الأرض واستخراج خيراتها.

غير أن المريدية كانت نموذجا من بين نماذج قليلة استطاعت أن تجدد فهمها للتصوف، ليصير مرادفا للعمل والكسب، ونجحت في تأسيس مدينة من الصفر وجعلها مركزا اقتصاديا وثقافيا كبيرا، بعدما استطاعت أن تفلت من خناق الاستعمار، وأن تتجاوز سني الجفاف التي ضربت الزراعة في السبعينات.

لكنها لم تتجاوز بعد المبالغة في إضفاء هالات القداسة على شيخ الطريقة حتى حين يتعلق الأمر بالتجارة، فـ"قهوة طوبى" نسخة أصيلة من تلك التي قدمها الشيخ لمريديه، بعدما أعطاه النبي (صلى الله عليه وسلم) وصفتها، أما ماء الرحمة فهو من عين نبعت من تحت أقدام الشيخ ذات جفاف، وأما الحافلة التي على ناصيتها "إلى طوبى" فعجلاتها مباركة من كثرة الزيارة، فطوبى لراكبها وطوبى لشارب القهوة والماء.

المصدر : الجزيرة