خليل مبروك - بورصة

لا يملك زائر جامع بورصة الكبير أن يدخله من دون أن يمعن البحث في سر نافورة الماء التي تحتل حيزا واسعا في مركزه، فالحكاية هنا تتجاوز وضوء المطّهرين للصلاة، ولا تقف عند سقيا العطشى من الماء البارد الذي يقال إنه يجلب من جبال المدينة المكسوة بالثلج الأبيض.

يتوسط المتوضأ الرخامي العريق صحن "أولو جامع" وكأنه الشاهد على سيادة الوسطية على التطرف، أما حكايته الممتدة إلى ستة قرون من الزمن فما زالت تحمل العبرة على قدرة أبناء الشعب الواحد على الاتفاق على حل وسط في منتصف مسافات الخلاف.

ترجع كثير من المصادر التاريخية التركية حكاية بناء الجامع إلى عام 1396 حين أراد العثمانيون بناءه في عهد السلطان بايزيد الأول، فعمدت الدولة وقت ذاك إلى تملك المنازل والعقارات وسط مدينة بورصة التركية لتهدمها وتقيم الجامع محلها، لكن صاحب البيت الذي توسط تلك المنازل كان مسيحيا فرفض بيع بيته وأصر على موقفه رغم المحاولات الكبيرة لإقناعه بذلك.

النقوش والحروف العربية تنتشر في أولو جامع وكأنه متحف للخط العربي (الجزيرة)



الحلول الوسط
وبعد كثير من المفاوضات وجولات الإقناع قبل المسيحي التنازل عن بيته لقاء تعويض مالي كبير جدا، وبشرط ألا تقام صلاة المسلمين مكان بيته، وهو الأمر الذي قبله المفتي العثماني واعتبره حقا لصاحب البيت المسيحي.

حار البناؤون والمشرفون على إقامة المسجد في التعامل مع هذا الشرط أول الأمر، إذ جرى التقليد الهندسي في بناء المساجد أن تقام أماكن الوضوء والخدمات على أطرافها لتترك المساحات الكبرى لصفوف المصلين المتراصة، لكن التفكير "خارج الصندوق" هدى المعماري الشهير علي نصار إلى إقامة حوض الوضوء وسط الجامع وفاء للاتفاق مع صاحب البيت المسيحي.

ويؤكد محمد إبراهيم أوغلو -وهو أحد سدنة "أولو جامع"- هذه الرواية التاريخية، وأنها تركت أثرا طيبا ظل ملموسا لدى أبناء المدينة من غير المسلمين على مدار القرون الستة الماضية.

ويؤكد إبراهيم للجزيرة نت أن سكان بورصة لا ينظرون إلى هذا المسجد كدار عبادة للمسلمين بقدر ما يعتبرونه رمزا لمدينتهم، وشاهدا على تعايش أبنائها المسلمين والمسيحيين على السواء.

وفي حديثه للجزيرة نت يشير الرجل -الذي تجاوز الــستين- إلى أن كثيرا من الناس يجهلون الحقائق التاريخية عن تعايش المسلمين مع غيرهم من الطوائف التي وجدت مكانا رحبا لها في كنف الدولة العثمانية، مبينا أن الكثير من "كنوز التسامح" دفنت مع "تزوير التاريخ واتهام سلاطين آل عثمان بانتهاك حقوق الأقليات".

المصلون والزوار يخلعون أحذيتهم عند دخول أولو جامع (الجزيرة)


اليد العربية
وتبدو الروح العربية حاضرة بقوة في المسجد وكأنها العقد الناظم للشعوب التي اعتنقت الإسلام وساهمت في بناء حضارته تحت السماء، إذ تنتشر آيات القرآن الكريم وأسماء الصحابة والخلفاء الراشدين الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة بخط عربي يجذب الزوار الأعاجم الذين يبهرهم جمال هذا الخط وما فيه من إبداع.

ويقول الجنيد أوموت -وهو إمام مسجد من المدينة- إن أهالي بورصة احتكوا بالثقافة العربية عن قرب كبير بسبب هذا الجامع الذي ظل مقصدا لكثير من العلماء والمصلحين العرب الذين كانوا يزورونه لإلقاء الخطب والدروس الدينية في عهد الدولة العثمانية.

وتحت عشرين قبة ومئذنتين تنتصبان على سطح المسجد الذي يمتد على مساحة 3260 مترا مربعا ينتصب صندوق زجاجي يحفظ جزءا من كسوة الكعبة، حفظها عبر التاريخ من تقلبات الزمان، فيما يلقي المصلون عليها نظرة اشتياق تشي بحنينهم من هذا المكان لزيارة بيت الله الحرام.

ويضيف أوموت للجزيرة نت أن الجامع التركي يظهر علاقة الود الكبيرة التي يحملها الأتراك للعرب باعتبارهم قومية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي هدى الطرفين على السواء لدين الإسلام، مضيفا "إذا كان بيت الله قد أرشدنا لكلمة سواء مع من يخالفوننا في الدين فكيف بأبناء ديننا الذين يختلفون عنا فقط في عرقهم".

كل من يتوضأ في أولو جامع يحصل على منشفة يمسح بها الماء البارد بعض الوضوء ثم يلقيها في مكان خاص ليتم غسلها (الجزيرة)


ويؤكد أوموت أن كثيرا من أبناء المدينة توجهوا لتعلم اللغة العربية بسبب شغفهم بالخط العثماني الذي خطت بحروفه العربية اللوحات المنتشرة على جدران المسجد وكأنها متحف فني بالغ الإبداع.

ورغم الطابع السياحي للجامع وكثرة زواره من مختلف الأديان والجنسيات فإن خشوع الأصوات للرحمن يبقى الانطباع الأبرز الذي تحمله الأذهان عن المكان.

وعلى خلاف الجمال الأخاذ للمحراب والمنبر الخشبي الذي صنع من دون أن يدق فيه مسمار واحد تنتشر المحاريب الصغيرة في جدران المسجد وكأنها دور نساك لا يدخلها إلا من تجرد من الدنيا وانقطع عنها لصلاة أو ابتهال.

ووفقا لأوموت، فإن هذا المسجد هو المركز الفعلي لنشاط أهل المدينة البالغ تعدادهم أكثر من مليون وثلاثمئة ألف نسمة في شمال غرب تركيا يتوافدون إليه في الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية وكأنه عنوان لهوية مدينة لم تنس فضل صاحب البيت المسيحي في إقامته.

المصدر : الجزيرة