عاطف دغلس- طوباس/ فلسطين


غير آبه بالشمس الحارقة أو بظروف العمل القاسية ينتظر بزوغ الفجر ليوقظ أهله، زوجته وبعض أبنائه يتوجهون للعمل، إنه موسم اللوز، ومن دون ذلك لن يتمكن من توفير لقمة العيش له ولعياله.

يستغل عماد صوافطة (أبو ضياء) موسم اللوز ليعمل فيه وأسرته فيه لعله يحسّن بذلك دخله ويقهر الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيش، لذا فالمواسم الزراعية المختلفة فرص لا يضيعها الرجل.

في بلدة عقابا بمدينة طوباس شمال الضفة الغربية -حيث ينحدر أبو ضياء- أضحت شجرة اللوز "مقدسة" بمنتوجها ونوعيته الجيدة، فالقرية تنتج ما بين نحو مئة طن سنويا، مما يجعلها تتصدر خط الإنتاج الفلسطيني بهذه الزراعة.

أكثر من خمس ساعات يقضيها أبو ضياء يوميا في قطف اللوز بالأرض التي ضمنها لصالحه، يحدد وقت الصباح لهذه المهمة كي ينجز قطف ثمار أكبر عدد من الأشجار، "فالمحصول وافر هذا العام وبحاجة لجهد كبير" يقول الرجل.

يصطحب المزارع أبو ضياء أدواته البسيطة كالسلم الخشبي والفرش البلاستيكي لجني المحصول، يساعده أفراد عائلته في العمل كي ينجزوا المهمة بسرعة.

ويتوجب على الرجل أن يقطف كل صنف من اللوز وحده، ويساعده في ذلك أن زراعة الأرض تمت بطريقة هندسية منتظمة، كما أن المحصول الوفير والأسعار جيدة إلى حد كبير.

عماد صوافطة يعمل بقطف ثمار اللوز كل سنة كي يعيل نفسه وأسرته (الجزيرة)


زراعة مهمة
يقول أبو ضياء إن موسم اللوز -الذي يبدأ أواخر يوليو/تموز من كل عام ويستمر لأكثر من شهر- أصبح مهما جدا وهو يقطفه بإتقان، لكنه رغم ذلك لا يملك أرضا خاصة كي يزرعها.

بهذا العمل يستطيع أبو ضياء توفير دخل جيد يغنيه عن سؤال الناس، خاصة أن هذه المواسم تتزامن في أحيان كثيرة وفترة انقطاعه عن العمل داخل إسرائيل.

دخلت زراعة اللوز إلى بلدة عقابا بالشكل الذي عليه الآن قبل نحو عشرين عاما، وكان صنف "أم الفحم" -نسبة للمدينة الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة التي استجلب منها- أبرزها، تضاف إليه أنواع أخرى مثل "نوب" و"ميم ديلت" وأصناف سميت بالأرقام.

استطاع المزارعون بدعم من جمعية الإغاثة الزراعية زراعة أراضيهم وتحسين منتجهم، وهم يتحدون واقعا احتلاليا صعبا يسعى بكل الطرق لتدمير قطاع الزراعة الفلسطيني.

لذا كان على المزارع عليان أبو عرة (أبو علاء) استحداث طرق جديدة في تجهيز محصوله من اللوز الذي يقدر بنحو تسعة أطنان سنويا، فهو يزرع أكثر من 130 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع) من أصل ألفي دونم تزرع باللوز في عقابا.

في السابق كان على المزارعين قطف ثمار اللوز ومن ثم البدء بفصل قشرتها الخضراء الخارجية عن البذرة وهو يحتاج لأيد عاملة كثيرة ومال ووقت إضافي، فدفعه ذلك لاقتناء آلة محلية الصنع طورها مهندس ومزارع في الوقت عينه تعمل على فصل القشرة الخارجية عن الثمرة الداخلية لحبة اللوز.

تعمل الأسرة بكامل أفرادها إضافة إلى عمال آخرين في تقشير اللوز (الجزيرة)


حركة اقتصادية
رغم ذلك يعمل أبو علاء وعائلته من الأطفال والنساء وأكثر من عشرين عاملا داخل بيته الذي يتحول طوال أربعين يوما في موسم قطف اللوز لخلية نحل تتناسق في وظائفها عبر التقشير والتعبئة والتحضير، كما تشهد البلدة حركة تجارية نشطة وكبيرة من عاملين يصلون لأكثر من 250 عاملا وتاجرا.

ترافق الموسم طقوس لا غنى عنها، فاللوز يعد أفضل المسليات التي يمكن أن تكرم به الضيف في عقابا خاصة في هذه الأوقات، ظهر ذلك جليا في أكواب الشاي التي قدمها أبو علاء لنا، يخزن كل مزارع كمية من اللوز لاستخدامه في تزيين الطعام وصناعة الحلويات.

تملك أكثر من خمسين أسرة في عقابا -التي يقدر تعدادها بنحو عشرة آلاف نسمة 45% منهم مزارعون- نحو ألفي دونم من اللوز، وأدخلت هذه الزراعة لقريتهم بعد سلسلة أبحاث أثبتت أنها مجدية اقتصاديا، والأهم أنها تحمي الأرض من المصادرة والتهويد الإسرائيلي، ولا سيما تلك المساحات الشاسعة والقريبة من معسكرات الجيش الإسرائيلي ومراكز تدريبه.

استخدمت ماكينات مصنعة فلسطينيا لفرز القشر عن بذور اللوز وهذا خفف عن كاهل المزارع والعامل أيضا (الجزيرة)


تسويق
يقول رئيس جمعية عقابا الزراعية نبيل أبو عرة إن زراعة اللوز ليست جديدة، لكنها استحدثت بالكم والنوع التجاري المطلوب في بلدته، وهذا ليس موجودا في أي منطقة بالضفة الغربية إن لم يكن في عموم فلسطين.

يضيف المسؤول أبو عرة أنهم لم يعتمدوا على الإنتاج وحسب بقدر ما عمدوا إلى تحسين المنتج بدءا بزراعته وانتهاء بتحضيره للبيع، إذ تتم زراعة الأشجار بطريقة هندسية لمنحها كميات كافية من الهواء والشمس، وتتم حراثة الأرض وتعشيبها بطرق حديثة إضافة إلى رشها بالسماد العضوي.

تكفي كمية الأمطار التي تسقط على عقابا سنويا والتي تقدر بمعدل خمسمئة ملليمتر لزراعة اللوز، لكن المزارعين يساعدون بالري خلال فترة الصيف التي تصل إلى نحو ثلاثة أشهر. بالمقابل، يتراوح كيلوغرام اللوز بين أربعة وستة دولارات، علاوة على أنه يمكن الاستفادة منه خلال مراحل نضوجه المتعددة.

تتحول أسطح المنازل في عقابا إلى اللون الأصفر خلال موسم اللوز، حيث ينشر المزارعون منتجهم ليصار إلى تنشيفه واستخراج الرطوبة منه ليخزن لفترة أطول، بحيث يبقى طوال النهار ولمدة ثلاثة أو أربعة أيام تحت أشعة الشمس ويغطى ليلا بالفرش البلاستيكي تجنبا للندى أو التعرق.

يقول أبو عرة إن المزارعين يحرصون على تقديم أفضل منتج للسوق الفلسطيني وحتى الخارجي، وهو الطموح الذي يعملون على تحقيقه قريبا.

تنتج عقابا ما يقدر من 80 - 100 طن سنويا من اللوز (الجزيرة)


الاحتلال بالمرصاد
ولكن ورغم ذلك تعصف بآمال المزارعين مشكلات شتى يعد الاحتلال أبرزها، يليه التجار الذين يحاولون ابتزازهم بتوريد منتج خارجي وبالتالي إبقاء الأسعار منخفضة.

ويمكن لعامل في موسم اللوز تحصيل ما يقرب من ثلاثين دولارا يوميا بين قطف وتقشير، مما يجعل المزارعين يتمسكون به، خاصة أن زراعته لا تحتاج لجهد كبير وهو سهل التسويق عالميا.

تظهر اعتداءات الاحتلال -كما يقول أبو عرة- بشكل مباشر عبر توغله في أراضي المزارعين وبإطلاقه عشرات الخنازير البرية التي تخرب المحاصيل، بينما يقف الاحتلال عائقا أمام تطور هذه الزراعة بشكل أكبر، حيث يقلص كميات المياه التي يحتاجها المزارعون والتي يصل سعر الكوب المكعب الواحد لنحو خمسة دولارات، كما يعيق عملية التصدير ويسمح بالمقابل بدخول كميات كبيرة وخلال الموسم من اللوز.

لكن الأسوأ من كل هذا -برأي المسؤول أبو عرة- هو قيام الاحتلال بتسويق منتجاته من اللوز عالميا تحت شعار "لوز الأرض المقدسة" وكأنه أنتج بأيد فلسطينية وخرج من أرض فلسطين كذلك.

ومحليا تتصدر مشكلة التسويق للمزارعين الفلسطينيين المشهد كاملا، خاصة مع تلاعب التجار بالأسعار واستغلال حاجة المزارعين إلى الأموال النقدية لدفع أجرة العاملين وشراء مستلزمات العمل.

المصدر : الجزيرة