ياسين الكزباري - رواندا

كانت رواندا دولة فقيرة قبل الحرب الأهلية 1990 - 1993، لكنها بعد الحرب صارت أكثر فقرا. وكان متوسط دخل المواطن ستين دولارا شهريا. ومع نهاية الحرب، هوى إلى ثلاثين دولارا. فاجتاح اليأس قلوب الناس، ولم يبد في نهاية النفق أي ضوء، فالمستثمرون قد فروا جميعهم، والمواطنون الأغنياء كذلك، والشباب أصحاب الكفاءات، وحتى المؤسسات الخيرية التي يفترض بها إغاثة الناس حين الكوارث، ابتعد جلها عن الكارثة الرواندية.

لقد أفزعت رواندا العالم، ورغم مرور بضع سنوات على نهاية الحرب، لم يرتفع متوسط الدخل إلا بـ 15 دولارا، وقد بدا أن عودته إلى ستين دولارا -أي إلى خط الفقر- بحاجة إلى معجزة.

لكن سنة 2015، وصل متوسط الدخل السنوي للفرد إلى 1800 دولار، أي ثلاثين مرة ضعف ما كان عليه قبل عشرين سنة، وهو ما اعتبره كثير من الاقتصاديين معجزة حقيقية، بالنظر إلى الدمار الاجتماعي والاقتصادي الذي خرجت منه رواندا.

أما د. كليت نييكزا خبير الصيدلة الرواندي، فلا يرى في الأمر أية معجزة، وعن ذلك يقول "لكي تنشئ دولة ناجحة، لا تحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنما يكفي أن تستفيد من تجارب الآخرين. وإذا استطعت أن تجعل المطار خاليا من الفساد والرشوة، وخدمة الإنترنت في البلاد سريعة، وإجراءات الاستثمار بسيطة، والشباب يتحدثون الإنجليزية، فإنك ستحصل على دولة فعالة، وسوف تجذب الشركات والمستثمرين من كل العالم".

تستثمر رواندا ربع ناتجها الإجمالي في الصحة وقد وضعت برنامجا لتطوير المستشفيات والكفاءات . (الجزيرة)


لكن عندما وضعت الحرب أوزارها، كانت الكهرباء متوفرة لأقل من عشر السكان، والأمية تتفشى في نصفهم، فكان الحديث عن الاستثمارات والاتصالات سابقا لأوانه.

كان تسعة أعشار السكان مزارعين، وكانت الزراعة العمود الفقري للاقتصاد، لكن الإنتاج الزراعي انخفض بشكل حاد بعد الحرب، إذ خسرت البلاد حوالي ثمن سكانها الذين شكلوا خمس القادرين على العمل والمتوفرين على الخبرة في الزراعة، وكان التحدي حينها ضمان الأمن الغذائي.

ولتحقيق هذا الهدف، وضعت الحكومة خطة لتطوير الزراعة، وجلبت خبراء أجانب لأجل ذلك. وعن ذلك حدثنا د. نييكزا قائلا "كانت الزراعة تعاني مشاكل كثيرة، بسبب سوء البنية التحتية التي تصعب نقل الإنتاج إلى الأسواق فضلا عن تصديره، وكذا غياب أي آلية تمكن المزارعين من معرفة الأسعار في الأسواق المختلفة، وبالتالي تفادي حصول عجز في أسواق معينة وفائض في أسواق أخرى، وبالتالي تضرر المستهلك والتاجر.

فوضعت الحكومة آليات لحل هذه الإشكالات، مثل شبكة هاتفية للمعلومات الزراعية، ومكتب للتصدير وخدمة حكومية لنقل المحاصيل. كما وفرت الأسمدة بأسعار في متناول المزارعين، ومعدات للتأجير بأسعار مشجعة، وقروض ميسرة، وغير ذلك، وكانت النتيجة مذهلة. لقد ارتفع إنتاج القهوة من ثلاثين ألف طن بعيد الحرب، إلى 15 مليونا خلال خمس سنوات فقط، أي سنة 2000".

لكن الزراعة في عصر اقتصاد المعرفة، لا تغني ولا تسمن. وهذا ما كان يدركه الرئيس كاغامي، والذي قال في أحد خطاباته "نريد أن نتعلم من سنغافورة التي نجحت في تحويل التحديات إلى فرص. إن الأمر يتعلق بالاستثمار في الإنسان وفي المهارات والتقنية، والمنتجات عالية القيمة والقدرة على إدخالها إلى السوق".

تستثمر رواندا خمس ناتجها الإجمالي في التعليم وتخصص 5% منه في التقنية (الجزيرة)


كان كاغامي واحدا من قلة من الزعماء الأفارقة الملهمين. فقد كان زعيما عسكريا، لكنه حين انتصر في الحرب وأوقف المذبحة التي استهدفت عرقية التوتسي التي ينتمي إليها، تحدث كزعيم روحي ورفع شعار "لا انتقام" ولما أرسى دعائم السلام الاجتماعي أخذ يتحدث كخبير اقتصادي.

وبينما يحتاج المستثمر في دول كثيرة في العالم إلى أسابيع أو شهور لكي يحصل على ترخيص للاستثمار، كانت القصة في رواندا مختلفة، إذ في سنة 1998، وضعت الحكومة قانون استثمار جديدا، وأنشأت نظام "الشباك الواحد" للاستثمار، والذي يمكن للمستثمر أن يقوم بجميع الإجراءات القانونية في مكان واحد. واليوم في رواندا، يمكن إنشاء شركة في يوم واحد، أو بضع ساعات فقط.

كانت هذه أولى الخطوات التي قام بها كاغامي بهدف رفع جميع العراقيل التي تمنع المستثمرين الأجانب من دخول رواندا. أما الخطوة التالية، فكانت تأسيس مجلس استشاري للاستثمار والتطوير، وكان أعضاؤه من الروانديين ذوي الكفاءات العليا والمنتشرين بمختلف دول العالم. وقد ذهب إليهم كاغامي بنفسه لإقناعهم بالعمل إلى جانبه. وكان من بينهم نييكزا خريج جامعة إنديانا وأحد الخبراء البارزين في الصناعات الدوائية.

وعن ذلك يقول د. نييكزا "كنت قد غادرت رواندا سنة 1983، واتصل بي السفير الرواندي، وأخبرني أن الرئيس كاغامي يود مقابلتي. وعلى الطاولة، حدثتني عن رؤيته "رواندا 2020" وعن رغبته في أن أكون عضوا في مجلسه الاستشاري، ثم قال لي "إن لم تكن مستعدا لتحمل المسؤولية والمضي قدما، فربما لا تستحق شرف أن تقدم شيئا لبلدك" وحينها أيقنت أن هذا الرجل سيغير رواندا. وبعد ذلك بسنة، كنت أزور رواندا للمرة الأولى منذ ربع قرن".

وتأسس المجلس من أعضاء روانديين وآخرين أجانب، خبراء في الاقتصاد والطب والإدارة والإعلام، يضعون الخطط الإستراتيجية، ويجتمعون مرتين في السنة لتقييم سيرها، ورافقوا كاغامي إلى سنغافورة لدراسة تجربتها الناجحة والاستفادة منها.

تشكل القهوة أحد أهم المنتوجات الزراعية في رواندا (الجزيرة)


وكان من أهداف المجلس تغيير الصورة النمطية السلبية لرواندا عند العالم، والتي تحول دون مجيء المستثمرين. ويقول نييكزا "لا أحد يود الذهاب إلى بلد قتل فيه مليون شخص في ثلاثة أشهر. وهذا كل ما كان يعرفه العالم عن رواندا. لكن كاغامي قال: يكفي أن نجلب إلى رواندا اسما كبيرا حتى يأتي الآخرون".

وقد فعل كاغامي ذلك بنفسه، حين ذهب للقاء رئيس شركة ستار بوكس وأقنعه بزيارة رواندا. وقد قررت الشركة بعد ذلك أن تقيم سلسلة إنتاجية في البلاد، وأصبحت أول زبون للقهوة الرواندية. كما اجتمع كاغامي بمدير شركة غوغل حول مشروع لتحويل رواندا إلى نواة للاتصالات والتقنية في المنطقة، من خلال تخصيص 17% من الناتج الإجمالي للتعليم، و5% منه للتطوير التقني، وقد استثمرت غوغل بدورها في رواندا.

وكانت نتيجة هذه الإجراءات وغيرها أن حققت رواندا أحد أسرع معدلات النمو في العالم، من سنة 2000 إلى 2015، بمعدل 9% سنويا. وترتب على هذا النمو انخفاض معدل الفقر من 60% إلى 45%، ونسبة الأمية من 50% إلى 25%، ومتوسط أمد الحياة من 48 سنة إلى 64 سنة. كما نالت الرتبة الـ 44 في مؤشر الشفافية، متفوقة على إيطاليا والبرازيل والهند وجل دول العالم.

كما نجحت جهود رواندا في عدم الارتهان إلى الزراعة، حيث تشكل اليوم ثلث الدخل فقط، بعدما كانت تشكل أكثر من 70%، بينما تشكل الخدمات أكثر من نصف الدخل.

لقد آمنت رواندا بقدرتها على النهوض، معتمدة على قدراتها، ولم تعتمد على المساعدات الدولية كما فعلت دول أفريقية أخرى، وحين سئل كاغامي عن موقفه من المساعدات، قال "نقدر المساعدات الخارجية، ولكن عليها أن تساعدنا في تحقيق ما نريد الوصول إليه، فلا أحد يعرف مصلحتنا أكثر منا". ثم أضاف "ولا دولة يمكنها أن تقيم تنمية بالاعتماد على المساعدات، فالارتهان بها يسلخ عنا إنسانيتنا، ويسرق منا كرامتنا".

المصدر : الجزيرة