ياسين الكزباري - بوتسوانا

عندما نالت استقلالها من بريطانيا عام 1966، كان في بوتسوانا 12 كلم من الطرق المعبدة و255 موظفا حكوميا و22 حاملا لشهادة جامعية، ومدرستان ثانويتان تخرج منهما 100 طالب فقط. أي أسوأ من زامبيا التي كان عدد خريجيها من الثانوية ألف طالب، وكذا أوغندا حيث كان عددهم سبعة آلاف طالب.

وبمتوسط دخل سنوي يقارب 70 دولارا للفرد، أي 20 سنتا في اليوم، وبمنشأة صناعية متمثلة في مذبح واحد للأبقار، كانت بوتسوانا إحدى أشد الدول فقرا في العالم. وعلى أرض ثلاثة أرباعها صحراء (كالاهاري) قاحلة، ومن دون منفذ بحري، حكم بعض "الخبراء" حينها على البلاد بالفشل سلفا، وأشاروا على حكومتها بالبقاء جزءا من جنوب أفريقيا. وفي ذلك قال أحدهم "إنها أسوأ بداية يمكن تخيلها لدولة ناشئة".

أما اليوم، فقد تجاوز عدد المدارس الابتدائية 800 مدرسة، والثانويات 280، وأنشئت جامعة تضم تسع كليات، وانخفضت نسبة الأمية إلى 11%. أما متوسط الدخل السنوي للمواطن البوتسواني فقد ارتفع إلى 16 ألف دولار، أي أفضل من مثيله في البرازيل ومالديف، وأفضل من دول عربية بترولية كليبيا والجزائر.

وحققت بوتسوانا خلال ثلاثة عقود تلت استقلالها معدل نمو قدر بـ9%، ولم تتجاوز بهذه النسبة الدول الأفريقية وحدها، وإنما تجاوزت كل دول العالم. لكن هذه السرعة القياسية في النمو الاقتصادي لم تكن لتتحقق لو لم تحقق بوتسوانا رقما قياسيا في الشفافية وانعدام الفساد.

ففي عام 2002 صنفت منظمة الشفافية العالمية بوتسوانا في المرتبة 24 عالميا في مؤشر الشفافية (انعدام الفساد)، متجاوزة الدول الأفريقية بأشواط عديدة، بل متجاوزة فرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وكل الدول العربية. وما زالت إلى اليوم، وبعد عقد ونصف العقد، متربعة على قمة القائمة إلى جانب دول العالم الأولى، ومن العالم العربي صارت تجاورها دولتا الإمارات وقطر.

رياض أطفال حكومي في بوتسوانا التي تولي اهتماما كبيرا للتعليم (الجزيرة)


كيف يحدث في أفريقيا؟
لكن كيف لدولة أفريقية أن تحقق هذا التقدم السريع في ظل إمكانيات متواضعة جدا؟ طرحنا هذا السؤال على أستاذ الاقتصاد في جامعة بوتسوانا الدكتور ماليبوغو باكوينا فقال "بينما لم تبرح دول أفريقية مكانها، وانطلقت دول أخرى مسرعة في الاتجاه الخطأ، وضعت بوتسوانا عجلاتها على السكة الصحيحة وفي الاتجاه الصحيح، ثم سارت حذرة تفاديا لأي حوادث. وكانت البداية من الدستور الذي أسس للحق في التملك، وحظر تأميم الملكيات الخاصة، ومنع أي تضييق على التجارة والتصدير ونقل الأموال. وليوحد ثماني قبائل بوتسوانية، وأسس مجلسا لزعماء القبائل".

وكان الاتجاه العام للدول الأفريقية حينها هو تأميم الملكيات الخاصة ومصادرة ممتلكات الأجانب. وكانت النتائج غالبا مدمرة، فتحاشت بوتسوانا ذلك منذ البداية. وعندما طالب البعض بطرد الموظفين الأجانب الذين كانوا يحتلون 75% من الوظائف، خطب الرئيس قائلا "حكومتنا واعية بمخاطر الاستعجال بتوطين الوظائف، فالتهور يمكن أن يدمر كامل برامج الخدمات والتطوير الحكومية".

وكانت الثروة الوحيدة لدى قبائل بوتسوانا هي المواشي، فبنت الحكومة مذابح جديدة لتطوير صناعة اللحوم وتمكين ملاك الماشية من تصديرها، وعن ذلك يقول الدكتور باكوينا "بينما تم تأميم ممتلكات المزارعين في بعض الدول المجاورة، ومنعت دول أخرى تصدير المنتجات الزراعية إلى الخارج، كان ملاك المواشي في بوتسوانا يجنون أرباحا مادية مهمة، وقد استحسنوا جهود الحكومة. وحيث كان ثلثا المجلس التشريعي من ملاك المواشي، فقد دعموها في القرارات اللاحقة التي اتخذتها".

وما عدا المواشي التي تدب فوق الأرض، كان المنقبون الأوروبيون قد وجدوا تحت الأرض قبل سنوات بضع قطع ألماس، لكن لم يجدوا غيرها، فأوقفوا التنقيب. وكان الرئيس البوتسواني يأمل باكتشاف ثروات باطنية كالتي توجد بجنوب أفريقيا. وعن ذلك يقول باكوينا "كان الرئيس متخوفا من أن تتحول الثروات الباطنية إلى نقمة على بلاده، وتتنازع القبائل عليها، فوضع قانون المناجم والمعادن الذي قضى بأن ما تحت الأرض ملك للأمة وليس للقبيلة أو الأفراد. وقد لاقى القانون قبول زعماء القبائل، لأن الألماس الذي اكتشف سابقا وُجد في منطقة قبيلة الرئيس، وقد رأى زعماء القبائل الأخرى أن الرئيس يشاركهم الامتيازات ولا يستأثر بها لقبيلته. وبعد ذلك فتح الباب لشركات التنقيب التي اكتشفت كميات كبيرة من الألماس".

وفي 1969 أسست شركة ديبسوانا، التي امتلكت منها الحكومة البوتسوانية 15%، و85% لشركة دي بيرز العالمية. وتوالت الاكتشافات، وصارت بوتسوانا أول منتج عالمي للألماس. لكن العائدات كانت ضعيفة، ونجحت الحكومة بصعوبة في رفع حصتها من الأرباح إلى النصف.

يمتلك شعب بوتسوانا تراثا فنيا وفولكلوريا ثريا  (الجزيرة)



كان الحصول على عقد استغلال منصف للألماس تحديا كبيرا لدولة أفريقية فقيرة في مواجهة شركة عملاقة، لكن التحدي الأكبر كان هو كيفية استغلال ثروة الألماس لتحقيق تنمية مستدامة، ولتحقيق هذا الهدف أسست الحكومة شركة التطوير البوتسوانية عام 1970 لاستثمار دائم لحوالي 30% من الناتج الإجمالي في البنى التحتية والصحة والتعليم، وفي 1982 وضعت نظاما لدعم المشاريع الصناعية والزراعية والسياحية والخدماتية. واليوم لا تشكل عائدات الألماس سوى 40% من الناتج الإجمالي لبوتسوانا.

وتعاملت بوتسوانا بحذر مع الموارد المالية، فنجحت في تحقيق احتياطي نقدي من سبعة مليارات دولار، كما أنها لم تتورط في صراعات مسلحة تبدد مقدراتها، وقد جنحت لحل مشكلتها الحدودية مع ناميبيا سلميا.

وبعد إحسان التفاوض على الألماس وإحسان إدارة عائداته، واجهت بوتسوانا التحدي الأخطر وهو الفساد. وحول ذلك حدثنا باكوينا قائلا "بعد اكتشاف الألماس، تم اكتشاف الفساد. ففي بداية التسعينيات، ضُبط مسؤولون مرتشون، وكشف التحقيق عن شبكة موظفين متورطين في التلاعب في حسابات ضريبية. وبينما يروج في أفريقيا أن الاقتصاد الجيد يقتضي سياسة سيئة، فإن بوتسوانا أثبتت أن السياسة الجيدة تثمر اقتصادا جيدا".

ويضيف "أدرك المسؤولون خطر الفساد على كل الإنجازات السابقة. فأعلنت الحكومة الحرب عليه، وأعلنت شعار "صفر تسامح مع الفساد". وفي 1994 سن قانون الفساد والجرائم الاقتصادية، وأنشئت "مديرية الفساد وجرائم الاقتصاد" للتحقيق والتوقيف والتفتيش والمصادرة، وأتيح رقم مجاني للتبليغ عن الفساد، وكذا البريد العادي والإلكتروني والفاكس، وأنشئت محكمة خاصة بجرائم الفساد".

وعن فعالية المديرية في الوقوف على الفساد، سألنا الموظف في المديرية سريسي ماكونا فقال "نتسلم سنويا حوالي ألفي بلاغ، 5% يحال أصحابها على المحكمة، ومتوسط نسبة الإدانة هو 80%. وأول بلاغ وصلنا كان يتعلق بسوء التدبير في شركة عمومية، وقد انتهى التحقيق بمحاكمة رئيسها التنفيذي وإدانته وسجنه. كما حوكم من قبل وزير الدفاع راماديلوكا سيريستي عام 2011، وحوكم وزيران آخران".

وفي 1997 أنشئ مكتب المظالم لاستقبال الشكاوى ضد الموظفين المتهمين بسوء استعمال سلطتهم، وأنشئ مكتب الحسابات لتدقيق حسابات الشركات والمؤسسات الحكومية، ورفع تقرير سنوي عنها للقضاء. وفي 2009 وضع قانون الذكاء المالي، وأنشئت وكالة باسمه، لمراقبة المعاملات البنكية، والوقوف على المريبة منها.

المواشي وخصوصا الأبقار أهم ثروة زراعية لدى البوتسوانيين واليوم تملك نصف العائلات قطيعا من المواشي (الجزيرة)


وبالتزامن مع هذه الإجراءات، تنظم الحكومة حملة سنوية للتوعية بمخاطر الفساد، وتستهدف بالخصوص الأطفال من خلال ندوات ولوحات دعائية وبرامج تعرض في المدارس والأسواق، وقد ابتكرت سلسلة كرتونية بطلها السيد "ري بواماروري" أي "السيد شرف"، وهي بقرة خارقة تحارب الفساد.

ولم تحقق بوتسوانا ما حققته لولا زعماء اختاروا أن يكونوا ديمقراطيين. فبدءا من الرئيس الأول سيريستي خاما، وهو زعيم قبيلة بانغواتا الكبرى، وقد عاد بعد دراسته في أوروبا، مناهضا للاستعمار ومؤسسا لحزب بوتسوانا الوطني، ومشكلا إياه من جميع زعماء القبائل ونخب الأوروبيين الذين استوطنوا المنطقة منذ قرون.

ومرورا بزعماء قبيلة بانغواتا الذين لم يستغلوا موجة الاحتجاجات التي ثارت ضد الرئيس كيت ماسيري -وكان من قبيلة أخرى- عندما طبعت صورته على العملة الجديدة بدل صورة الرئيس المؤسس خاما، بل خاطبوا الجماهير داعين إياها لاحترام الآليات الديمقراطية، أو عندما خشي الحزب الحاكم خسارة انتخابات 1994، فلجأ إلى خفض سن التصويت من 21 إلى 18 عاما، وإتاحة التصويت للمواطنين خارج البلاد، بدل الانقلاب.

كما استفادت بوتسوانا من عدم تعرضها لاستعمار طويل الأمد، وفي ذلك قال الدكتور باكوينا "من حسن حظ بوتسوانا أنها لم تتعرض لعملية "تحضير" أوروبية، إذ لم تثر انتباه بريطانيا إلا أواخر القرن التاسع عشر، فأخضعتها للحماية عام 1885 لقطع الطريق على ألمانيا، وكانت مجرد صحراء ومن دون كثافة سكانية يمكن استغلالها، فتركت شؤونها الداخلية في يد زعمائها القبليين، وبالتالي لم تتقوض البنى السياسية والاجتماعية التي حكمت المجتمع البوتسواني لقرون خلت".

لقد كانت بوتسوانا دليلا على أن أفريقيا تملك من مقومات التاريخ والحضارة ما يمكّنها من أن تصير -حتى لو انطلقت من أسوأ بداية يمكن تخيلها- ألماسة نقية لامعة.

المصدر : الجزيرة