فاطمة سلام - الرحامنة / المغرب



لم يكن يعرف سكان الرحامنة قديما الفروسية أو "التبوريدة" كما تسمى في اللهجة المغربية، مع أنهم كانوا يعتمدون في معيشهم اليومي كبقية سكان السهول والمناطقة المنخفضة على الجياد والحمير، عكس سكان الجبال الذين اعتمدوا على البغال في تيسير التنقل والنقل، وبفضل القبائل الزناتية دخلت الفروسية للمغرب وضمنه الرحامنة.

من حينه مارس سكان القبيلة هذا الطقس بإيمان الحديث النبوي الشريف "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" وبات تقليدا راسخا يفاخرون به، ويقيمون لأجله الولائم، وحاليا المهرجانات، ويخصصون لفرسانه "الخيّالة" الجوائز القيمة ناهيك عن الاحترام المجتمعي الذي يحظون به.

على مائة هكتار من الأرض والحقول الزراعية تمتد قرية أولاد غنام في جنوب قبيلة أو إقليم الرحامنة. بيوتها الطينية متراصة في وداعة العيون الطيبة لأهلها، وتتوسد السهول التي تسير في فلكها دورة حياة فلاحيها.

هذا الانبساط الذي تتمتع به القرية أسوة ببقية قرى الرحامنة جعلها المكان الأنسب لتعلم ركوب الخيل وممارسة "التبوريدة"، ويكون الأمر فيها شبيها بشن هجمات متتالية، حيث تقف في خط مستقيم فرقة من الخيّالة على جيادهم تسمى"السّربة" ينطلقون في الوقت نفسه باتجاه الجانب الآخر الذي يسمى "المجبد" وهو الاسم المحلي للساحة التي تحتضن طقس "التبوريدة"، ويشترط فيها أن تكون ترابية وخالية من الأحجار والحصى حتى يسهل على الفرس التنقل فوقها بسرعة ويسر.

سربة خيالة مختلطة تبين إصرارالرحمانيين على تعلم بناتهم وأبنائهم للتبوريدة (الجزيرة)


وقبل الوصول إلى خط النهاية يطلق الخيّالة بشكل جماعي طلقات من بنادقهم التقليدية التي تملأ بالبارود بأمر من "العلاّم" أي قائد السّربة، وتكون أنجح الجولات تلك التي يفلح بها الخيالة في إطلاق طلقات بنادقهم بشكل موحد ومتزامن، حتى يخيل للمتابع أنها طلقة واحدة.

في قرية أولاد غنام وبعد غياب لسنوات، تجدّد اهتمام الأهالي بالخيل والتبوريدة، فتشكلت خلال السنوات الأخيرة سربة معدل سن خيّالتها لا يتجاوز الـ17 عشر عاما، عدد أفرادها 15 شخصا وعمر العلاّم لا يتجاوز الـ16عاما، وجاء اختياره لكونه الأصغر سنا بعد أن أبدى الخيّالة بعض الاعتراض على فرز اسمه لثلاث مرات في القرعة التي لجأوا إليها في البداية.

وفي السّربة العلاّم هو الأبرز، هو الفطن لحركة الخيل ووجوب التحرك، والمحفّز ومعطي أمر الانطلاق بهذا النداء التاريخي المميز "وا الخيل .. وا المكاحل .. وا البارود" الخيل والبنادق والبارود، ثم يطلق العلاّم شارة الانطلاق وبعدها الرمي، وأيضا يكون العلاّم هو المسؤول عن متابعة الأمور اللوجيستية لتحرك السّربة إلى "مواسم" التبوريدة أي مهرجاناتها الشعبية وإلى غيرها.

في أولاد غنام اشترى بداية أحد سكان القرية الميسورين جوادا، وبدأ ابنه يتعلم "التّحراك" عليه، أي ركوبه بغرض ممارسة التبوريدة، بعد ذلك قام ثلاثة أشخاص آخرين من الساكنة باقتناء جياد من النوع العربي البربري، وهو الأكثر انتشارا في المنطقة، فكوّنوا سربة من أربعة جياد وأربع خيّالة.

إطلاق الفرسان النار في لحظة واحدة هو معيار الفروسية والدقة في المسابقة (الجزيرة)


يحكي عبد الله (17 عاما) لمجلة الجزيرة أن "العدوى أصابت جميع سكان الدوار، فبعدما أصبح ثلاثة من أصدقائي فرسانا، سألني والدي عما إذا كنت قادرا على التّحراك أيضا، وعندما لمس اهتمامي بالموضوع لم يتردد في شراء جواد لي يصلح لهذه الغاية، وهكذا بدأت قصتي مع التبوريدة".

عم عبد الله "مبارك" كان قبل حوالي أربعين عاما واحدا من فرسان القبيلة، وكان يشهد له بعلو كعبه في التبوريدة وتمكنه منها، لكنه ابتعد عن هذا المجال وانقطعت صلته به لأسباب تتعلق بالترحال لأجل العمل، وللسبب ذاته وإكراهات اقتصادية تتعلق بالجفاف الذي ضرب المنطقة انقطعت صلة معظم سكان القرية بالخيل خلال تلك الفترة.

يقول عبد الله "الجواد يكلفني يوميا ما بين 4 و5 دولارات من العلف، تزيد خلال أيام مزاولة التبوريدة، إذ ينبغي أن يتضاعف علف الخيل حينها لتكون في أوج قوتها" ويتعامل مع الأمر بتكفل الجهة الدّاعية لمشاركتهم في المواسم والمهرجانات بتوفير علف الخيل، والبارود للبنادق، ووسائل التنقل للخيل والخيّالة، كما تمنح غالبا ذبيحة لكل سربة مشاركة، تشكّل أساس وليمة للفرسان ومن يرافقهم من أهالي القرية أو القبيلة، هذه الأخيرة التي تجتمع "جماعتها" وتحصّل من الميسورين من السكان المال اللازم لتمويل مشاركة السّربة في المواسم المهمّة في حال لم تتكلف الجهات المنظمة بذلك.

التبوريدة إحدى مظاهر الفروسية التقليدية عند قبائل الرحامنة التي يفاخرون بها (الجزيرة)


الخيل عند الرّحمانيين، عنوان للنبل والشهامة، ووجودها في البيت مبعث بركة للرزق، وإن تم التخلّي عنها لفترة لتوالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الخيل، فالأوضاع اليوم برأيهم أحسن من سابقها، ولا يتعلم ركوبها حاليا أو يمارس التبوريدة الذكور فقط بل الإناث أيضا، يستمدون ذلك من الحديث النبوي "علموا أولادكم ركوب الخيل". وقد أبانت الإناث عن علوّ كعب في هذا المجال جعل منهن عضوات سربات مختلطة، لا فارسات سربة نسائية فقط.

هذا الإصرار وتحفيز الأبناء على ممارسة التبوريدة، جعل من عبد الله اليوم واحدا من الخيّالة المتميزين في سربة أولاد غنام. بدأ ذلك بالتدرب على التحكم في الجواد والتعامل معه خلال السباق، فالتدرب على إمساك البندقية خلال عدو الجواد، ثم إطلاق البارود في اللحظة المناسبة.

وتوّج عبدالله مجهوده ومجهود سربته بالجائزة الذهبية في فئة الفرسان الصغار على صعيد كل التراب المغربي، ضمن مهرجان الفروسية التقليدية دار السلام بمدينة الصخيرات المغربية، وهي أول جائزة وطنية تتوّج بها فرقة للفروسية من إقليم الرحامنة. هي برأي عبد الله "الخير الذي يبذر في طريق الخيل" يقصد بذلك الدعوات الجماعية التي يرفعها الرّحمانيون وكل عشاق التبوريدة، بشكل جماعي، للخيّالة خلال التّحراك، والأشخاص "المولعين" الذين يرافقون السّربات خلال تنقّلها بين المواسم ليبذروا القمح عند أقدامها "داعين لها وللخيّالة ومغنين أيضا، ومتمرّغين في التراب الطّيب الذي جعل الأرض والعباد على هذه الفطرة".

المصدر : الجزيرة