فاطمة سلام - الرحامنة /المغرب

في القرن الحادي والعشرين حيث يصنع البيع والشراء أون لاين ثروات ضخمة، وحيث يبتكر في أساليب التقدم للزواج وعقد القران وتنشط الأحداث واللقاءات الاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، مازالت تقام الأسواق الأسبوعية في المغرب، للبيع والشراء المباشر والطازج لكل ما تحتاجه الأسر لمدة أسبوع، وللقاءات الأصدقاء وأبناء العمومة والغرباء أيضا، حيث يشاع السلام وتدفأ الأحاديث دون هواتف ذكية، ومازال عقد القران يجري في الأسواق ذاتها، على الأغلب عند العدل "العدول" نفسه الذي كتب ربما عقد قران نصف سكان القبيلة.

لا غنى لأهل الرحامنة عن الأسواق الأسبوعية، أسوة ببقية المناطق القروية، إنها مركز الثقل في كل شيء، وتأتي قوتها هذه من كونها نقطة التجمع الحتمي والنشط للجميع، يحج إليها السكان أسبوعيا من أجل التسوق الذي هو فقط واحد من بين أهداف كثيرة تحققها.

وتنعقد الأسواق بعدد أيام الأسبوع على الأغلب في المراكز القروية، تلك التي لا يمكن أن تقول إنها قرية بالكامل وليست حضرية بالتأكيد، كـ"اثنين سيدي بوعثمان" أو فيما يقارب أن يكون مدينة (كما يتعارف على المدن بما هو أبعد من التسمية) كـ"ثلاثاء ابن جرير"، ونجد أيضا أنه قد يتشارك مكانان مختلفان من المنطقة في يوم السوق ذاته.

في تسعينيات القرن الماضي بدأت نساء الرحامنة، على قلة ذلك في حينه، بالبيع في الأسواق لا الشراء فقط (الجزيرة)


ولأن للبداوة صرامتها المعلنة، بالذات فيما يخص ظهور النساء، كان من البديهي أن تكون أسواق الرحامنة رجالية بامتياز، لكن زائرها سيلمح النساء إلى جنب الرجال، يبعن ويشترين ويفاصلن في الأسعار، ويجلسن للحديث على جنبات السوق، أو يتوقفن لإلقاء السلام وسماع أخبار بعضهن، وأيضا تبادل الآراء بشأن جودة المنتوجات وأفضل العروض، أو لنسمها باسمها البسيط والدال في اللهجة المغربية "الهمزات" (بتسكين الميم).

ولا يتعلق الأمر بتسامح أبوي مع الحضور النسائي في الأسواق، بقدر ما يتعلق بالثقة أولا وبالضرورة ثانيا، بالأخص وأن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للقرى تدور في فلك الأسواق الأسبوعية، فتؤجل زيارة الطبيب لتلقيح الرضع على سبيل المثال إلى يوم السوق، أو تستغل فرصته لاختتام يومه بصلة الرحم بين الأهل في القرية وسكان المركز، ورغم ذلك فإنه من البديهي معرفة أن الحضور النسائي في الأسواق القروية لم يتأت بسهولة، بل تحول وتطور مع الوقت.

في السوق الأسبوعية لقرية أولاد ملول في الرحامنة، والذي يسمى "سوق الأحد" لكونه ينعقد كل يوم أحد، تغير المشهد كليا عما كان سائدا قبل بضع سنوات، يحكي الحاج عبد القادر (80 عاما) لـ"مجلة الجزيرة" فيقول إنه ارتاد خلال سني عمره بشكل أسبوعي تقريبا هذا السوق العريق.

ويضيف، "قبل خمسين عاما كان السوق ذكوريا بامتياز، كل الباعة والمتسوقين رجال، وفي نهاية السبعينيات بدأت تظهر بوادر حضور المرأة كمتسوقة، لكن معظمهن في بداية الأمر كن يحضرن بصحبة مرافقين رجال لكن دون أن يدخلنه، غالبا ما كانت النساء تبقى في الشاحنة أو السيارة التي جئن فيها، ويقوم الرجال بالتسوق لهن دون أن يغادرن المركبة، يلمحن السوق من بعيد فقط".

دورة حياة الرحمانيين تدور بين الأرض والماشية والأسواق (الجزيرة)


في تسعينيات القرن الماضي دخلت "الخالة وردية" (70 عاما) سوق "اثنين سيدي بوعثمان" كبائعة للصوف وخيوط الحياكة، كانت من أوائل الرحمانيات اللاتي فعلن ذلك، وتقول لـ"مجلة الجزيرة" إنه ما كان لها أن ترتاد السوق وتنصب خيمة لبضاعتها فيه لولا موافقة زوجها الذي كان يبيع "البطاين" أو جلد السليخة في خيمة ملاصقة لخيمتها.

وتضيف "ما ساعدني على المضي في عملي هو أن معظم الزبائن كن من النساء، فهن من يتخصصن بالنسيج والحياكة ويعرفن متطلباته، ولم يكن يتردد علي مشترون من الرجال".

رويدا رويدا تحولت السوق التي كانت شبه خالية من أي امرأة إلى فضاء أسبوعي تأتيها النساء من كل المناطق المجاورة، كل وغايتها.

تقول "مينة" (29 عاما) أم لطفلين لمجلة الجزيرة "لا أثق بأن زوجي سيحضر للبيت كل الأغراض التي تلزمه، غالبا ما ينسى أو يبالغ بكميات بعض المواد، لذا أقصده بنفسي، البيت مملكتي وأنا أدرى باحتياجاته، ناهيك عن أنني أضع الأولويات المناسبة لأسرتي، كشراء ملابس للأطفال بدل تحمل كلفة إفطار شواء في السوق يصر عليه الرجال دائما".

منذ سنة 1998، بدأت "الخالة رشيدة" (52 عاما) مهنتها كبائعة في الأسواق الأسبوعية، تبيع الحناء والسواك وما جاورها من منتجات تجميلية طبيعية، تفرش بسطتها الصغيرة وتضع شمسية أعلى رأسها، لا تصرخ عبر مذياع كما يفعل معظم الباعة، بل تتحرك في هدوء ترتب جوانب بسطتها، وتعدل عرضها حتى يكون جاذبا.

لسان حال الرحمانيين نساؤنا قادرات، وهن يتقنن الشراء وكفؤات وشجاعات في البيع (الجزيرة)


تقول الخالة رشيدة -كما أحبت أن نناديها- "أتنقل بين الأسواق الأسبوعية في الرحامنة منذ عشر سنوات تقريبا، أدفع "الصنك" )أداء كراء فسحة بيع لليوم في السوق( كغيري وأبيع دون أي مضايقة من أي أحد، في الدواوير مازلنا نمتلك الحشمة الحمد لله، حيث لا يقلل أحد من أدبه معك، ولا ينازعك في لقمة عيشك أحد، كل وبضاعته، وأجتهد كغيري لبيع بضاعتي ثم أمضي لسوق آخر".

هذا لا يعني أن الأسواق القروية بالرحامنة خالية من التحرش، فالمراهقون سنا أو فكرا يستسهلون بين الحين والآخر التعرض للشابات بالمضايقة، على صعوبة الأمر في منطقة تقول فيها هند وامعتصماه فتلبى.
أيضا لا يعني تعامل الخالة رشيدة مع النساء في عملها أنه حتى في الوقت الحالي رهن وجودهن في السوق بمتسوقات لا متسوقين، كما في حالة الخالة وردية، بل إنها تبيع بضاعتها أيضا للرجال الذين يشترون لنساء بيوتهم ممن لم يحضرن للسوق حاجتهن من الحناء أو غيرها، كما أنه في الأسواق ذاتها تبيع نساء الخبز أو الطعام للجميع، وأخريات الملابس وهكذا.

يلخص الحاج عبد القادر الأمر بالقول "المقدية معطية للعيالات، والبيع كابابل فيه، كادات تبارك الله" بمعنى "نساؤنا قادرات، وهن يتقنن الشراء وكفؤات وشجاعات في البيع".

المصدر : الجزيرة