عاطف دغلس - نابلس




قصص وحكايات نسجت في ذاكرة الحاج علي جود الله (أبو حسن)، كانت ولا تزال تحوم في باله ويستذكرها كل حين، وهي الآن وبمثل هذه الأيام تدق بابه أكثر من ذي قبل، فهي قصص العادة الشعبونية التي تتزامن مع شهر شعبان من كل سنة، وهي عادة توارثها النابلسيون منذ عقود خلت أبا عن جد.

والشعبونية عادة نابلسية امتازت بها مدينة نابلس دون غيرها من مدن فلسطين، وتنسب لشهر شعبان، وهو الشهر الثامن في التقويم الهجري، يقوم فيها رجل البيت الأب أو الشقيق بدعوة النساء فقط من البنات والشقيقات والخالات والعمات ومن يتبعهن من الإناث والصبية الصغار لتناول الطعام والمبيت عنده، سعيا لتعزيز صلة الرحم وأواصر المحبة وألفة اللقاء، ففي الأمر حكايات تروى وأناس ملهوفون للاستماع.

مثل تلك الحكايات لمّا تغادر مخيلة أبو حسن، فهي قصص الشعبونية في شهر فضيل تكون فيه صلة الأرحام أسمى من أي شيء آخر، وفيه درجت عادات تُقرّب العائلة من بعضها وتجمع نساءها كما لو أنها لم تغادرها قط عبر زواج أو غيره.

علي جوده داخل منزله بالبلدة القديمة بنابلس حيث يدعو قريباته خلال شعبان ويتجمعون بوسط البيت (الجزيرة)


الطعام واللمّة
يقول الرجل الستيني لا أزال أذكر أبي "أبو السعيد" الذي كان ذائع الصيت ليس بحي الياسمينة حيث نقطن فحسب، بل في البلدة القديمة برمتها وهو يستعد لعزومة شعبان، حيث كان البيت يمتلئ بشقيقاتي والقريبات من النساء "الولايا"، وكن يأكلن الطعام الذي يعد خصيصا لهذه المناسبة، وليلا يتناولن الحلوى النابلسية (الكلاج) ويتسامرن ويتبادلن الأحاديث المشوقة.

أخذ أبو حسن على عاتقه إقامة الشعبونية وإحياءها منذ صغره، فكان ولا يزال يحافظ على دعوة قريباته ورحمه من النساء، ليحيين سوية الشعبونية، بكل جمالياتها القديمة، خاصة وأنه لا يزال يحافظ على بعض تقاليدها كأن يصنع الحلوى بيده.

لهذه الشعبونية طقوس كثيرة ومتنوعة في دمشق الصغرى (نابلس) كما يحب أهلها تسميتها، ترتكز بمجملها على اللقاء الجماعي "اللمة" بين العائلة وأحاديث نسوتها عن كل جميل عشنه داخل بيتهن، تداعبهن حكايات الماضي وعبقها، بينما تأخذ أخريات وهن تتناولن الشيشة النابلسية بالحديث عن حالهن وأسرهن، ومن كانت على مخاصمة مع شقيقتها أو إحدى قريباتها يتم لمّ شملها ورأب الصدع، لتتصافى النفوس.

يحق للمرأة التي "تشعبن" عند أهلها طلب ما تشتهيه من الطعام والشراب، ويكون ذلك طوال مدة إقامتها عند ذويها خلال أيام شعبان التي تمتد من ثلاثة أيام إلى أسبوع كامل، وخاصة الفطور الذي له طعامه المميز مثل قرص التوم والتمرية وحلاوة زلابية.

يقول أبو حسن إن كثيرا من عادات شعبان بدأت تذوب في المجتمع وتستبدل، ولا تعكس هذا التقليد على حقيقته وطبيعته رغم أن الغالبية العظمى من النابلسيين لا تزال تتمسك بهذا العرف.

والنوم يُعد أكثر الاختلاف ظاهرا في الشعبونية الآن، إذ أضحت العزائم والدعوات تقتصر على يوم واحد فقط، تعود فيه المدعوات لبيوتهن عقب يوم حافل وجميل، إضافة لإحضار الحلوى والطعام الجاهز، وتلاشت كذلك السهرات الطويلة والاحتفالات عقب تناول الغداء.

لكن أبو حسن لا يزال يحافظ جاهدا على بعض من تقاليد شعبان، لا سيما صناعة الحلوى التي أضحت تقتصر على الكنافة النابلسية، وليس كما هي الحال بالسابق حيث يتم إعداد الكلاج النابلسي المحشو بالجوز أو الجبن البلدي.

لا يمكن للرجل -حتى وإن كان الأب- المكوث بين بناته وشقيقاته، فعادة ما يقتصر وجوده خلال عزومة الشعبونية على اللحظات الأولى فقط، ثم ينسحب ليفسح المجال أما النساء ليعشن لحظاتهن الخاصة ويتبادلن أحاديث وقصصا مختلفة.

فرن منى حيث يعد النابلسيون طعامهم من اللحوم المشوية وغيرها من الأطعمة الطيبة (الجزيرة)

ذكريات الصبا
تلك اللحظات لا تنساها الحاجة محاسن سعيد (أم عبد الله)، حيث تعد اللحظات الممتعة التي قلما تعيشها الأخوات والشقيقات وبناتهن مع بعضهن، "فاللقاء يكون كما لو أننا لم نتزوج أو نخرج من بيت أبينا".
وبرفقة بناتها وحفيداتها تذهب أم عبد الله كل عام لبيت العائلة، حيث يسكن شقيقها البكر الذي يقوم مكان الوالد في عمل الشعبونية.

تتكئ أم عبد الله (70 عاما) وتأخذ قسطا من الراحة ثم تواصل حديثها عن الشعبونية وما يواكبها من تفاصيل جميلة تجعلها مميزة بمدينة نابلس دون غيرها، تتمثل تلك التفاصيل في اللمة والعمل الجماعي، سواء بإعداد الطعام أو بتنظيف الأواني أو التسامر ليلا بجو تغمره الفرحة العائلية.

ولأن النساء مجتمعات فعادة ما يصنعن طعاما يحتاج لجهد جماعي، حيث تعد أكلات "المحاشي" مثل الكوسا وورق العنب وورق اللخنة الخضراء الموسمية وهي أشبه بورق القرنبيط، ومثل المنسف وما شابهه من الأرز والمرق.

بيد أن كثيرا من العائلات باتت تعتمد اليوم أكثر من أي وقت مضى على الطعام الجاهز أو الذي لا يحتاج لجهد كبير، ولذا يعج فرن عائلة مُنى الواقع داخل البلدة القديمة من نابلس بالحركة خلال هذه الأيام أكثر من غيرها، لا سيما رائحة شواء اللحوم التي تتداخل بين أروقة وأزقة البلدة القديمة.

وداخل فُرنه يواصل الحاج هلال (أبو عمار) عمله منذ ساعات الصباح في إعداد الأطعمة المشوية وأقراص "صفيحة" اللحم والبيض، حيث يعد كثيرون أطعمتهم داخل الفرن العربي الذي يعمل بالحطب ويضفي نكهة مميزة للطعام.

وهذا التحوّل بإعداد الطعام خارج المنزل لا يعيب الشعبونية أو ينتقص من قدر المدعوين، فالأوضاع الحياتية الآن اختلفت عن السابق، وباتت عائلات محددة، لا سيما القليلة الأفراد، هي من تقوم بإعداد الطعام بمنزلها.

وكذا الحال بالنسبة للحلوى، فقليل من لا يزال يتمسك بصنعها داخل المنزل، كما يقول أيمن التمام صاحب محل حلويات دمشق بمدينة نابلس.

ويضيف التمام أن الحلوى التي تقدم في شعبان لم تعد تقتصر على نوع محدد ولذا بات صنعها بالمنزل مرهقا، ويقول إنهم يشهدون حركة ونشاطا في البيع خلال شهري رمضان وشعبان، تختلف عن بقية أشهر السنة بكثير.
 
الكنافة النابلسية تعد الحلوى الأبرز والآشهر التي تقدم الآن في الشعبونية (الجزيرة)


لله وصلة رحم
وإذا ما بحثت عن الشعبونية، تجد أنها عادة نابلسية بحتة وأن ما يرافقها من طقوس وتقاليد لا يوجد مثلها بأي مكان آخر.

ويعزو المؤرخ النابلسي زهير الدبعي فكرة إقامة الشعبونية إلى اعتقاد الناس أن الأعمال ترفع إلى الله في شهر شعبان، ويؤكد أنها وقبل كل شيء تعد صلة رحم لا مثيل لها بمكان آخر، ويؤكد أنها تختلف عن الولائم التي تقام برمضان، كما أنها تغني عن دعوة رمضان بالنسبة للنابلسيين ممن يكثر مدعووهم.

غير أنه لا يوجد تاريخ محدد تنعقد فيه الشعبونية، يقول الدبعي، مرجحا أن عمرها لا يقل عن أربعمئة عام، "فهي بالمقام الأول صلة رحم وأجر وثواب يقصده الداعي لشقيقاته أو بناته ولقاء ولم شمل للعائلة".

وفي كتبهم ذكر المثقفون والأدباء النابلسيون العادة الشعبونية، شارحين أهميتها في تعزيز أواصر المحبة، كما هي حال الأديب محمد عزت دروزة في كتابه "مذكرات مئة عام"، والكاتب مالك المصري في "نابلسيات"، كما أن لنابلس مكانتها بين حواضر المدن العربية، ولذا كان لها أن تتميز بشيء مختلف.

المصدر : الجزيرة