عياش دراجي - باريس

مسجد باريس، أو مسجد باريس الكبير، أشهر من نار على علم، تبدو منارته الأندلسية من بعيد من أي شارع قدمت منه إلى المسجد، مَعلمٌ يتوسط قلبَ الدائرة الخامسة في باريس وهي الدائرة التي تضم جزءًا من الحي اللاتيني التاريخي العتيق.

دون الذهاب بعيدا في تاريخ وجود المسلمين في فرنسا وعلاقتهم بها، سواء في البلدان التي احتلتها جنوب المتوسط أو بعلاقة الصداقة التي ربطت الملك الفرنسي فرانسوا الأول مع سلطان الدولة العثمانية سليمان القانوني، نجد إرهاصات فكرة بناء مسجد بالعاصم باريس في وثائق فرنسية تعود للأعوام ١٨٤٨، و١٨٧٨، و١٨٨٥، و١٨٩٥.

لكن فكرة بناء مسجد باريس الحالي صارت ملحة وعرفت طريقها نحو التجسيد والبناء خلال نقاشات المسلمين وبعض أصدقائهم في مجالس باريس في السنة الأولى للحرب العالمية الأولى.

وكانت الفكرة تهدف إلى تكريم تضحيات الجنود المسلمين الذين قتلوا في ساحات الحرب مع الجيش الفرنسي، وفي معركة فيردان وحدها تجاوز عددهم السبعين ألفا. تلك المعركة التي دارت رحاها بين الجيشين الفرنسي والألماني عام ١٩١٦، كانت حدثاً تاريخياً حاسماً ودافعاً أساسيا لتحويل الفكرة إلى مشروع، وفعلاً تم تأسيس جمعية باسم "الحبوس" عام ١٩٢٠ في الجزائر، وتكفلت رسميا برفع قواعد المسجد الكبير.

وضع حجر الأساس لمسجد باريس الكبير في عشرينيات القرن الماضي (الجزيرة)


تم وضع حجر الأساس في أكتوبر/تشرين الأول ١٩٢٢، واستمرت ورشة البناء على قدم وساق إلى صيف العام ١٩٢٦، حيث قام الرئيس الفرنسي آنذاك غاستون دوميرغ برفقة سلطان المغرب مولاي يوسف وأعيان المسلمين في فرنسا بتدشين هذا المعلم التاريخي الفريد من نوعه في فرنسا كلها، ووُلد يومها أول مسجد في باريس.

خلال السنوات الأولى لعمل المسجد كان كثير من المسلمين المهاجرين آنذاك -خاصة الجزائريين- يتوجسون من ارتياده بسبب ارتباط مؤسسه الجزائري الشيخ والموظف الدبلوماسي قدور بن غبريط بالإدارة الفرنسية. ولكن عقب الحرب العالمية الثانية ومع بداية ١٩٣٩، بدأ المسجد يشهد نشاطاً أكثر قرباً من الجالية ومن الناس عموماً، لاسيما أن مرتادي المسجد لم يكونوا فقط من المسلمين، بل كان كثير من الفقراء والمعوزين يرتادونه وهم في ظروف الحرب تلك، بحثاً عن إيواء أو غذاء أو لباس.

في السنوات الأخيرة طفا على السطح موضوع قيل فيه الكثير، وهو موضوع مساعدة المسجد لضحايا النازية من اليهود، موضوع ما زال محل نقاش وتساؤلات تاريخية: هل فعلاً قدم المسجد عونا لليهود وخبأ بعضم بعيداً عن أعين النازية، أم أن الأمر مجرد أسطورة جميلة كما يقول البعض؟

الذين يقولون إن المسجد كان له دور في مساعدة اليهود يشيرون إلى سهولة الأمر، لاسيما بالنسبة ليهود المغرب العربي أو السيفاراد الذين يتكلمون اللغة العربية المغاربية تماماً مثل العرب، وكان سهلاً عليهم الاندماج في محيط المسجد.

مسجد باريس الكبير تحت الإنشاء في عام ١٩٢٣ (الجزيرة)

مدير معهد الغزالي التابع للمسجد الدكتور جلول صديقي يستبعد حدوث ذلك، ويعتقد أن الأمر لم يكن ممكناً لأن إدارة المسجد آنذاك كانت مقربة من نظام فيشي (الخاضعة للاحتلال النازي)، ولأن أقبية المسجد لم تكن تتسع لاختباء أي كان، من دون علم الألمان.

ويقول صديقي "لا أعتقد أن المسجد لعب دورا معينا في إخفاء اليهود بعيداً عن النازية، وأعتقد أن الأمر مجرد أسطورة.. ثم إن إحدى العمارات المجاورة للمسجد كانت مقراً من مقرات المخابرات النازية أو الغيستابو، وربما -أقول ربما- كان الأمر سهلا بالنسبة لبعض من لهم أسماء تشبه أسماء المسلمين لا أكثر".

هذا الرأي القطعي يرفضه بعض الباحثين، ويتساءلون "ألم يكن يوجد بين كل أولئك الطيبين المنصفين العدول مسلم عربي واحد يقدم مساعدة ليهودي تطارده النازية؟".

مؤلف كتاب "النجمة الصفراء والهلال" محمد عيساوي يذهب بعيداً في البحث عن شهادات ووثائق، ومما عثر عليه وثيقة لوزارة الخارجية التابعة لنظام فيشي آنذاك، يقول إنها "تعود إلى الفترة ١٩٣٩- ١٩٤٥ في الملف الذي يحمل الرقم ٢٠ في وزارة الخارجية، وقد أرسلت إلى الجنرال فايغان وزير الدفاع آنذاك في حكومة فيشي".

وقفة للمسلمين على البوابة الرئيسية لجامع باريس  (الأوروبية)

ويؤكد عيساوي أن الوثيقة تقول "إن سلطات الاحتلال ترتاب في أمر القيمين على مسجد باريس بشأن إصدار وثائق مزورة لأشخاص من أصل يهودي، أي شهادات تدل على أنهم مسلمون، وقد تم تحذير الإمام بشكل تهديدي، بأنه لا بد من تجنب أي سلوك مريب من هذا النوع". وتتابع الوثيقة القول إن "هناك عددا من اليهود يلجؤون إلى كل الحيل لإخفاء هويتهم".

قناعة الباحث الصحفي عيساوي راسخة بأن المسجد قام بدور ما، وأن هناك الكثير من القصص، ويقول "وقد أخبرني الصحفي الشهير فيليب بوفار أن والده بالتبني المدعو جول لوزاتر اعتقلته المخابرات النازية، لكن أطلق سراحه بعد فترة بمساعدة إمام المسجد آنذاك قدور بن غبريط، وهناك قصص أخرى". ويتابع عيساوي "هناك كثير من الحقائق التي -للأسف- تزعج البعض".

ودون الخوض في ترجيح كفة على كفة، ارتأينا لقاء الحاخام ميشال سرفاتي -وهو من يهود المغرب المقيمين في فرنسا- لنطلع على رأيه في موضوع دور مسجد باريس في مساعدة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، فقال "لدي قناعة راسخة بأن مسجد باريس ساعد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وأنه قام بذلك بطريقتين: الأولى، شهادات تثبت أن فلانا مثلاً مسلم أو على الديانة المحمدية كما كان يقال في ذلك الوقت. والثانية، إخفاء يهود لفترات قصيرة تسمح لهم فيما بعد بالهروب".

ويضيف الحاخام سرفاتي "أنا لا أؤمن بالرأي الذي يقول إن الأمر مجرد أسطورة، حتى أني أعتقد بأن بعض اليهود اعتنقوا الإسلام واستفادوا من حماية المسجد، خاصة من الشباب الذين فقدوا عائلاتهم مثلاً". ويذهب الحاخام إلى القول "أرشيف المسجد ربما يكون اختفى مع وفاة الإمام قدور بن غبريط الذي لم تكن له علاقة حسنة مع من جاؤوا بعده وتسلموا زمام الأمر في المسجد".
الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في زيارة للمسجد الكبير بباريس (رويترز)


ويبقى الموضوع مفتوحاً للمؤرخين والباحثين، في ظل صعوبة الحصول على شهادات من جيل لم يبق منه سوى القليل على قيد الحياة، سواء من المسلمين في فرنسا الذين كانوا على صلة بالمسجد، أو من اليهود الذين نجوا من الترحيلات النازية آنذاك.

لو تركنا تاريخ المسجد وجئنا إلى الواقع لرأينا أن المسجد ما زال معلما من معالم باريس، ورغم أنه لم يعد المسجد الوحيد في العاصمة الفرنسية، فإنه الأقدم والأجمل هندسياً دون شك، ولذلك فهو قبلة للمصلين وأيضا للسياح، وفيه معهد الغزالي لتدريس علوم الدين وتخريج الأئمة وحفظة وحافظات القرآن الكريم.

يقول مدير معهد الغزالي جلول صديقي إن "معهدنا له برنامج واضح وثري، نعلم الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية، وللطلبة والدارسين حرية التوسع في الفقه المقارن، ونحن ندرس الفقه المالكي لأن أغلب الجالية من أتباع المذهب المالكي وهو مذهب إمام أهل المدينة، كما أن ثلث برنامج التدريس خصصناه لعلوم اللغة والمعارف الأخرى كالفلسفة وعلم الاجتماع، وهذه العلوم دون شك، تسمح للإمام الجديد بالتمكن من محاورة غيره، خاصة من غير المسلمين في مجتمع متنوع مثل المجتمع الفرنسي".

الزائر للمسجد في رمضان يلمس حركة دائبة فيه، وفضلا عن الجانب العبادي المرتبط بالشهر الفضيل كصلاة التراويح، نجد في المسجد مطعماً مفتوحاً لعابري السبيل والطلبة والمعوزين حتى من غير المسلمين.

المصدر : الجزيرة