آخر تحديث: 2018/3/1 الساعة 14:37 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/1 الساعة 14:37 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/14 هـ
-1/13-

المرأة الأفريقية في يومها العالمي

يكاد يقترن اسم قارة أفريقيا بالبؤس والفقر والصراعات الدموية والانقلابات العسكرية، إلى درجة أن المرء لا يكاد يتوقع إنجازا أو نجاحا على امتداد القارة السمراء، رغم ما تحققه بعض دولها من نجاحات على مستوى العالم في مجالات إنسانية واقتصادية وحتى سياسية، لكنها تبقى هامشية في المشهد الأفريقي العام.

وككل المجتمعات التي تعاني من التخلف الاقتصادي والتردي الاجتماعي، يقع قسط كبير من المعاناة على كاهل المرأة الأفريقية، بحكم أنها الطرف الأضعف في المعادلة المجتمعية، فهي إلى جانب مهامها الطبيعية بوصفها أما وربة منزل، تشارك رب الأسرة في تدبر احتياجات المعيشة ولقمة العيش.

وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف الثامن من مارس/آذار، اخترنا أن يتناول الملف الرئيسي لهذا العدد المرأة الأفريقية بوصفها نموذجا للمرأة المكافحة.. المرأة التي تعارك الحياة بما يتاح لها من هامش مهما ضاق، لتحقيق نجاح شخصي وعائلي على أي صعيد كان.

يتناول الملف قصصا شخصية لنساء أو تجمعات نسوية مبادرة، سعت لتغيير واقع المرأة الاقتصادي والاجتماعي في القارة السمراء، وحققن في سبيل ذلك نجاحات. فالفقر والجهل ليس قدرا على قارة بعينها، ولا على جنس محدد.

رسالة هذا الملف هي أن المرأة الأفريقية تسعى كغيرها من نساء الأرض إلى تغيير واقعها البائس، والتأثير الإيجابي في مجتمعها، فالمرأة في يومها العالمي لها وجه آخر غير وجه هضم الحقوق والتهميش والركض خلف المساواة، وهو وجه الكفاح من أجل حياة أفضل وتحقيق نجاحات رغم شح الإمكانيات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/13-

الأرامل.. مرارة الاختيار بين الفقر أو النميمة

الأرامل.. مرارة الاختيار بين الفقر أو النميمة

 

رميساء خلابي - نيامي



قد تعني كلمة "أرملة" من توفي عنها زوجها. أما في معظم دول القارة الأفريقية، فهي كل امرأة توفي عنها زوجها ولم يترك لها إرثا، أو كان والدها فقيرا. تقول لي إحداهن وقد التقيتها في محطة للحافلات في مالي "تكونين أرملة للحظات فقط عندما تتوفر لديك المادة، إذ باستطاعتك الحصول على زوج في أول مناسبة".

أيضا في مالي، تتزوج معظم الفتيات على الطريقة التقليدية، ويتولى فيها الأب (ولي الأمر) اختيار شريك ابنته (وليته). ولكن يحق للأرامل اختيار أزواجهن دون استشارة أحد أو الحاجة لموافقة أحد.

تقول "ناني كمارا" وهي ناشطة نسوية "ليس باستطاعة فتاة بكر أن تقرر من ستتزوج، فكل الأمور المتعلقة بزواجها يتم تحديدها من طرف والدها، بل قليلا ما تحظى بفرصة التعرف على شريك حياتها قبل عقد القران".

وتشرح أسباب توسع رقعة الأرامل وتقول "تعود القصة لعقود ما قبل الاستعمار الفرنسي، حيث كانت أمراض وأوبئة كالكوليرا والملاريا أودت بحياة آلاف من المواطنين، وخاصة الرجال، بسبب تحركهم وعملهم خارج البيت، فضلا عن أسباب أخرى كالحروب الأهلية أو الاستعمارية التي كانت تودي بالرجال المقاتلين، ناهيك عن قُطاع الطرق الذين يستهدفون قوافل التجار المتنقلة بين مالي والدول المجاورة".

تحتشد كل يوم عشرات الأرامل داخل فناء هذه الجمعية الخيرية في النيجر أملا بالحصول على مساعدة مادية أو فرصة عمل (الجزيرة)


في النيجر التي لا يختلف وضعها كثيرا، قيل لي إن الحكومة قامت بإصدار قرار عدم تزويج البنات في سن أقل من 18 سنة عام 2004، وإن القرار الحكومي اعتُمد في عهد الرئيس "حما آمادو" وذلك بفضل جهود كثير من جمعيات حقوق الإنسان التي تهدف ورشاتها التعليمية ودوراتها التدريبية إلى توعية النساء بحقهن في اختيار شريك الحياة سواء كن ثيبات أو أبكارا.

تقول فاطمة أحمد وهي أستاذة بفرونكو آراب بنيامي "هناك ظاهرة شائعة عندنا، وأعتقد أنها تتكرر في باقي دول المنطقة، بلا شك أن سببها الأول هو الفقر، إذ يهاجر كثير من الأزواج إلى الخارج سواء بطرق شرعية أو غير شرعية، ثم ينقطعون عن ذويهم، إما لأنهم أسسوا حياة جديدة هناك، أو لأنهم فشلوا في تأسيسها وبالتالي هم عالقون هناك غير قادرين على العودة. في تلك الحالة، تلجأ زوجاتهم لطلب الطلاق لغياب الأمل وشدة المعاناة".

ويعتبر الفقر عيبا في ظل تدني الدخل بتلك الدول. تقول ناني "كثير من الأرامل يخرجن من بيوتهن للعمل طلبا للستر".

وتحدثني أرملة التقيتها في محطة الحافلات فتقول "بدأت ببيع فطائر الفول المقلية أمام المدارس الابتدائية أول الأمر، وكان علي أن أفكر ماذا سأطعم أولادي. لدي خمسة أبناء، ما زلت أرضع أصغرهم. والدي مسن ووالدتي متوفاة. كان بإمكاني أن أموت أو أكون سببا في موت صغاري إن لم أخرج للعمل".

وتضيف أن كثيرا من الأرامل يجدن أنفسهن بأوكار الدعارة لأن الحاجة للمال ملحة، كما تقول. ويبقى مردود الأنشطة التجارية البسيطة كبيع الفطائر المقلية -مثل حالتها- ضعيفا جدا.

أرملة تبيع المأكولات الشعبية التي أعدتها قي البيت تأتي لبيعها هنا كل صباح قرب السوق المحاذي لنهر النيجر (الجزيرة)

في النيجر، تبلغ نسبة الأرامل 12% من أصل 55% وهي نسبة النساء، وفق الإحصائيات الوطنية لسنة 2012. وتكثر في المدن الكبرى -مثل نيامي وزيندر ومارادي وأغاديز- جمعيات مسيحية وعربية ترعى هذه الشريحة بالخصوص، كالهيئة العالمية بالنيجر، جمعيات قطر الخيرية ونور الهدى وكاراكارا العالمية، وماتان غوبي المسيحية المحلية التي تتركز أنشطتها بالقرى النائية والأرياف البعيدة.

في شمال نيجيريا، لا تخلو مدينة أو قرية من "ماي تووو" وهن بائعات الأطعمة المنزلية بلغة الهوسا. فترى أرامل يبعن رغيف "ماسا" و"دامبو" وهي معجنات دقيق الفول المتبل المقلية بزيت النخيل، و"فاري ماسا" وهي معجنات دقيق القمح المقلية، و "دودندو" التي تعد من دقيق الذرة، وتقلى بنفس الطريقة، و"هرا" وهو عجين الدخن الممزوج بلبن البقر الطازج.

تقول فاطمة إن قبيلة الهوسا -التي تتمركز في النيجر وشمال نيجيريا- لا تزال تلتزم بقوانين صارمة توحدها رغم الحدود الجغرافية الفاصلة بين الدولتين. وتقول إنه لا يمكن لغير أرامل القبيلة أن يعملن، فخروج المتزوجة للعمل دليل على وضع زوجها المادي غير الجيد، وفي قبيلة الهوسا "تفضل المتزوجات تحمل الفقر على أن يكن مادة خصبة للنميمة".

وتقول أرملة محطة الحافلات إنها اليوم تستورد ملابس من نيجيريا وتقوم ببيعها هنا، فـ"أنا مضطرة لطرق بيوت الجيران لعرض الملابس التي أقوم بجلبها من نيجيريا، حيث لا أملك محلا خاصا لكن لدي الآن شبكة من الزبائن الثابتين، ومن خلالهم أتعرف على زبائن جدد".

وتذكر ناني كمارا أن هناك عادة جميلة في المجتمع المالي ما زالت سارية إلى اليوم عند كل القبائل، وهي أن الرجل إذا مات يقومون بجمع التبرعات لأهله في مسجد الحي، ناهيك عن مال الزكاة الذي يختص به الأغنياء الأرامل والأيتام.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/13-

العمل الخيري ينقذ نساء النيجر من التهميش

العمل الخيري ينقذ نساء النيجر من التهميش


رميساء خلابي - نيامي



في الثاني من فبراير/شباط 2013 تأسست جمعية ازدهار الطفل والمرأة الخيرية، بمجهود عدد من النساء والطالبات، رغبة في العمل على مكافحة التهميش الذي تتعرض له النساء في بلد كالنيجر، يتمسك بتقاليده الدينية والثقافية، كما أن الجمعية غير الحكومية تسعى إلى مكافحة كل أشكال العنف الذي يتعرض له الأطفال.

مؤسِسة جمعية ازدهار "مالكي عبدو فاتي" تقول "كان حلمي دوما أن أرسم البسمة على وجوه الضعفاء من بلدي، عندما رزقت بولدي، كنتُ أفكر في كثير من الأطفال المتخلى عنهم، واليتامى، وأولئك الذين نصادفهم في كل مكان إما يتسولون أو يعملون كالكبار".

وعن نفسها تقول مالكي إنها ما زالت طالبة، لم تحصل بعد على درجة البكالوريوس من شعبة التوثيق "ساعدني دخولي إلى الجامعة في التقرب أكثر من الفتيات في هذه السن، والتعرف على مشاكلهن". وتضيف "في الجمعية تبقى مهمتنا الأساسية مكافحة الفقر والأمراض وتعزيز فرص التعليم، وخلق مشاريع لتطوير وتحسين الظروف المعيشية لكل من الطفل والمرأة".

تعمل "حليمتو آلازوما" سكرتيرة عامة في الجمعية، و"شيكارو فاتي ناتاما" أمينة للصندوق العام، إلى جانب مؤسستها مالكي فاتي. وقد حصلت الجمعية على ترخيصها الرسمي في الأول من يونيو/حزيران 2015.

مسؤولة الجمعية السيدة مالكي فاتي (يمين) منتظرة التحاق النساء إلى ورشة تأهيلية (الجزيرة)

تحكي مالكي قائلة "من بين الأمور التي دفعتنا لتأسيس هذا المشروع دعم المصابات بداء نقص المناعة، فنحن نعلم أن هذا المرض القاتل متفشٍ بيننا تفشي كثير من الأمراض الأخرى، لكن المجتمع ما زال يصنف مريضات الإيدز في الخانة المشبوهة، وينظر إليهن بعين الاتهام بدل الشفقة".

وعندما سألتها عن نوع الدعم الذي تقدمه الجمعية، قالت "عدا دورات التأهيل الذاتي، وبرامج التوعية التي تستفيد منها اليوم عشرات الفتيات، فإننا نقوم بتدريبهن على بعض الأنشطة المدرة للدخل".

وترى مالكي أن دمج هذه الشريحة من المجتمع في النسيج الاقتصادي يهدف أيضا إلى تحصيل دخل يكفي تغطية العلاجات الباهظة لهذا المرض المميت فـ "ليس بإمكاننا أن نتحمل مصاريف أدوية كل المصابات، فنحن إلى اليوم لم نتلق أي دعم رسمي، لكننا نحاول أن نساعدهم في فتح مشاريعهن الخاصة".

داخل الجمعية الآن -التي يقع مقرها بالعاصمة نيامي- تقبل خمسون سيدة يوميا على ورشات تعلم الخياطة والحلاقة والتجميل والتطريز، ودروس محو الأمية.

وتقول مالكي إن لديهم دورات لتأهيل المقبلين على الزواج، في سياق دعم الحياة الأسرية فـ "نحن نؤمن أن المعرفة هي أساس كل تقدم. لا يمكنني حل مشكلة الفقر بالمساعدات المادية، بلدي يعرف كل يوم مئات من توقيعات عقد القران، ويشهد في اليوم الواحد أيضا ما يقارب ذلك من حالات الطلاق".

وتضيف "عندما يحصل المقبلون على الزواج على المعرفة السليمة حول المشروع المقدمين عليه، فإن كثيرا من المشاكل المتوقعة ستقل حتما".

مرياما، إحدى الفتيات المستفيدات من الجمعية بالنيجر تملك اليوم دكانا خاصا بها تصنع مقشر للبشرة وتقوم بتسويقه (الجزيرة)

وتوفر الجمعية أيضا أقساما لمحو الأمية، وصفوفا لتدريب الأطفال الراسبين -أو المطرودين من المدارس- على بعض الحرف البسيطة، كالنجارة اليدوية والطلاء وإصلاح المعدات الكهربائية.

فاتي -التي تبلغ من العمر 33 ربيعا، أم لطفلين- تقول إنها بدأت مشروعها بمساعدة زوجها، وأنها ما زالت ترى نفسها في بداية الطريق، وتأمل أن يتطور مشروعها للأفضل فـ "أبي كغيره من رجال بلدي كان معددا للزوجات، لدي 12 أخا، وقد كبرت وأنا أرى الجميع يعمل منذ طفولته ليساعد الأسرة. لقد كان لهذا تأثير قوي على طموحي، لكن الفكرة لم يكتب لها أن تخرج للواقع إلا بعد الزواج".

قبل زواجها كانت تعمل سكرتيرة مؤقتة لدى إحدى الجمعيات الدولية، وحصلت على تدريب هناك لمدة ستة أشهر، ساعدها في إطلاق جمعيتها الخاصة "كانت تلك أول تجربة لي مع العمل التطوعي، كنت أرى كيف يقومون بمساعدة الفقراء والمعوزين، عبر أقسام التدريب المهني لتمكينهم من إدارة مشاريعهم الخاصة وليس عبر أكياس الرز كما تفعل باقي الجمعيات هنا".

وتضيف فاتي أن فتاة واحدة على الأقل تنضم إليهم كل يوم للتعرف على ما تقدمه الورشات التعليمية، وأنها تضطر أحيانا لإخراج معاشات أساتذة دروس الخياطة من جيبها، حتى لا تتوقف الدروس.

ورشة تعليم كيفية صنع مواد التنظيف المنزلية يدويا ومن مواد طبيعية (الجزيرة)

ديدي، إحدى الفتيات المستفيدات سابقا من الجمعية تقول إنها بالكاد كانت تجني ألفي فرنك سيفا (حوالي 3,5 دولارات) من عملها الحر كل أسبوع، لكنها تقول إن باستطاعتها اليوم أن توفر أكثر من 100,000 فرنك سيفا (قرابة 175 دولار) وذلك من خلال بيع مواد التجميل الطبيعية التي تعلمت كيف تصنّعها يدويا لأكثر من سنة في الجمعية.

وعن تجربتها في التأهيل المهني، تقول ديدي "قبل التحاقي بالورشة، كنت أساعد أختي الكبيرة في بيع فطائر الفول المقلية لتلاميذ المدارس. كان يصعب علي ادخار فرنك واحد من المال القليل الذي أحصله، لكني اليوم سعيدة جدا. فبعد سنة من التعليم المتواصل أصبح بإمكاني صنع المادة الأولية لمشروعي من مواد في الطبيعة لا تكلفني شيئا".

مساحيق، دهان، مقشر للجلد، تلك هي بضاعة ديدي التي تعرضها اليوم في محل صغير بالعاصمة نيامي. تقول فاتي إنها تأمل أن ترى كل فتيات الجمعية وقد فتحن ورشاتهن الخاصة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/13-

الزواج في النيجر.. طقوس قبلية صارمة

الزواج في النيجر.. طقوس قبلية صارمة

 

رميساء خلابي - نيامي

 

عندما عدت من غينيا، أخبرني والدي أنه على الاستعداد لحفلة زفافي، لم أكن أعلم شيئا عن الموضوع، فلم يخبرني أحد عن زوجي، بل إني لم أره سوى ليلة الزفاف. هكذا تقول النيجيرية "بلكيسا" من قبيلة التوبو، التي أرسلها والدها إلى غينيا لإتمام درجة الماجستير، وهي تعمل موظفة بالجمارك اليوم.

تمثل قبيلة التوبو 3.5% من المجتمع في النيجر، وهي تنتشر في منطقة تيفا حيث الحدود بين النيجر ونيجيريا وتشاد، وهي أكثر القبائل المحلية التي تتشبث بتقاليد الزواج التي يعتبر اختيار الآباء زيجات أبنائهم أكثر مظاهره تجليا. كما أن قبائل عربية موجودة في مدن "طاو" و"زيندر" و"تيفا" ما زالوا متمسكين بهذا التقليد إلى اليوم، وهم يمثلون أقل من 10%، ثم يليهم "الطوارق" بينما يقل عند قبيلة "الزرما".

يقول رئيس جمعية نور الهدى الخيرية بالنيجر إبراهيم القاسم "الطارقي مهما علا شأنه لا يستطيع أن يتزوج عربية، لكن العربي مهما قل شأنه يستطيع أن يتزوج بطارقية". ويضيف "العربي عندنا يرى نفسه سيدا للطارقي، سواء أكان الأخير أبيض (سيدا) أو طارقيا أسود (عبدا)".

ويرى القاسم أن من الأسباب التي أدت إلى اندثار هذه العادة عن قبيلة الزرما، هو أن الأخيرة اختلطت وتزاوجت بالفرنسيين أيام الاستعمار "قبيلة الزرما لا تمثل اليوم سوى 24% من المجتمع، لكنهم يشغلون كل المناصب الإدارية والوزارية، فقد حظيت القبيلة أكثر من غيرها بالتقرب الفرنسي. لهذا فإن عادات وتقاليد كثيرة اندثرت عندهم أو امتزجت بنظيرتها الغربية".

الضيوف أثناء استماعهم لخطة فقيه الحي بعد عقد العروسين للقران (الجزيرة)

في النيجر لا يمكنك حجز موعد لعقد قرانك على هواك، إذ أنه لا يتم سوى أيام السبت والأحد صباحاً للعزاب، أما الأرامل والمطلقون فخصص لهم الخميس والجمعة بعد صلاة العصر.

يقول القاسم "كان الرئيس الثاني (سيين كوينتي) قد استحدث بعض القوانين لتيسير الزواج أمام الشباب، ولتحسين وضع المطلقات أيضا. إذ حدد قيمة المهر بـ 50,000 فرنك سيفا (حوالي 89 دولارا) بغض النظر عن الحالة الاجتماعية للزوج، وما زاد عنه يعتبر هدية".

ويؤكد أن دستور الدولة لا يزال يخضع للمذهب المالكي في باب المعاملات، إذ أن المرأة التي تخلع زوجها عند القاضي يتوجب عليها دفع 50,000 فرنك سيفا، أو ثمن المهر القانوني فقط.

وعن قيمة المهور، يقول سائق تاكسي بنيامي "لا تقل المهور عن 300,000 (530 دولارا) ولا تزيد على مليون فرنك سيفا (حوالي 1769 دولارا). بعض الناس يشتري سلاسل ذهب وملابس للعروس ويقدمها مع 300,000 فرنك سيفا، لكن أغلبية الأزواج يفضلون تقديم 500,000 (884 دولارا) لتتصرف فيها العروس كما تشاء".

وعن تقاليد الزواج في قبيلة التوبو، تقول بالكيسا "في قبيلتنا، تقوم والدة العروس بصرف مهرها في تجهيزات الحفلة. فهناك مصاريف الولائم ليومين كاملين، بالكاد تكفي بقرة بـ 200,000 فرنك سيفا (354 دولارا) لإطعام الضيوف، ثم مصاريف الفستان والحنة، والبقية على أثاث البيت. لكن في العادة لا يبقى شيء للأثاث، لهذا يدبر الزوجان أمورهما شهرا على الأقل على حصير، ودلو وإبريق للوضوء، وكيس أرز وأطعمة ترسلها والدة العروسة لها حتى تستقر حالتهما المادية".

توزع التمور على الضيوف بعد عقد القران مباشرة والذي يكون في بيت العروس بين أولياء الأمور دون حضور الزوجين (الجزيرة)

في العاصمة نيامي، تعرفت على سيدة طارقية تعمل مزينة للعرائس، تحكي عن تقاليد الزواج في قبيلتها فقالت "متوسط المهر عندنا 400,000 فرنك سيفا (حوالي 700 دولار) وغالباً ما يقوم والد العروس بصرفه كله على الأثاث، في حين يتكلف من ماله الخاص بمصاريف الزفاف".

وعن تقاليد العرس عند الهوسا أكبر القبائل هنا، إذ تمثل أكثر من 54% من المجتمع. تحدثني فاطمة أحمد مدرسة في "فرونكو أراب" فتقول "تختلف التقاليد بين العروس البكر والثيب، فالزواج بالنسبة للأولى يومان: يوم للوليمة وآخر للحنة. أما عند الثانية، فيوم واحد فقط ينتهي بانتهاء الوليمة وذهاب العروس إلى بيت زوجها".

وتشرح فاطمة تفاصيل الاحتفال فتقول "في بيت العريس أو في خيمة ملحقة بالمنزل، يجلس الأقرباء بعد انتهاء مراسم عقد القران ليتناولوا وجبة الفطور، وقبل الثالثة عصرا تكون الوليمة جاهزة للتقديم، وهي عبارة عن اللبن واللحم، وينصرفون ليكون اللقاء مساء، حيث يذهبون لأخذ العروسة من بيت أهلها".

وتضيف "قبل الزفاف لا يسمح للعروس أن تخرج من البيت مدة ثلاثة أيام. بل لا يسمح لها أن تصنع أي شيء. أقرب صديقاتها يقمن بخدمتها كالأميرة، وعندما يأتي العريس وأصدقاؤه لأخذها، يطالب أقرباء العروس بحق الخادمات. في العادة يدفع لهن العريس 5000 فرنك سيفا (حوالي تسعة دولارات) وهو تقليد قديم يدل على أن الزوج مستعد للتضحية بكل شيء من أجل راحة زوجته".

لا يتوقف الأمر عند حق الخادمات، بل إن العروس تذهب إلى بيت زوجها بثوب خاص يغطي كل جسدها بما في ذلك رأسها، وعند وصولهم إلى البيت، يطالب أهلها بدفع ما يسمى حق الكلام حتى يستمع الزوج لصوت عروسه، كما أن الأخيرة لا تكشف عن وجهها إلا إذا دفع الزوج حق رؤيتها أيضا.

تقول فاطمة "إذا كانت الزوجة بكرا، فإنها تعود فجر اليوم الموالي إلى بيت والدها من أجل الظفارة والحنة. وتتواصل طقوس تزيينها وتجميلها إلى حلول المساء، حيث تذهب لبيت زوجها مكشوفة ومتبرجة هذه المرة".

وتضيف "تنتهي مراسم الزفاف، بوليمة من طبق (الياسا) وهو دجاج بالخضراوات المتبلة. عند الهوسا والطوارق والعرب وحتى الفلات، فإن الأعراس تكون غير مختلطة، أما عند "الزرماويين" فإن النساء يرقصن ويغنين، بل إن وجهاءهم يحضرون مغنيا شعبيا لحفلة الزفاف".

لا ينزع الطارقي لثامه حتى في احتفالات الزواج، يرتدي ثوب البازان الأبيض، ويزين وجهه بنقوش من الحناء (الجزيرة)

متوسط عمر الزواج في النيجر عند الرجال 25 سنة. فإذا تعدى الثلاثين ولم يتزوج أصبح مادة خصبة للنميمة، حيث يتهم بالعجز البدني أو أنه زير نساء.

تحدثني فاطمة أكثر عن نظرة المجتمع النيجيري لمسألة الزواج، فتقول "الزواج هنا مقدس جدا. بعض المساجد لا يقبل أن يؤم الناس فيها عزب وإن كان حاملا لكتاب الله. نقول لمن تزوج أنه أتم دينه، لكن من تزوج بأربع نساء يعتبر رجلا كاملا، ويشار له بالبنان لكونه مصدر فخر".

صبيحة يوم الزفاف، يرتدي العروسان نفس الثوب ونفس اللون. يوزع التمر ونوى الكولا على الحاضرين: نواتا كولا وثلاث تمرات، هكذا جرت العادة. يجلس الفقيه مع أولياء العروسين ويقرأ خطبة الحاجة، ثم يعلن أمام الناس كم دفع العريس كهدية للعروس -إذ أن المهر معروف قيمته فقد تم تحديده قانونيا وهو سارٍ على الجميع- ثم تتلى آيات من القرآن الكريم وينصرف الجمع بدعاء الختام.

وعن التقاليد المتبعة داخل الأسرة الهاوساوية، تقول فاطمة "عندما تتزوج المرأة من قبيلة الهوسا فإن عليها أن تعتني بكل متعلقات زوجها. فلا تسمح لأحد غيرها بأن ينظف ملابسه وغرفة نومه أو حتى أن يعد له الطعام".

سنة 2001، وقعت الحكومة النيجيرية على بند يتعلق بحقوق النساء، يقضي بأن من حق كل زوجة تعرضت للضرب من زوجها أن ترفع أمرها للقاضي، وأن تستدعيه إلى المحكمة.

وتؤكد فاطمة أحمد أن إقرار حقوق المرأة جاء بعد حراك طويل لجمعية حقوق الإنسان، للحد من ظاهرة العنف الأسري المنتشرة في المجتمع. لكن ورغم كل هذه الجهود، يبدو أن النيجيرية لا تزال منشغلة بتوفير "حق العيش" كأولوية قبل النضال من أجل "بقية الحقوق".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/13-

فتيات بينين الخادمات بالنيجر.. استغلال الحاجة

فتيات بينين الخادمات بالنيجر.. استغلال الحاجة
 

رميساء خلابي - نيامي

عندما كان عمري 13 سنة أرسلتني والدتي إلى النيجر للعمل في بيت إحدى الأسر الثرية، وعملت هناك خمس سنوات، لم أتمكن خلالها من رؤية أمي إلا عندما أنجبتُ مبارك.

في عام 2011، وصلت سمسارة لبيت رقية في بينين وجلست ساعة تتحدث مع والدتها بخصوص سفرها إلى مكان بعيد لجني المال. هذا كل ما فهمته حينها الفتاة الصغيرة. التي تقول "أخبرتني أمي أنني سأقوم بالأعمال المنزلية التي اعتدت فعلها هنا في منزلنا، ككنس أرضية المنزل والحديقة، وأنهم سيعطونني مالا كثيرا، أستطيع أن أحتفظ به من أجل زواجي مستقبلا".

تبلغ نسبة الفتيات القادمات من بينين للعمل في النيجر 1% من مجموع العاملات هنا. هكذا يخبرني إبراهيم القاسم رئيس جمعية نور الهدى الخيرية، وهي جمعية محلية يمولها خليجيون. ويقول إن "وجودهن يتمركز في العاصمة نيامي، وهن يشتغلن في العادة نادلات في المطاعم والمقاهي والفنادق، أو خادمات في بيوت الموظفين وكبار الطوارق".

ويقول القاسم عن هذه الظاهرة "يحرس الموظفون على تعليم أبنائهم اللغة الفرنسية، لهذا فإن جلب مربية لهم تتقن الفرنسية يكون أمرا مساعدا جدا، وفتيات بينين على عكس النيجريات، يتحدثن الفرنسية بطلاقة. أما كبار الطوارق فغالبا ما يأتون بالفتيات من بينين للعمل كطباخات أو غسالات ملابس. وعلى عكس الموظفين، يفضل الطوارق البيض الاعتماد على طوارق سود في مسألة الاهتمام بأطفالهم".

على يمين الصورة مكان مبيت هذه الخادمة، وعلى اليسار أسوار البيت الذي تعمل فيه (الجزيرة)

ويؤكد أن الطوارق البيض لا يحبون إشراك أجنبي في أمورهم العائلية أو حتى التجارية. أما عن الطوارق السود فيقول إن المجتمع الطوارقي مجتمع طبقي. فالطوارق البيض يعتبرون أنفسهم أسيادا للطوارق السود، والطوارق السود يعترفون بأنهم عبيد للطوارق البيض.

في منزل كبير تديره أرملة وأم لخمسة أبناء، يتكدس في إحدى بيوته الكبيرة عشرون فتاة أمثال رقية، أتين جميعهن من بينين بحثا عن لقمة العيش، أو حلما بتأمين جهاز العروس حتى قبل أن يعثرن على عريس.

يحدثني القاسم أن هناك جمعية غير قانونية يشرف عليها كبار السن من بينين المقيمين بالنيجر، هم بمثابة أولياء أمور الفتيات، وحلقة الوصل بينهن وبين عائلاتهن، إذ يحولون الأموال والبضائع ويسهلون مرور الفتيات بين الدولتين، ويتولون البحث عن عمل للفتيات الجدد وتنظيم أمور السكن للمقيمات.

ويضيف "يكون الاتفاق مع من ترغب في استئجار إحدى غرف منزلها على العناية بالفتيات، والمحافظة على أمتعتهن. في العادة تدفع كل فتاة 2500 فرنك سيفا (حوالي خمسة دولارات) كل شهر، وهي قيمة المكان الذي تنام فيه. يكون بوسعها أن تقيم عند الأسرة التي ستعمل معها أو العودة مساء كل يوم إلى هنا".

تعمل الخادمات كل الوقت ما دمن موجودات في المنزل، لكن يسمح لهن بيوم إجازة في الأسبوع (الجزيرة)

ينادونها ماما، وهي بالفعل أم للجميع. فهن يتناوبن على أمور تنظيف المكان وإعداد الطعام أيام الأحد، عندما يكون الجميع حاضرا كبنات البيت الواحد، وإن مرضت إحداهن أو كانت لديها مناسبة ما، أو جاءت فتاة جديدة من بينين لم تحصل على عمل بعد، يدفعن مساعدات لأرباب الجمعية ليتكفلوا بترتيب ذلك.

تقول "واني"، وهي ابنة جارتي في حي فيصل حيث كنت أسكن في نيامي "معروف عن فتيات بينين أنهن يُجدن الأعمال اليدوية، فهن طباخات ماهرات، بل هن أول من أدخل ثقافة المطابخ إلينا، بعدما كان في المدينة مقاه فقط".

لكن القاسم يتحدث عن أسباب أخرى، كالعملة المشتركة بين الدول الفرنكفونية، وعن المعاملات القانونية اليسيرة التي لا تفرض فيزا أو إقامة، بل أحيانا لا يسألون في الحدود حتى عن بطاقة الهوية كما يقول.

واني التي تعمل اليوم بعد تخرجها من جامعة غانا في إحدى الشركات الأجنبية بالبلاد، ولديها خبرة كبيرة مع الخادمات البينينيات، تقول إنهن يعملن من أجل توفير جهاز العروس الذي لا يمكن إقامة حفل عرس أو الموافقة على الزواج من دونه "في بينين يعتبر المجيء بطفل أيسر من الزواج، العائلات هناك -بغض النظر عن مرجعيتها الدينية- تتقبل فكرة الأطفال قبل الزواج بشكل متفاوت".

وتؤكد أن أغلب الخادمات يأتين من أسر تدين بديانات وثنية محلية، وأن ما يحكم الأسر في الغالب هي العادات والتقاليد بحكم أنها مجتمعات قبلية "لدينا مثال بالهوسا يقول نترك الحلال لأجل الحياء. فرغم أننا مسلمون، والشريعة تحل لنا الزواج بين أبناء العمومة على سبيل المثال، فإننا نترك ذلك لأنه يخالف تقاليدنا".

إحدى الخادمات أثناء إعدادها لوجبة الغذاء على نار الحطب، إذ أن استعمال الغاز يكاد يكون مقتصرا على الأجانب المقيمين هنا فقط. (الجزيرة)

تتفاوت رواتب الخادمات بين 20,000 و60,000 فرنك سيفا (37 - 112 دولار) وذلك لاعتبارات عدة، أولها مدى إتقان الخادمة للغات محلية وللفرنسية بالخصوص، خبرتها وعمرها، ثم الأسرة التي ستعمل عندها. كل ذلك يكون الاتفاق عليه مسبقا بين الفتيات والجمعية التي تتكفل بأمورهن في النيجر.

يقول القاسم "مدير الجمعية هو بمثابة الأب بالنسبة للفتيات، لا يمكن مخالفة أمره أو مناقشته، فبغض النظر عن خبرته الكبيرة في هذا المجال، فهو كبير السن أيضا، وكبار السن يوقرون جدا في مجتمعاتنا".

لكن خادمة لم تبلغ 18 سنة، تعمل في نيامي تحكي قصصا مؤلمة عن استغلال أرباب الجمعية للفتيات "سمعت أنهم يطلبون من بعض الفتيات أن يمارسن الجنس معهم، لم تكن الفتيات تعارض ربما لخوفهن من العودة إلى البلد، أو لأنهن يعتقدن أنه أمر عادي لا يجب الخجل منه أو رفضه".

جلست مع والدة واني وهي امرأة كبيرة السن، قليلا ما تخرج من غرفتها، لأستفسر منها، فقالت لي إن الأمر شائع خصوصا بين الفتيات والفتيان عندما تتاح لهم فرصة الاختلاط أيام نهاية الأسبوع.

وتقول "الخادمة التي معي لا أتركها تذهب إلى أي مكان من دون علمي، هذا جيد لها ولنا أيضا. فالفتيات يأتين في سن يحتجن فيه للتوجيه والنصح، فأغلبهن من تعتقد أنها ستحصل على طفل وتعود به للبلد، تتركه لأمها لتقوم بتربيته حتى يكبر ويساعدهم بدوره، وهناك من تعتقد أنها إن جاءت بطفل إلى الدنيا فستجبر والده على الزواج بها".

رغم أن القانون النيجري يمنع تشغيل القاصرات، ويعتبره شكلا من أشكال العبودية، فإن صفا من الفتيات الصغيرات يقف كل يوم على الحدود البرية بين بينين ونيامي، بانتظار الإذن بالعبور.

 

حتى في منازل الأغنياء، تعمل الخادمات بالطرق اليدوية، وما يزال ينظر للوسائل الحديثة أنها وسائل غير ناجعة. (الجزيرة)

إيندو، فتاة عمرها 22 سنة، تنتظر منذ يومين إذن العبور إلى النيجر، تقول إنهم منعوها بإذن قانوني دون أن يخبروها عن سبب ذلك. "عملت في نيامي في بيوت الأغنياء لسبع سنوات، عندما اتصلوا بي من البلد ليخبروني أن جدتي توفيت، قررت العودة، أعطتني سيدتي حقائب رز وسكر وزيت. لم أشأ أن أعود للعمل، فإخوتي صغار وعلي البقاء إلى جانبهم، لكن بعد مرور شهرين، أدركت أنه علي الرحيل فأهلي ليسوا بحاجة لوجودي بل إلى المال".

كان سبب توقيف هذه الفتاة هو تسهيلها لوصول فتيات صغيرات من بينين للعمل في النيجر، بعض هؤلاء الفتيات اشتكين إلى الأب في الجمعية سوء المعاملة التي يتعرضن لها من أربابهم في العمل، ويبدو أن فاعل خير أبلغ الجهات الحكومية لتأخذ المسألة بعين الاعتبار.

تقول فاطمة أحمد وهي أستاذة بمدارس فرونكو آراب بنيامي "مجتمعاتنا تخاف الفقر أكثر من أي شيء، لهذا لا تقلق الأسر عندما تغادرها بناتها للعمل خارج البلاد في سن مبكرة جدا، فما دمن سيأتين بالمال فلا فرق إن عملن خادمات أو نادلات، على اعتبار أن مجتمعنا النيجري لا ينظر إلى العاملات في المطاعم والمقاهي والفنادق نظرة محترمة".

إنه الفقر إذن، الحاجة الماسة للبقاء على قيد الحياة. فعلى خلاف القصص التي تأتينا من دول أخرى لخادمات أجنبيات يعذبن أطفال سيداتهن، فإن خادمات بينين هن من يتعرضن لشتى أنواع المعاناة والتعذيب، فرغم الأمل الذي يسطع بريقه خلف حكاية الهجرة والعمل، فإن طفولة بريئة تمحى ملامحها وتشوه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/13-

في بوركينا فاسو يصارعن الحياة بالزراعة

في بوركينا فاسو يصارعن الحياة بالزراعة

 


رميساء خلابي - واغادوغو / بوركينافاسو

 

بينما يقوم الرجال في بوركينا فاسو بحرث الأرض ونثر البذور والري بأدوات تقليدية وأحيانا حراسة الحقول فإن المهام الملقاة على كاهل النساء تبقى أكثر مشقة من ذلك، إذ إن مهامهن لا تنجز إلا باليد.

سعيد أبو بكر كفاندو مدرس اللغة العربية ويعمل أيضا تاجرا في القطاع الخاص يقول "تعمل النساء عادة في مواسم الحصاد، إذ يقمن بقطف الثمار إما باليد بالنسبة للثمار الموجودة في الأرض أو بواسطة عصي خشبية لتلك الموجودة في الأشجار ثم تنظيفها وتجفيفها، أما الرجال فيقومون بمهام السقي والري بمساعدة الآلات اليدوية، وأحيانا نجد عند بعض ملاك الأراضي آلات متطورة يوفرونها لمستخدميهم من أجل إنتاج أوفر".

ويؤكد كفاندو أن اللواتي يشتغلن في الحقول أغلبهن فقيرات من أسر مسلمة "من الطبيعي عمل المسلمات في الحقول أكثر من غيرهن، فنسبة المسلمين في بوركينا فاسو تصل إلى 70%، وهناك عامل آخر هو أن المسيحيات والوثنيات يلتحقن بالمدارس النظامية ويحصلن على وظائف حكومية بعد تخرجهن، أما المسلمات فيفضلن المدارس القرآنية والوقفية والتي يصعب أن تفتح أمامهن بابا للكسب، مما يضطرهن إلى العمل منظفات في الشوارع والمكاتب، خادمات في البيوت، أو عاملات في الحقول".

نسوة يشاركن في عملية حرث الأرض جنبا إلى جنب مع الرجال غرب بوركينافاصو (الجزيرة)


وعن القبائل التي تتحدر منها النساء العاملات في الحقول يقول كفاندو إن نساء قبيلة موسي يشتغلن في حقول الذرة، ونساء قبيلة جولا في حقول الأكاجو غرب الدولة، كما أن نساء فلاتة يشتغلن في حقول القطن والشعير والسمسم وقصب السكر والفول السوداني والمانجو.

تقدر نسبة النساء في بوركينا فاسو بـ52%، أكثر من 30% منهن عاملات في الحقول، سألت سعيد كفاندو عن أجورهن فأخبرني أنها لا تتعدى سبعين دولارا شهريا، في حين يحصل الرجال على أضعاف ذلك مرتين على الأقل.

ورغم أن عمل النساء في الحقول مقتصر على مراحل الحصاد فإن كثيرا من النسوة يشاركن في مراحل الزراعة عن طريق نقل المياه إلى الحقول الواقعة في المناطق المعزولة أو عند شح الأمطار، ناهيك عن عملية الإنتاج والتي لا يشارك فيها الرجال، بحيث تقوم النساء البوركينيات بتحويل الثمار إلى منتوج قابل للتصدير.

فاطمتو إحدى النساء العاملات في حقول الأكاجو غرب بوركينا فاسو، وهي أم لطفلين التقينا بها أثناء رحلتنا، تقول "نحن نقوم بكل شيء، مهامنا غير محددة كما هو شائع، صحيح أن مواسم الحصاد هي ذروة وجودنا في الحقول، لكننا نساعد الرجال في مواسم الزراعة والحرث أيضا".

وتضيف "أعمل في حقول الأكاجو منذ خمس سنوات، تقوم مهمتي على قطف الثمار وتنظيفها وتعبئتها في أكياس بلاستيكية صغيرة للاستهلاك المحلي، لكن هناك زميلات لي يقمن بتعبئتها في صناديق خشبية وإرسالها إلى المعامل من أجل تصديرها للخارج".

أثناء عملية قطف الثمار، التي تتفرد بها النساء في حقول الذرة بوركينافاسو (الجزيرة)


وتشرح فاطمتو أن نسبة استهلاك الأكاجو محليا قليلة جدا نظرا لغلاء ثمنه لكونه يصدر بالدرجة الأولى إلى دول أوروبا والهند، بالإضافة إلى انتشار إشاعة بين الناس مفادها أن استهلاكه يسبب الكوليسترول.
بوركينا فاسو التي تعتمد على قطاع الزراعة بشكل أساسي في اقتصادها تبقى استفادة السكان المحليين من هذا القطاع محصورة في الرواتب الضئيلة من خلال العمل بالحقول أو من خلال الاستفادة من محصول الخضار والفواكه للاستهلاك الشخصي، إذ يصدر السمسم والأكاجو والقطن وقصب السكر بالأساس إلى الخارج.

يقول كفاندو "حقول قصب السكر في الجنوب تصدر محاصيلها إلى تركيا، وقطن بلدنا من أجود أنواع القطن لكننا عاجزون عن الاستفادة منه، أما الفستق والسمسم في شرق البلد -وإن كانت حقوله منتشرة في كل المناطق تقريبا- فيصدر إلى إيطاليا ومصر، وكذلك الفول السوداني الذي يحول إلى زيت، أو يصدر كما هو".

سيدة تجر المياه من أجل ري الحقول في مواسم الجفاف (الجزيرة)


بالنظر إلى الأرقام المتوفرة فإن بوركينا فاسو تعتبر المنتج الرئيسي للقطن وأكبر مصدر له في جميع بلدان القارة الأفريقية، لكن يبقى ما تجنيه العاملات في حقوله لا يتجاوز خمسين دولارا في الشهر.

تقول فاطمتو "رواتبنا الضئيلة لا تكفي لأي شيء، نحن والحمد لله لدينا أراضينا وماشيتنا ولا نحتاج سوى الاعتناء بها لنوفر قوت يومنا، لكن متطلبات الحياة ليست مجرد أكل وشرب فعلينا تسديد رسوم مدارس أبنائنا، وشراء الدواء في مواسم الأمطار، إذ يحمل هذا الفصل الكثير من الأمراض المعدية معه، ونضطر إلى اقتناء تذاكر الحافلة لزيارة الأهل بمناطق الجنوب".

وتضيف "يصعب علينا الاكتفاء بالعمل في الحقول بمواسم الحصاد فقط، لهذا تجدنا مضطرات لتحمل مشاق العمل في مواسم الحرث من أجل مئتي دولار زيادة، وهو ما يساوي عملنا لأربعة أشهر متواصلة".

وتؤكد فاطمتو أن ملاك الأراضي يفضلون استخدام النساء رغم عجزهن عن القيام ببعض المهام كتقليب الأرض وحراستها ليلا، لأن أجورهن أقل بكثير من الرجال، كما أنهن مستعدات للتضحية بكل شيء في سبيل تحصيل لقمة العيش، فضلا عن قابليتهن للتعلم بسرعة، وجلب نساء أخريات للمشاركة في العمل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/13-

"زبدة الشيا" تنقذ عائلات من أنياب الفقر

"زبدة الشيا" تنقذ عائلات من أنياب الفقر


رميساء خلابي - واغادوغو / بوركينافاسو




قبل أن أغادر غرب أفريقيا كنت سألت بعض الأصدقاء عن زبدة "شيا" جيدة آخذها معي إلى جنوب شرق آسيا فدلوني على مصنع صغير في بوركينا فاسو، وليس بعيدا عن عاصمتها الاقتصادية بويوديالاسو (ثلاثون كيلومترا تقريبا) توقفت السيارة أمام بيت فسيح أشبه بالكراج، كانت أبوابه مفتوحة على مصراعيها، تخبرك الحركة الدؤوبة والرائحة النفاذة منه عن جهود جبارة تقوده

استقبلتنا سيدة مسنة، أحضرت لنا مانجو طازجة، وأخذتنا خلف المصنع، حيث أراض جرداء لم تزل آثار عجلات سيارة كبيرة مرسومة على طرقها الطينية المبتلة غير المعبدة.

قلت للسيدة إني أرغب في زبدة جيدة، وإني أتيت لها من مسافة بعيدة خصيصا فقالت لي "نحن نصنع زبدة الكاريتي أو ما يعرف بـ "الشيا"، كما ننتج السومبالا أيضا، تعلمت ذلك في البيت عن والدتي وعن جدتي".

وأضافت أن "معظم نساء القرية يجدن هذا العمل، فأشجار الكاريتي والسومبالا تنبت كثيرا عندنا، وهي لا تحتاج لأي عناية أو اهتمام، فهي عشوائية كما ترين".

وتارا ديالاغا -هكذا كان اسم السيدة المتحدثة- ولدت سنة 1948 في موموندارا وهو اسم القرية حيث أتينا، وهي رئيسة هذا المصنع وأم لثمانية أبناء يتامى.

نوى الكاريتي المستعملة في المصنع في بوركينا فاسو (الجزيرة)

 

وعن بداياتها تقول وتارا "نساء قريتي يصنعن زبدة الكاريتي لاحتياجاتهن الشخصية، فنحن نستعملها في أطباقنا بدل زيت النخيل، وكذلك نستعملها كريما مطريا لأجسادنا، بل هناك من تمزجها بالشمع لتستعملها مطهرا طبيعيا للأماكن الحساسة".

وتضيف "فتحت عيني على الدنيا وأنا أرى جدتي ووالدتي تذهبان إلى الحقول لقطف نوى شجرة الكاريتي، ثم تناديان على نساء الحارة للمساعدة في صنع الزبدة الطرية لكن في سنة 2000 فكرت في التسويق لمنتجنا المنزلي، أرسلت عينات إلى مدن أخرى من بوركينا فاسو، حيث لا توجد أشجار الكاريتي بكثرة، مما يضطر العائلات هناك إلى شرائها من الأسواق، والحقيقة أن منتجي لقي إعجابا وقبولا لم أكن أتوقعه لأنه طازج وثمنه أرخص من السوق".

لم يتوقف عمل واتارا عند هذه النقطة، فقد اقترحت على نساء القرية ممن ينتجن كميات كبيرة أن يشاركنها المشروع، وأن يحولن عملهن الفردي إلى مهنة جماعية مربحة "بدأنا بلا شيء، فالمادة الخام لمشروعنا جاهزة، كان علينا قطفها فقط، وتجميع النوى الجيدة قبل خروج الموسم، في البداية تحمست بعض النساء فقط، والآن لدينا أكثر من ثلاثين سيدة في مصنعنا هذا يعملن بدوام كامل، ويتعامل معنا بعض الرجال في أمور التوزيع والتسويق".

في هذه المنطقة تنتشر أشجار الشيا، وأشجار النيري التي يستخرج منها السومبالا، وهو منكه طبيعي يمكن إضافته لصلصات السمك واللحم، أو يمكن طبخه وحده وتقديمه مع طبق أرز كما هو الحال في بوركينا فاسو.

تقول واتارا "صحيح أن الكاريتي والسومبالا معروفتان في دول شرق أفريقيا، والسبب هو الطراوة والرائحة الخفيفة، ويسهل لأي زبون أن يتعرف على الفرق بين زبدة كاريتي من كينيا، وزبدة كاريتي من بوركينا فاسو، فالأولى رائحتها غير مزعجة كما أن ملمسها حريري، أما الثانية فرائحتها لاذعة وملمسها أكثر خشونة".

الصورة للفناء الخلفي المصنع، حيث تتم عمليات التنظيف الاولى للنوى (الجزيرة)

وتضيف "لكن النساء في قريتنا وحتى في الدول المجاورة يحببن الرائحة القوية، ونعتبر أن زبدتنا وكذلك السومبالا التي نقوم بإنتاجها محليا شفاء لكثير من الأمراض الموسمية".

بعد نجاحها في إنتاج زبدة الكاريتي والسومبالا وتميز منتجها تحمست واتارا لمشاركة النساء الأخريات تجربتها وتشجيعهن على العمل، فتقول إنها بدأت بالتعامل مع محلات القرية والمحافظة فقط في بداية مشروعها، لكن بعد ست سنوات من العمل الدؤوب والتوزيع داخل أرياف ومدن الدولة بدأ الطلب على منتج واتارا من بعض الدول المجاورة.

وتواصل حديثها بأن زبائن كثيرين يشترون منها بالجملة ويعيدون توزيع المنتج على دول أفريقية أخرى "منذ سنة 2006 وأنا أتعامل مع شركاء رائعين داخل الدولة وخارجها، زبائني في مالي يحبون منتجي كثيرا، فالعرائس هناك يهتممن بالعادات والتقاليد، وهن يستعملن زبدة الكاريتي بكثرة على خلاف المستهلكين في بلادي، إذ يستعملونها في أطباقهم أكثر".

وعن الصعوبات التي تواجه نساء المصنع في عملهن، تقول واتارا إنهن قد يضطررن إلى شراء نوى الكاريتي عندما يرتفع الطلب على المنتج، في حين يكون محصول الأشجار ضعيفا، في البداية كان باستطاعة كل واحدة منا إنتاج خمسمئة كيلو من الزبدة، واليوم أستطيع وحدي إنتاج خمسة أطنان، في حين تنتج النساء الأخريات في هذه الحدود أو أقل، الأمر يتوقف على مدى قدرتهن على العمل الذي يبدأ بتجميع النوى وينتهي بالوقوف لساعات متواصلة في المصنع. وتضيف "قد أحتاج أحيانا إلى تشجيعهن، لأن الأرباح تقسم حسب مجهود كل عاملة وليس بالتساوي".

تختلف أسعار الكيلو الواحد من زبدة الكاريتي حسب الموسم، ففي حين لا يتجاوز الثمن مئة فرنك سيفا (19 سنتا أميركيا) للكيلو الواحد قد يصل إلى ستمئة فرنك سيفا (1.12 دولار) في مواسم الجفاف، حيث يضطر فيها المصنع إلى تأمين مادته الأساسية من الأسواق الخارجية.

زبدة الشايا داخل الأحواض البلاستيكية والسومبولا داخل الأكياس أثناء نقلهم لأسواق المدينة (الجزيرة)

تقول واتارا إنها تحلم بالحصول على مصنع أكبر لتخزين الطلبيات قبل توزيعها، كما تتطلع إلى توسيع نشاطها في القارة "نحن نحب ما نصنعه قبل أن نفكر في الربح، زبدة الكاريتي بالنسبة لنا هي المادة الأساسية لأي طبق يطهى على النار، ونحن نطمح إلى أن تتذوق نساء باقي القارة زبدتنا ويتعرفن عليها قبل أن تصدر إلى الخارج". وتضيف "لكن كل ما أرغب فيه الآن أن تنضم كل نساء القرية لمشروعنا، وأن يصبح لنا مصنع أكبر يحتمل حجم الطلبيات الواردة".

عندما سألت واتارا عن الوضعية الاجتماعية للنساء العاملات معها قالت إن معظمهن أرامل أو مطلقات، وأخبرتني أنها لم تكن تخطط لاستهداف هذه الشريحة، لكن المجتمع المحافظ حيث تعيش يرى في خروج المرأة غير المطلقة أو الأرملة إلى العمل نذير شؤم، أما خروج سيدة مسنة كما هو الحال مع واتارا التي شارفت على السبعين فهو عار كما تقول "في قريتنا، نفضل أن يموت اليتامى على أن تخرج أمهم للبحث عن عمل، كما نفضل أن يعمل الأطفال الصغار بدل أن يعمل كبار السن".

وأنا أغادر القرية الصغيرة تجمع أطفال حول السيارة يحملون في أياديهم طاسات حديدية يتلون آيات من القرآن، ملابسهم رثة ولا ينتعلون أي شيء، سألتهم إن كانوا يريدون مالا أو شيئا للأكل فأجابوا أنهم جوعى، قلت لهم هذا كيلو من زبدة الكاريتي نصيبكم هذا المساء، لكن عدوني أن تتعلموا صنعها، فربما لم تبق حكرا على النساء يوما ما..  ضحكوا.. ضحكنا.. وتحركت السيارة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/13-

نساء "الفلاتة" يحتكرن تجارة لبن الأبقار

نساء "الفلاتة" يحتكرن تجارة لبن الأبقار

 

رميساء خلابي - نيامي

 

إن حللت ضيفا على طوارق أو عرب النيجر، ضيفوك (أتاي) شايا مركّزا حلو المذاق، أعد على مهل على جمرات شبه مشتعلة. وإن حللت ضيفا على الهوسا أو الزرماويين ضيفوك ما وجدته عندهم. أما ضيوف الفلاتيين فينعمون بشرب لبن البقر الطازج.

تعتبر الأبقار عند قبيلة "فلاتة" ثروة نفيسة، لهذا كانت عادتهم في إكرام الضيف من لبنها، أقصى مظاهر الترحاب تجليا لديهم.

خارج بوتي مارشي (السوق الصغيرة) بالعاصمة نيامي، تقف نساء يحملن أكياسا بلاستيكية بداخلها لبن البقر، ينادين على المارين أن تعالوا اشتروا لبنا طازجا بـ 600 فرنك سيفا (حوالي دولار واحد) فقط للتر. وكان المارون يتوقفون عند بائعي الدجاج البلدي جوارهن، وقليل منهم من يتوقف ليشتري لبنا. استفسرتُ فقيل لي إن اللبن مغشوش.

مثل نسوة اللبن هنا، تقف أخريات بسوق "كاتاكو" التي أغلقت مؤخرا بسبب الإصلاحات، جنبا إلى جنب مع بائعات عجين الدخن.

يقول موزع ألبان بمدينة زيندر "حتى ثمانينيات القرن الماضي لم نكن نعرف شيئا عن بيع الألبان. كان الفلاتيون معروفين بتربيتهم للأبقار، ولكن ليس بهدف التجارة وإنما للاستعمال الشخصي، حتى أن الفلاتي لو أراد أن يهديك شيئا ذا قيمة أعطاك بقرة".

 

سيدة فلاتية تبيع لبن الأبقار في مدينة زيندر (الجزيرة)

اتجهت بسؤالي إلى الأستاذ إبراهيم القاسم، رئيس جمعية نور الهدى الخيرية بنيامي، فقال إن القصة ترجع لسنة 1984، عندما أغلقت نيجيريا حدودها مع النيجر بقرار من الرئيس محمد بخاري، نتيجة دعم بعض الجنود النيجريين لقبائل شمال نيجيريا، التي كانت تحارب ضد قبائل الجنوب. ويضيف "أن النيجر قبل هذا التاريخ، كانت تعتمد على نيجيريا في قطاعات اقتصادية عديدة، وأن إغلاق الحدود أثر سلبا في النشاط التجاري المحلي".

وقال القاسم "بدأ الناس يركزون على الدخن في وجباتهم، فقد كان أقل تكلفة من الأرز، كما أن محصوله كان أوفر".
ولتقريب الصورة يقول "إن كيسا من الأرز يزن 50 كيلوغراما، كان يباع بـ 10,000 فرنك سيفا (18 دولارا)، بينما كيس من الدخن يزن 100 كيلوغرام بـ 12,000 (22 دولارا) فقط. أما اليوم فالأسعار قد تضاعفت مرتين على الأقل.

ويذكر أن النساء بدأن يخترعن أطباقا مختلفة من الدخن، وأن هناك طبقا اشتهر في البلد كثيرا في تلك الحقبة، وإن كانت قبائل كالطوارق وآدراوا تعرفه من قبل. الطبق يسمى "هورا"، وهو مزيج من الدخن واللبن، وأقرب للعصيدة منه إلى الحساء.

لا يزال هذا الطبق يباع إلى اليوم في أسواق المدينة على شكل عجين، يخفف باللبن عند تناوله، وعنه يقول القاسم "في السابق، كان من اشترى عجين الدخن يذهب إلى فلاتي ليحصل على اللبن، فالقبائل الأخرى لا تملك أبقارا في الغالب".

بائعة اللبن خارج بوتي مارشي تؤكد أنها تبيع لبنا صافيا دون ماء (الجزيرة)

 

وحتى سنة 2004، كانت النساء الفلاتيات يبعن اللتر الواحد من اللبن بـ 400 فرنك سيفا (75 سنتا)، لكن في سنة 2005 زاد مئة فرنك سيفا، بسبب المجاعة التي كادت أن تودي بالبلاد إلى الموت. بل إن أسعار كل المواد الغذائية المحلية والمستوردة في عهد الرئيس "مامادو تانجا" ارتفعت.

تقول بائعة لبن توقفت أمام طاولتها ببوتي مارشي، أن ألبانها طازجة، لم تخلط بماء أو مخمر، لكن الناس هنا يؤكدون أنه لبن مغشوش، فقد سمعته منذ دخول شركات الألبان على الخط، وأنه يصعب أن تجد اليوم لبنا صافيا، إلا في القرى، وعن طريق معارف.

كما أن إشاعة منتشرة هنا تقول إن لبن الفلاتيات يسبب أوجاعا في المعدة لأنه غير نظيف، وأن الفقراء يفضلون الاستغناء عنه -وإن كان ثمنه مشجعا-، بدل التورط في دوامة المرض والبحث عن علاج. لذلك يتعارف الناس على أنه من الضروري أن يستهلك لبن البقر الطازج خلال يوم واحد على الأكثر.

قلما تجد ثلاجة في النيجر، ومن توفرت لديه، حولها إلى مصدر رزق، سواء عبر تبريد الماء وبيعه في الطرقات للسيارات المارة، أو عن طريق تبريد العصائر المنزلية وبيعها أمام المدارس، لذلك عندما سألت البائعة إن كان لديها ثلاجة لتبريد اللبن، قالت إنها توزع على جاراتها الحصص المتبقية بعد عودتها إلى المنزل. "في الصباح نحلب أبقارنا، ونعبئ الأكياس البلاستيكية باللبن، ثم نتوجه إلى بوتي مارشي، ونبقى هناك حتى إغلاقه أبوابه عصرا. أما الكميات التي لم نستطع بيعها نوزعها على الجيران، أو نخلطها بالعجين لوجبة العشاء".

بائعات لبن مسنات يجلسن جنبا إلى جنب مع بائعة عجين الدخن (الجزيرة)

عجين الدخن الممزوج بلبن البقر، أو هورا كما يطلق عليه هنا، بقي وجبة فطور أو عشاء للنيجريين لعقود. وإن كان العجين لوحده قد عرف بيعه في النيجر قبل ذلك بكثير من طرف قبيلة "كور فاياوا" في منطقة "فلينغي"، أو قبيلة "آراوا" في منطقة "دوتشي".

يقول موزع الألبان بزيندر إن القرى ما زالت إلى اليوم تعتمد على لبن أبقارها، لكن سكان المدن يلجؤون إلى لبن الفلاتيات، أو لبن الشركات "نعتمد على عجين الدخن في وجبات الفطور والعشاء، بسبب نقص المواد الغذائية الأخرى في القرية".

أما في المدن فغالبية الأسر تعتمد على الخبز الفرنسي أو الأرز في وجبات الفطور، بينما يستهلك الأغنياء لبن الشركات وحده، أو يخلط مع عجين الدخن ويتناول بعد الوجبات.

تقول البائعة إنها كانت تبيع بشكل أفضل قبل سنة 2006، فمع دخول شركات الألبان هذه السنة تراجعت تجارتهن وأصبح الإقبال عليهن ضعيفا "يفضل الناس شراء صولاني لأن منظره جذاب، لكنهم لا يعرفون أنه غير طبيعي مثل ألباننا".

وصولاني مصطلح يطلق على منتجات الحليب والألبان غير التقليدية، وأغلبها يكون مخلوطا بقطع الفواكه كالموز والأناناس، بل إن أمهات يفضلن أن يعطونه لأطفالهن الرضع، بغية فطمهم.

موزع الألبان بزيندر يقول إن صولاني شركة وطنية، لكن هناك شركات خاصة مثل كوصوم وأكوكوصي وتوكنوصي، يملكها تجار طوارق، ويقبل على منتجاتها الصغار والكبار، كما يفضلون حليب لي فري lait frais التابع لشركة نيجر لي Niger lait -وهي شركة تملكها تاجرة من مارادي-، على حليب الفلاتيات وإن كان أغلى بالضعف، إذ إن ثمن اللتر الواحد منه يساوي ثمن لترين من لبن الفلاتيات.

فلاتية تنتظر مرور الحافلات لتبيع للركاب لبنها الطازج (الجزيرة)

يحكي موزع الألبان "ألبان الشركات معلوم تاريخ صلاحيتها، لهذا يقبل عليها الناس هنا، فهي نظيفة وآمنة، بالإضافة إلى أنها أقل تكلفة".

يقصد البائع بتلك الألبان، منتجات شركة صولاني الوطنية، التي أصبحت اليوم بديلا عن لبن البقر الطبيعي في المدن خاصة، فثمن كيس بلاستيكي يزن 200 مليلتر 100 فرنك سيفا (19 سنتا) فقط، بينما لبن البقر الصافي لشركة نيجر لي -وهو الأجود- لا يمكن إيجاده بأقل من 300 فرنك سيفا (56 سنتا) لكيس بلاستيكي واحد من الوزن نفسه.

تقول البائعة "في القرية، تشرب لبنا طازجا كل يوم، وتأكل اللحم كل يوم، لكن لا تملك فرنكا واحدا، أما في المدينة فأنت تضحي بتلك الملذات المجانية مقابل جمع المال".

مثل الذهب ربما، قد تكون قيمة لبن الأبقار الحقيقية في استهلاكه، بدل الخوض في مغامرة التجارة به. لكن نساء قبيلة فلاتة -ثاني أكبر قبائل النيجر بعد الهوسا- يفضلن القرش الأبيض لليوم الأسود.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/13-

المارغا مارغا.. طموح سوراجا للتوسع بالقارة السمراء

المارغا مارغا.. طموح سوراجا للتوسع بالقارة السمراء


رميساء خلابي - نيامي



15 سنة من النضال -كما تقول- والهدف أن يصل خليط "مارغا مارغا" الخاص بها إلى كل ربوع القارة السمراء مع نهاية عام 2028. شخصياً، كان التعرف على "سوراجا" صدفة، عبر إعلان دعائي وجدته في سيارة الأجرة التي كانت تقلني للمعهد الفرنسي، لكن منتجها المميز اشتريته مراراً من محلات تجارية مختلفة بالنيجر، حيث شجعني الثمن، وأعدت الكرة مع اكتشاف الجودة. وتقول سوراجا "إن حياة النساء في أفريقيا عموماً، -والنيجر خاصة- ليست سهلة".

إنها إيبرو أدامو سوراجا (49 عاما)، لأمٍّ من النيجر وأب من بنين، ولديها أربعة أطفال؛ اثنان منهم بالتبني. وبعد تخرجها من الثانوية العامة وجدت سوراجا نفسها مجبرة على التوقف عن الدراسة والتفرغ للعمل لمساعدة والدتها؛ إذ تقول "كنتُ منذ صغري أعمل؛ فنحن أسرة كبيرة، والأطفال في بلدي يتعلمون كيفية الحصول على المال حتى قبل دخول المدارس".

اشتغلت في بداياتها طاهية عند "البيض"، وتعلمت معهم المزج بين مختلف التوابل، وكان دافعها الأول هو الحصول على المال لشراء جهاز العروس، ولم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها عريساً ومشروعاً مربحاً أيضاً.

في اللغة الزرماوية (اللغة الرسمية في النيجر) تعني "مارغا مارغا" المزيج (كوكتيل). أما في النيجر، فقد ارتبط في الأذهان بخليط التوابل الذي اخترعته سوراجا منذ عشرين سنة في مدينة "زيندر" مسقط رأسها، حيث تقول "بدأت عملي بطحن التوابل وتعبئتها داخل أكياس بلاستيكية صغيرة، ثم إرسالها إلى نيامي التي تبعد عنا نحو تسعمئة كيلومتر للبيع". وتضيف "زبائني الأوائل هم زملاء زوجي في العمل والأصدقاء".

سوراجا مع أحد المقاولين الأجانب تشرح له في مكتبها توابلها (الجزيرة)

 

لكن نشاطها توسع بعد عام فقط، حيث استقرت الأسرة بشكل نهائي في نيامي عام 2012. فتقول "كان أول سوق لي هو "خليل حداد" أحد التجار اللبنانيين، ونحن ما زلنا إلى الآن شركاء، إذ كان عرض منتجي سيئاً حينها، وكانوا يقولون إن الفئران ستأكل هذه التوابل المرصوصة على الرفوف"، وتضيف "لدينا الآن عشرون مركزا للبيع، في العاصمة وأغاديز ومالي".

برأس مال قدره 11.500 فرنك سيفا (ثلاثة آلاف دولار) بدأت سوراجا مشروعها، ثم ارتفع في عام 2016 إلى مليون و145 ألف فرنك سيفا (31 ألف دولار). ولم يكن توفير المال التحدي الوحيد أمامها؛ فتقول "هناك أسئلة مجتمعية وأسئلة دينية، وأسئلة شخصية تخص تقدير زوجي للموضوع. لقد كافحت لأقنعه بأن مشروعي لأجل أبنائنا وأن راتبه لا يكفي، فهو يعيل أسرة من سبعة أشخاص، وهذا واقع لا مفر منه، فمقابل حصول الفرد على فرصة تعليم سيتوجب عليه أن يعيل أسرته وأقاربه مستقبلاً".

ومنذ افتتاح المشروع سنة 2001 لم تتلق سوراجا أي دعم مادي، لكنها حصلت على تدريب مجاني من قبل الغرفة التجارية سنة 2014 في التسويق والإدارة. وعام 2016 اختيرت من بين أربع نساء مقاولات للمشاركة في سفر دراسي مدة أسبوع إلى السنغال، تقول إن مشروعها حظي بالاهتمام.

ويعتبر مصنع سوراجا أول وحدة لاستهلاك التوابل في النيجر، وعنه تقول "إلى اليوم لا توجد أي شركة تستطيع القول إننا ننتج توابل طبيعية، باستثناء شركتنا التي تتفرد بذلك".

في السنوات الأخيرة انتشرت في الأسواق الشعبية بالنيجر توابل "مارغا مارغا" المقلدة، لكن سوراجا تقول إنها غير قلقة على مشروعها، بل على العكس من ذلك، فإنها تشعر بدافع أكبر للتقدم وابتكار وصفات جديدة، كما أنها سعيدة لرؤية النيجريات في ميادين العمل.

وتضيف قائلة "التوابل التي اخترتها في خلطتي هي توابل محلية: الثوم، والزنجبيل، والفلفل الأبيض أو الأسود، والبقدونس، والكرافس، وبالإمكان استعمالها في الصلصات البسيطة أو الصلصات المركبة، وفي صلصات الياسا أيضاً".

بعد تنظيف وتجفيف الأعشاب، تقوم نساء المصنع بفرز الكميات المناسبة لكل نوع من التوابل، التي سيقمن بانتاجها يدويا (الجزيرة)

إلى اليوم، يعمل مصنع سوراجا بطريقة تقليدية؛ ليس لنقص الإمكانيات، بل حفاظاً على جودة المنتج، وتقول "لن أبالغ إن قلتُ إن الأمهات مستعدات لإضافة أي شيء يصل إلى الأسواق لتصبح أطباقهن لذيذة، وهن في الأغلب غير مدركات للضرر الذي تسببه الإضافات الصناعية، أو الصلصات الصينية المستوردة على الصحة، وأعتقد بأنني منذ البداية كنتُ أرغب في ابتكار منتج لذيذ وصحي".

ورغم أن استعمال التقنية قد يسرع إنتاجية المصنع، وبالتالي سيرفع نسبة الأرباح، فإن سوراجا لديها رأي في هذا الصدد؛ فللحصول على بودرة الثوم مثلاً، تقوم نساء المصنع بعد تجفيف الثوم الأفريقي ذي الحبات الصغيرة، بتقشيره، ثم هرسه يدوياً. "يوجد في الأسواق آلات يدوية تقوم بهذه المهمة، لكننا نحرص على نظافة منتجنا، وهذا ما يصنع الفرق بين منتجنا وباقي المنتجات المتوافرة في السوق وليس الثمن فقط".

وعن التحديات التي يواجهها المصنع، تقول "لدينا تحدي الطقس، ويوجد تحدٍّ آخر وهو أن كل المواد الخام لا أجدها في النيجر؛ القليل هو ما أوفره من الأسواق الداخلية، من أغاديز ومرادي مثلاً، لأن الكمية الأكبر تصلنا من مالي ومن دبي، وكذلك من كوتونو، التي نستورد منها أوراق لوريي خاصة، بل وحتى أوراق التعبئة والتغليف لا نجدها هنا، بل نطلبها من الخارج، وهذا تحد بلا شك".

وتؤكد أنها ما زالت إلى اليوم تستورد قناني التوابل، بل حتى ملصقاتها كانت تستوردها من كوتونو أو نيجيريا حتى أواخر عام 2015، لأن ثمن استخراجها ملونة من المطابع مكلف في نيامي.

وتضيف "أحيانا تضيع البضاعة وأحيانا تتكسر قبل وصولها إلينا، بسبب الطرق المؤدية إلى النيجر، وعلينا أن نكافح، ومهما كان التطور بطيئا فإنه موجود بلا شك، وهذا ما يحفزنا على الاستمرار".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/13-

المرأة تحفر بأظافرها في اقتصاد غانا

المرأة تحفر بأظافرها في اقتصاد غانا


خلود حدق - أكرا / غانا




تعتبر المرأة في غانا ثروة حقيقية بالنسبة لأسرتها وللمجتمع بشكل عام، فهي تسيطر على ما يقارب 85% من سوق العمل، وقد شهدت غانا تطورا اقتصاديا ملحوظا في السنوات العشر الماضية. ويرجع خبراء الاقتصاد ذلك إلى دور المرأة في تفعيل الاقتصاد، حيث تأسست ما تسمى "جمعية ملكات السوق"، وباتت سيدات الأعمال يسافرن للخارج بغرض التجارة وتنشيط الأسواق الغانية.

ترغب الأسرة بزج فتياتها في سوق العمل ليصبحن قادرات على دعم الأسرة ودعم أنفسهن، وتأمين مستقبل أطفالهن، فالمرأة التي كانت بائعة الفول السوداني والأناناس والموز أصبحت تاجرة في أسواق العاصمة أكرا.

تقول سيدة الأعمال "لفلي" إنها تنقلت بين أعمال عدة من بيع السمك إلى بيع الأحذية إلى الفلاحة وصولا إلى تجارة العقارات. وتؤكد أن "المرأة في غانا إن لم ترع نفسها فلن تجد من يرعاها، فإذا كانت ريفية أو من عائلة فقيرة يتوجب عليها رعاية نفسها بأي شكل كان، وربما مساعدة أسرتها أيضا، فالأسرة تعتبر أن فتاة العائلة هي الأقدر على دعم الأسرة لما تملكه من قوة وإصرار يميزها عن الذكر".

شهدت السنوات الأخيرة الماضية وصول المرأة في غانا إلى أغلب مجالات العمل بعدما كانت محصورة بالتجارة والزراعة وبعض المهن اليدوية الأخرى، لكنها اليوم وصلت إلى مناصب في دولة وترشحت للانتخابات الرئاسية، لكن هذا لا يكفي حسب رأي "جيفا" وهي مهندسة إلكترونيات وصاحبة موقع جيفا للترويج للصناعات النسوية الغانية عبر الإنترنت.

المرأة الغانية تعاني التمييز وتتعرض لإيذاء نفسي ومحاربة اقتصادية من قبل الرجل (الجزيرة)



تقول جيفا "إن المرأة الغانية تحتاج لقدوات حقيقية تقتدي بها، فأنا مثلا سافرت إلى أميركا عندما كان عمري 12 عاما، وتأثرت بالعديد من الشخصيات الناجحة مثل "أوبرا وينفري"، لكن عندما عدت إلى غانا وجدت أن الفتيات ليس أمامهن مثل أعلى، فمثلهن الأعلى هي أي سيدة ناجحة في تجارتها وتملك المال فقط، وهذا لا يكفي كمقياس للنجاح".

تسعى جيفا من خلال مشروعها للترويج للصناعات النسوية الغانية في الخارج، لإيمانها بضرورة تمكين المرأة الغانية بشكل أوسع عن طريق تعلم المهن وربطها بالتعليم، فقوت اليوم الذي تقنع به بعض النساء لا يستطيع أن يطورها حسب قولها.

وتضيف "مشروعي هو مجرد مبادرة لإظهار إمكانيات المرأة الغانية وهو يجلب ربحا جيدا داعما للنساء اللواتي يصنعن المنتجات من إكسسوارات وتحف وكريمات تجميلية وصابون وحقائب جلدية، لكن أيضا تحتاج المرأة في غانا للعديد من المشاريع والمبادرات لتتمكن من تغيير نمط حياتها وتوعيتها".

تشكل الأمية بين النساء في غانا حوالي 50%، حيث يمتنع الأهالي عن إرسال أبنائهم خاصة البنات إلى المدارس، لا سيما في الأرياف، فهم يعتقدون أن الأفضل لها أن تتعلم مهنة لتدعم أطفالها في المستقبل، ويعتبر الإنجاب المبكر سواء كان من الزواج أو خارج إطار الزواج أحد الأسباب التي تحول دون تعليم الفتيات، فقد تضطر العائلات لتزويج البنات بعمر 10 سنوات أو 12 سنة بسبب الفقر.

المرأة التي كانت بائعة الفول السوداني والأناناس والموز أصبحت تاجرة في أسواق العاصمة أكرا (الجزيرة)


ولأن الفتاة تعتبر عرفا ثروة إنجابية تسعى القبائل لزيادة عدد أفرادها من خلال إنجاب العائلة الواحدة أكثر من ستة أبناء، وفي حال غياب الأب أو تملصه من مسؤولية الأبناء تحمل المرأة كامل المسؤولية من تربية وتأمين سبل العيش للأبناء.

"كيفتي" طالبة في مدرسة تصميم الأزياء عملت خادمة في البيوت لتؤمن ثمن أقساط المدرسة لتعلم فن الخياطة وتصميم الأزياء. وتقول إنها منذ نعومة أظفارها تعتمد على نفسها، لكنها قررت أن تتعلم مهنة لتتمكن من إنشاء مشروعها الخاص مستقبلا.

وتضيف، "واجهت صعوبات كثيرة من جوع وعوز، فلا أحد يستطيع إعالتي، لكنني رفضت أن أبقى خادمة أو بائعة فعملت لتوفير النقود لأدرس المجال الذي أرغب فيه وللأسف الدراسة ليست مجانية، ومبادرات الدولة لتمكين الفتيات والنساء قليلة جدا لا تكفي حاجة المرأة في غانا".

مع كل ما تحمله المرأة الغانية على كاهلها لم تنج من التمييز العنصري، فرغم دورها الفعال والمتنامي في شتى المجالات، فإنها ما زالت تعاني عدم المساواة بين الجنسين وخاصة في العمالة الريفية، وينتشر ذلك في المناطق الشمالية بشكل كبير، وربما تقل نسبة التمييز في العمالة بالمناطق الحضرية، لكنها قد تأخذ شكلا آخر.

تصارع المرأة في غانا لتأمين حياة كريمة لعائلاتها من خلال النشاط الاقتصادي المباشر (الجزيرة)


تقول المحامية "إلنور بارنيس" إن المرأة الغانية تعاني التمييز وتتعرض لإيذاء نفسي ومحاربة اقتصادية من قبل الرجل، وينظر الرجل إليها على أنها أداة جنسية ويحاول بشتى الوسائل استغلالها.

وتضيف "هناك قوانين تنص على حماية المرأة الغانية، مثل قانون العنف الأسري الصادر عام 1992، وقانون الزواج الذي يمنع زواج القاصرات وتعدد الزوجات، لكن هناك قوى أخرى تحول دون لجوء المرأة الغانية إلى القانون في حال تعرضها للعنف، هي قوانين القبائل وعادات المجتمع وتقاليده، التي تضع المرأة في خندق ضيق جدا يصعب عليها في بعض الأحيان اجتيازه".

وتعتبر السيدة بارنيس أن تعديل القوانين الغانية وفرض عقوبات أكثر صرامة على الرجل المعتدي سواء كان زوجا أو حبيبا أو أبا وإلزامه بالأطفال ونفقاتهم، ربما يؤدي إلى حماية المرأة بشكل أفضل والحد من تعنيفها والاعتداء عليها، وهي خطوة يجب أن تقوم بها الحكومة بشكل عاجل.

ما زالت المرأة في دول العالم الثالث تدفع الضريبة الكبرى للجهل والتخلف والتمييز العنصري، وهي أحد أهم الأعمدة في المجتمعات التي تنتمي إليها، فهل يصحو العالم على يوم تحظى فيه المرأة أينما كانت على العدالة الاجتماعية التي تكافح لأجلها؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/13-

المسرح الوطني بتطوان.. عودة الشيخ إلى شبابه

المسرح الوطني بتطوان.. عودة الشيخ إلى شبابه

 


وصال الشيخ - تطوان

 

استعمرت فرنسا وإسبانيا المغرب 44 عاما وقسّمته بينهما، إسبانيا في مناطق الشمال، وفرنسا استولت على مدن الوسط والجنوب، بداعي "الحماية"، ملتزمتين بشروطهما التي اتفقتا عليها في مؤتمر الجزيرة الخضراء (إسبانيا) المنعقد سنة 1906.

تغيّرت ملامح المغرب تحت ذريعة الحماية، فوسّع الاستعمار المدن وأنشأ الطرق والسكك الحديدية، وغيّر من ملامح المشهد الاجتماعي والثقافي للبلاد عبر المسارح والسينما التي أقامها أساسا لخدمة مواطنيه المستعمرين. هل كان الاستعمار يفكر أن يستمر طويلا، يبني ويُعمّر، أم أن سياسته كانت تمتد إلى ما بعد خروجه؟

على حبل "السياسة الإسلامية" لعب المارشال الفرنسي هوبير ليوتي، معتمدا مبدأ توقير واحترام كل ما يتعلّق بالمغاربة، مثل ديانتهم وعاداتهم المحلية وتعليمهم وقضاءهم. كان ليوتي براغماتيا مُدعيا حب الإسلام، متمنيا ألّا يفسد عليه أحد لعبته السياسية المحنكة. فقد قال مرّة "حكمت المغرب بفضل سياستي الإسلامية، وأنا متأكد أنها جيدة".

أدار ليوتي المغرب على طريقة الإنجليز، أي بطريقة غير مباشرة، تاركا بصماته على الدولة المغربية الحديثة التي نشأت بوادرها خلال إقامته في المغرب بين عامي 1912 و1926.

يزاوج المسرح بين وظيفتين، فقد خُصص لعرض المسرحيات والأفلام السينمائية المستوردة (الجزيرة)


عيّن ليوتي المهندس المعماري الشهير هنري بروست (Henry Prost) مديرا لمصالح التعمير والتخطيط بمدن المغرب ما بين 1914 و1922، وبنى فلسفته في التصميم على احترام النسيج العمراني القديم للمدن المغربية العتيقة، وحرص أن يكون بناء المدن الأوروبية الجديدة بعيدا شيئا ما عن المدن المغربية الأصلية بطريقة يسهل التمييز بينهما، حفاظا على هوية كلٍّ منهما.

لكنّ الشمال المستَعمَر إسبانيا، لم تقدم فيه تصاميم بروست (Planos de prost) نموذجا حقيقيا يحتذى به في العمران الإسباني الذي ظهر في مدن مثل تطوان والعرائش وشفشاون وطنجة، وكان انعكاسها محدود الأثر بسبب طبيعة تكوين العسكريين الإسبان الذين وسّعوا المدن الشمالية وفقا لحسّهم الأمني في غياب واضح لأي إستراتيجية معمارية.

وعزم الإسبان أن تكون الطرق والإقامات مؤقتة، إضافة لظروف تاريخية حددت معايير التدخل العمراني. وفي هذا السياق عمل الإسبان على مشروع توسعة تطوان عند دخولهم البلاد عام 1913، واستمرت التحديثات إلى أن وصلت أوج نجاحها بعهد الجنرال فرانسيسكو فرانكو، على غرار ليوتي ، بهدف تحقيق "التهدئة التامة" بعد أن خسرت إسبانيا نفسها في معركة "أنوال".

كل هذا يشير إلى أنّ الآثار التي تركها الاستعمار للأجيال القادمة، ورغم تعرّض جزء كبير منها للإهمال والسقوط، ما زالت قائمة وحاضرة بقوّة في المدن المغربية، وتظلّ محلّ دراسة حول العلاقة بين المستَعمِر والمستعمَر وكيفية التخلّص من الشعور بالتبعية الضيّقة أو الانبهار والهوسية تجاه الاستعمار.

يندرج إعادة إصلاح المسرح ضمن مشروع يستهدف إعادة الاعتبار لمكانة تطوان الحضارية والثقافية (الجزيرة)

يُعاد اليوم في تطوان تأهيل "المسرح الوطني" الذي بناه الإسبانيّ بيلاري (Pilary) عام 1914 لابنته المعاقة الشغوفة بالفنّ المسرحي ومشاهدة المسرحيات العالمية. يقع المسرح في حيّ "المصلى القديم"، أو "لونيتا" بالإسبانية وتعني القمر الصغير.

توقف العمل في المسرح بداية تسعينيات القرن الماضي، فأفرغ من نشاطاته وعروضه المسرحية والسينمائية، ولجأ أهل الحيّ إلى مسرح "إسبانيول" أو سينما "أبيندا" لمواصلة متعتهم الأسبوعية بمشاهدة الأفلام والمسرحيات.

سُميّ في البداية بمسرح "فكتوريا"، ولكن سرعان ما تغيّر اسمه إلى "المسرح الوطني" احتفالا بانتصار "الوطنيين الإسبان" بقيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو الذي كان يقطن غير بعيد عنه عندما كان قائدا عاديا في تطوان في الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1939، لكن هذا المسرح ظلّ يُعرف في الذاكرة الشعبية المغربية بعد الاستقلال بمسرح أو سينما الـ"مصلّى".

منذ فترة صدحت أصوات من تطوان، من حيّ "مصلّى" وصلت للإعلام المحلي تنادي بإنقاذ البناية الآلية للسقوط. وعندما زرت المكان وجدت لافتة تحذيرية "انتبه... بناية آلية للسقوط"، إلّا أنّ أحد العاملين البنّائين فتح لي الباب برفقة رئيسة الملحقة الجهوية للتراث الثقافي بتطوان، إجلال التونسي. كان عدد من العمّال مرتدين خوذاتهم قد نصبوا الأعمدة الاستنادية للطوابق الداخلية الثلاثة، ويعملون يوميا لتحقيق إنقاذ سريع للمسرح المهترئ. كان علينا أن نخطو بحذر على جانب الطوابق المطلّة على القاعة الكبرى، تحسّبا لأي انهيار.

حافظ الإسبان على روح العمارة الباروكية (المعتمدة على المنحنيات والأعمدة والمنحوتات) داخل منشآتهم الثقافية، وتبدو جليّة في أعمدة المسرح الوطني وزخرفته المحيطة بشاشة العرض الضخمة والشرفات الداخلية المطلة عليها.

سارعت وزارة الثقافة المغربية إلى إصلاح هذا المسرح منذ شهر تقريبا، وهو المسرح التاريخي الوحيد في جهة "طنجة - تطوان الحسيمة" الذي يخضع للإصلاح حاليا وفق المحافظ الجهوي للتراث في الجهة المصباحي العربي، ضمن مشروع إعادة الاعتبار الحضري لمدينة تطوان، وتلبية لمطالب الهيئات الثقافية والمدنية.
باشرت وزارة الثقافة والاتصال بإعادة تأهيل المسرح الوطني التاريخي منذ شهر تقريباً (الجزيرة)


وبما أن المسرح أصبح جزءا من التراث المغربي -وفق المصباحي- وملكية للجماعة الحضرية (بلدية) بتطوان، فإنّ إعادة الترميم تنطلق من مقاربة ثقافية بعيدا عن الأيديولوجيا، وسيحافظ المسرح مستقبلا على وظيفته الفنية كمكان للعروض المسرحية.

تطوان أو تيطاوين التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) على قائمة التراث العالمي سنة 1997، كانت أولى المدن المغربية -وربمّا الأفريقية- في تأسيس أول مسرح بالهواء الطلق في "فدان لوقش" عام 1860، ـوعرفت أيضا أول صالة عرض سينمائية في نهاية القرن 19 بمقرّ الإقامة العامة سابقا، القصر الملكي حاليا.

بالمجمل، بُني في تطوان 11 قاعة سينمائية ومسرحية، سبع منها مغطاة وأربع في الهواء الطلق، بقيَ من مجموعهنّ أربع قاعات مفتوحة الأبواب نوعا ما. وكانت كل قاعة يستفيد منها 250 ألف نسمة.

خارج المسرح، يمتد شارع طويل لمحلات الأقمشة والفرش، مهنة العديد من أهالي حي "مصلّى". أمام أحدها كان يقف محمد، مبديا رغبته في الحديث عن ذكرياته الطفولية مع قاعة المسرح التي تربّى على عروضها منذ الستينيات، آنذاك كان المسرح الوطني "سينما مشهورة وقاعة لعروض المسرحيات وأفلام الثورة، والأفلام العربية بالأبيض والأسود، يزدحم أمامها الناس، اليهود والنصارى (إشارة للإسبان) والمغاربة"، وبعد أن أُغلق المسرح بداية التسعينيات انتقل الأغلب إلى سينما "مونيمنطال وإسبانيول وأبيندا"، إلّا أن "المسرح الوطني حافظ على مكانته لدى المغاربة حتى في غربتهم" بحسب محمد، و"يتشوّق الجيل الكبير منهم لإعادة فتح أبوابه من جديد".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/13-

"بلاط" الدّيانات والمزاج العتيق في إسطنبول

"بلاط" الدّيانات والمزاج العتيق في إسطنبول

 

فاطمة سلام - إسطنبول

 

وجود حي "بلاط" في مدينة إسطنبول سبب آخر لتدمن هذه المدينة، ويرفّ قلبك لأجلها كما ترفّ النوارس بأجنحتها عاليا في سمائها المفتوحة على الحضارات والعشق والحكايا.

يقع هذا الحي في منطقة "الفاتح"، بين منطقتي "أيوان سراي" و"فنار" التاريخيتين، إلى الغرب من منطقة "إمينونو"، مطلا على القرن الذهبي وجماله السخيّ الذي يجرني نحوه نهاية كل أسبوع.

يعود تاريخ إنشاء "بلاط" إلى عهد السلطان العثماني "بايزيد الثاني"، وتنسب بعض الروايات اسم "بلاط" لقصر يسمى "بيلاطيون" كان يوجد في المنطقة. كما أن هذه الكلمة تعني بالعربية "القصر"، إلا أنك عندما تزور الحي ستجد أنه ليس فاخرا رغم أنه ثمين كحي من "الأنتيكا" (التحف). ولا أدري كيف تعدّ البساطة فقرا وهم يصنفون "بلاط" كأحد أحياء إسطنبول الفقيرة، لكن وضعه على لائحة اليونسكو للتراث العالمي أعاد الاعتبار لهذا الجمال العتيق الذي لم تحرّف السنون ملاحته ولم تفقده كنوزه.

ولنعرف أن هذا الحي ليس ذا خصوصية فقط لجماله وأصالته، بل أيضا لأن أديانا ثلاثة -هي الإسلام والمسيحية واليهودية- تعايش أهلها في بيوته وبين أزقته، وربطت بينهم أواصر الأخوة والجيرة، وما زالت جوامعهم ومعابدهم وكنائسهم القائمة إلى اليوم تُحدّث عن قلوب وأرواح مطمئنة.

بلاط ليس ذا خصوصية فقط لجماله وأصالته، بل أيضا لأن الأديان الثلاثة تعايشت فيه (الجزيرة)


بلاط المعابد
أبرز من سكن حي "بلاط" هم اليهود، فقد شكل ملاذا آمنا ليهود "الدونمه" أو "السفارديون" الذين قدموا من إسبانيا بعد سنة 1492 هربا من بطش محاكم التفتيش الصليبية عقب سقوط الأندلس، بالإضافة إلى "الخزر" -أي اليهود الرحل- الذين قدموا من دول آسيا الوسطى واتخذوا تركيا مستقرا لهم.

اليوم من الصعب أن تعثر على سكان يهود في "بلاط" بعد الزلزال الذي ضرب الحي عام 1894، حيث قادتهم سلسلة هجرات إلى خارج تركيا، أو إلى أحياء أخرى في مدينة إسطنبول.

وفي تقرير لصحيفة "حريت" التركية نشرته سنة 2001، تحدثت عن ثلاثة أشخاص بأنهم آخر يهود الحي، وقد تحدثوا للصحيفة عن الحياة التي عاشوها فيه و"حتى عن المشاركة في الحرب التي خاضها الوطن".

الهجرة من حي بلاط إلى أحياء حديثة أكثر شملت كل الفئات من مختلف الديانات، وارتبط ذلك بأسباب معيشية على الأغلب، إلا أن الوافد على الحي للزيارة سيسمع قصصا عن الحنين للعيش في هذا المكان، سواء من جيران سكان غادروا، أو من سكان حاليين يخشون أن تقودهم أي من الأسباب إلى ترك الحي، بالأخص مع موجة غلاء بات يعرفها مؤخرا بسبب الإقبال السياحي المتنامي عليه.

شواهد الديانات الثلاث في "بلاط" متعددة، حيث ستجد فيه "معبد أهريد" الذي بني في القرن الخامس عشر الميلادي، ويتميز بتصميمه الفريد الذي يشبه سفينة يذهب كثيرون إلى القول إنها مستوحاة من سفينة نوح، فيما يرى آخرون أن التصميم تخليد للسفن العثمانية التي حملت اليهود من الأندلس إلى المرافئ التركية الآمنة، وبغض النظر عن صحة أيٍّ من الروايتين فإن تصميم المعبد لافت للأنظار.

في بلاط تغذي كافة حواسك وترضيها بما ترى وتلمس وتشم وتتذوق وتستحضر (الجزيرة)


وتتربع في الحي بطرياركية "فنار روم أرثوذكس" كعلامة مميزة ببنائها العتيد وقرميدها الأحمر اللافت، وهناك أيضا كنيسة "ستيفي ستيفان بولغار"، وكنيسة "يانبول" التي يعتقد أن اسمها اشتق من اسم حي "يانبولو" الموجود في مقدونيا، خصوصا أن جلَّ الذين سكنوا جوارها وارتادوها كانوا من أصول مقدونية، فضلا عن كنيسة من العهد البيزنطي تسمى "كنيسة شورا" أو "خورا"، أصبحت متحفا في الوقت الراهن بعدما تحولت خلال القرن السادس عشر ميلادي إلى مسجد.

ولتكتمل أيقونة التعايش الجميل هذا، يضم "بلاط" أيضا في أحد زواياه المنعزلة مسجد "فروح كتهدا" الذي بناه رائد العمارة التركية المعماري الشهير سنان آغا خلال عهد السلطان سليمان القانوني، وقد كان مخصصا للدراويش، ولعل ذلك ما يفسر انعزاله.

وفي عهد السلطان سليمان، بني أيضا بأمر منه وعلى يد المعماري سنان آغا، جامع "يافوز سليم"، وهو ثاني أقدم مسجد عثماني ملكي في إسطنبول. وشيد هذا الجامع على تلة "الملاّ عشقي"، وهي واحدة من أجمل تلال المدينة التي ترفع إسطنبول على عمد الجمال. واسم "ملاّ" استعمل في عهد الدولة العثمانية، ويقصد بهم عالِم الدين.

وتنظر تركيا اليوم إلى هذه المعابد والكنائس والجوامع بتقدير بالغ، يجعلها تضطلع بمهمة الحفاظ على تراثها المعماري، وهو ما تخصص له برنامجا خاصا، وفي إطاره رممت تركيا مؤخرا الكنيسة البلغارية في إسطنبول أو "الكنيسة الحديدية" نسبة إلى أنها الكنيسة الوحيدة في العالم المصنوعة حصرا من الحديد، وبنيت في القرن التاسع عشر.

لا تستغرب وأنت في بلاط، أن تظهر في كادر صورة لعريسين اختارا أن يرسما لحظات من فرحهما في أزقة الحي (الجزيرة)

مقاهي الروح وتحفة الخاطر
إذا اخترت أن تزور حي "بلاط" صباحا، فيمكنك أن تحصل على واحد من أشهى إفطارات المدينة، وهذا ليس حكرا على محلٍّ بعينه، بل في كل مقاهي الحي المعدة بذوق عال يتناغم مع روح المكان وتاريخه، وتعده ربات بيوت من المنطقة أو شباب يعتبرون عملهم في المقهى متعة خالصة.

وإذا اخترت أن تزور الحي أصيلا، فيمكنك أن تشرب الشاي وأنت تفكر بالغروب الجميل القادم الذي يطوّف بقلبك بين لمعان الجدران الملونة والقرميد الأحمر.

ولا تستغرب وأنت في بلاط، أن تظهر في إطار صورة لعريسين اختارا أن يرسما لحظات من فرحهما في أزقة الحي، كل ما عليك فعله أن تدخل هذا الفرح أيضا.

باختصار شديد، أنت في "بلاط" تغذي كافة حواسك وترضيها بما ترى وتلمس وتشم وتتذوق وتستحضر، وفيه تعود إلى أصالة البساطة، حيث الشراشف (الأغطية) التي تبدو كأن الأمهات حاكتها على الطاولات المبسوطة بالخيرات، و"قعدات" الجيران والصحبة.

هناك تسترجع ذكرياتك بحماس المقبل على الأيام الجميلة، وربما تصنع هذه الذكريات محلات "الأنتيكا" ومزاداتها المنتشرة في الحي، تلك التي لن تفوت فرصة أخذ تحفة منها معك. وقد ترتشف الذكريات في فناجين "البورسلان" التي ربما حملتها عروس شابة إلى بيت زوجيتها هدية من جدّة، قبل أن وتصير إليك، فتخبرك أن ما نعيشه ونختبره ونعرفه له روح.

هذا هو حي "بلاط" كل شبر فيه ملون بفرح، وكل تفصيل ينبض باتقاد، كأنه لن يتوقف أبدا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/13-

مشروع علمي يلد أعرق حديقة حيوان بلندن

مشروع علمي يلد أعرق حديقة حيوان بلندن


عثمان بوشيخي - لندن

 

في عام 1828، وفي أوج الربيع بقلب لندن وداخل بيوت بسيطة للغاية، جُمع المها العربي و"إنسان الغاب" (وهو نوع من الغوريلا) والحمار الوحشي، لهدف علمي قصدته جمعية خيرية إنجليزية تدعى "جمعية علوم الحيوان"، لكن بعد ذلك بسنوات تغير الهدف ليصبح هذا التجمع حديقة حيوان كبرى فتحت أبوابها للعموم، وقد كانت طوال تاريخها موطنا لحيوانات نادرة ذات أهمية علمية، أو ببساطة لأن الجمهور أحبها.

منحت بعض هذه الحيوانات أسماء، مثل دب رمادي لُقب بـ"مارتن العجوز" وكان أول دب يعيش في بريطانيا الحديثة، و"جامبو" الذي كان من أضخم الفيلة ونُقل من باريس إلى لندن، ليُصبح اسمه مرادفا في الإنجليزية لكل شيء ضخم، وقد أطلق على طائرة بوينغ 747.

واستضافت الحديقة أيضا حمارا وحشيا عُرف باسم "كواجا"، وصُور للمرة الأخيرة وهو على قيد الحياة في الحديقة قبل أن ينقرض بصورة نهائية بسب حملات الصيد المتفاقمة في جنوب أفريقيا.

وجيء بنوع نادر من فرس النهر يدعى "أوبايش"، أهدته الإمبراطورية العثمانية لنظيرتها البريطانية، وكان أول مرة يحط فيها الرحال في القارة الأوروبية منذ أيام الرومان. كما ضمت الحديقة النمر التسماني الذي انقرض في أوائل القرن العشرين.

نقلت الحديقة عام 2001 كل الفيلة خارج لندن منهية بذلك 170 سنة من وجودها هناك (الجزيرة)


ولم يتلق صندوق هذه الحديقة أي دعم حكومي، بل اعتمد أساسا على تبرعات الأصدقاء وأعضاء الحديقة وزوارها، إضافة إلى رسوم الدخول.

وشهدت الحديقة العديد من أعمال التوسيع والصيانة على مرّ السنوات، تميزت بإخراج حيواناتها الاستوائية للهواء الطلق، بعدما ساد اعتقاد قبل ذلك باحتمال نفوقها في طقس بارد تموت فيه الحيتان، وافتتح أول قسم للزواحف عام 1849، وأول قسم للحشرات عام 1881، ثم أول حديقة حيوان للأطفال عام 1938.

أما حوض الأسماك في الحديقة فيعد أول حوض يُفتح أمام العامة في العالم، وكان ذلك عام 1953، وهو الآن ينقسم إلى ثلاث قاعات خصصت كل واحدة منها لأنواع مختلفة من كائنات الحياة البحرية، إذ تحوي الأولى أسماك المياه العذبة كثعبان البحر والأنقليس الأوروبي والمياه المالحة كفرس البحر، أما الثانية فتضم أسماك الشعاب المرجانية كأسماك المهرج والهيبو تانج، والثالثة تضم أسماكا متوحشة كالأربيمة وأخرى من نهر الأمازون كالسمكة الملائكية.

وتؤكد بعض الوثائق التاريخية أن بعض حيوانات هذه الحديقة كادت تتسبب في أزمة دبلوماسية بين لندن وبكين، إذ أشارت ملفات لرئيس الوزراء السابق "هارولد ويلسون" بين عامي 1974 و1975 أن الصين قدمت اثنين من دببة الباندا اسمهما "شينج شينج" و"شياشيا" هدية لإدوارد هيث عام 1974.

وطالبت الحديقة الحكومة إثر ذلك بتوفير المال اللازم لبناء بيت لدبيّ الباندا، فيما خشيت وزارة
الخارجية من أن يؤدي الإخفاق في توفير المال اللازم لهذا البيت إلى اعتبار الصين ذلك ازدراء لها.
إثر ذلك التقى مسؤول بارز في حديقة حيوان لندن بويلسون لبحث القضية، غير أن الحكومة لم تقدم أي مساعدة في هذا الإطار.

حوض الأسماك الحالي افتتحه الملك جورج الخامس وزوجته الملكة ماري في أبريل / نيسان 1924 (الجزيرة)

الحديقة عندما "أغلقت الأبواب"
مع ارتفاع أعداد الزوار وضيق المساحات المخصصة لآلاف الحيوانات، اضطرت الحديقة للإعلان عن إغلاق أبوابها عام 1991، لينهال سيل من الدعم المادي ويسمح لها بالاستمرار.

ولم يكن هذا هو الإغلاق الوحيد في تاريخها، فخلال القصف الذي تعرضت له لندن في ذروة الحرب العالمية الثانية، أُغلقت الحديقة بأمر حكومي مرات عديدة لمدة وصلت أسبوعا، وكانت فترة عصيبة من حياة الحديقة ولا سيما في سبتمبر/أيلول 1940 عندما دمرت القنابل أقفاص القوارض و"قط الزباد"، كما لحقت أضرار جسيمة بالمساحات المخصصة للجمال في السنة التي تلتها.

أما آخر مرة أغلقت فيها الحديقة أبوابها فكان ذلك لساعات في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد نشوب حريق تسبب في نفوق أحد حيوانات خنزير الأرض وأربعة سراقيط (السرقاط من السموريات).

تعد حديقة حيوان لندن أقدم حديقة حيوان علمية في العالم (الجزيرة)


مقاسات الحيوانات
وتجري الحديقة إحصاء سنويا لهذه الحيوانات يستغرق أسبوعا كاملا، تُقاس فيه أوزانها وأطوالها، إذ يلجأ حراس الحديقة لخدع وتكتيكات بارعة لحثها على الوقوف ومن ثم قياسها.

ومن هذه التكتيكات مثلا إغراء طيور البطريق الجائعة بالمشي على أجهزة الوزن فيما تسير صفا انتظارا لتناول وجبة الفطور، كما تُعلق وجبة الصباح في مكان مرتفع للأسود لتشجيعها على مد أطرافها إلى أقصى ارتفاع لقياس طولها.

وطبقا لهذا الإحصاء فإن أثقل الحيوانات وزنا في الحديقة برُمَتها زرافة تزن نحو 860 كيلوغراما، أما أخف حيوان فهو النمل آكل العشب الذي لا يصل وزن الواحدة منه إلى غرام واحد.

وتُنشر نتائج الإحصاء في النظام الدولي لمعلومات عن أنواع الحيوانات، وهو قاعدة بيانات تتشارك فيها حدائق حيوان أخرى. ويؤكد مدير الحديقة مارك هابين أن "معرفة وزن الحيوانات مؤشر مهم لمعرفة وضعها الصحي، إذ يساعد ذلك في الاطمئنان على أن كل حيوان يأكل جيدا وينمو بالمعدل الذي يجب أن يكون عليه".

وهكذا تعد هذه الحديقة من أكبر التجمعات الحيوانية في كامل المملكة المتحدة، إذ تؤوي في جنباتها أكثر من 698 نوعا من الحيوانات، وأكثر من عشرين ألف حيوان، منها الأسود والنمور والفيلة والتماسيح والبطاريق والعناكب الحمراء السامة، وحيوانات أخرى أقل شهرة مثل قردة "آي آي".

"حيوانات" لندن الناطقة
في عام 2005 انتُقي ثمانية أشخاص من بين ثلاثين متقدما كي يقضوا نهاية الأسبوع عراة أو شبه عراة في الحديقة، وكان العرض يهدف إلى التذكير بطبيعة البشر الحيوانية ومعرفة الأثر الذي قد يكون لهم على مملكة الحيوان وهم معروضون في مكان الدببة.

كما أعلنت الحديقة ذات مرة فتح باب الحجوزات للإقامة في غرف خشبية مريحة مبنية في محبس الأسود تعطي نزلاءها شعورا كرحلات السفاري، ورغم أن المقيمين لم يكونوا على تماس مباشر مع الأسود، فإنه كان بمقدورهم سماع زئيرها من وراء جدران عالية. كما دأبت الحديقة في أعياد الميلاد على تحضير ولائم وهدايا للقردة والأسود والبطاريق.

حرصت الحديقة منذ افتتاحها على تعيين كبار المهندسين المعماريين لتصميم مبانيها منذ أيامها الأولى، وهي الآن مُدرجة على قائمة مباني الدرجة الأولى في المملكة المتحدة (الجزيرة)

الحديقة الملهمة
وكانت حديقة لندن حديث كثير من الأفلام السينمائية، من بينها فيلم "الوهم الضائع" الذي صور عام 1984، معطيا فكرة عن شكل الحديقة بعد انتهاء الحرب العالمية، ولا سيما أنه صُور في أرض الأسود. كما صُورت أفلام أخرى هناك منها فيلم رعب شهير يدعى "مستذئب أميركي في لندن" عام 1981.

أما أدبيا، فمن بين الأعمال التي تحدثت عن الحديقة رواية "العدو" لشارلي هيغسون، وفيها تحدث عن نهاية العالم وفرار قردة شريرة من الحديقة لتهاجم في طريقها مجموعة من الأطفال الذين لاذوا ببعض المتاجر الكبرى.

وموسيقيًا، كان أثر الحديقة حاضرا في مقطوعات مثل "كام أندان" لفرقة البوب/روك الإنجليزية "دوران دوران" عام 1993، إذ صور الفيديو كليب في حوض الأسماك بالحديقة.

وفي إطار الاحتفالات بزفاف الممثلة الأميركية الشهيرة "ميغان ماركل" وحفيد ملكة بريطانيا الأمير هاري، أطلقت الحديقة في ديسمبر/كانون الأول 2017 اسم ماركل على أنثى حيوان "أكاب" (من فصيلة الزرافات) حديثة الولادة.

السابق

السابق

التالي

السابق